القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: وعلَّمْنا داودَ صنعةَ لبوسٍ لكم.
واللَّبوسُ عندَ العربِ السِّلاحُ كُلُّه؛ دِرْعًا كان أو جَوْشَنًا أَو سَيْفًا أو رُمْحًا.
يدُلُّ عَلَى ذلك قولُ الهُذَليِّ:
ومعِي لَبُوسٌ للبَئيسِ كأنَّهُ … رَوْقٌ بِجَبْهَةِ ذِي نِعَاجٍ مُجْفِلِ
وإنما يصِفُ بذلك رُمْحًا. وأما في هذا الموضِعِ فإن أهلَ التأويلِ قالوا: عنَى الدُّرُوعَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾ الآية. قال: كانت قبلَ داود صفائحَ. قال: وكان أوّلَ من صنَع هذا الحلَقَ وسَرَد داودُ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلَى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. قال: كانت صفائحَ، فأوّلُ من سَرَدَهَا وحَلَّقها داودُ ﵇.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (لِيُحْصِنَكُم).
﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ﴾. قال: كانت صفائحَ، فأوّلُ من سَرَدَهَا وحَلَّقها داودُ ﵇.
واختلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: (لِيُحْصِنَكُم). فقرأَ ذلك أكثرُ قرأةِ الأمصارِ: (لِيُحْصِنَكُمْ). بالياءِ، بمعنى: ليُحصِنَكم اللَّبوسُ من بأْسِكم. ذَكَّروه لتذكيرِ "اللَّبوسِ". وقرأ ذلك أبو جعفرٍ يزيدُ بنُ القعقاعِ: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتاءِ، بمعنَى: لتُحصِنَكم الصنعَةُ. فأَنَّث لتأْنيثِ الصنعَةِ. وقرأ شيبةُ بنُ نِصَاحٍ وعاصمُ بنُ أبي النَّجودِ: (لِنُحْصِنَكُمْ) بالنونِ، بمعنى: لنُحصِنَكم نحنُ من بأْسِكم.
قال أبو جعفرٍ: وأولَى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ من قرأَه بالياءِ؛ لأنها القراءةُ التي عليها الحجةُ مِن قرأةِ الأمصارِ، وإن كانت القراءاتُ الثلاثُ التي ذكَرناها متقارباتِ المعانى، وذلك أن الصَّنعَةَ هي اللَّبوسُ، واللَّبوسَ هي الصنعةُ، واللهُ هو المحصِنُ به من البأْسِ، وهو المحصِنُ بتصييرِ اللهِ إياه كذلك. ومعنَى قولِه (لِيُحْصنَكُمْ): ليُحرِزَكم.
ي اللَّبوسُ، واللَّبوسَ هي الصنعةُ، واللهُ هو المحصِنُ به من البأْسِ، وهو المحصِنُ بتصييرِ اللهِ إياه كذلك. ومعنَى قولِه (لِيُحْصنَكُمْ): ليُحرِزَكم. وهو من قولِه: قد أحصَن فلانٌ جاريتَه. وقد بيَّنا معنَى ذلك بشواهدِه فيما مضَى قبلُ.
والبأْسُ: القتالُ. وعلَّمنا داودَ صنعةَ سلاحٍ لكم ليُحرِزَكم إذا لَبِستموه، ولقِيتُم فيه أعداءكم من القتلِ.
وقولُه: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ﴾. يقولُ: فهل أنتم أيها الناسُ شاكِرُو اللهِ على
نِعْمَتِه عليكم بما علَّمكم من صَنْعةِ اللَّبوسِ المحصِنِ في الحرْبِ، وغيرِ ذلك من نعَمِه عليكم. يقولُ: فاشْكُرونى علَى ذلك.
ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرمًا قد نَبَتَتْ عناقيده. وكذا قال شُرَيْح.
قال ابن عباس: النَّفْشُ: الرعي.
وقال شُرَيح، والزهري، وقتادة: النَّفْشُ بالليل. زاد قتادة: والهَمْلُ بالنهار.
قال ابن جرير: حدثنا أبو كُرَيْب وهارون بن إدريسَ الأصم قالا حدثنا المحاربي، عن أشعت، عن أبي إسحاق، عن مُرّة، عن ابن مسعود في قوله: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته. قال: فقضى داود بالغَنَم لصاحب الكَرْم، فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟
ْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ) قال: كرم قد أنبتت عناقيده، فأفسدته. قال: فقضى داود بالغَنَم لصاحب الكَرْم، فقال سليمان: غيرُ هذا يا نبي الله! قال: وما ذاك؟ قال: تدفع الكرم إلى صاحب الغنم، فيقوم عليه حتى يعود كما كان، وتدفع الغنم إلى صاحب الكرم فيُصيب منها حتى إذا كان الكرم كما كان دفعت الكرم إلى صاحبه، ودفعت الغنم إلى صاحبها، فذلك قوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ).
وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس.
وقال حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، حدثنا خليفة، عن ابن عباس قال: فحكم داود بالغنم لأصحاب الحرث، فخرج الرِّعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟
فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيتُ بغير هذا! فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟
فخرج الرِّعاء معهم الكلاب، فقال لهم سليمان: كيف قضى بينكم؟
فأخبروه، فقال: لو وليت أمركم لقضيتُ بغير هذا! فأخبر بذلك داود، فدعاه فقال: كيف تقضي بينهم؟ قال أدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيكون له أولادها وألبانها وسلاؤها ومنافعها ويبذُر أصحاب الغنم لأهل الحرث مثلَ حرثهم، فإذا بلغ الحرث الذي كان عليه أخذ أصحاب الحرث الحرثَ وردوا الغنم إلى أصحابها.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا خُدَيْج، عن أبي إسحاق، عن مُرَّة، عن مسروق قال: الحرث الذي نفشت فيه الغنم إنما كان كرما نفشت فيه الغنم، فلم تَدَع فيه ورقة ولا عنقودًا من عنب إلا أكلته، فأتوا داود، فأعطاهم رقابها، فقال سليمان: لا بل تؤخذ الغنم فيعطاها أهلُ الكرم، فيكون لهم لبنها ونفعها، ويعطى أهل الغنم الكرم فيصلحوه ويعمروه حتى يعود كالذي كان ليلة نَفَشت فيه الغنم، ثم يُعطَى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.
وهكذا قال شُرَيح، ومُرَّة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد وغير واحد.
حتى يعود كالذي كان ليلة نَفَشت فيه الغنم، ثم يُعطَى أهل الغنم غنمهم، وأهل الكرم كرمهم.
وهكذا قال شُرَيح، ومُرَّة، ومجاهد، وقتادة، وابن زيد وغير واحد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن أبي زياد، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا إسماعيل، عن عامر، قال: جاء رجلان إلى شُرَيح، فقال أحدهما: إن شاة هذا قطعت غزلا لي، فقال شريح: نهارًا أم ليلا؟ فإن كان نهارًا فقد برئ صاحب الشاة، وإن كان ليلا ضَمِن، ثم قرأ: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ) الآية.
وهذا الذي قاله شُرَيح شبيه بما رواه الإمام أحمد، وأبو داود، وابن ماجه، من حديث الليث بن سعد، عن الزهري، عن حَرام بن مُحَيْصة؛ أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها.
بن مُحَيْصة؛ أن ناقة البراء بن عازب دخلت حائطًا، فأفسدت فيه، فقضى رسول الله ﷺ على أهل الحوائط حفظها بالنهار، وما أفسدت المواشي بالليل ضامن على أهلها. وقد عُلِّل هذا الحديث، وقد بسطنا الكلام عليه في كتاب "الأحكام" وبالله التوفيق.
وقوله: (فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا) قال ابن أبي حاتم:
حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد، عن حميد؛ أن إياس بن معاوية لما استقضى أتاه الحسن فبكى، قال ما يبكيك؟ قال يا أبا سعيد، بلغني أن القضاة: رجل اجتهد فأخطأ، فهو في النار، ورجل مال به الهوى فهو في النار، ورجل اجتهد فأصاب فهو في الجنة. فقال الحسن البصري: إن فيما قص الله من نبأ داود وسليمان، ﵉، والأنبياء حكمًا يرد قول هؤلاء الناس عن قولهم، قال الله تعالى: (وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود.
سُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ الْقَوْمِ وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ) فأثنى الله على سليمان ولم يذم داود. ثم قال -يعني: الحسن-: إن الله اتخذ على الحكماء ثلاثًا: لا يشترون به ثمنًا قليلا ولا يتبعون فيه الهوى، ولا يخشون فيه أحدًا، ثم تلا ﴿يَا دَاوُدُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الأَرْضِ فَاحْكُمْ بَيْنَ النَّاسِ بِالْحَقِّ وَلا تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾ [ص: ٢٦] وقال: ﴿فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤].
قلت: أما الأنبياء، ﵈، فكلهم معصومون مُؤيَّدون من الله ﷿.
وَاخْشَوْنِ﴾ [المائدة: ٤٤]، وقال ﴿وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا﴾ [المائدة: ٤٤].
قلت: أما الأنبياء، ﵈، فكلهم معصومون مُؤيَّدون من الله ﷿. وهذا مما لا خلاف فيه بين العلماء المحققين من السلف والخلف، وأما من سواهم فقد ثبت في صحيح البخاري، عن عمرو بن العاص أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران،
وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر" فهذا الحديث يرد نصا ما توهمه "إياس" من أن القاضي إذا اجتهد فأخطأ فهو في النار، والله أعلم.
وفي السنن: "القضاة ثلاثة: قاض في الجنة، وقاضيان في النار: رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة، ورجل حكم بين الناس على جهل فهو في النار، ورجل علم الحق وقضى بخلافه، فهو في النار".
وقريب من هذه القصة المذكورة في القرآن ما رواه الإمام أحمد في مسنده، حيث قال: حدثنا علي بن حَفْص، أخبرنا وَرْقاء عن أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا.
عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "بينما امرأتان معهما ابنان لهما، جاء الذئب فأخذ أحد الابنين، فتحاكمتا إلى داود، فقضى به للكبرى، فخرجتا. فدعاهما سليمان فقال: هاتوا السكين أشقه بينهما، فقالت الصغرى: يرحمك الله هو ابنها، لا تَشُقه، فقضى به للصغرى".
وأخرجه البخاري ومسلم في صحيحهما وبوّب عليه النسائي في كتاب القضاء: (باب الحاكم يوهم خلاف الحكم ليستعلم الحق).
وهكذا القصة التي أوردها الحافظ أبو القاسم بن عساكر في ترجمة "سليمان ﵇" من تاريخه، من طريق الحسن بن سفيان، عن صفوان بن صالح، عن الوليد بن مسلم، عن سعيد بن بشير، عن قتادة، عن مجاهد، عن ابن عباس -فذكر قصة مطولة ملخصها-: أن امرأة حسناء في زمان بني إسرائيل، راودها عن نفسها أربعة من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود، ﵇، أنها مَكَّنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها.
من رؤسائهم، فامتنعت على كل منهم، فاتفقوا فيما بينهم عليها، فشهدوا عليها عند داود، ﵇، أنها مَكَّنت من نفسها كلبًا لها، قد عودته ذلك منها، فأمر برجمها. فلما كان عشية ذلك اليوم، جلس سليمان، واجتمع معه وِلْدانٌ، مثله، فانتصب حاكمًا وتزيا أربعة منهم بزيّ أولئك، وآخر بزيّ المرأة، وشهدوا عليها بأنها مكَنت من نفسها كلبًا، فقال سليمان: فرقوا بينهم. فقال لأولهم: ما كان لون الكلب؟ فقال: أسود. فعزله، واستدعى الآخر فسأله عن لونه، فقال: أحمر. وقال الآخر: أغبش. وقال الآخر: أبيض. فأمر بقتلهم، فحكي ذلك لداود، فاستدعى من فوره بأولئك الأربعة، فسألهم متفرقين عن لون ذلك الكلب، فاختلفوا عليه، فأمر بقتلهم.
وقوله: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ): وذلك لطيب صوته بتلاوة كتابه الزبور، وكان إذا تَرَنَّم به تقف الطير في الهواء، فتجاوبه، وتَرد عليه الجبال تأويبًا؛ ولهذا لمَّا مَرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب [جدًا].
لطير في الهواء، فتجاوبه، وتَرد عليه الجبال تأويبًا؛ ولهذا لمَّا مَرَّ النبي ﷺ على أبي موسى الأشعري، وهو يتلو القرآن من الليل، وكان له صوت طيب [جدًا]. فوقف واستمع لقراءته، وقال: "لقد أوتي هذا من مزامير آل داود". قال يا رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيرًا.
وقال أبو عثمان النهدي: ما سمعت صوت صَنْج ولا بربط ولا مزمار مثل صوت أبي موسى ﵁، ومع هذا قال: لقد أوتي مزمارًا من مزامير آل داود.
وقوله: (وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني صنعة الدروع.
قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلَقًا.
لَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِيُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني صنعة الدروع.
قال قتادة: إنما كانت الدروع قبله صفائح، وهو أول من سردها حلَقًا. كما قال تعالى: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ * أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ [سبأ: ١٠، ١١] أي: لا توسع الحلقة فتقلق المسمار، ولا تغلظ المسمار فتَقَدّ الحَلْقة؛ ولهذا قال: (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني: في القتال، (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) أي: نعم الله عليكم، لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.
هذا قال: (لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ) يعني: في القتال، (فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) أي: نعم الله عليكم، لما ألهم به عبده داود، فعلمه ذلك من أجلكم.
وقوله: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً) أي: وسخرنا لسليمان الريح العاصفة، (تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الأرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا) يعني أرض الشام، (وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ) وذلك أنه كان له بساط من خشب، يوضع عليه كل ما يحتاج إليه من أمور المملكة، والخيل والجمال والخيام والجند، ثم يأمر الريح أن تحمله فتدخل تحته، ثم تحمله فترفعه وتسير به، وتظله الطير من الحر، إلى حيث يشاء من الأرض، فينزل وتوضع آلاته وخشبه، قال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، وقال ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
ال الله تعالى: ﴿فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاءً حَيْثُ أَصَابَ﴾ [ص: ٣٦]، وقال ﴿غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ﴾ [سبأ: ١٢].
قال ابن أبي حاتم: ذكر عن سفيان بن عيينة، عن أبي سِنَان، عن سعيد بن جبير قال: كان يُوضَع لسليمان ستمائة ألف كرسي، فيجلس مما يليه مؤمنو الإنس، ثم يجلس من ورائهم مؤمنو الجن، ثم يأمر الطير فتظلهم، ثم يأمر الريح فتحمله ﷺ.
وقال عبد الله بن عُبَيْد بن عمير: كان سليمان يأمر الريح، فتجتَمع كالطَّود العظيم، كالجبل، ثم يأمر بفراشه فيوضع على أعلى مكان منها، ثم يدعو بفَرَس من ذوات الأجنحة، فترتفع حتى تصعد على فراشه، ثم يأمر الريح فترتفع به كُل شَرَف دون السماء، وهو مطأطئ رأسه، ما يلتفت يمينا ولا شمالا تعظيمًا لله ﷿، وشكرًا لما يعلم من صغر ما هو فيه في ملك الله
تعالى حتى تضعه. الريح حيث شاء أن تضعه
وقوله تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾.
الضمير في قوله: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ﴾ راجع إلى داود. والمراد بصنعة اللبوس: صنعة الدروع ونسجها؛ والدليل على أن المراد باللبوس في الآية الدروع: أنه أتبعه بقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ﴾ أي
لتحرز وتقي بعضكم من بأس بعض؛ لأن الدرع تقيه ضرر الضرب بالسيف، والرمي بالرمح والسهم، كما هو معروف. وقد أوضح هذا المعنى بقوله: ﴿وَأَلَنَّا لَهُ الْحَدِيدَ (١٠) أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾، فقوله: ﴿أَنِ اعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ أي: أن اصنع دروعًا سابغات من الحديد الذي ألنَّاه لك. والسَّرْد: نسج الدرع. ويقال فيه الزرد، ومن الأول قول أبي ذؤيب الهذلي:
وعليهما مسرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
ومن الثاني قول الآخر:
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زَرَّاد
ومراده بالزرَّاد: ناسج الدرع.
سرودتان قضاهما ... داود أو صنع السوابغ تبع
ومن الثاني قول الآخر:
نقريهم لهذميات نقد بها ... ما كان خاط عليهم كل زَرَّاد
ومراده بالزرَّاد: ناسج الدرع. وقوله: ﴿وَقَدِّرْ فِي السَّرْدِ﴾ أي اجعل الحلق والمسامير في نسجك للدرع بأقدار متناسبة؛ فلا تجعل المسمار دقيقًا لئلا ينكسر، ولا يشد بعض الحلق ببعض، ولا تجعله غليظًا غلظًا زائدًا فيفصم الحلقة. وإذا عرفت أن اللبوس في الآية الدروع؛ فاعلم أن العرب تطلق اللبوس على الدروع كما في الآية؛ ومنه قول الشاعر:
عليها أسود ضاويات لبوسهم ... سوابغ بيض لا يخرقها النبل
فقوله: "سوابغ" أي دروع سوابغ، وقول كعب بن زهير:
شمُّ العرانيين أبطال لبوسهم ... من نسج داود في الهيجا سرابيل
ومراده باللبوس التي عبر عنها بالسرابيل: الدروع. والعرب تطلق اللبوس أيضًا على جميع السلاح، درعًا كان أو جوشنًا أو
سيفًا أو رمحًا. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحًا:
ومعي لبوس للبئيس كأنه ...
لق اللبوس أيضًا على جميع السلاح، درعًا كان أو جوشنًا أو
سيفًا أو رمحًا. ومن إطلاقه على الرمح قول أبي كبير الهذلي يصف رمحًا:
ومعي لبوس للبئيس كأنه ... روق بجبهة ذي نعاج مجفل
وتطلق اللبوس أيضًا على كل ما يلبس؛ ومنه قول بيهس:
البس لكل حالة لبوسها ... إما نعيمها وإما بوسها
وما ذكره هنا من الامتنان على الخلق بتعليمه صنعة الدروع ليقيهم بها من بأس السلاح تقدم إيضاحه في سورة "النحل" في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَسَرَابِيلَ تَقِيكُمْ بَأْسَكُمْ﴾ الآية.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ الظاهر فيه أن صيغة الاستفهام هنا يراد بها الأمر، ومن إطلاق الاستفهام بمعنى الأمر في القرآن قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَينَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ أي: انتهوا.
عَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (٩١)﴾ أي: انتهوا. ولذا قال عمر ﵁: انتهينا يا رب، وقوله تعالى: ﴿وَقُلْ لِلَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْأُمِّيِّينَ أَأَسْلَمْتُمْ﴾ الآية، أي: أسلموا. وقد تقرر في فن المعاني: أن من المعاني التي تؤدى بصيغة الاستفهام: الأمر، كما ذكرنا.
وقوله: ﴿شَاكِرُونَ (٨٠)﴾ شكر العبد لربه: هو أن يستعين بنعمه على طاعته، وشُكْر الرب لعبده: هو أن يثيبه الثواب الجزيل من عمله القليل. ومادة "شكر" لا تتعدى غالبًا إلا باللام، وتعديتها بنفسها دون اللام قليلة، ومنه قول أبي نخيلة:
شَكَرْتك إن الشكر حبل من التقى ... وما كل من أوليته نعمة يقضي
وفي قوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ ثلاث قراءات سبعية؛ قرأه عامة السبعة ماعدا ابن عامر وعاصمًا "ليحصنكم" بالياء المثناة التحتية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل عائد إلى داود، أو إلى اللبوس؛ لأن تذكيرها باعتبار معنى ما يلبس من الدروع جائز.
عاصمًا "ليحصنكم" بالياء المثناة التحتية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل عائد إلى داود، أو إلى اللبوس؛ لأن تذكيرها باعتبار معنى ما يلبس من الدروع جائز. وقرأه ابن عامر وحفص عن عاصم ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ بالتاء المثناة الفوقية، وعلى هذه القراءة فضمير الفاعل راجع إلى اللبوس وهي مؤنثة، أو إلى الصنعة المذكورة في قوله: ﴿صَنْعَةَ لَبُوسٍ﴾، وقرأه شعبة عن عاصم: ﴿لِنُحْصِنَكُمْ﴾ بالنون الدالة على العظمة، وعلى هذه القراءة فالأمر واضح.
•