القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾: للهِ مِلْكُهما وتَدْبيرُهما، كما يُقالُ: لفلانٍ هذه الدارُ. يَعْنى أنها له مِلْكًا، فكذلك قولُه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾. يَعْنِى أنهما له مِلْكًا وخَلْقًا.
والمَشْرِقُ: موضعُ شُروقِ الشمسِ، وهو موضعُ طلوعِها [منه. وكذلك المغربُ: الموضعُ الذى تَغْرُبُ فيه]، كما يُقالُ لموضعِ طلوعِها منه: مَطْلِعُ. بكسرِ اللَّامِ، كما بَينَّا في مَعْنَى المَسْجِدِ آنفًا.
فإن قال قائلٌ: أَوَما للهِ إلا مشرِقٌ واحدٌ ومغرِبٌ واحدٌ، حتى قِيلَ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ﴾؟
قيل: إن معنى ذلك غيرُ الذى ذهَبتَ إليه، وإنما معنى ذلك: وللهِ المشرِقُ الذى تَشْرُقُ منه الشمسُ كلَّ يومٍ، والمغرِبُ الذى تَغْرُبُ فيه كلَّ يومٍ. فتأويلُه إذْ كان ذلك مَعْناه: وللهِ ما بينَ قُطْرىِ الشرقِ وما بينَ قُطْرىِ المغربِ.
ُقُ منه الشمسُ كلَّ يومٍ، والمغرِبُ الذى تَغْرُبُ فيه كلَّ يومٍ. فتأويلُه إذْ كان ذلك مَعْناه: وللهِ ما بينَ قُطْرىِ الشرقِ وما بينَ قُطْرىِ المغربِ. إذ كان شروقُ الشمسِ كلَّ يومٍ مِن موضعٍ منه لا تَعودُ لشروقِها منه إلى الحولِ إلذى بعدَه، وكذلك غروبُها كلَّ يومٍ.
فإن قال قائلٌ: أَوَ ليس -وإن كان تأويلُ ذلك ما ذكرتَ- للهِ كلُّ ما دونَه، والخلقُ خلقُه؟ قيل: بَلَى.
فإن قال: فكيف خصَّ المشارقَ والمغاربَ بالخبرِ عنها أنها له في هذا الموضعِ دونَ سائرِ الأشياءِ غيرِها؟
قِيلَ: قد اخْتَلف أهلُ التأويلِ في السببِ الذى مِن أجلِه خصَّ اللهُ ذِكْرَ ذلك بما خصَّه به في هذا الموضعِ، ونحن مُبَيِّنو الذى هو أوْلَى بتأويلِ الآيةِ بعدَ ذِكْرِنا أقوالَهم في ذلك؛ فقال بعضُهم: خصَّ اللهُ ذلك بالخبرِ عنه مِن أجلِ أن اليهودَ كانت تُوَجِّهُ في صلاتِها وجوهَها قِبَلَ بيتِ المقدسِ، وكان رسولُ الله ﷺ
أقوالَهم في ذلك؛ فقال بعضُهم: خصَّ اللهُ ذلك بالخبرِ عنه مِن أجلِ أن اليهودَ كانت تُوَجِّهُ في صلاتِها وجوهَها قِبَلَ بيتِ المقدسِ، وكان رسولُ الله ﷺ
[وأصحابُه يَفْعلون] ذلك مُدَّةً، ثم حُوِّلوا إلى الكعبةِ، فاستَنْكرت اليهودُ ذلك مِن فعلِ النَّبِيِّ ﷺ فقالوا: ما ولَّاهم عن قِبْلَتِهم التى كانوا عليها. فقال اللهُ ﵎ لهم: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، أصْرِفُ وجوهَ عِبادِى كيف أشاءُ منها، فأينَما تُوَلُّوا فثَمَّ وَجْهُ اللهِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنِي المثني، قال: حَدَّثَنَا أبو صَالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صَالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان أولَ ما نَسَخَ اللهُ مِن القرآنِ القبلةُ، وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ لما هاجَر إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ ﷿ أَنْ يَسْتَقبلَ بيتَ المقدسِ، ففَرِحت اليهودُ، فاسْتَقْبلها رسولُ اللهِ ﷺ بِضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يُحِبُّ قِبْلَةَ إبراهيمَ، فكان يَدْعُو ويَنْظرُ إلى السماءِ، فأَنْزَل اللهُ
ُ﴾ [البقرة: ١٤٢]. وقال: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
وحَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ بنحوِه.
وقال آخرون: بل أنزل اللهُ هذه الآيةَ قبلَ أن يَفْرِضَ على محمدٍ نبيِّه ﷺ وعلى المؤمنين به، التوجُّهَ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ، وإنما أنزلها عليه مُعْلِمًا نبيَّه بذلك وأصحابَه أن لهم التوجُّهَ بوجُوهِهم للصلاةِ حيث شاءوا مِن نواحى المشرقِ والمغربِ؛ لأنهم لا يُوجِّهون وُجوهَهم وَجْهًا مِن ذلك وناحيةً، إلَّا كان جلَّ ثناؤُه في ذلك الوجهِ وتلك الناحيةِ؛ لأنَّ له المشارقَ والمغاربَ، وأنه لا يَخْلو منه مكانٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧].
ربَ، وأنه لا يَخْلو منه مكانٌ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلَا أَكْثَرَ إِلَّا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧]. قالوا: ثم نَسَخَ ذلك بالفرضِ الذى فَرَضَ عليهم في التوجُّهِ شَطْرَ المسجدِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: حَدَّثَنَا يزيدُ، قال: حَدَّثَنَا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: ثم نسَخ ذلك بعدَ ذلك، فقال اللهُ: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
[وحَدَّثَنِي الحسنُ بنُ يحيى]، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
- لو أنَّا اسْتَقْبلناه". فاسْتَقْبله النَّبِيُّ ﷺ ستةَ عشرَ شهرًا، فبلَغه أن يهودَ تقولُ: واللهِ ما درَى محمدٌ وأصحابُه أين قِبلتُهم حتى هَدَيْناهم. فكَرِه ذلك النَّبِيُّ ﷺ، ورفَع وَجهَه إلى السماءِ، فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ على النَّبِيِّ ﷺ إذْنًا مِن اللهِ ﷿ له أن يُصَلِّىَ التطَوعَ حيثُ توجَّه وجهُه مِن شرقٍ أو غربٍ، في مسيرِه في سفرِه، وفى حالِ المُسايفةِ وشدَّةِ الخوفِ والتقاءِ الزُّحوفِ - الفرائضَ، وأعلَمه أنه حيثُ وجَّه وجهَه فهو هنالك، بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
، وأعلَمه أنه حيثُ وجَّه وجهَه فهو هنالك، بقولِه: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إدريسَ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الملكِ، عن سعيدِ ابنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه كان يُصَلِّى حيثُ تَوجَّهتْ به راحِلتُه، ويَذْكُرُ أن رسولَ اللهِ ﷺ كان يَفْعلُ ذلك، ويَتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
وحَدَّثَنِي أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنَادةَ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ فُضيلٍ، عن عبدِ الملكِ بنِ أبى سليمانَ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، عن ابنِ عمرَ أنه قال: لمَّا نزَلت هذه الآيةُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: أن تُصَلِّىَ أينما تَوجَّهتْ بك راحِلتُك في السفرِ تَطوعًا، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رجَع مِن مكةَ يُصَلِّى على راحلتِه تَطوعًا، يُومِئُ برأْسِه نحوَ المدينةِ.
َلِّىَ أينما تَوجَّهتْ بك راحِلتُك في السفرِ تَطوعًا، كان رسولُ اللهِ ﷺ إذا رجَع مِن مكةَ يُصَلِّى على راحلتِه تَطوعًا، يُومِئُ برأْسِه نحوَ المدينةِ.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في قومٍ عَمِيت عليهم القِبلةُ فلم يَعْرِفوا شَطْرَها، فصلَّوا على أنحاءٍ مختلفةٍ، فقال اللهُ ﷿ لهم: لىَ المشارقُ والمغاربُ، فأينَ ولَّيْتم وجوهَكم فهنالك وَجْهِي، وهو قِبلَتُكم. يُعْلِمُهم بذلك أن صلاتَهم ماضيةٌ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: حَدَّثَنَا أبو الرَّبيعِ السَّمَّانُ، عن عاصمِ بنِ عبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنَّا مع رسولِ اللهِ ﷺ في ليلةٍ سوداءَ مظلمةٍ، فنزَلْنا مَنْزلًا، فجعَل الرجلُ يَأْخذُ الأحجارَ فيَعْملُ مسجدًا يُصَلِّى فيه، فلما أن أصْبَحْنا إذا نحن قد صلَّيْنا على غيرِ القبلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنَا لَيْلتَنا هذه لغيرِ القبلةِ.
َعْملُ مسجدًا يُصَلِّى فيه، فلما أن أصْبَحْنا إذا نحن قد صلَّيْنا على غيرِ القبلةِ، فقلنا: يا رسولَ اللهِ، لقد صلَّيْنَا لَيْلتَنا هذه لغيرِ القبلةِ. فأنزل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وحدَّثنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا الحجاجُ، قال: حَدَّثَنَا حمَّادٌ، قال [أخبرنا حمادٌ، قال]: قلتُ للنَّخَعِيِّ: إنى كنت اسْتَيْقَظتُ -أو قال: أُيْقظتُ. شكَّ أبو جعفرٍ- فكان في السماءِ سحابٌ، فصَلَّيتُ لغيرِ القِبلةِ، قال: مضَت صلاتُك، يقولُ اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
ُيْقظتُ. شكَّ أبو جعفرٍ- فكان في السماءِ سحابٌ، فصَلَّيتُ لغيرِ القِبلةِ، قال: مضَت صلاتُك، يقولُ اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
حَدَّثَنَا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حَدَّثَنَا أبي، عن أشعثَ السَّمَّانِ، عن عاصمِ بنِ عُبيدِ اللهِ، عن عبدِ اللهِ بنِ عامرِ بنِ ربيعةَ، عن أبيه، قال: كنا مع النَّبِيِّ ﷺ في ليلةٍ مُظْلمةٍ في سفرٍ، فلم نَدْرِ أين القِبلةُ، فصَلَّيْنا؛ وصَلَّى كلُّ رجلٍ منا على حِيالِه، ثم أصبَحْنا فذكَرْنا ذلك للنبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ
وَجْهُ اللهِ﴾.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ في سببِ النجاشيِّ؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ اللهِ ﷺ تَنازعوا في أمرِه؛ مِن أجلِ أنه مات قبلَ أن يُصَلِّىَ القبلةَ، فقال لهم اللهُ: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، فمَن وَجَّه وجهَه نحوَ شيءٍ منها يريدُنى به، ويَبْتَغِى به طاعتي، وجدَنى هنالك.
َ أن يُصَلِّىَ القبلةَ، فقال لهم اللهُ: المشارقُ والمغاربُ كلُّها لي، فمَن وَجَّه وجهَه نحوَ شيءٍ منها يريدُنى به، ويَبْتَغِى به طاعتي، وجدَنى هنالك. يعنى بذلك أن النجاشيَّ وإن لَمْ يكن صَلَّى القبلةَ، فإنه كان يُوجِّهُ إلى بعضِ وُجوهِ المشارقِ أو المغاربِ وجْهَه، يَبْتَغى بذلك رضا اللهِ في صلاتِه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا [معاذُ بنُ هشامٍ]، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن قتادةَ أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "إن أخاكم النَّجاشيَّ قد مات فصَلُّوا عليه". قالوا: أَنُصَلِّى على رجلٍ ليس بمسلمٍ! قال: فنزلَت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قال قتادةُ: فقالوا: وإنه كان لا يُصَلِّى القبلةَ.
بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩]. قال قتادةُ: فقالوا: وإنه كان لا يُصَلِّى القبلةَ. فأنزَل اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك [أن يقالَ]: إن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما خصَّ الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ في هذه الآيةِ بأنهما له مِلْكًا -وإن كان لا شيءَ إلَّا وهو له
مِلْكٌ- إعلامًا منه لعبادِه المؤمنين أن له مِلْكَهما ومِلكَ ما بينَهما مِن الخلائقِ، وأن على جميعِهم -إذ كان له مِلْكُهم- طاعتَه فيما أمرَهم ونهاهم، وفيما فرَض عليهم مِن الفرائضِ، والتوجيهَ نحوَ الوجهِ الذى وُجِّهوا إليه، إذ كان مِن حكمِ المماليكِ طاعةُ مالكِهم، فأخرَج الخبرَ عن المشرقِ والمغربِ، والمرادُ به ما بينَهما مِن الخلقِ، على النحوِ الذى قد بَيَّنتُ مِن الاكْتفاءِ بالخبرِ عن سببِ الشيءِ مِن ذِكْرِه والخبرِ عنه، كما قِيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾.
لخلقِ، على النحوِ الذى قد بَيَّنتُ مِن الاكْتفاءِ بالخبرِ عن سببِ الشيءِ مِن ذِكْرِه والخبرِ عنه، كما قِيل: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ﴾. وما أشْبَهَ ذلك.
فمَعْنَى الآيةِ إذن: وللهِ مِلْكُ الخلقِ الذى بينَ المشرقِ والمغربِ، [يستعبِدُهم بما يشاءُ]، ويَحْكُمُ فيهم ما يُريدُ، عليهم طاعتُه، فولُّوا أيها المؤمنون وجوهَكم نحوَ وجهِي، فإنكم أينما تُوَلُّوا وجوهَكم فهنالك وَجْهِى.
فأما القولُ في: هل هذه الآيةُ ناسخةٌ أم منسوخةٌ؟ أم لا هى ناسخةٌ ولا منسوخةٌ؟ فإن الصوابَ فيه مِن القولِ أن يقالَ: إنها آيةٌ جاءت مجئَ العمومِ، والمرادُ منها الخاصُّ، وذلك أن قولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا في حالِ سيرِكم في أسفارِكم في صلاتِكم التَّطوعَ، وفى حالِ مسايفتِكم عدوَّكم في تَطوُّعِكم ومكتوبتِكم - فثَمَّ وجهُ اللهِ.
ُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا في حالِ سيرِكم في أسفارِكم في صلاتِكم التَّطوعَ، وفى حالِ مسايفتِكم عدوَّكم في تَطوُّعِكم ومكتوبتِكم - فثَمَّ وجهُ اللهِ. كما قال ابنُ عمرَ والنَّخَعيُّ ومَن قال ذلك ممن ذكَرنا ذلك عنه آنفًا.
ومُحْتَمِلٌ: فأينما تُوَلُّوا مِن أرضِ اللهِ فتَكونوا بها - فثَمَّ قِبلةُ اللهِ التى تُوجِّهون
وُجُوهَكم إليها؛ لأن الكعبةَ مُمْكِنٌ لكم التوجُّهُ إليها منها.
كما حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبى سِنانٍ، عن الضحاكِ، والنضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: قِبلةُ اللهِ، فأينما كُنْتَ مِن شرقٍ أو غربٍ فاسْتَقْبِلْها.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كُنْتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها.
قال: حدثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ بنُ أبى بكرٍ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كُنْتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها. قال: للكعبةِ.
ومُحْتمِلٌ: فأينما توَلُّوا وجوهَكم فى دُعائِكم لى، فهنالك وَجْهِى، أسْتَجبْ لكم دعاءَكم.
كما حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جريجٍ: قال مجاهدٌ: لمَّا نزَلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠]. قالوا: إلى أين؟ فنزَلت: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾.
فإذ كان قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مُحْتَمِلًا ما ذكَرنا مِن الأوجُهِ، لم يكنْ لأحدٍ أن يَزْعُمَ أنها ناسخةٌ ولا منسوخةٌ إلا بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها؛ لأن
الناسخَ لا يكونُ إلا لمنسوخٍ، ولم تَقُمْ حُجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها بأن قولَه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مَعْنِىٌّ به: فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم فى صلاتِكم فثَمُّ قِبلتُكم.
حُجةٌ يَجِبُ التسليمُ لها بأن قولَه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. مَعْنِىٌّ به: فأينما تُوَلُّوا وجوهَكم فى صلاتِكم فثَمُّ قِبلتُكم. ولا أنها نزَلت بعدَ صلاةِ رسولِ اللهِ وأصحابِه نحوَ بيتِ المقدسِ، أمرًا مِن اللهِ لهم بها أن يَتَوجَّهوا نحوَ الكعبةِ، فيَجُوزَ أن يقالَ: هى ناسخةٌ الصلاةَ نحوَ بيتِ المقدسِ. إذ كان مِن أهلِ العلمِ مِن أصحابِ رسولِ اللهِ وأئمةِ التابعين مَن يُنْكِرُ أن تكونَ نزَلت فى ذلك المعنى، ولا خبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ثابتٌ بأنها نزَلت فيه، وكان الاخْتلافُ فى أمرِها موجودًا على ما وَصَفْتُ.
تابعين مَن يُنْكِرُ أن تكونَ نزَلت فى ذلك المعنى، ولا خبرَ عن رسولِ اللهِ ﷺ ثابتٌ بأنها نزَلت فيه، وكان الاخْتلافُ فى أمرِها موجودًا على ما وَصَفْتُ. ولا هى -إذ لم تكنْ ناسخةً لِما وَصَفْنا- قامَت حُجتُها بأنها منسوخةٌ، إذ كانت مُحْتمِلةً ما وَصَفنا مِن أن تكونَ جاءت بعمومٍ و معناها فى حالٍ دونَ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها التوجُّهُ فى الصلاةِ- وفى كلِّ حالٍ -إن كان عُنِىَ بها الدُّعاءُ- وغيرَ ذلك مِن المعانِى التى ذكَرنا.
وقد دَلَّلنا فى كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ"، على ألا ناسخَ فى آىِ القرآنِ وأخبارِ رسولِ اللهِ ﷺ، إلا ما نَفَى حكمًا ثابتًا، قد لزِم العِبادَ فرضُه، غيرَ مُحْتَمِلٍ ظاهرُه وباطنُه غيرَ ذلك، فأما ما احْتَمل غيرَ ذلك -مِن أن يكونَ بمَعْنى الاستثناءِ، أو الخصوصِ والعمومِ، أو المُجْمَلِ والمُفَسَّرِ- فمِن الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ، بما أغْنَى عن تكريرِه فى هذا الموضعِ. وألا منسوخَ إلا المَنْفىُّ الذى قد كان ثَبَت حُكمُه وفَرْضُه.
ِ والمُفَسَّرِ- فمِن الناسخِ والمنسوخِ بمَعْزِلٍ، بما أغْنَى عن تكريرِه فى هذا الموضعِ. وألا منسوخَ إلا المَنْفىُّ الذى قد كان ثَبَت حُكمُه وفَرْضُه. ولم يَصِحَّ واحدٌ مِن هذين المعنيين لقولِه: ﴿فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. بحُجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، فيُقالَ فيه: هو ناسخٌ أو منسوخٌ.
وأما قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾. فإن مَعْناه: فحيثما.
وأما قولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾. فإن الذى هو أَوْلى بتأويلِه أن يكونَ: تُوَلُّون نحوَه وإليه. كما يقول القائلُ: وَلَّيتُ وَجْهِى نحوَ كذا، ووَلَّيتُه إليه. بمعنى: قابلتُه وواجهتُه.
وإنما قُلْنَا: ذلك أوْلَى بتأويلِ الآيةِ؛ لإجماعِ الحُجةِ على أن ذلك تأويلُها، وشُذوذِ مَن تأوَّلَها بأنها بمَعْنَى: تُولُّون عنه فتَسْتَدْبرونه، [ففى الذى] تتَوجَّهون إليه وجهُ اللهِ. بمَعْنَى: قِبلةُ اللهِ.
[وقولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾. مجزومٌ بحرفِ الجزاءِ، وهو قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾]. وأما قولُه: ﴿فَثَمَّ﴾.
ذى] تتَوجَّهون إليه وجهُ اللهِ. بمَعْنَى: قِبلةُ اللهِ.
[وقولُه: ﴿تُوَلُّوا﴾. مجزومٌ بحرفِ الجزاءِ، وهو قولُه: ﴿فَأَيْنَمَا﴾]. وأما قولُه: ﴿فَثَمَّ﴾. فإنه بمَعْنَى: هنالك.
واخْتُلِفَ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾؛ فقال بعضُهم: تأويلُ ذلك: فثَمَّ قِبلةُ اللهِ. يَعْنى بذلك: وَجْهُه الذى وَجَّههم إليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدثنا وكيعٌ، عن النضرِ بنِ عَرَبىٍّ، عن مجاهدٍ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾. قال: قبلةُ اللهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى الحجَّاجُ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: أخْبَرنى إبراهيمُ، عن مجاهدٍ، قال: حيثُما كنتُم فلكم قِبلةٌ تَسْتقبِلُونها.
وقال آخرون: معنى قولِ اللهِ: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَمَّ اللهُ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَم تُدْرِكون بالتوجُّهِ إليه رضا اللهِ الذى له الوجهُ الكريمُ.
وقالوا: عَنَى بالوجهِ: ذو الوجهِ.
ُ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ﴾: فثَم تُدْرِكون بالتوجُّهِ إليه رضا اللهِ الذى له الوجهُ الكريمُ.
وقالوا: عَنَى بالوجهِ: ذو الوجهِ. وقال قائلو هذه المقالةِ: وجهُ اللهِ له صفةٌ.
فإن قال قائلٌ: وما هذه الآيةُ مِن التى قبلَها؟
قيل: هى لها مُواصلةٌ، وإنما معنى ذلك: ومَن أظلمُ مِن النصارى الذين منَعوا عبادَ اللهِ مساجدَه أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وسَعَوا فى خرابِها، وللهِ المشرقُ والمغربُ، فأينما وجَّهتم وجوهَكم فاذكُروه، فإن وجهَه هنالك، يَسَعُكم فَضْلُه وأرضُه وبلادُه، ويَعلمُ ما تعمَلون، ولا يَمْنعكم تخريبُ مَن خرَّب [مساجدَ اللهِ ببيتِ المقدسِ]، ومَنْعُهم مَن مَنَعوا مِن ذكرِ اللهِ فيه - أن تَذْكروا اللهَ حيثُ كنتم مِن أرضِ اللهِ، تَبْتَغون به وجهَه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَاسِعٌ﴾: يَسَعُ خلقَه كلَّهم بالكِفايةِ والإفْضالِ والجودِ والتدبيرِ.
وأما قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾.
ؤُه: ﴿إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَاسِعٌ﴾: يَسَعُ خلقَه كلَّهم بالكِفايةِ والإفْضالِ والجودِ والتدبيرِ.
وأما قولُه: ﴿عَلِيمٌ﴾. فإنه يعنى أنه عليمٌ بأعمالِهم، لا يَغيبُ عنه منها شيءٌ، ولا يَعْزُبُ عنه علمُه، بل هو بجميعِها عليمٌ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه. و ﴿قَالُوا﴾ معطوفٌ على قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾.
وتأويلُ الآيةِ: ومَن أظلمُ ممن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه وسَعَى فى خرابِها، وقالوا: اتخَذ اللهُ ولدًا. وهم النَّصارَى الذين زعَموا أن عيسى ابنُ اللهِ، فقال جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، وأضافوا إليه بكَذِبِهم وفِرْيتِهم -: ﴿سُبْحَانَهُ﴾.
ن عيسى ابنُ اللهِ، فقال جلَّ ثناؤُه مُكَذِّبًا قِيلَهم ما قالوا مِن ذلك، ومُنْتفيًا مما نَحَلُوه، وأضافوا إليه بكَذِبِهم وفِرْيتِهم -: ﴿سُبْحَانَهُ﴾. يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: تنزيهًا للهِ، وتَبَرِّيًا مِن أن يكونَ له ولدٌ، وعلوًّا وارتفاعًا عن ذلك.
وقد دَلَّلْنا فيما مضى على معنى قولِ القائلِ: سُبحانَ اللهِ. بما أغْنَى عن إعادتِه فى هذا الموضعِ.
ثم أخْبَر جلَّ ثناؤُه أن له ما فى السماواتِ والأرضِ مِلْكًا وخَلْقًا. ومعنى ذلك: وكيف يكونُ المسيحُ للهِ ولدًا، وهو لا يَخْلو مِن أن يَكونَ فى بعضِ هذه الأماكنِ؛ إما فى السماواتِ، وإما فى الأرضِ، وللهِ مِلكُ ما فيهما، ولو كان المسيحُ ابنًا كما زعَمتم، لم يكنْ كسائرِ ما فى السماواتِ والأرضِ مِن خلقِه وعبيدِه، فى ظهورِ آثارِ الصنعةِ فيه.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ تْناؤُه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: [كلٌّ له] مُطِيعون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ (١١٦)﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: [كلٌّ له] مُطِيعون.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بن يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدثنا أبو عاصمٍ، قال: حدثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ ﷿: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: مُطِيعون. وقال: طاعةُ الكافرِ فى سجودِ ظِلِّه.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ بمثلِه، إلا أنه زاد: يَسْجُدُ ظِلُّه وهو كارهٌ.
وحدَّثنى موسى، قال: حدثنا عمرٌو، قال: حدثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلٌّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾.
كلٌّ له مُطِيعون يومَ القيامةِ.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عمَّن ذكَره، عن عكرمةَ: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: الطاعةُ.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بِشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَانِتُونَ﴾: مُطِيعون.
وقال آخرون: معنى ذلك: كلٌّ له مُقِرُّون بالعُبودةِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: حدثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. قال: كلٌّ له مُقِرٌّ بالعُبودةِ.
وقال آخرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدثنا إسحاقُ، قال: حدثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. يقولُ: كلٌّ له قائمٌ يومَ القيامةِ.
وللقنوتِ فى كلامِ العربِ مَعانٍ: أحَدُها، الطاعةُ. والآخرُ، القِيامُ.
الى ذِكْرُه بارئُها وخالقُها، وذلك أن اللهَ أكْذَبَ الذين زعَموا أن للهِ ولدًا بقولِه: ﴿بَلْ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. مِلْكًا وخلقًا. ثم أَخْبَر عن جميعِ ما فى السماواتِ والأرضِ أنها مُقِرَّةٌ بدلالتِها على ربِّها وخالقِها، وأن اللهَ تعالى بارئُها وصانعُها -وإن جحَد ذلك بعضُهم بألسنتِهم - مُذعِنةٌ له بالطاعةِ، بشَهادتِها له بآثارِ الصنعةِ التى فيها بذلك، وأن المسيحَ أحدُهم، فأنَّى يَكونُ للهِ ولدًا وهذه صفتُه!
وقد زعَم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلامِ وجْهتَه، أن قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ.
لدًا وهذه صفتُه!
وقد زعَم بعضُ مَن قَصُرت معرفتُه عن توجيهِ هذا الكلامِ وجْهتَه، أن قولَه: ﴿كُلٌّ لَهُ قَانِتُونَ﴾. خاصةٌ لأهلِ الطاعةِ وليست بعامةٍ. وغيرُ جائزٍ ادِّعاءُ خصوصٍ في آيةٍ عامٌّ ظاهرُها، إلا بحُجةٍ يجبُ التسليمُ لها؛ لِما قد بينَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ".
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عن أن المسيحَ -الذى زعَمت النصارى أنه ابنُ اللهِ- مُكَذِّبُهم هو والسماواتُ والأرضُ وما فيهما، إما باللسانِ، وإما بالدلالةِ، وذلك أنَّه جلَّ ثناؤُه أخْبَر عن جميعِهم بطاعتِهم إيَّاه، وإقرارِهم له بالعبودةِ، عَقِيبَ قولِه: ﴿وَقَالُوا اتَّخَذَ اللهُ وَلَدًا﴾. فدلَّ ذلك على صحةِ ما قلنا.
﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (١١٥)﴾
وهذا -والله أعلم-فيه تسلية للرسول ﷺ وأصحابه
الذين أخرجوا من مكة وفارقوا مسجدهم ومُصَلاهم، وقد كان رسول الله ﷺ يصلي بمكةَ إلى بيت المقدس والكعبةُ بين يديه. فلما قدم المدينة وُجه إلى بيت المقدس ستة عشر شهرًا، أو سبعة عشر شهرًا، ثم صرفه الله إلى الكعبة بعدُ، ولهذا يقول تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
قال أبو عبيد القاسم بن سلام، في كتاب الناسخ والمنسوخ: أخبرنا حجاج بن محمد، أخبرنا ابن جريج وعثمان بن عطاء، عن عطاء، عن ابن عباس، قال: أول ما نسخ من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم-شأنُ القبلة: قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فاستقبل
من القرآن فيما ذكر لنا -والله أعلم-شأنُ القبلة: قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) فاستقبل
رسول الله ﷺ فصلى نحو بيت المقدس، وترك البيت العتيق، ثم صرفه الله إلى بيته العتيق ونسخها، فقال: ﴿وَمِنْ حَيْثُ خَرَجْتَ فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَحَيْثُمَا كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة -وكان أهلُها اليهودَ-أمره الله أن يستقبل بيت المقدس.
أبي طلحة، عن ابن عباس قال: كان أول ما نسخ من القرآن القبلة. وذلك أن رسول ﷺ لما هاجر إلى المدينة -وكان أهلُها اليهودَ-أمره الله أن يستقبل بيت المقدس. ففرحت اليهود فاستقبلها رسول الله ﷺ بضعة عشر شهرا، وكان رسول الله ﷺ يحب قبلة إبراهيم، فكان يدعو وينظر إلى السماء، فأنزل الله: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ [فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا]﴾ إلى قوله: ﴿فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾ فارتاب من ذلك اليهود، وقالوا: ما ولاهم عن قبلتهم التي كانوا عليها، فأنزل الله: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ [يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ]﴾ وقال: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
وقال عكرمة عن ابن عباس: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا.
ا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
وقال عكرمة عن ابن عباس: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) قال: قبلة الله أينما توجهت شرقًا أو غربًا. وقال مجاهد: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ) [قال: قبلة الله] حيثما كنتم فلكم قبلة تستقبلونها: الكعبة.
وقال ابن أبي حاتم بعد روايته الأثر المتقدم، عن ابن عباس، في نسخ القبلة، عن عطاء، عنه: وروي عن أبي العالية، والحسن، وعطاء الخراساني، وعكرمة، وقتادة، والسدي، وزيد بن أسلم، نحو ذلك.
وقال ابن جرير: وقال آخرون: بل أنزل الله هذه الآية قبل أن يفرض التوجه إلى الكعبة، وإنما أنزلها تعالى ليعلم نبيه ﷺ وأصحابه أن لهم التوجه بوجوههم للصلاة، حيث شاؤوا من نواحي المشرق والمغرب؛ لأنهم لا يوجهون وجوههم وجهًا من ذلك وناحية إلا كان جل ثناؤه في ذلك الوجه وتلك الناحية؛ لأن له تعالى المشارق والمغارب، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك
، وأنه لا يخلو منه مكان، كما قال تعالى: ﴿وَلا أَدْنَى مِنْ ذَلِكَ وَلا أَكْثَرَ إِلا هُوَ مَعَهُمْ أَيْنَ مَا كَانُوا﴾ [المجادلة: ٧] قالوا: ثم نسخ ذلك بالفرض الذي فَرَضَ عليهم التوجُّهَ إلى المسجد الحرام.
هكذا قال، وفي قوله: "وإنه تعالى لا يخلو منه مكان": إن أراد علمه تعالى فصحيح؛ فإن علمه تعالى محيط بجميع المعلومات، وأما ذاته تعالى فلا تكون محصورة في شيء من خلقه، تعالى الله
عن ذلك علوًا كبيرًا.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية على رسول الله ﷺ إذنا من الله أن يصلي التطوع حيث توجه من شرق أو غرب، في مسيره في سفره، وفي حال المسايفة وشدة الخوف.
حدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا ابن إدريس، حدثنا عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عن سعيد بن جبير، عن ابن عمر: أنه كان يصلي حيث توجهت به راحلته. ويذكر أن رسول الله ﷺ كان يفعل ذلك، ويتأول هذه الآية: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيه، من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به.
ة: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
ورواه مسلم والترمذي والنسائي وابن أبي حاتم وابن مَرْدُوَيه، من طرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان، به. وأصله في الصحيحين من حديث ابن عمر وعامر بن ربيعة، من غير ذكر الآية.
وفي صحيح البخاري من حديث نافع، عن ابن عمر: أنه كان إذا سئل عن صلاة الخوف وصفها. ثم قال: فإن كان خوف أشد من ذلك صلوا رجالا قياما على أقدامهم، وركبانا مستقبلي القبلة وغير مستقبليها.
قال نافع: ولا أرى ابن عمر ذكر ذلك إلا عن النبي ﷺ.
مسألة: ولم يفرق الشافعي في المشهور عنه، بين سفر المسافة وسفر العدوى، فالجميع عنه يجوز التطوع فيه على الراحلة، وهو قول أبي حنيفة خلافا لمالك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري، التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك، ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضا.
ك وجماعته، واختار أبو يوسف وأبو سعيد الإصطخري، التطوع على الدابة في المصر، وحكاه أبو يوسف عن أنس بن مالك، ﵁، واختاره أبو جعفر الطبري، حتى للماشي أيضا.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في قوم عُمِّيتْ عليهم القبلة، فلم يعرفوا شَطرها، فصلوا على أنحاء مختلفة، فقال الله لي المشارق والمغارب فأين وليتم وجوهكم فهنالك وجهي، وهو قبلتكم فيعلمكم بذلك أن صلاتكم ماضية.
حدثنا أحمد بن إسحاق الأهوازي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا أبو الربيع السمان، عن عاصم بن عبيد الله، عن عبد الله بن عامر بن ربيعة، عن أبيه، قال: كنا مع رسول الله ﷺ في ليلة سوداء مظلمة، فنزلنا منزلا فجعل الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما [أن] أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة. فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟
الرَّجل يأخذُ الأحجارَ فيعمل مسجدا يصلي فيه. فلما [أن] أصبحنا إذا نحن قد صلينا على غير القبلة. فقلنا: يا رسول الله، لقد صلينا ليلتنا هذه لغير القبلة؟ فأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) الآية.
ثم رواه عن سفيان بن وَكِيع، عن أبيه، عن أبي الربيع السمان، بنحوه.
ورواه الترمذي، عن محمود بن غيلان، عن وَكِيع. وابن ماجه، عن يحيى بن حكيم، عن أبي داود، عن أبي الربيع السمان.
ورواه ابن أبي حاتم، عن الحسن بن محمد بن الصباح، عن سعيد بن سليمان، عن أبي الربيع السمان -واسمه أشعث بن سعيد البصري-وهو ضعيف الحديث.
وقال الترمذي: هذا حديث حسن. ليس إسناده بذاك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت: وشيخه عاصم أيضًا ضعيف.
قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به.
ك، ولا نعرفه إلا من حديث أشعث السمان، وأشعث يُضَعَّف في الحديث.
قلت: وشيخه عاصم أيضًا ضعيف.
قال البخاري: منكر الحديث. وقال ابن معين: ضعيف لا يحتج به. وقال ابن حبان: متروك، والله أعلم.
وقد روي من طرق أخرى، عن جابر.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية: حدثنا إسماعيل بن علي بن إسماعيل، حدثنا الحسن بن علي بن شبيب، حدثني أحمد بن عبيد الله بن الحسن، قال: وجدت في كتاب أبي: حدثنا عبد الملك العرزمي، عن عطاء، عن جابر، قال: بَعَث رسولُ الله ﷺ سَرِيَّة كنت فيها، فأصابتنا ظلمة فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قبل السماك. فصلُّوا وخطُّوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة.
فلم نعرف القبلة، فقالت طائفة منا: قد عرفنا القبلة، هي هاهنا قبل السماك. فصلُّوا وخطُّوا خطوطًا، فلما أصبحوا وطلعت الشمس أصبحت تلك الخطوط لغير القبلة. فلما قفلنا من سفرنا سألنا النبي ﷺ، فسكت، وأنزل الله تعالى: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
ثم رواه من حديث محمد بن عبيد الله العَرْزَمي، عن عطاء، عن جابر، به.
وقال الدارقطني: قرئ على عبد الله بن عبد العزيز -وأنا أسمع-حدثكم داود بن عمرو، حدثنا محمد بن يزيد الواسطي، عن محمد بن سالم، عن عطاء، عن جابر، قال: كنا مع رسول الله
ﷺ في مسير فأصابنا غيم، فتحيرنا فاختلفنا في القبلة، فصلى كل منا على حدة، وجعل أحدنا يخط بين يديه لنعلم أمكنتنا، فذكرنا ذلك للنبي ﷺ فلم يأمرنا بالإعادة، وقال: "قد أجزأت صلاتكم".
ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم، وقال غيره: عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان.
لم يأمرنا بالإعادة، وقال: "قد أجزأت صلاتكم".
ثم قال الدارقطني: كذا قال: عن محمد بن سالم، وقال غيره: عن محمد بن عبد الله العرزمي، عن عطاء، وهما ضعيفان.
ثم رواه ابن مَرْدُويه أيضا من حديث الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ بعث سرِيَّة فأخذتهم ضبابة، فلم يهتدوا إلى القبلة، فصلوا لغير القبلة. ثم استبان لهم بعد طلوع الشمس أنهم صلوا لغير القبلة. فلما جاؤوا إلى رسول الله ﷺ حدَّثُوه، فأنزل الله ﷿، هذه الآية: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
وهذه الأسانيد فيها ضعف، ولعله يشد بعضها بعضا. وأما إعادة الصلاة لمن تبين له خطؤه ففيها قولان للعلماء، وهذه دلائل على عدم القضاء، والله أعلم.
قال ابن جرير: وقال آخرون: بل نزلت هذه الآية في سبب النجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هشام بن معاذ حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: "إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه". قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟
نجاشي، كما حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هشام بن معاذ حدثني أبي، عن قتادة: أن النبي ﷺ قال: "إن أخا لكم قد مات فصلوا عليه". قالوا: نصلي على رجل ليس بمسلم؟ قال: فنزلت: ﴿وَإِنَّ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَمَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ خَاشِعِينَ لِلَّهِ﴾ [آل عمران: ١٩٩] قال قتادة: فقالوا: فإنه كان لا يصلي إلى القبلة. فأنزل الله: (وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ).
وهذا غريب والله أعلم.
وقد قيل: إنه كان يصلي إلى بيت المقدس قبل أن يبلغه الناسخ إلى الكعبة، كما حكاه القرطبي عن قتادة، وذكر القرطبي أنه لما مات صلى عليه رسول الله ﷺ فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ﵇، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض.
صلى عليه رسول الله ﷺ فأخذ بذلك من ذهب إلى الصلاة على الغائب، قال: وهذا خاص عند أصحابنا من ثلاثة أوجه: أحدها: أنه ﵇، شاهده حين صلى عليه طويت له الأرض. الثاني: أنه لما لم يكن عنده من يصلي عليه صلى عليه، واختاره ابن العربي، قال القرطبي: ويبعد أن يكون ملك مسلم ليس عنده أحد من قومه على دينه، وقد أجاب ابن العربي عن هذا لعلهم لم يكن عندهم شرعية الصلاة على الميت. وهذا جواب جيد. الثالث: أنه ﵊ إنما صلى عليه ليكون ذلك كالتأليف لبقية الملوك، والله أعلم.
وقد أورد الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه في تفسير هذه الآية من حديث أبي معشر، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "ما بين المشرق والمغرب قبْلَة لأهل المدينة وأهل الشام وأهل العراق".
وله مناسبة هاهنا، وقد أخرجه الترمذي وابن ماجه من حديث أبي معشر، واسمه نَجِيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني، به "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة.
بن ماجه من حديث أبي معشر، واسمه نَجِيح بن عبد الرحمن السَّندي المدني، به "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقال الترمذي: وقد روي من غير وجه عن أبي هريرة. وتكلم بعض أهل العلم في أبي معشر من قبل حفظه، ثم قال الترمذي: حدثني الحسن بن [أبي] بكر المروزي، حدثنا المعلى بن منصور، حدثنا عبد الله بن جعفر المخرمي، عن عثمان بن محمد الأخنسي، عن سعيد المقبري، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحكى عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح.
أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح.
وحكى عن البخاري أنه قال: هذا أقوى من حديث أبي معشر وأصح. قال الترمذي: وقد روي عن غير واحد من الصحابة: ما بين المشرق والمغرب قبلة -منهم عمر بن الخطاب، وعلي، وابن عباس.
وقال ابن عمر: إذا جعلت المغرب عن يمينك والمشرق عن يسارك، فما بينهما قبلة، إذا استقبلت القبلة.
ثم قال ابن مَرْدُويه: حدثنا علي بن أحمد بن عبد الرحمن، حدثنا يعقوب بن يونس مولى بني هاشم، حدثنا شعيب بن أيوب، حدثنا ابن نمير، عن عبيد الله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي ﷺ، قال: "ما بين المشرق والمغرب قبلة".
وقد رواه الدارقطني والبيهقي وقال المشهور: عن ابن عمر، عن عمر، قوله.
قال ابن جرير: ويحتمل: فأينما تولوا وجوهكم في دعائكم لي فهنالك وجهي أستجيب لكم دعاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟
عاءكم، كما حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثني حجاج، قال: قال ابن جُرَيج: قال مجاهد: لما نزلت: ﴿ادْعُونِي أَسْتَجِبْ لَكُمْ﴾ [غافر: ٦٠] قالوا: إلى أين؟ فنزلت: (فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللَّهِ)
قال ابن جرير: ويعني بقوله: (إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) يسع خلقه كلهم بالكفاية، والإفضال والجود.
وأما قوله: (عليم) فإنه يعني: عليم بأعمالهم، ما يغيب عنه منها شيء، ولا يعزب عن علمه، بل هو بجميعها عليم.