Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Mu'minun › Ayat 14

QS 23:14

Surah Al-Mu'minun (المؤمنون) ayat 14

23:14
ثُمَّ خَلَقۡنَا ٱلنُّطۡفَةَ عَلَقَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡعَلَقَةَ مُضۡغَةٗ فَخَلَقۡنَا ٱلۡمُضۡغَةَ عِظَٰمٗا فَكَسَوۡنَا ٱلۡعِظَٰمَ لَحۡمٗا ثُمَّ أَنشَأۡنَٰهُ خَلۡقًا ءَاخَرَۚ فَتَبَارَكَ ٱللَّهُ أَحۡسَنُ ٱلۡخَٰلِقِينَ
Kemudian, air mani itu Kami jadikan sesuatu yang melekat, lalu sesuatu yang melekat itu Kami jadikan segumpal daging, dan segumpal daging itu lalu Kami jadikan tulang belulang, lalu tulang belulang itu Kami bungkus dengan daging. Kemudian, Kami menjadikannya makhluk yang (berbentuk) lain. Mahasuci Allah, Pencipta yang paling baik
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 13Ayat 15 →

Tafsir dalam korpus (55 potongan)

QS 23:14 (jilid 17 hlm. 20) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 20 · #70843
القولُ في تأويل قوله تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾. يعنى تعالى ذكره بقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾: ثم جعَلنا الإنسان الذى جعلناه من سلالة من طينٍ ﴿نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ﴾، وهو حيثُ استَقَرَّت فيه نطفةُ الرجلِ من رحمِ المرأةِ. ووصفه بأنه مكينٌ؛ لأنَّه مُكِّن لذلك وهُيِّئ له، ليَسْتَقِرَّ فيه إلى بلوغ أمره الذى جعله له قرارًا. وقولُه: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾. يقولُ: ثم صيَّرنا النطفة التي جعلناها في قرار مكين علقةً، وهى القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم. وقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 21) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 21 · #70844
وهى القطعة من الدم، ﴿فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً﴾. يقول: فجعلنا ذلك الدم مضغة، وهى القطعة من اللحم. وقولُه: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾. يقولُ: فجعلنا تلك المضغة اللحمَ عظامًا. وقد اختَلَفت القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأتْه عامةُ قَرَأةِ الحجاز والعراق سوى عاصمٍ: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ على الجماع، وكان عاصم وعبد اللهِ بنُ عامرٍ يَقْرآن ذلك: (عَظْمًا) في الحرفين على التوحيد جميعا. والقراءة التي نختارُ في ذلك الجماع؛ لإجماع الحجةِ من القَرَأَةِ عليه. وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾. يقولُ: فأَلْبَسنا العظام لحمًا. وقد ذُكِر أن ذلك في قراءة عبدِ اللهِ: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَظْمًا وعَصَبًا فَكَسَوْناه لحمًا). وقوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التى في ﴿أَنشَأْنَاهُ﴾ عائدة على "الإنسانِ" في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 21) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 21 · #70845
ْقًا آخَرَ﴾. يقولُ: ثم أنشأنا هذا الإنسان خلقا آخر. وهذه الهاء التى في ﴿أَنشَأْنَاهُ﴾ عائدة على "الإنسانِ" في قوله: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ﴾. وقد يَجوز أن تكونَ مِن ذكر "العظمِ" و "النطفةِ" و "المضغة" جعل ذلك كله كالشيء الواحد، فقيل: ثم أَنشَأنا ذلك خلقا آخر. واختلَف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾؛ فقال بعضُهم: إنشاؤه إياه خلقا آخر نفخُه الروح فيه، فيَصِيرُ حينئذٍ إنسانًا، وكان قبلَ ذلك صورةً. ذكر من قال ذلك حدَّثني يعقوب بن إبراهيم، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبرنا حجاجٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباس في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفخ الروح فيه. حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا هُشَيْم، عن الحجاج بن أَرْطَاةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 22) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 22 · #70846
ةَ، عن عطاءٍ، عن ابن عباس بمثله. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروحُ. حدَّثنا ابن بشار، قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن عبدِ الرحمنِ بنِ الأصبهانيِّ، عن عكرمة في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ. حدَّثنا ابن بشار وابن المثنَّى، قالا: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سلمة، عن داودَ ابن أبي هند، عن الشَّعْبى: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ. قال: ثنا عبد الرحمن، قال: ثنا سفيان، عن منصورٍ، عن مجاهد بمثله. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن أبي جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: نفَخ فيه الروحَ، فهو الخلقُ الآخرُ الذى ذكَر. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 23) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 23 · #70847
لآخرُ الذى ذكَر. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أَخبرنا عُبَيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا﴾. يعنى: الروحَ نفخ فيه بعد الخلق. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: الروح الذي جعله فيه. وقال آخرون: إنشاؤه خلقا آخر تصريفه إياه في الأحوال بعد الولادة؛ في الطفولةِ، والكُهولةِ، والاغتذاء، ونباتِ الشَّعَرِ والسِّنِّ، ونحوِ ذلك من أحوالِ الأحياء في الدنيا. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 23) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 23 · #70848
سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللهُ أَحْسَنُ الْخَالقِينَ﴾. يقولُ: خرَج من بطنِ أمِّه بعدما خُلق، فكان من بَدْءِ خلقِهِ الآخَرِ أن استَهَلَّ، ثم كان من خلقِه أن دُلّ على ثدي أمِّه، ثم كان من خلقه أن عَلم كيف يَبْسُطُ رجليه، إلى أن قعد، إلى أن حبا، إلى أن قام على رجليه، إلى أن مشَى، إلى أن فُطِم، فعلم كيف يَشْرَبُ ويأكل من الطعام، إلى أن بلغ الحُلُمَ، إلى أن بلغ أن يَتَقَلَّبَ في البلاد. حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقولُ بعضُهم: هو نباتُ الشَّعَرِ. وبعضُهم يقولُ: هو نفخ الروحِ. حدَّثنا الحسن، قال: أخبرنا عبد الرزّاقِ، قال: أَخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 24) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 24 · #70849
مَعْمَرٌ، عن قتادةَ مثلَهُ. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سَمِعتُ أبا معاذ يقولُ: أخبرنا عبيدٌ، قال: سَمِعتُ الضحاكَ: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: يقالُ: الخلقُ الآخرُ بعدَ خروجه من بطن أمِّه بسِنِّه وشَعَرِه. وقال آخرون: بل عَنَى بإنشائه خلقًا آخرَ: سَوَّى شبابه. ذكرُ من قال ذلك. حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 24) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 24 · #70850
عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدثني الحارث، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد قولَه: ﴿ثُمَّ أَنشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾. قال: حين استوَى شبابُه. حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قال مجاهد: حين استوَى به الشبابُ. وأولى الأقوال في ذلك بالصواب قولُ من قال: عنى بذلك نفخَ الروحِ فيه. وذلك أنه بنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ خلقًا آخرَ إنسانًا، وكان قبل ذلك بالأحوالِ التي وصَفه الله أنه كان بها؛ من نطفةٍ، وعلقة، ومضغة، وعظم، وبنفخ الروح فيه يَتَحَوَّلُ عن تلك المعانى كلها إلى معنى الإنسانية، كما تَحوَّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه. وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 25) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 25 · #70851
َحوَّل أبوه آدم بنفخ الروح في الطينة التي خُلق منها؛ إنسانًا وخلقا آخرَ غير الطين الذى خُلق منه. وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. اختلف أهل التأويل في تأويل ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: فتبارك الله أحسنُ الصانعين. ذكر من قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا حَكّامٌ، عن عَنْبَسَةَ، عن ليث، عن مجاهد: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: يَصْنَعون ويَصْنَعُ الله، والله خيرُ الصانعين. وقال آخرون: إنما قيل: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾؛ لأن عيسى ابن مريمَ كان يَخْلُقُ، فأخبَر جلَّ ثناؤُه عن نفسه أنه يَخْلُقُ أَحسَنَ مما كان يَخْلُقُ. ذكر من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حجاج، قال: قال ابنُ جُرَيج في قوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ. وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا.
QS 23:14 (jilid 17 hlm. 25) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 17 · hlm. 25 · #70852
بَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾. قال: عيسى ابن مريمَ يَخْلُقُ. وأَوْلى القولين في ذلك بالصواب قول مجاهد؛ لأن العرب تُسمِّى كلَّ صانعٍ خالقًا. ومنه قولُ زُهَيْرٍ: ولَأَنت تَفْرِى مَا خَلَقْتَ وبعـ … ـضُ القومِ يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى ويُرْوَى: ولَأَنتَ تَخْلُقُ مَا فَرَيْتَ وبعـ … ـضُ القوم يَخْلُقُ ثم لا يَفْرِى
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 465) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 465 · #89972
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤) ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ (١٥) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ (١٦)﴾. يقول تعالى مخبرًا عن ابتداء خلق الإنسان من سلالة من طين، وهو آدم، ﵇، خلقه الله من صلصال من حمأ مسنون. وقال الأعمش، عن المِنْهال بن عمرو، عن أبي يحيى، عن ابن عباس: (مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) قال: صَفوةُ الماء. وقال مجاهد: (مِنْ سُلالَةٍ) أي: من منيّ آدم. قال ابن جرير: وإنما سمي آدم طينًا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استُلّ آدمُ من الطين.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 465) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 465 · #89973
) قال: صَفوةُ الماء. وقال مجاهد: (مِنْ سُلالَةٍ) أي: من منيّ آدم. قال ابن جرير: وإنما سمي آدم طينًا لأنه مخلوق منه. وقال قتادة: استُلّ آدمُ من الطين. وهذا أظهر في المعنى، وأقرب إلى السياق، فإنه آدم، ﵇، خلق من طين لازب، وهو الصلصال من الحمأ المسنون، وذلك مخلوق من التراب، كما قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ﴾ [الروم: ٢٠]. وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن سعيد، حدثنا عَوْف، حدثنا قَسَامة بن زُهَيْر، عن أبي موسى، عن النبي ﷺ قال: "إن الله خلق آدم من قبضة قبضها من جميع الأرض، فجاء بنو آدم على قَدْر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي، من طرق، عن عوف الأعرابي، به نحوه.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 466) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 466 · #89974
على قَدْر الأرض، جاء منهم الأحمر والأسود والأبيض، وبين ذلك، والخبيث والطيب، وبين ذلك". وقد رواه أبو داود والترمذي، من طرق، عن عوف الأعرابي، به نحوه. وقال الترمذي: حسن صحيح. (ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً): هذا الضمير عائد على جنس الإنسان، كما قال في الآية الأخرى: ﴿وَبَدَأَ خَلْقَ الإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ * ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ﴾ [السجدة: ٧، ٨] أي: ضعيف، كما قال: ﴿أَلَمْ نَخْلُقْكُمْ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ * فَجَعَلْنَاهُ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ﴾، يعني: الرحمُ مُعَد لذلك مهيأ له، ﴿إِلَى قَدَرٍ مَعْلُومٍ * فَقَدَرْنَا فَنِعْمَ الْقَادِرُونَ﴾ [المرسلات: ٢٢، ٢٣]، أي: [إلى] مدة معلومة وأجل معين حتى استحكم وتنَقَّل من حال إلى حال، وصفة إلى صفة؛ ولهذا قال هاهنا: (ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً) أي: ثم صَيَّرنا النطفة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره-وترائب المرأة-وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة-فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 466) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 466 · #89975
ة، وهي الماء الدافق الذي يخرج من صلب الرجل -وهو ظهره-وترائب المرأة-وهي عظام صدرها ما بين الترقوة إلى الثندوة-فصارت علقة حمراء على شكل العلقة مستطيلة. قال عكرمة: وهي دم. (فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً): وهي قطعة كالبَضعة من اللحم، لا شكل فيها ولا تخطيط، (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا) يعني: شكلناها ذات رأس ويدين ورجلين بعظامها وعصبها وعروقها. وقرأ آخرون: (فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا). قال ابن عباس: وهو عظم الصلب. وفي الصحيح، من حديث أبي الزِّنَاد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "كل جسد ابن آدم يبلى إلا عَجْبُ الذَّنَب، منه خلق ومنه يركب". فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا) أي: وجعلنا على ذلك ما يستره ويشده ويقويه، (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار (خَلْقًا آخَرَ) ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 466) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 466 · #89976
ْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) أي: ثم نفخنا فيه الروح، فتحرك وصار (خَلْقًا آخَرَ) ذا سمع وبصر وإدراك وحركة واضطراب (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا جعفر بن مُسافر، حدثنا يحيى بن حسان، حدثنا النضر -يعني: ابن كثير، مولى بني هاشم-حدثنا زيد بن علي، عن أبيه، عن علي بن أبي طالب، ﵁، قال: إذا أتمت النطفة أربعة أشهر، بُعِث إليها مَلك فنفخ فيها الروح في الظلمات الثلاث، فذلك قوله: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) يعني: نفخنا فيه الروح. ورُوي عن أبي سعيد الخدري أنه نَفْخُ الروح. قال ابن عباس: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) يعني به: الروح.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 467) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 467 · #89977
هُ خَلْقًا آخَرَ) يعني: نفخنا فيه الروح. ورُوي عن أبي سعيد الخدري أنه نَفْخُ الروح. قال ابن عباس: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) يعني به: الروح. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والشعبي، والحسن، وأبو العالية، والضحاك، والربيع بن أنس، والسدي، وابنُ زيد، واختاره ابنُ جرير. وقال العَوْفِيّ، عن ابن عباس: (ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ) يعني: ننقله من حال إلى حال، إلى أن خرج طفلا ثم نشأ صغيرًا، ثم احتلم، ثم صار شابًّا، ثم كهلا ثم شيخًا، ثم هرما. وعن قتادة، والضحاك نحو ذلك. ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح [فيه] شَرَع في هذه التنقلات والأحوال.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 467) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 467 · #89978
تلم، ثم صار شابًّا، ثم كهلا ثم شيخًا، ثم هرما. وعن قتادة، والضحاك نحو ذلك. ولا منافاة، فإنه من ابتداء نفخ الروح [فيه] شَرَع في هذه التنقلات والأحوال. والله أعلم. قال الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن زيد بن وهب، عن عبد الله -هو ابن مسعود-قال: حدثنا رسول الله ﷺ، وهو الصادق المصدوق: "إن أحدكم ليُجمع خَلقُه في بطن أمه أربعين يومًا، ثم يكون علقة مثل ذلك، ثم يكون مضغة مثل ذلك، ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح، ويؤمر بأربع كلمات: رزقه، وأجله، وعمله، وهل هو شقي أو سعيد، فوالذي لا إله غيره، إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل النار فيدخلها، وإن الرجل ليعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها". أخرجاه من حديث سليمانَ بن مِهْرَان الأعمش.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 467) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 467 · #89979
يعمل بعمل أهل النار، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيختم له بعمل أهل الجنة فيدخلها". أخرجاه من حديث سليمانَ بن مِهْرَان الأعمش. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان، حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: قال عبد الله -يعني: ابن مسعود-إن النطفة إذا وقعت في الرحم، طارت في كل شعر وظفر، فتمكث أربعين يوما، ثم تتحدّر في الرحم فتكون علقة. وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا حسين بن الحسن، حدثنا أبو كُدَيْنة، عن عطاء بن السائب، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن عبد الله قال: مَرَّ يهوديّ برسول الله ﷺ وهو يحدث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يَزعمُ أنه نبي. فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي. قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد، مِمَّ يخلق الإنسان؟
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 467) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 467 · #89980
دث أصحابه، فقالت قريش: يا يهودي، إن هذا يَزعمُ أنه نبي. فقال: لأسألنه عن شيء لا يعلمه إلا نبي. قال: فجاءه حتى جلس، فقال: يا محمد، مِمَّ يخلق الإنسان؟ فقال: "يا يهودي، من كلٍّ يُخْلَقُ، من نطفة الرجل ومن نطفة المرأة، فأما نطفة الرجل فنطفة غليظة منها العظم والعَصَب، وأما نطفة المرأة فنطفة رقيقة منها اللحم والدم" فقام اليهودي فقال: هكذا كان يقول من قبلك. وقال الإمام أحمد: حدثنا سفيان عن عمرو، عن أبي الطُّفَيْل، حُذَيْفَة بن أُسَيْد الغفاري قال: سمعتُ رسول الله ﷺ يقول: "يدخل المَلك على النطفة بعد ما تستقر في الرحم بأربعين ليلة، فيقول: يا رب، ماذا؟ أشقي أم سعيد؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله، فيكتبان. فيقولان: ماذا؟ أذكر أم أنثى؟ فيقول الله ﷿، فيكتبان ويُكْتَبُ عمله، وأثره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يُزاد على ما فيها ولا ينقص". وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -وهو ابن دينار-به نحوه.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 468) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 468 · #89981
ره، ومصيبته، ورزقه، ثم تطوى الصحيفة، فلا يُزاد على ما فيها ولا ينقص". وقد رواه مسلم في صحيحه، من حديث سفيان بن عيينة، عن عمرو -وهو ابن دينار-به نحوه. ومن طُرَق أخرَى، عن أبي الطفيل عامر بن واثلة، عن حذيفة بن أسيد أبي سريحة الغفاري بنحوه، والله أعلم. وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا أحمد بن عبدة، حدثنا حماد بن زيد، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إن الله وكّل بالرحم مَلكًا فيقول: أي رب، نطفة. أيْ رب، علقة أي رب، مضغة. فإذا أراد الله خلقها قال: يا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 468) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 468 · #89982
إن الله وكّل بالرحم مَلكًا فيقول: أي رب، نطفة. أيْ رب، علقة أي رب، مضغة. فإذا أراد الله خلقها قال: يا رب، ذكر أو أنثى؟ شقي أو سعيد؟ فما الرزق والأجل؟ " قال: "فذلك يكتب في بطن أمه". أخرجاه في الصحيحين من حديث حماد بن زيد به. وقوله: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) يعني: حين ذكر قدرته ولطفه في خلق هذه النطفة من حال إلى حال، وشكل إلى شكل، حتى تصورت إلى ما صارت إليه من الإنسان السَّوِيّ الكامل الخلق، قال: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن حبيب، حدثنا أبو داود، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا علي بن زيد، عن أنس، قال: قال عمر -يعني: ابن الخطاب ﵁: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) الآية، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين.
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 468) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 468 · #89983
طاب ﵁: وافقت ربي ووافقني في أربع: نزلت هذه الآية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) الآية، قلت أنا: فتبارك الله أحسن الخالقين. فنزلت: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ) وقال أيضًا: حدثنا أبي، حدثنا آدم بن أبي إياس، حدثنا شَيْبَان، عن جابر الجُعْفِي، عن عامر الشعبي، عن زيد بن ثابت الأنصاري قال: أملى عليَّ رسولُ الله هذه الآية: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإنْسَانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ) إلى قوله: (خَلْقًا آخَرَ)، فقال معاذ: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فضحك رسول الله ﷺ. فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟
QS 23:12-16 (jilid 5 hlm. 469) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 469 · #89984
مِنْ طِينٍ) إلى قوله: (خَلْقًا آخَرَ)، فقال معاذ: (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ)، فضحك رسول الله ﷺ. فقال له معاذ: مم ضحكت يا رسول الله؟ قال: "بها ختمت (فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ). جابر بن يزيد الجُعْفِي ضعيف جدًّا، وفي خبره هذا نَكَارة شَديدة، وذلك أن هذه السورة مكية، وزيد بن ثابت إنما كتب الوحي بالمدينة، وكذلك إسلام معاذ بن جبل إنما كان بالمدينة أيضًا، فالله أعلم. وقوله: (ثُمَّ إِنَّكُمْ بَعْدَ ذَلِكَ لَمَيِّتُونَ) يعني: بعد هذه النشأة الأولى من العدم تَصيرون إلى الموت، (ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تُبْعَثُونَ) يعني: النشأة الآخرة، ﴿ثُمَّ اللَّهُ يُنْشِئُ النَّشْأَةَ الآخِرَةَ﴾ [العنكبوت: ٢٠] يعني: يوم المعاد، وقيام الأرواح والأجساد، فيحاسب الخلائق، ويوفي كل عامل عمله، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 849) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 849 · #103133
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾. بين جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أطوار خلقه الإِنسان ونقله له، من حال إلى حال، ليدل خلقه بذلك على كمال قدرته، واستحقاقه للعبادة وحده جل وعلا. وقد أوضحنا في أول سورة الحج معنى النطفة، والعلقة، والمضغة، وبينا أقوال أهل العلم في المخلقة، وغير المخلقة، والصحيح من ذلك، وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة، أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 849) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 849 · #103134
وغير المخلقة، والصحيح من ذلك، وأوضحنا أحكام الحمل إذا سقط علقة، أو مضغة هل تنقضي به عدة الحامل أو لا؟ وهل تكون الأمة به أم ولد إن كان من سيدها أو لا؟ إلى غير ذلك من أحكام الحمل الساقط، ومتى يرث، ويورث، ومتى يصلي عليه، وأقوال أهل العلم في ذلك في الكلام على قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ﴾ الآيات. وسنذكر هنا ما لم نبينه هنالك مع ذكر الآيات التي لها تعلق بهذا المعنى. أما معنى السلالة: فهي فعالة من سللت الشيء من الشيء، إذ استخرجته منه، ومنه قول أمية بن أبي الصلت: خلق البرية من سلالة منتن ... وإلى السلالة كلها ستعود والولد سلالة أبيه كأنه انسل من ظهر أبيه. ومنه قول حسان ﵁: فجاءت به عضب الأديم غضنفرًا ... سلالة فرج كان غير حصين وبناء الاسم على الفعالة يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 849) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 849 · #103135
عضب الأديم غضنفرًا ... سلالة فرج كان غير حصين وبناء الاسم على الفعالة يدل على القلة كقلامة الظفر، ونحاتة الشيء المنحوت، وهي ما يتساقط منه عند النحت. والمراد بخلق الإِنسان من سلالة الطين: خلق أبيهم آدم منه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ﴾. وقد أوضحنا فيما مضى أطوار ذلك التراب، وأنه لما بُلَّ بالماء صار طينًا، ولما خمر صار طينًا لازبًا يلصق باليد، وصار حمأ مسنونًا. قال بعضهم: طينًا أسود منتنًا، وقال بعضهم: المسنون: المصور، كما تقدم إيضاحه في سورة الحجر، ثم لما خلقه من طين خلق منه زوجه حواء، كما قال في أول النساء: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الأعراف: ﴿وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ وقال في الزمر: ﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة كان وجود جنس الإِنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 850) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 850 · #103136
﴿ثُمَّ جَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا﴾ كما تقدم إيضاح ذلك كله، ثم لما خلق الرجل والمرأة كان وجود جنس الإِنسان منهما عن طريق التناسل، فأول أطواره: النطفة، ثم العلقة. . . إلخ. وقد بينا أغلب ذلك في أول سورة الحج. وقوله هنا ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ يعني: بدأه خلق نوع الإِنسان بخلق آدم، وقوله: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ أي: بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإِنسان الذي هو النسل؛ لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 850) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 850 · #103137
طْفَةً﴾ أي: بعد خلق آدم وحواء، فالضمير في قوله: ثم جعلناه لنوع الإِنسان الذي هو النسل؛ لدلالة المقام عليه، كقولهم: عندي درهم ونصفه، أي: نصف درهم آخر. كما أوضح تعالى هذا المعنى في سورة السجدة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ عَالِمُ الْغَيبِ وَالشَّهَادَةِ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ (٦) الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شَيءٍ خَلَقَهُ وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسَانِ مِنْ طِينٍ (٧) ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلَالةٍ مِنْ مَاءٍ مَهِينٍ (٨) ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (٩)﴾ وأشار إلى ذلك بقوله تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ إِذَا أَنْتُمْ بَشَرٌ تَنْتَشِرُونَ (٢٠)﴾ وما ذكره هنا من أطوار خلقه الإنسان أمر كل مكلف أن ينظر فيه. والأمر المطلق يقتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مرارًا. وذلك في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 851) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 851 · #103138
قتضي الوجوب إلَّا لدليل صارف عنه، كما أوضحناه مرارًا. وذلك في قوله: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ (٥) خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ (٦)﴾ الآية. وقد أشار في آيات كثيرة إلى كمال قدرته بنقله الإنسان في خلقه من طور إلى طور، كما أوضحه هنا، وكما في قوله تعالى: ﴿مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (١٣) وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَارًا (١٤)﴾ وبين أن انصراف خلقه عن التفكر في هذا، والاعتبار به مما يستوجب التساؤل والعجب، وأن من غرائب صنعه وعجائب قدرته نقله الإنسان من النطفة، إلى العلقة، ومن العلقة إلى المضغة إلخ مع أنه لم يشق بطن أمه، بل هو مستتر بثلاث ظلمات: وهي ظلمة البطن، وظلمة الرحم، وظلمة المشيمة المنطوية على الجنين، وذلك في قوله جل وعلا: ﴿يَخْلُقُكُمْ فِي بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ خَلْقًا مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ فِي ظُلُمَاتٍ ثَلَاثٍ ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فتأمل معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: عن هذه العجائب والغرائب
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 851) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 851 · #103139
اللَّهُ رَبُّكُمْ لَهُ الْمُلْكُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَأَنَّى تُصْرَفُونَ (٦)﴾ فتأمل معنى قوله: ﴿فَأَنَّى تُصْرَفُونَ﴾ أي: عن هذه العجائب والغرائب التي فعلها فيكم ربكم ومعبودكم. وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ﴾ وقال: ﴿يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية، واستحقاق العبادة.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 851) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 851 · #103140
َّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾ ثم ذكر الحكمة فقال: ﴿لِّنُبَيِّنَ لَكُمْ﴾ أي: لنظهر لكم بذلك عظمتنا، وكمال قدرتنا، وانفرادنا بالإلهية، واستحقاق العبادة. وقال في سورة المؤمن: ﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا ثُمَّ لِتَبْلُغُوا أَشُدَّكُمْ ثُمَّ لِتَكُونُوا شُيُوخًا﴾ وقال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَنْ يُتْرَكَ سُدًى (٣٦) أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى (٣٧) ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى (٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذه كثيرة.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 851) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 851 · #103141
(٣٨) فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى (٣٩) أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى (٤٠)﴾ والآيات بمثل هذه كثيرة. وقد أبهم هذه الأطوار المذكورة في قوله: ﴿كَلَّا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ (٣٩)﴾ وذلك الإبهام يدل على ضعفهم وعظمة خالقهم جل وعلا، فسبحانه جل وعلا ما أعظم شأنه وما أكمل قدرته، وما أظهر براهين توحيده. وقد بين في آية المؤمنون هذه: أنه يخلق المضغة عظامًا، وبين في موضع آخر: أنه يركب بعض تلك العظام مع بعض، تركيبًا قويًّا، ويشد بعضها مع بعض، علي أكمل الوجوه وأبدعها، وذلك في قوله: ﴿نَحْنُ خَلَقْنَاهُمْ وَشَدَدْنَا أَسْرَهُمْ﴾ الآية. والأسر: شد العظام بعضها مع بعض، وتآسير السرج ومركب المرأة السيور التي يشد بها، ومنه قول حميد بن ثور: وما دخلت في الخدب حتى تنقضت ... تآسير أعلى قده وتحطما وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسرًا شده بالأسار، وهو القد، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 852) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 852 · #103142
دخلت في الخدب حتى تنقضت ... تآسير أعلى قده وتحطما وفي صحاح الجوهري: أسر قتبه يأسره أسرًا شده بالأسار، وهو القد، ومنه سمي الأسير، وكانوا يشدونه بالقد. فقول بعض المفسرين واللغويين: أسرهم، أي: خلقهم فيه قصور في التفسير؛ لأن الأسر هو الشد القوي بالأسار الذي هو القد، وهو السير المقطوع من جلد البعير ونحوه الذي لم يدبغ. واللَّه جل وعلا يشد بعض العظام ببعض شدًّا محكمًا متماسكًا كما يشد الشيء بالقد، والشد به قوي جدًّا. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 852) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 852 · #103143
ة: ﴿فِي قَرَارٍ مَكِينٍ (١٣)﴾ القرار هنا: مكان الاستقرار، والمكين: المتمكن. وصف القرار به لتمكنه في نفسه بحيث لا يعرض له اختلال، أو لتمكن من يحل فيه. قاله أبو حيان في البحر. وقال الزمخشري: القرار: المستقر، والمراد به: الرحم، وصفت بالمكانة التي هي صفة المستقر فيها، أو بمكانتها في نفسها؛ لأنها مكنت بحيث هي وأحرزت. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ﴾ قال الزمخشري: أي: خلقًا مباينًا للخلق الأول مباينة ما أبعدها حيث جعله حيوانًا، وكان جمادًا، وناطقًا وكان أبكَم، وسميعًا وكان أصم وبصيرًا وكان أكمه، وأودع باطنه وظاهره، بل كل عضو من أعضائه، وجزء من أجزائه عجائب فطره، وغرائب حكمه، لا تدرك بوصف الواصف، ولا بشرح الشارح. انتهى منه. وقال القرطبي: اختلف في الخلق الآخر المذكور، فقال ابن عباس، والشعبي وأبو العالية، والضحاك وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادًا. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره. وقال الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 853) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 853 · #103144
وابن زيد: هو نفخ الروح فيه بعد أن كان جمادًا. وعن ابن عباس: خروجه إلى الدنيا. وقال قتادة: عن فرقة نبات شعره. وقال الضحاك: خروج الأسنان، ونبات الشعر. وقال مجاهد: كمال شبابه. وروي عن ابن عمر. والصحيح أنه عام في هذا، وفي غيره من النطق والإِدراك، وتحصيل المعقولات إلى أن يموت. اهـ منه. والظاهر أن جميع أقوال أهل العلم في قوله: ﴿خَلْقًا آخَرَ﴾ أنه صار بشرًا سويًا بعد أن كان نطفة، ومضغة، وعلقة، وعظامًا كما هو واضح. مسألة وقد استدل بهذه الآية الإِمام أبو حنيفة ﵀ على أن من غصب بيضة، فأفرخت عنده أنه يضمن البيضة، ولا يرد الفرخ؛ لأن الفرخ خلق آخر سوى البيضة، فهو غير ما غصب، وإنما يرد الغاصب ما غضب. وهذا الاستدلال له وجه من النظر. والعلم عند الله تعالى. وقوله تعالى في هذه الآية: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس.
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 854) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 854 · #103145
بَارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخَالِقِينَ (١٤)﴾ وقوله: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ﴾ قال أبو حيان في البحر المحيط: تبارك: فعل ماض لا ينصرف، ومعناه: تعالى وتقدس. اهـ منه. وقوله في هذه الآية: ﴿أَحْسَنُ الخَالِقِينَ (١٤)﴾ أي: المقدرين. والعرب تطلق الخلق وتريد التقدير، ومنه قول زهير: ولأنت تفري ما خلقت ... وبعض القوم يخلق ثم لا يفري فقوله: يخلق ثم لا يفري، أي: يقدر الأمر، ثم لا ينفذه؛ لعجزه عنه كما هو معلوم. ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟
QS 23:14 (jilid 5 hlm. 854) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 5 · hlm. 854 · #103146
جزه عنه كما هو معلوم. ومعلوم أن النحويين مختلفون في صيغة التفضيل إذا أضيفت إلى معرفة، هل إضافتها إضافة محضة، أو لفظية غير محضة، كما هو معروف في محله؟ فمن قال: هي محضة أعرب قوله: ﴿وأَحْسَنُ الخَالِقِينَ﴾ نعتًا للفظ الجلالة، ومن قال: هي غير محضة أعربه بدلًا، وقيل: خبر مبتدأ محذوف، تقديره: هو أحسن الخالقين. وقرأ هذين الحرفين: ﴿فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظَامًا﴾ وقوله: ﴿فَكَسَوْنَا الْعِظَامَ لَحْمًا﴾ ابن عامر وشعبة عن عاصم (عَظْمًا) بفتح العين، وإسكان الظاء من غير ألف بصيغة المفرد فيهما، وقرأه الباقون: (عظامًا) بكسر العين، وفتح الظاء، وألف بعدها بصيغة الجمع، وعلى قراءة ابن عامر وشعبة. فالمراد بالعظم: العظام. وقد قدمنا بإيضاح في أول سورة الحج وغيرها أن المفرد إن كان اسم جنس قد تطلقه العرب، وتريد به معنى الجمع. وأكثرنا من أمثلته في القرآن، وكلام العرب مع تعريفه وتنكيره وإضافته، فأغنى ذلك من إعادته هنا. •
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 21) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 21 · #131772
[سُورَة الْمُؤْمِنُونَ (٢٣) : الْآيَات ١٢ إِلَى ١٤] وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ (١٣) ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ (١٤) الْوَاوُ عَاطِفَةٌ غَرَضًا عَلَى غَرَضٍ وَيُسَمَّى عَطْفَ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ، فَلِلْجُمْلَةِ حُكْمُ الِاسْتِينَافِ لِأَنَّهَا عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ [الْمُؤْمِنُونَ: ١] الَّتِي هِيَ ابْتِدَائِيَّةٌ وَهَذَا شُرُوعٌ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى انْفِرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْخَلْقِ وَبِعَظِيمِ الْقُدْرَةِ الَّتِي لَا يُشَارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَعَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَا فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 21) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 21 · #131773
ارِكُهُ فِيهَا غَيْرُهُ، وَعَلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ مَرْبُوبٌ لِلَّهِ تَعَالَى وَحْدَهُ، وَالِاعْتِبَارُ بِمَا فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ وَمِنْ عَظِيمِ النِّعْمَةِ. فَالْمَقْصُودُ مِنْهُ إِبْطَالُ الشِّرْكِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْأَصْلَ الْأَصِيلَ فِي ضَلَالِ الْمُعْرِضِينَ عَنِ الدَّعْوَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ، وَيَتَضَمَّنُ ذَلِكَ امْتِنَانًا عَلَى النَّاسِ بِأَنَّهُ أَخْرَجَهُمْ مِنْ مَهَانَةِ الْعَدَمِ إِلَى شَرَفِ الْوُجُودِ وَذَلِكَ كُلُّهُ لِيَظْهَرَ الْفَرْقُ بَيْنَ فَرِيقِ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ جَرَوْا فِي إِيمَانِهِمْ عَلَى مَا يَلِيقُ بِالِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ فَرِيقِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحَادُوا عَنْ مُقْتَضَى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 22) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 22 · #131774
بِالِاعْتِرَافِ بِذَلِكَ وَبَيْنَ فَرِيقِ الْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ سَلَكُوا طَرِيقًا غَيْرَ بَيِّنَةٍ فَحَادُوا عَنْ مُقْتَضَى الشُّكْرِ بِالشِّرْكِ. وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِلَامِ الْقَسَمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ مُرَاعًى فِيهِ التَّعْرِيضُ بِالْمُشْرِكِينَ الْمُنَزَّلِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ هَذَا الْخَبَرَ لِعَدَمِ جَرْيِهِمْ عَلَى مُوجِبِ الْعِلْمِ. وَالْخَلْقُ: الْإِنْشَاءُ وَالصُّنْعُ، وَقد تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: قالَ كَذلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشاءُ فِي آلِ عِمْرَانَ [٤٧] . وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ، وَفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، فَالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 22) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 22 · #131775
] . وَالْمُرَادُ بِالْإِنْسَانِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ النَّوْعَ الْإِنْسَانِيَّ، وَفَسَّرَ بِهِ ابْنُ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٌ، فَالتَّعْرِيفُ لِلْجِنْسِ. وَضَمِيرُ جَعَلْناهُ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسَانِ. وَالسُّلَالَةُ: الشَّيْءُ الْمَسْلُولُ، أَيِ الْمُنْتَزَعُ مِنْ شَيْءٍ آخَرَ، يُقَالُ: سَلَلْتُ السَّيْفَ، إِذَا أَخْرَجْتُهُ مِنْ غِمْدِهِ، فَالسُّلَالَةُ خُلَاصَةٌ مِنْ شَيْءٍ، وَوَزْنُ فُعَالَةٌ يُؤْذِنُ بِالْقِلَّةِ مِثْلَ الْقُلَامَةِ وَالصُّبَابَةِ. ومِنْ ابْتِدَائِيَّةٌ، أَيْ خَلَقْنَاهُ مُنْفَصِلًا وَآتِيًا مِنْ سُلَالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلَالَةُ عَلَى هَذَا مَجْمُوعَ مَاءِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْمَسْلُولِ مِنْ دَمِهِمَا.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 22) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 22 · #131776
َلَقْنَاهُ مُنْفَصِلًا وَآتِيًا مِنْ سُلَالَةٍ، فَتَكُونُ السُّلَالَةُ عَلَى هَذَا مَجْمُوعَ مَاءِ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى الْمَسْلُولِ مِنْ دَمِهِمَا. وَهَذِهِ السُّلَالَةُ هِيَ مَا يُفْرِزُهُ جِهَازُ الْهَضْمِ مِنَ الْغِذَاءِ حِينَ يَصِيرُ دَمًا فَدَمُ الذَّكَرِ حِينَ يَمُرُّ عَلَى غُدَّتَيِ التَّنَاسُلِ (الْأُنْثَيَيْنِ) تُفْرِزُ مِنْهُ الْأُنْثَيَانِ مَادَّةً دُهْنِيَّةً شَحْمِيَّةً تَحْتَفِظُ بِهَا وَهِيَ الَّتِي تَتَحَوَّلُ إِلَى مَنِيٍّ حِينَ حَرَكَةِ الْجِمَاعِ، فَتِلْكَ السُّلَالَةُ مُخْرَجَةٌ مِنَ الطِّينِ لِأَنَّهَا مِنَ الْأَغْذِيَةِ الَّتِي أَصْلُهَا مِنَ الْأَرْضِ. وَدَمُ الْمَرْأَةِ إِذَا مَرَّ عَلَى قَنَاةِ فِي الرَّحِمِ تَرَكَ فِيهَا بُوَيْضَاتٍ دَقِيقَةً هِيَ بَذْرُ الْأَجِنَّةِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 22) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 22 · #131777
ِي أَصْلُهَا مِنَ الْأَرْضِ. وَدَمُ الْمَرْأَةِ إِذَا مَرَّ عَلَى قَنَاةِ فِي الرَّحِمِ تَرَكَ فِيهَا بُوَيْضَاتٍ دَقِيقَةً هِيَ بَذْرُ الْأَجِنَّةِ. وَمِنَ اجْتِمَاعِ تِلْكَ الْمَادَّةِ الدُّهْنِيَّةِ الَّتِي فِي الْأُنْثَيَيْنِ مَعَ الْبُوَيْضَةِ مِنَ الْبُوَيْضَاتِ الَّتِي فِي قَنَاةِ الرَّحِمِ يَتَكَوَّنُ الْجَنِينُ فَلَا جَرَمَ هُوَ مَخْلُوقٌ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ. وَقَوْلُهُ ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ طَوْرٌ آخَرُ لِلْخَلْقِ وَهُوَ طَوْرُ اخْتِلَاطِ السُّلَالَتَيْنِ فِي الرَّحِمِ. سُمِّيَتْ سُلَالَةُ الذَّكَرَ نُطْفَةً لِأَنَّهَا تُنْطَفُ، أَيْ تُقْطَرُ فِي الرَّحِمِ فِي قَنَاةٍ مَعْرُوفَةٍ وَهُوَ الْقَرَارُ الْمَكِينُ. فَ نُطْفَةً مَنْصُوبٌ عَلَى الْحَالِ وَقَوْلُهُ: فِي قَرارٍ مَكِينٍ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِ جَعَلْناهُ. وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَعْلَ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ السُّلَالَةِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 23) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 23 · #131778
رارٍ مَكِينٍ هُوَ الْمَفْعُولُ الثَّانِي لِ جَعَلْناهُ. وثُمَّ لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ لِأَنَّ ذَلِكَ الْجَعْلَ أَعْظَمُ مِنْ خَلْقِ السُّلَالَةِ. فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ مِنَ السُّلَالَةِ، فَالْمَعْنَى: جَعَلْنَا السُّلَالَةَ فِي قَرَارٍ مَكِينٍ، أَيْ وَضَعْنَاهَا فِيهِ حِفْظًا لَهَا، وَلِذَلِكَ غَيَّرَ فِي الْآيَةِ التَّعْبِيرَ عَنْ فِعْلِ الْخَلْقِ إِلَى فِعْلِ الْجَعْلِ الْمُتَعَدِّي بِ (فِي) بِمَعْنَى الْوَضْعِ. وَالْقَرَارُ فِي الْأَصْلِ: مَصْدَرُ قَرَّ إِذَا ثَبَتَ فِي مَكَانِهِ، وَقَدْ سُمِّيَ بِهِ هُنَا الْمَكَانُ نَفْسُهُ. وَالْمَكِينُ: الثَّابِتُ فِي الْمَكَانِ بِحَيْثُ لَا يُقْلِعُ مِنْ مَكَانِهِ، فَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُوصَفَ بِالْمَكِينِ الشَّيْءُ الْحَالُّ فِي الْمَكَانِ الثَّابِتُ فِيهِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 23) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 23 · #131779
لْمَكَانِ بِحَيْثُ لَا يُقْلِعُ مِنْ مَكَانِهِ، فَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُوصَفَ بِالْمَكِينِ الشَّيْءُ الْحَالُّ فِي الْمَكَانِ الثَّابِتُ فِيهِ. وَقَدْ وَقَعَ هُنَا وَصْفًا لِنَفْسِ الْمَكَانِ الَّذِي اسْتَقَرَّتْ فِيهِ النُّطْفَةُ، عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ الْعَقْلِيِّ لِلْمُبَالَغَةِ، وَحَقِيقَتُهُ مَكِينٌ حَالُّهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ قَوْلُهُ تَعَالَى: أَكَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٣٧] وَقَوْلُهُ: فَإِنَّا خَلَقْناكُمْ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٥] . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدَمُ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 23) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 23 · #131780
مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ فِي سُورَةِ الْحَجِّ [٥] . وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْإِنْسَانِ فِي قَوْلِهِ: وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ آدَمُ. وَقَالَ بِذَلِكَ قَتَادَةُ فَتَكُونُ السُّلَالَةُ الطِّينَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي كَوَّنَ اللَّهُ مِنْهَا آدَمَ وَهِيَ الصَّلْصَالُ الَّذِي مَيَّزَهُ مِنَ الطِّينِ فِي مَبْدَأِ الْخَلِيقَةِ، فَتِلْكَ الطِّينَةُ مَسْلُولَةٌ سَلًّا خَاصًّا مِنَ الطِّينِ لِيَتَكَوَّنَ مِنْهَا حَيٌّ، وَعَلَيْهِ فَضَمِيرُ جَعَلْناهُ نُطْفَةً عَلَى هَذَا الْوَجْهِ عَائِدٌ إِلَى الْإِنْسَانِ بِاعْتِبَارِ كَوْنِهِ نَسْلًا لِآدَمَ فَيَكُونُ فِي الضَّمِيرِ اسْتِخْدَامٌ، وَيَكُونُ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ كَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السَّجْدَة: ٧، ٨] .
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 23) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 23 · #131781
لْآيَةِ كَمَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: وَبَدَأَ خَلْقَ الْإِنْسانِ مِنْ طِينٍ ثُمَّ جَعَلَ نَسْلَهُ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ ماءٍ مَهِينٍ [السَّجْدَة: ٧، ٨] . وَحَرْفُ (ثُمَّ) فِي قَوْلِهِ: ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً لِلتَّرْتِيبِ الرُّتْبِيِّ إِذْ كَانَ خَلْقُ النُّطْفَةِ عَلَقَةً أَعْجَبَ مِنْ خَلْقِ النُّطْفَة إِذْ قد صَيَّرَ الْمَاءَ السَّائِلَ دَمًا جَامِدًا فَتَغَيَّرَ بِالْكَثَافَةِ وَتَبَدَّلَ اللَّوْنُ مِنْ عَوَامِلَ أَوْدَعَهَا اللَّهُ فِي الرَّحِمِ. وَمِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ الْعِلْمِيِّ تَسْمِيَةُ هَذَا الْكَائِنِ بِاسْمِ الْعَلَقَةِ فَإِنَّهُ وَضْعٌ بَدِيعٌ لِهَذَا الِاسْمِ إِذْ قَدْ ثَبَتَ فِي عِلْمِ التَّشْرِيحِ أَنَّ هَذَا الْجُزْءَ الَّذِي اسْتَحَالَتْ إِلَيْهِ النُّطْفَةُ هُوَ كَائِنٌ لَهُ قُوَّةُ امْتِصَاصِ الْقُوَّةِ مِنْ دَمِ الْأُمِّ بِسَبَبِ الْتِصَاقِهِ بِعُرُوقٍ فِي الرَّحِمِ تَدْفَعُ إِلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ، وَالْعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِنْ دَمٍ عَاقِدٍ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 24) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 24 · #131782
قُوَّةِ مِنْ دَمِ الْأُمِّ بِسَبَبِ الْتِصَاقِهِ بِعُرُوقٍ فِي الرَّحِمِ تَدْفَعُ إِلَيْهِ قُوَّةَ الدَّمِ، وَالْعَلَقَةُ: قِطْعَةٌ مِنْ دَمٍ عَاقِدٍ. وَالْمُضْغَةُ: الْقِطْعَةُ الصَّغِيرَةُ مِنَ اللَّحْمِ مِقْدَارُ اللُّقْمَةِ الَّتِي تُمْضَغُ. وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْحَجِّ كَيْفِيَّةُ تَخَلُّقِ الْجَنِينِ. وَعَطَفَ جَعْلَ الْعَلَقَةِ مُضْغَةً بِالْفَاءِ لِأَنَّ الِانْتِقَالَ مِنَ الْعَلَقَةِ إِلَى الْمُضْغَةِ يُشْبِهُ تَعْقِيبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إِذِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ الْجَامِدُ مُتَقَارِبَانِ فَتَطَوُّرُهُمَا قَرِيبٌ وَإِنْ كَانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 24) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 24 · #131783
يبَ شَيْءٍ عَنْ شَيْءٍ إِذِ اللَّحْمُ وَالدَّمُ الْجَامِدُ مُتَقَارِبَانِ فَتَطَوُّرُهُمَا قَرِيبٌ وَإِنْ كَانَ مُكْثُ كُلِّ طَوْرٍ مُدَّةً طَوِيلَةً. وَخَلْقُ الْمُضْغَةِ عِظَامًا هُوَ تَكْوِينُ الْعِظَامِ فِي دَاخِلِ تِلْكَ الْمُضْغَةِ وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ تَكْوِينِ الْهَيْكَلِ الْإِنْسَانِيِّ مِنْ عَظْمٍ وَلَحْمٍ، وَقَدْ دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً بِفَاءِ التَّفْرِيعِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي قُرِّرَ فِي عَطْفِ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ بِالْفَاءِ. فَمَعْنَى فَكَسَوْنَا أَنَّ اللَّحْمَ كَانَ كَالْكِسْوَةِ لِلْعِظَامِ وَلَا يَقْتَضِي ذَلِكَ أَنَّ الْعِظَامَ بَقِيَتْ حِينًا غَيْرَ مَكْسُوَّةٍ، وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: «إِنَّ أَحَدَكُمْ يُجْمَعُ خَلْقُهُ فِي بَطْنِ أُمِّهِ أَرْبَعِينَ يَوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ»
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 24) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 24 · #131784
َوْمًا نُطْفَةً ثُمَّ يَكُونُ عَلَقَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يَكُونُ مُضْغَةً مِثْلَ ذَلِكَ ثُمَّ يُرْسَلُ إِلَيْهِ الْمَلَكُ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» الْحَدِيثُ، فَإِذَا نُفِخَ فِيهِ الرُّوحُ فَقَدْ تَهَيَّأَ لِلْحَيَاةِ وَالنَّمَاءِ وَذَلِكَ هُوَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ لِأَنَّ الْخَلْقَ الْمَذْكُورَ قَبْلَهُ كَانَ دُونَ حَيَاةٍ ثُمَّ نَشَأَ فِيهِ خَلْقُ الْحَيَاةِ وَهِيَ حَالَةٌ أُخْرَى طَرَأَتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْإِنْشَاءِ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 24) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 24 · #131785
ْمَذْكُورَ قَبْلَهُ كَانَ دُونَ حَيَاةٍ ثُمَّ نَشَأَ فِيهِ خَلْقُ الْحَيَاةِ وَهِيَ حَالَةٌ أُخْرَى طَرَأَتْ عَلَيْهِ عَبَّرَ عَنْهَا بِالْإِنْشَاءِ. وَلِلْإِشَارَةِ إِلَى التَّفَاوُتِ الرُّتْبِيِّ بَيْنَ الْخَلْقَيْنِ عَطَفَ هَذَا الْإِنْشَاءَ بِ (ثُمَّ) الدَّالَّةِ عَلَى أَصْلِ التَّرْتِيبِ فِي عَطْفِ الْجُمَلِ بِ (ثُمَّ) . وَهَذِهِ الْأَطْوَارُ الَّتِي تَعَرَّضَتْ لَهَا الْآيَةُ سَبْعَةُ أَطْوَارٍ فَإِذَا تَمَّتْ فَقَدْ صَارَ الْمُتَخَلِّقُ حَيًّا، وَفِي «شَرْحِ الْمُوَطَّأِ» : «تَنَاجَى رَجُلَانِ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: مَا هَذِهِ الْمُنَاجَاةُ؟
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 24) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 24 · #131786
«شَرْحِ الْمُوَطَّأِ» : «تَنَاجَى رَجُلَانِ فِي مَجْلِسِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعَلِيٌّ حَاضِرٌ فَقَالَ لَهُمَا عُمَرُ: مَا هَذِهِ الْمُنَاجَاةُ؟ فَقَالَ أَحَدُهُمَا: إِنَّ الْيَهُودَ يَزْعُمُونَ أَنَّ الْعَزْلَ هُوَ الْمَوْءُودَةُ الصُّغْرَى، فَقَالَ عَلِيٌّ: لَا تَكُونُ مَوْءُودَةً حَتَّى تَمُرَّ عَلَيْهَا التَّارَاتُ السَّبْعُ وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ الْآيَةَ، فَقَالَ عُمَرُ لِعَلِيٍّ: صَدَقْتَ أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ» . فَقِيلَ: إِنَّ عُمَرَ أَوَّلُ مَنْ دَعَا بِكَلِمَةِ «أَطَالَ اللَّهُ بَقَاءَكَ» . وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْعِظامَ فِيهِمَا. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَن عَاصِم عِظاماً..
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 25) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 25 · #131787
خَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الْعِظامَ فِيهِمَا. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَن عَاصِم عِظاماً.. والْعَظْمُ بِصِيغَةِ الْإِفْرَادِ. وَفُرِّعَ عَلَى حِكَايَةِ هَذَا الْخَلْقِ الْعَجِيبِ إِنْشَاءُ الثَّنَاءِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ أَيْ أَحْسَنُ الْمُنْشِئِينَ إِنْشَاءً، لِأَنَّهُ أَنْشَأَ مَا لَا يَسْتَطِيعُ غَيْرُهُ إِنْشَاءَهُ. وَلَمَّا كَانَتْ دَلَالَةُ خَلْقِ الْإِنْسَانِ عَلَى عِظَمِ الْقُدْرَةِ أَسْبِقَ إِلَى اعْتِبَارِ الْمُعْتَبِرِ كَانَ الثَّنَاءُ الْمُعَقَّبُ بِهِ ثَنَاءً عَلَى بَدِيعِ قُدْرَةِ الْخَالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 25) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 25 · #131788
اعْتِبَارِ الْمُعْتَبِرِ كَانَ الثَّنَاءُ الْمُعَقَّبُ بِهِ ثَنَاءً عَلَى بَدِيعِ قُدْرَةِ الْخَالِقِ مُشْتَقًّا مِنَ الْبَرَكَةِ وَهِيَ الزِّيَادَةُ. وَصِيغَةُ تَفَاعَلَ صِيغَةُ مُطَاوَعَةٍ فِي الْأَصْلِ، وَأَصْلُ الْمُطَاوَعَةِ قَبُولُ أَثَرِ الْفِعْلِ، وَتُسْتَعْمَلُ فِي لَازِمِ ذَلِكَ وَهُوَ التَّلَبُّسُ بِمَعْنَى الْفِعْلِ تَلَبُّسًا مَكِينًا لِأَنَّ شَأْنَ الْمُطَاوَعَةِ أَنْ تَكُونَ بَعْدَ مُعَالَجَةِ الْفِعْلِ فَتَقْتَضِي ارْتِسَاخَ مَعْنَى الْفِعْلِ فِي الْمَفْعُولِ الْقَابِلِ لَهُ حَتَّى يَصِيرَ ذَلِكَ الْمَفْعُولُ فَاعِلًا فَيُقَالُ: كَسَّرْتُهُ فَتَكَسَّرَ، فَلِذَلِكَ كَانَ تَفَاعَلَ إِذَا جَاءَ بِمَعْنَى فَعَلَ دَالًّا عَلَى الْمُبَالَغَةِ كَمَا صَرَّحَ بِهِ الرَّضِيُّ فِي «شَرْحِ الشَّافِيَةِ» ، وَلِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ الْمُطَاوَعَةِ وَصِيَغُ التَّكَلُّفِ غَالِبًا فِي نَحْوِ: تَثَنَّى. وَتَكَبَّرَ، وَتَشَامَخَ، وتقاعس.
QS 23:12-14 (jilid 18 hlm. 25) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 18 · hlm. 25 · #131789
ْحِ الشَّافِيَةِ» ، وَلِذَلِكَ تَتَّفِقُ صِيَغُ الْمُطَاوَعَةِ وَصِيَغُ التَّكَلُّفِ غَالِبًا فِي نَحْوِ: تَثَنَّى. وَتَكَبَّرَ، وَتَشَامَخَ، وتقاعس. فَمَعْنَى فَتَبارَكَ اللَّهُ أَنَّهُ مَوْصُوفٌ بِالْعَظَمَةِ فِي الْخَيْرِ، أَيْ عَظَمَةُ مَا يُقَدِّرُهُ مِنْ خَيْرٍ لِلنَّاسِ وَصَلَاحٍ لَهُمْ. وَبِهَذَا الِاعْتِبَارِ تَكُونُ الْجُمْلَةُ تَذْيِيلًا لِأَنَّ تَبَارَكَ لَمَّا حُذِفَ مُتَعَلِّقُهُ كَانَ عَامًّا فَيَشْمَلُ عَظَمَةَ الْخَيْرِ فِي الْخَلْقِ وَفِي غَيْرِهِ. وَكَذَلِكَ حَذْفُ مُتَعَلِّقِ الْخالِقِينَ يَعُمُّ خَلْقَ الْإِنْسَانِ وَخَلْقَ غَيْرِهِ كالجبال وَالسَّمَاوَات. [١٥، ١٦]