(Ingatlah), ketika para malaikat berkata, "Wahai Maryam! Sesungguhnya Allah menyampaikan kabar gembira kepadamu tentang suatu kalimat (firman) dari-Nya (yaitu seorang putera) namanya Al-Masih Isa putra Maryam, seorang terkemuka di dunia dan di akhirat, dan termasuk orang-orang yang didekatkan (kepada Allah)
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
القولُ في تأويل قوله: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
يعنى بقوله جل ثناؤه: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ﴾: وما كنتَ لديهم إذ يَخْتَصِمون، وما كنتَ لديهم أيضًا إذ قالت الملائكةُ: يا مريم إِنَّ الله يُبشِّرُك. والتبشيرُ: إخبارُ المرء بما يَسُرُّه من خيرٍ.
وقوله: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. يعنى: برسالةٍ مِن اللهِ وخبرٍ مِن عندِه. وهو مِن قولِ القائل: ألقى فلانٌ إلى كلمةً سرَّني بها. بمعنى: أخبرَني خبرًا فرِحتُ به. كما قال جل ثناؤه: ﴿وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ﴾ [النساء: ١٧١] يعني: بُشْرَى الله مريمَ بعيسى ألقاها إليها.
فتأويلُ الكلامِ: وما كنتَ يا محمدُ عندَ القومِ إذ قالت الملائكةُ لمريمَ: يا مريمُ إن الله يُبَشِّرُكِ ببُشْرَى مِن عندِه، هي ولدٌ لكِ اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ.
وقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التي قال الله ﷿: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.
رُكِ ببُشْرَى مِن عندِه، هي ولدٌ لكِ اسمُه المسيحُ عيسى ابن مريمَ.
وقد قال قومٌ - وهو قولُ قتادةَ -: إن الكلمةَ التي قال الله ﷿: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. هو قوله: "كُنْ".
حدَّثنا بذلك الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ قال: قولُه: "كنْ".
فسمَّاه اللهُ ﷿ كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لِما قدَّر اللهُ مِن شيءٍ: هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعني به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث.
كنْ".
فسمَّاه اللهُ ﷿ كلمتَه لأنه كان عن كلمتِه، كما يقالُ لِما قدَّر اللهُ مِن شيءٍ: هذا قدرُ اللهِ وقضاؤُه. يعني به: هذا عن قدرِ اللهِ وقضائه حدَث. وكما قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا﴾ [النساء: ٤٧، والأحزاب: ٣٧] يعنى به: ما أمَر اللهُ به، وهو المأمورُ الذي كان عن أمرِ الله ﷿.
وقال آخرون: بل هي اسمٌ لعيسى، سمَّاه الله بها كما سمَّى سائرَ خلقِه بما شاء مِن الأسماءِ.
ورُوى عن ابن عباسٍ أنه قال: الكلمةُ هي عيسى.
حدَّثنا ابن وَكِيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن سِمَاكٍ، عن عِكْرِمَةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾.
قال: عيسى هو الكلمةُ مِن اللهِ.
وأقربُ الوجوه إلى الصواب عندى القولُ الأوّلُ، وهو أن الملائكةَ بشَّرت مريمَ بعيسى عن الله ﷿ برسالته وكلمته التي أمرها أن تُلْقِيَها إليها، أن
الله خالقٌ منها وَلدًا من غيرِ بَعْل ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال ﷿: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾.
بعيسى عن الله ﷿ برسالته وكلمته التي أمرها أن تُلْقِيَها إليها، أن
الله خالقٌ منها وَلدًا من غيرِ بَعْل ولا فَحْلٍ؛ ولذلك قال ﷿: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. فذكَّر، ولم يقلْ: اسمُها. فيُؤَنَّثَ، و "الكلمةُ" مونثةٌ؛ لأن الكلمةَ غيرُ مقصودٍ بها قصدُ الاسم الذي هو بمعنى "فلانٍ" وإنما هي بمعنى البِشارةِ، فذُكِّرت كنايتُها كما تُذَكَّرُ كنايةُ "الذُّرِّيَّةِ" و "الدابَّةِ" و "الألقابِ"، على ما قد بيّنَّاه قبلُ فيما مضَى.
فتأويل ذلك كما قلنا آنفًا من أن معنى ذلك: إن الله يُبَشِّرُكِ بِبُشْرَى. ثم بيَّن عن البشرى أنها ولدٌ اسمُه المسيحُ.
وقد زعَم بعضُ نحويِّي البصرةِ أنه إنما ذكَّر فقال: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ﴾. وقد قال: ﴿بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾. والكلمةُ عندَه هي عيسى؛ لأنه في المعنى كذلك، كما قال جلّ ثناؤُه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦] ثم قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: ٥٩] وكما يقالُ: ذو الثُّدَيَّةِ.
ؤُه: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا﴾ [الزمر: ٥٦] ثم قال: ﴿بَلَى قَدْ جَاءَتْكَ آيَاتِي فَكَذَّبْتَ بِهَا﴾ [الزمر: ٥٩] وكما يقالُ: ذو الثُّدَيَّةِ. لأن يدَه كانت قصيرةً قريبةً من ثَديَيْه، فجعلها كأن اسمَها ثَدْيَةٌ، ولولا ذلك لم تَدْخُلِ الهاءُ في التصغيرِ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفِة نحوَ قولِ مَن ذكَرنا مِن نحويِّى البصرةِ، في أن الهاءَ مِن ذِكرِ "الكلمةِ"، وخالفه في المعنى الذي مِن أجلِه ذُكِّر قولُه: ﴿اسْمُهُ﴾. و"الكلمةُ" متقدمةٌ قبلَه، فزعَم أنه إنما قيل: ﴿اسْمُهُ﴾. وقد قُدِّمت "الكلمةُ"، ولم يقلِ: "اسمُها". لأن مِن شأنِ العربِ أن تَفْعَلَ ذلك فيما كان مِن النُّعوتِ والألقابِ والأسماءِ التي لم تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلانٍ وفلانٍ، وذلك مثلُ الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا.
تُوضَعْ لتعريفِ المُسَمَّى به؛ كفلانٍ وفلانٍ، وذلك مثلُ الذُّرِّيَّةِ والخليفةِ والدابَّةِ، ولذلك جاز عندَه أن يقالَ: ذريةً طيبةً، وذُرِّيَّةً طيبًا. ولم
يَجُزْ أن يقالَ: طلحةُ أقبلَت، ومغيرةُ قامت.
وأنكر بعضُهم اعتلالَ مَن اعتَلَّ في ذلك بذى الثُّدَيَّةِ، وقالوا: إنّما أُدخِلت الهاءُ في ذى الثُّدَيَّةِ لأنه أُريد بذلك القطعةُ من الثَّدْي، كما قيل: كنَّا في لحمةٍ ونَبيذة. يُرادُ به القطعةُ منه.
وهذا القولُ نحو قولِنا الذي قلناه في ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾.
ل: كنَّا في لحمةٍ ونَبيذة. يُرادُ به القطعةُ منه.
وهذا القولُ نحو قولِنا الذي قلناه في ذلك.
وأمَّا قولُه: ﴿اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ﴾. فإنه جل ثناؤُه أنبَأ عبادَه عن نسبةٍ عيسى، وأنه ابن أمِّه مريمَ، ونفَى بذلك عنه ما أضاف إليه المُلْحِدون في اللهِ جل ثناؤُه مِن النصارى، مِن إضافتهم بُنُوَّتَه إلى الله ﷿، وما قرَفت أمَّه به المُفْتَرِيةُ عليها من اليهود.
كما حدَّثني به ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزُّبيرِ: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلَائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾ أي: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه.
وأمَّا "المسيحُ"، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ، يعنى: مسَحه الله فطهَّره من الذنوبِ.
: هكذا كان أمرُه، لا ما يقولون فيه.
وأمَّا "المسيحُ"، فإنه فَعِيلٌ، صُرِف مِن مفعولٍ إلى فعيلٍ. وإنما هو ممسوحٌ، يعنى: مسَحه الله فطهَّره من الذنوبِ. ولذلك قال إبراهيمُ: المسيحُ الصدِّيقُ.
وقال آخرون: مُسِح بالبركةِ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيم مثلَه.
حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا ابن المُباركِ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ مثلَه.
حدَّثنا ابن البَرْقيِّ، قال: ثنا عَمرُو بنُ أَبي سَلَمةَ، قال: قال سعيدٌ: إنما سُمِّى المسيحَ لأنه مُسح بالبركةِ.
القولُ في تأويل قولِه: ﴿وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾
يعني بقوله: ﴿وَجِيهًا﴾: ذا وجهٍ ومنزلةٍ عاليةٍ عندَ اللهِ وشرَفٍ وكَرامةٍ. ومنه يقالُ للرجل الذي يَشْرفُ وتُعَظِّمُه الملوك والناسُ: وجيهٌ. يقالُ منه: ما كان فلانٌ وجيهًا، ولقد وَجُهَ وَجاهةٌ، وإن له لوَجهًا عندَ السلطانِ وجَاهًا ووَجَاهةً. و "الجاه" مقلوبٌ، قلبت واؤه من أوَّلِه إلى موضعِ العينِ منه، منه، فقيل: جاه. وإنما هو وجهٌ، "وفَعَلَ" مِن الجاهِ: جاهَ يَجُوهُ، مسموعٌ مِن العربِ: أخافُ أَن يَجُوهَني بأكثرَ مِن هذا. بمعنَى: أن يَسْتَقْبِلَني في وجهي بأعظمَ منه.
وأمَّا نصبُ "الوَجيهِ" فعلَى القطعِ مِن "عيسى"؛ لأن "عيسى" معرفةٌ، و "وجيه" نَكِرةٌ، وهو من نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على "الكلمةِ" كان جائزًا.
وبما قلنا مِن أن تأويلَ ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله.
"وجيه" نَكِرةٌ، وهو من نعتِه، ولو كان مخفوضًا على الرَّدِّ على "الكلمةِ" كان جائزًا.
وبما قلنا مِن أن تأويلَ ذلك: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله. قال - فيما بلغنا - محمدُ بنُ جعفرٍ.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سلَمةُ،، عن ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرِ بن الزبير: ﴿وَجِيهًا﴾ قال: وجيهًا في الدنيا والآخرة عند الله.
وأمَّا قولُه ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. فإنه يعنى أنه ممن يُقَرِّبُه اللهُ يومَ القيامة، فيُسْكِنُه في جواره ويُدْنيه منه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عند الله يومَ القيامة.
حُدِّثت عن عمَّارِ بن الحسنِ، قال: ثنا ابن أبى جعفرٍ، عن أبِيه، عن الربيعِ قوله: ﴿وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ﴾. يقولُ: مِن المُقَرَّبين عندَ الله يومَ القيامةِ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرِ، عن أبيه، عن الربيعِ مثلَه.
﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (٤٥)﴾
هذه بشارة من الملائكة لمريم، ﵍، بأن سيوجد منها ولد عظيم، له شأن كبير. قال الله تعالى: (إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ) أي: بولد يكون وجوده بكلمة من الله، أي: بقوله له: "كن" فيكون، وهذا تفسير قوله: ﴿مُصَدِّقًا بِكَلِمَةٍ مِنَ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩] كما ذكره الجمهور على ما سبق بيانه (اسْمُهُ الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك.
وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: [أي] لا أخْمَص لهما.
َمَ) أي يكون مشهورًا بهذا في الدنيا، يعرفه المؤمنون بذلك.
وسمي المسيح، قال بعض السلف: لكثرة سياحته. وقيل: لأنه كان مسيح القدمين: [أي] لا أخْمَص لهما. وقيل: لأنه [كان] إذا مسح أحدًا من ذوي العاهات برئ بإذن الله تعالى.
وقوله: (عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ) نسبة له إلى أمه، حيث لا أب له (وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ) أي: له وجاهة ومكانة عند الله في الدنيا، بما يوحيه الله إليه من الشريعة، وينزل عليه من الكتاب، وغير ذلك مما منحه به، وفي الدار الآخرة يشفع عند الله فيمن يأذن له فيه، فيقبل منه، أسوة بإخوانه من أولي العزم، صلوات الله عليهم.
قوله تعالى: ﴿إِذْ قَالَتِ الْمَلائِكَةُ يَامَرْيَمُ إِنَّ اللَّهَ يُبَشِّرُكِ بِكَلِمَةٍ مِنْهُ﴾ الآية. لم يبين هنا هذه الكلمة التي أطلقت على عيسى؛ وأنها هي السبب في وجوده من إطلاق السبب وإرادة مسببه، ولكنه بين