ي غِلافٍ وغطاءٍ، كما يقالُ للرجلِ الذى لَمْ يَخْتَتِنْ: أغلَفُ. وللمرأةِ: غَلْفاءُ. وكما يقالُ للسيفِ إذا كان في غلافِه: سيفٌ أغلَفُ، وقوسٌ غَلْفاءُ. وجمعُها غُلْفٌ، وكذلك جمعُ ما كان من النعوتِ ذَكَرُه على "أفعَلَ" وأنثاه على "فَعْلاءَ"، يُجْمَعُ على "فُعْل" مضمومةَ الأولِ ساكنةَ الثاني، مثلَ أحمرَ [وحُمْرٍ، وصَفْراءَ] وصُفْرٍ، فيكونُ ذلك جماعًا للتأنيثِ والتذكيرِ، ولا يجوزُ تثقيلُ عينِ "فُعْلٍ" منه إلَّا في ضرورةِ شعرٍ، كما قال طَرَفَةُ بنُ العبدِ:
أَيُّها الفِتْيانُ في مَجْلِسِنا … جَرِّدُوا مِنْها وِرَادًا وشُقُرْ
يُرِيدُ: شُقْرًا. [إلّا أنَّ الروِىَّ] اضْطَرَّه إلى تحريكِ ثانيه فحرَّكه.
ومنه الخبرُ الذى حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا الحَكَمُ بنُ بَشِيرِ بنِ سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: القلوبُ أربعةٌ.
نُ بَشِيرِ بنِ سلمانَ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ المُلائيُّ، عن عمرِو بنِ مُرَّةَ الجَمَليِّ، عن أبي البَخْتَرِيِّ، عن حُذَيْفَةَ، قال: القلوبُ أربعةٌ. ثم ذكَرها، فقال فيما ذكَر: وقلبٌ أغلَفُ مَعْصُوبٌ عليه، فذاك قلبُ الكافرِ.
ذكْرُ مَن تأَوَّل ذلك بمعنى أنَّها في أغطيةٍ
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حَدَّثَنِي ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: في أكِنَّةٍ.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: حَدَّثَنِي معاويةُ بنُ صالحٍ، عن [عليِّ بنِ] أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: في غطاءٍ.
حَدَّثَنِي محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: فهى القلوبُ المطبوعُ عليها (٣).
قال: حَدَّثَنِي أبي، قال: حَدَّثَنِي عمي، قال: حَدَّثَنِي أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: فهى القلوبُ المطبوعُ عليها (٣).
وحَدَّثَنِي عباسُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا حَجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخبرني عبدُ اللهِ بنُ كَثيرٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غِشاوةٌ.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّى قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، قال: حَدَّثَنِي عبدُ اللهِ
ابنُ كَثِيرٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾: عليها غشاوةٌ.
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن الأعمشِ قولَه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: هى في غُلْفٍ.
وحَدَّثَنَا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: لا تَفْقَهُ.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾.
ُنَا غُلْفٌ﴾ أى: لا تَفْقَهُ.
وحَدَّثَنَا الحسنُ بنُ يحيي، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: هو كقولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ﴾ [فصلت: ٥].
حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: عليها طابَعٌ. قال: هو كقولِه: ﴿قُلُوبُنَا فِي أَكنَّةٍ﴾.
وحَدَّثَنِي المُثَنَّي، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ أى: لا تَفْقَهُ.
وحَدَّثَنِي موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ قال: يقولون: عليها غِلافٌ، وهو الغِطاءُ.
وحَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. قال: يقولُ: قلبى في غِلافٍ، فلا يَخْلُصُ إليه ما تقولُ. وقرأ: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾.
وأمَّا الذين قرَءوها: (غُلُفٌ).
). قال: أوعيةٌ للذِّكرِ.
وحَدَّثَنِي محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا عُبَيدُ اللهِ بنُ موسي، قال: أخبرَنا فُضَيْلٌ، عن عطيةَ في قولِه: (غُلُفٌ). قال: أوعيةٌ للعلْمِ.
وحَدَّثَنَا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا فُضَيْلُ [ابنُ مَرزوقٍ]، عن عطيةَ مثلَه.
وحُدِّثْتُ عن المِنْجَابِ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: (وقالوا قلوبُنا غُلُفٌ). قال: مملوءةٌ عِلمًا لا يُحتاجُ إلى عِلْمِ محمدٍ ولا غيرِه.
والقراءةُ التى لا يجوزُ غيرُها في قولِه: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾ هى قراءةُ مَن قرَأها: ﴿غُلْفٌ﴾. بتسكينِ اللامِ، بمعنى أنَّها في أغشيةٍ وأغطيةٍ؛ لاجتماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صِحَّتِها، وشذوذِ مَن شَذَّ عنهم بما خالفه مِن قراءةِ ذلك بضمِّ اللامِ.
نَّها في أغشيةٍ وأغطيةٍ؛ لاجتماعِ الحُجَّةِ مِن القَرَأَةِ وأهلِ التأويلِ على صِحَّتِها، وشذوذِ مَن شَذَّ عنهم بما خالفه مِن قراءةِ ذلك بضمِّ اللامِ. وقد دَلَّلْنا على أنَّ ما جاءت به الحُجَّةُ مُتَّفقةً عليه، حُجَّةٌ على مَن بلَغه، وما جاء به المُنْفَرِدُ فغيرُ جائزٍ الاعتراضُ به على ما جاءت به الجماعةُ التى تقومُ بها الحُجَّةُ نقلًا، [قولًا أو عملًا]، فى غيرِ هذا الموضعِ، فأغنى ذلك عن إعادتِه في هذا المكانِ.
للَّعِينِ
وفي قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ﴾. تكذيبٌ منه للقائلينَ من اليهودِ: ﴿قُلُوبُنَا غُلْفٌ﴾. لأنَّ قولَه: ﴿بَلْ﴾. دلالةٌ على جَحْدِه جل ذكرُه، وإنكارِه ما ادَّعَوْا مِن ذلك، إذ كانت "بل" لا تدخُلُ في الكلامِ إلَّا نَقْضًا لمجحودٍ.
فإذ كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ أن معنى الآيةِ: وقالت اليهودُ: قلوبُنا في أَكِنَّةٍ مِمَّا تدعونا إليه يا محمدُ. فقال اللهُ تعالى ذكرُه: ما ذلك كما زعَموا، ولكنّ اللهَ أقصَى اليهودَ وأبعَدَهم من رحمتِه، وطرَدهم عنها وأخزاهم، بجحودِهم [به وبرسلِه] فقليلًا ما يؤمنون.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم:
معناه: فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. أى: لا يُؤْمِن منهم إلَّا قليلٌ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلْ لَعَنَهُمُ اللهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾: وَلَعَمْرِى، لمَن رجَع مِن أهلِ الشركِ أكثرُ مِمَّن رجَع مِن أهل الكتابِ، إنما آمن مِن أهلِ الكتابِ رهطٌ يسيرٌ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: فلا يؤمنون إلَّا بقليلٍ مِمَّا في أيديهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ.
ل ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ قال: لا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ. قال معمرٌ: وقال غيرُه: لا يؤمِنون إلَّا بقليلٍ ممَّا في أيديهم.
وأَوْلَى التأويلاتِ في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾ بالصوابِ ما نحن مُبَيِّنُوهُ إن شاء اللهُ، وهو أن اللهَ جل ثناؤه أخبَر أنه لعَن الذين وصَف صفتَهم في هذه الآية، ثم أخبَر عنهم أنهم قليلو الإيمانِ بما أنزَل الله إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، ولذلك
نصَب قولَه: ﴿فَقَلِيلًا﴾ لأنه نعتٌ للمصدرِ المتروكِ ذكرُه، ومعناه: بل لعَنهم اللهُ بكفرِهم، فإيمانًا قليلًا ما يؤمنون. فقد تبيَّن إذن -بما بيَّنَّا- فسادُ القولِ الذى رُوِى عن قتادةَ في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوِى عنه مِن أنه يعنى به: فلا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ، أو فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ.
القولِ الذى رُوِى عن قتادةَ في ذلك؛ لأن معنى ذلك لو كان على ما رُوِى عنه مِن أنه يعنى به: فلا يُؤْمِنُ منهم إلَّا قليلٌ، أو فقليلٌ منهم مَن يُؤْمِنُ. لكان "القليلُ" مرفوعًا لا منصوبًا، لأنه إذا كان ذلك تأويلَه كان "القليلُ" حينئذٍ مُرَافِعًا "ما"، وإن نُصِب "القليلُ" -و"ما" في معنى "مَن" أو "الذى"- بقِيت "ما" لا مُرَافِعَ لها، وذلك غيرُ جائزٍ في لغةِ أحدٍ مِن العربِ.
فأمَّا أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلَفُوا في معنى ﴿مَا﴾ التى في قولِه: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؛ فقال بعضُهم: هى زائدةٌ لا معنى لها، وإنما تأويلُ الكلامِ: فقليلًا يؤمنون. كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: ١٥٩] وما أشبهَ ذلك. فزعَم أن "ما" في ذلك زائدةٌ، وأن معنى الكلامِ: فبرحمةٍ مِن اللهِ لِنْتَ لهم. وأنشَد مُحْتَجًّا لقولِه ذلك بيتَ مُهَلْهِلٍ:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ [جَاءَ يَخْطُبُهَا] .... خُضِّبَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
وزعَم أنه يعنى: خُضِّب أنفُ خاطبٍ بدمٍ.
ًّا لقولِه ذلك بيتَ مُهَلْهِلٍ:
لَوْ بِأَبَانَيْنِ [جَاءَ يَخْطُبُهَا] .... خُضِّبَ مَا أَنْفُ خَاطِبٍ بِدَمِ
وزعَم أنه يعنى: خُضِّب أنفُ خاطبٍ بدمٍ. وأن "ما" زائدةٌ.
وأنكَر آخَرون ما قاله قائلُ هذا القولِ في "ما" في الآيةِ، وفى البيتِ الذى أنشَده، وقالوا: إنما ذلك مِن المتكلِّم على ابتداءِ الكلامِ بالخبرِ عن عمومِ جميعِ الأشياءِ؛ إذ كانت "ما" كلمةً تَجْمَعُ كلَّ الأشياءِ، ثم تَخُصُّ [بعضَ ما عمَّته "ما" بما يُذْكَرُ] بعدَها.
وهذا القولُ عندَنا هو أولَى بالصَّوَابِ؛ لأن زيادةَ ما لا يُفِيدُ مِن الكلامِ معنًى في الكلامِ غيرُ جائزةٍ إضافتُه إلي اللهِ جل ثناؤه.
ولعل قائلًا أن يقولَ: هل كان للذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم قليلًا ما يؤمنون، مِن الإيمانِ قليلٌ أو كثيرٌ، فيقالَ فيهم: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؟
.
ولعل قائلًا أن يقولَ: هل كان للذينَ أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم قليلًا ما يؤمنون، مِن الإيمانِ قليلٌ أو كثيرٌ، فيقالَ فيهم: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾؟.
قيل: إن معنى الإيمانِ هو التصديقُ، وقد كانت اليهودُ التى أخبَرَ اللهُ عنها هذا الخبرَ تُصَدِّقُ بوَحْدَانِيَّةِ اللهِ وبالبعثِ والثوابِ والعقابِ، وتَكْفُرُ بمحمدٍ ﷺ وبنُبُوَّتِه، وكلُّ ذلك كان فرضًا عليهم الإيمانُ به؛ لأنه في كُتُبِهم وممَّا جاءهم به موسى، فصدَّقوا ببعضٍ، [وذلك هو] القليلُ مِن إيمانِهم، وكذَّبوا ببعضٍ، وذلك هو الكثيرُ الذى أخبَرَ اللهُ عنهم أنهم يَكْفُرون به.
وقد قال بعضُهم: إنهم كانوا غيرَ مؤمنين بشيءٍ، وإنما قيل: ﴿فَقَلِيلًا مَا يُؤْمِنُونَ﴾. وهم بالجميعِ كافرون، كما تقولُ العربُ: قلَّما رأيتُ مثلَ هذا قطُّ. [تُريدُ: ما رأيتُ مثلَ هذا قَطُّ]. ورُوِى عنها سماعًا منها: مرَرْتُ ببلدٍ قلَّما يُنْبِتُ إلَّا الكُرَّاثَ والبصلَ. يعنى: ما يُنْبِتُ [شيئًا إلا] الكُرَّاثَ والبصلَ.
﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ لَعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ (٨٨)﴾
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: في أكنة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: لا تفقه.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) [قال] هي القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) عليها غشاوة.
وقال عكرمة: عليها طابع. وقال أبو العالية: أي لا تفقه.
ا غُلْفٌ) [قال] هي القلوب المطبوع عليها.
وقال مجاهد: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) عليها غشاوة.
وقال عكرمة: عليها طابع. وقال أبو العالية: أي لا تفقه. وقال السدي: يقولون: عليها غلاف، وهو الغطاء.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) هو كقوله: ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾ [فصلت: ٥].
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، في قوله: (غُلْفٌ) قال: يقول: قلبي في غلاف فلا يَخْلُص إليه ما تقول، قرأ ﴿وَقَالُوا قُلُوبُنَا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾
وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مُرّة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: القلوب أربعة.
ةٍ مِمَّا تَدْعُونَا إِلَيْهِ﴾
وهذا هو الذي رجحه ابن جرير، واستشهد مما روي من حديث عمرو بن مُرّة الجملي، عن أبي البختري، عن حذيفة، قال: القلوب أربعة. فذكر منها: وقلب أغلف مَغْضُوب عليه، وذاك قلب الكافر.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الرحمن العَرْزَمي، أنبأنا أبي، عن جدي، عن قتادة، عن الحسن في قوله: (قُلُوبُنَا غُلْفٌ) قال: لم تختن.
هذا القول يرجع معناه إلى ما تقدم من عدم طهارة قلوبهم، وأنها بعيدة من الخير.
قول آخر:
قال الضحاك، عن ابن عباس في قوله: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) قال قالوا: قلوبنا مملوءة علمًا لا تحتاج إلى علم محمد، ولا غيره.
وقال عطية العوفي: (وَقَالُوا قُلُوبُنَا غُلْفٌ) أي: أوعية للعلم.
وعلى هذا المعنى جاءت قراءة بعض الأنصار فيما حكاه ابن جرير: "وقالوا قلوبنا غُلُف" بضم اللام، أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة.
لوبنا غُلُف" بضم اللام، أي: جمع غلاف، أي: أوعية، بمعنى أنهم ادعوا أن قلوبهم مملوءة بعلم لا يحتاجون معه إلى علم آخر. كما كانوا يَمُنُّون بعلم التوراة. ولهذا قال تعالى: (بَل لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ)، أي: ليس الأمر كما ادعوا بل
قلوبهم ملعونة مطبوع عليها، كما قال في سورة النساء: ﴿وَقَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا﴾ [النساء: ١٥٥]. وقد اختلفوا في معنى قوله: (فَقَلِيلا مَّا يُؤْمِنُونَ) وقوله: (فَلا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا)، فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم [واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني] وقيل: فقليل إيمانهم.
ا يُؤْمِنُونَ إِلا قَلِيلا)، فقال بعضهم: فقليل من يؤمن منهم [واختاره فخر الدين الرازي وحكاه عن قتادة والأصم وأبي مسلم الأصبهاني] وقيل: فقليل إيمانهم. بمعنى أنهم يؤمنون بما جاءهم به موسى من أمر المعاد والثواب والعقاب، ولكنه إيمان لا ينفعهم، لأنه مغمور بما كفروا به من الذي جاءهم به محمد ﷺ.
وقال بعضهم: إنهم كانوا غير مؤمنين بشيء، وإنما قال: (فَقَلِيلا مَا يُؤْمِنُونَ) وهم بالجميع كافرون، كما تقول العرب: قلما رأيت مثل هذا قط. تريد: ما رأيت مثل هذا قط. [وقال الكسائي: تقول العرب: من زنى بأرض قلما تنبت، أي: لا تنبت شيئًا]..
حكاه ابن جرير، والله أعلم.