القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: قد أتيْنَا على البيانِ عن معنى قولِه: ﴿الم﴾. فيما مضَى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ،
وكذلك البيانِ عن قولِه: ﴿اللَّهُ﴾.
وأما معنى قولِه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. فإنه خبرٌ من اللهِ ﷿ أخبَر عبادَه أن الألوهةَ خاصَّةٌ به دونَ ما سواه من الآلهةِ والأندادِ، وأن العبادةَ لا تصلُحُ ولا تجوزُ إلا له، لانفرادِه بالربوبيةِ وتَوَحُّدِه بالأُلوهيَّةِ، وأن كلَّ ما دونَه فمِلْكُه، وأن كلَّ ما سواه فخَلْقُه، لا شريكَ له في سلطانِه ومِلْكِه؛ احتجاجًا منه تعالى ذكرُه عليهم، بأن ذلك إذْ كان كذلك، فغيرُ جائزةٍ لهم عبادةُ غيرِه ولا إشراكُ أحدٍ معه في سلطانِه، إذ كان كلُّ معبودٍ سواه فمِلْكُه، وكلُّ مُعَظَّمٍ غيرِه فخَلْقُه؛ وعلى المملوكِ إفرادُ الطاعةِ لمالِكه، وصَرْفُ خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ
خدمتِه إلى مولاه ورازقِه، ومُعَرِّفًا مَن كان مِن خَلْقِه - يومَ أنزل ذلك إلى نبيِّه محمدٍ ﷺ، بتنزيلِه ذلك إليه، وإرسالِه به إليهم على لسانِه، صلواتُ اللهِ عليه وسلامُه - مُقيمًا على عبادةِ وَثَنٍ أو
صنمٍ، أو شمسٍ أو قمرٍ، أو إنسيٍّ أو مَلَكٍ، أو غيرِ ذلك من الأشياءِ التي كانت بنو آدمَ مُقِيمةً على [عبادتِها وإلاهتِها]، ومُتَّخذَه دونَ مالكِه وخالقِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
ِه إلهًا وربًّا أنه مُقِيمٌ على ضلالةٍ، ومنعزلٌ عن المَحَجَّةِ، وراكبٌ غيرَ السبيلِ المستقيمةِ، بصرفِه العبادةَ إلى غيرِه، ولا أحدَ له الألوهةُ غيرُه.
وقد ذُكِر أن هذه السورةَ ابتدأ اللهُ بتنزيلِ فاتحتِها، بالذي ابتدأ به مِن نفيِ الأُلُوهَةِ أن تكونَ لغيرِه، ووَصْفِه نفسَه بالذي وصفَها به في ابتدائِها؛ احتجاجًا منه بذلك على طائفةٍ من النَّصارَى قَدِمُوا على رسولِ الله ﷺ من نَجْرانَ فحاجُّوه في عيسى صلواتُ اللهِ عليه، وألْحَدُوا في اللهِ، فأنزل اللهُ ﷿ في أمرِهم وأمرِ عيسى من هذه السورةِ، نَيِّفًا وثلاثين آيةً من أوَّلِها؛ احتجاجًا عليهم وعلى من كان على مثلِ مقالتِهم لنبيِّه محمدٍ ﷺ، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم.
، فأبَوْا إلا المُقامَ على ضلالتِهم وكفرِهم فدعاهم إلى المباهلةِ، فأبَوْا ذلك وسألُوا قَبولَ الجِزْيةِ منهم، فقَبِلها ﷺ منهم، وانصرَفُوا إلى بلادِهم. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كذلك، وإيّاهم قصَد بالحِجاجِ، فإنَّ مَن كان معناه من سائرِ الخلقِ معناهم في الكفرِ باللهِ، واتخاذِ ما سوى اللهِ ربًّا وإلهًا معبودًا، معمومون بالحُجَّة التي حجَّ اللهُ ﵎ بها مَن نزَلتْ هذه الآياتُ فيه، ومحجوجون في الفُرقانِ الذي فَرَق به لرسولِه ﷺ بينَه وبينَهم.
ذكرُ الروايةِ عمن ذكرْنا قولَه في نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
نزولِ افتتاحِ هذه السورةِ أنه نزَل في الذين وصَفْنا صِفَتَهم من النَّصَارَى
حدَّثنا محمدُ بنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: حدَّثني محمدُ
ابن إسحاقَ، عن محمدِ بن جعفرٍ، قال: قَدِم على رسولِ اللهِ ﷺ وفدُ نَجْرانَ، ستون راكبًا، فيهم أربعةَ عشَرَ رجلًا من أشرافِهم، في الأربعةَ عشَرَ ثلاثةُ نَفَرٍ، إليهم يئولُ أمرُهم: العاقبُ؛ أميرُ القومِ وذو رأيِهم وصاحبُ مَشورتِهم، والذي لا يَصْدرُون إلا عن رأيِه، واسمُه عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ؛ ثِمالُهم وصاحبُ رحلِهم ومُجْتَمَعِهم، واسمُه الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ علقمةَ؛ أحدُ بكرِ بن وائلٍ، [أسْقُفُّهم وحَبْرُهم] وإمامُهم وصاحبُ مِدْراسهم.
وكان أبو حارثةَ قد شَرُف فيهم، ودرَس كتبَهم، حتى حسُن علمُه في دينِهم، فكانت ملوكُ الرومِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
ِ من أهلِ النصرانيَّةِ قد شرَّفُوه وموَّلُوه وأخدَمُوه وبَنَوْا له الكنائسَ، وبسَطُوا عليه الكراماتِ؛ لما يَبْلُغُهم عنه من علمِه واجتهادِه في دينِهم.
قال ابن إسحاق: قال محمدُ بنُ جعفرِ بن الزُّبيرِ: قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ، فدخَلوا عليه مسجدَه حينَ صلَّى العصرَ، عليهم ثيابُ الحِبَراتِ جُبَبٌ وأرديةٌ، في [جمال رجالِ] بَلْحارثِ بن كعبٍ. قال: يقولُ بعضُ مَن رآهم من أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم".
صحابِ رسولِ اللهِ ﷺ يومئذٍ: ما رأيْنا بعدَهم وفدًا مثلَهم، وقد حانتْ صلاتُهم، فقاموا يُصَلُّون في مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "دَعُوهم". فَصَلُّوا إلى المَشْرِقِ.
قال: وكانت تسميةُ الأربعةَ عشَرَ منهم الذين يَئُولُ إليهم أمرُهم: العاقبُ وهو عبدُ المسيحِ، والسيِّدُ وهو الأَيْهَمُ، وأبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ أخو بكرِ بن وائلٍ، وأوسٌ، والحارثُ، وزيدٌ، وقيسٌ، ويزيدُ، ونُبَيةٌ، وخويلدٌ، و عمرٌو، وخالدٌ، وعبدُ اللهِ، ويُحَنَّسُ، في ستين راكبًا، فكلَّم رسولَ اللهِ ﷺ منهم أبو حارثةَ بنُ عَلْقمةَ، والعاقبُ عبدُ المسيحِ، والأيْهَمُ السَّيِّدُ، وهم من النصرانيةِ على دينِ الملِكِ، مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ.
مع اختلافِ من أمرِهم يقولون: هو اللهُ. ويقولون: هو ولدُ اللهِ. ويقولون: هو ثالثُ ثلاثةٍ. وكذلك قولُ النصرانيةِ، فهم يَحْتَجُّون في قولِهم: هو اللهُ. بأنه كان يُحيِى الموتى، ويُبْرِئُ الأسقامَ، ويُخْبِرُ بالغُيوبِ، ويَخلُقُ من الطينِ كهيئةِ الطيرِ ثم ينفُخُ فيه فيكونُ طائرًا، وذلك كلُّه بإذنِ اللهِ، ليجعلَه آيةً للناسِ. ويَحتجُّون في قولِهم: إنه ولدُ اللهِ. أنهم يقولون: لم يكنْ له أبٌ يُعْلَمُ، وقد تكلَّم في المهدِ، شيءٌ لم يَصْنَعْه أحدٌ من ولدِ آدمَ قبلَه. ويحتجُّون في قولِهم: إنه ثالثُ ثلاثةٍ. بقولِ اللهِ ﷿: فعلْنا وأمَرْنا، وخلَقْنا وقضَيْنا. فيقولون: لو كان واحدًا ما قال إلا: فعلتُ وأمَرْتُ وقضَيْتُ وخَلَقْتُ، ولكنّه هو، وعيسى، ومريمُ. ففي كلِّ ذلك من قولِهم قد نزَل القرآنُ، وذكَر اللهُ لنبيِّه ﷺ فيه قولَهم، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك.
م، فلمّا كلَّمه الحَبْرانِ، قال لهما رسولُ اللهِ ﷺ: "أسْلِما". قالا: قد أسلَمْنا. قال: "إنَّكما لم تُسْلِما، فأسْلِما". قالا: بلى، قد أسلَمْنا قبلَك. قال: "كَذَبْتُمَا، يَمْنَعُكُما مِن الإِسلامِ دعاؤُكما للهِ ﷿ وَلَدًا، وعبادَتُكما الصَّليب، وأكْلُكما الخِنزِيرَ". قالا: فمن
أبوه يا محمدُ؟ فصمَت رسولُ اللهِ ﷺ عنهما فلم يُجِبْهما، فأنزل اللهُ في ذلك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
ك من قولِهم، واختلافِ أمرِهم كلِّه، صدرَ سورةِ "آلِ عمرانَ" إلى بضْعٍ وثمانين آيةً منها، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾. فافتتح السورةَ بتَبْرِئتِه نفسَه ﵎ مما قالوا، وتوحيدِه إيّاها بالخلقِ والأمرِ، لا شريكَ له فيه؛ ردًّا عليهم ما ابتدَعوا من الكفرِ، وجعَلوا معه من الأندادِ، واحتجاجًا عليهم بقولِهم في صاحبِهم، ليُعَرِّفَهم بذلك ضَلالتَهم، فقال: ﴿اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾ أي ليس معه شريكٌ في أمرِه.
حدَّثني المثنَّى، قال: حدَّثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيع في قولِه: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ﴾. قال: إن النَّصارَى أتَوْا رسولَ اللهِ ﷺ فخاصَمُوه في عيسى ابن مريمَ، وقالوا له: من أبوه؟ وقالوا على اللهِ الكَذِبَ والبُهْتانَ - لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى.
- لا إلهَ إلا هو، لم يَتَّخِذْ صاحبةً ولا ولدًا - فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألستُم تَعْلَمُون أنَّه لا يكونُ وَلَدٌ إلا وهو يُشْبِهُ أباه؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ ربَّنا حيٌّ لا يموتُ، وأنَّ عيسى يأتى عليه الفناءُ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستُم تَعْلَمُون أَنَّ ربَّنا قَيِّمٌ على كلِّ شيءٍ، يَكْلَؤُه ويَحْفَظُه ويَرْزُقُه؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يَمْلِكُ عيسى من ذلك شيئًا؟ ". قالوا: لا. قال: "أفلستُم تَعْلَمُونَ أَنَّ الله ﷿ لا يَخْفَى عليه شيءٌ في الأرضِ ولا في السماءِ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فهل يعلَمُ عيسى من ذلك شيئًا إلا ما عُلِّمَ؟ ". قالوا: لا. قال: "فَإِنَّ رَبَّنَا صَوَّرَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى.
رَ عيسى في الرَّحِمِ كيف شاء". قال: "ألستُم تَعْلَمون أنَّ ربَّنَا لا يَأْكُلُ الطعامَ، ولا يَشْرَبُ
الشَّرابَ، ولا يُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "ألستم تَعْلَمُون أَنَّ عيسى حَمَلَتْه امرأةٌ كما تَحْمِلُ المرأةُ، ثم وَضَعَتْه كما تَضَعُ المرأةُ وَلَدَها، ثم غُذِّيَ كما يُغَذَّى الصبيُّ، ثم كان يَطْعَمُ الطعامَ، ويَشرَبُ الشَّرابَ، ويُحْدِثُ الحَدَثَ؟ ". قالوا: بلى. قال: "فكيف يكونُ هذا كما زعمتُم؟ ". قال: فعرَفوا ثم أبَوْا إِلا جُحُودًا، فأنزل اللهُ ﷿: ﴿الم (١) اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ﴾.
يلِ في مَن عُنِي بهذه الآيةِ، وفى مَن نزَلَت؛ فقال بعضُهم: نزَلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، وكان مسلمًا فارتدَّ بعدَ إسلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزِيعٍ البَصْرِيُّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كان رجلٌ من الأنصارِ أسلَم، ثم ارتدَّ ولَحقِ بالشركِ، ثم نَدِم، فأرسَل إلى قومِه: أرسِلوا إلى رسولِ اللهِ ﷺ، هل لى مِن توبةٍ؟ قال: فنَزَلَت: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾، إلى قولِه: ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾ ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. فأرسل إليه قومُه فأسلَم.
حدَّثني ابن المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرمةَ بنحوِه، ولم يَرفَعْه إلى ابن عباسٍ، إلا أنه قال: فكتَب إليه قومُه، فقال: ما كَذَبَني قومي.
المثنى، قال: ثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عِكْرمةَ بنحوِه، ولم يَرفَعْه إلى ابن عباسٍ، إلا أنه قال: فكتَب إليه قومُه، فقال: ما كَذَبَني قومي. فرجَع.
حدَّثنا أبو كُرَيب، قال: ثنا حكيمُ بنُ جُمَيعٍ، عن عليّ بن مُسْهِرٍ، عن داودَ بن أبى هندٍ، عن عِكْرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: ارتدَّ رجلٌ من الأنصارِ. فذكَر نحوَه.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا جعفرُ بنُ سليمانَ، قال: أخبرَنا حُمَيدٌ الأعرجُ، عن مجاهدٍ، قال: جاء الحارثُ بنُ سويدٍ، فأسلَم مع النبيِّ ﷺ، ثم كفَر الحارثُ، فرجَع إلى قومِه، فأنزَل اللهُ ﷿ فيه القرآنَ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. إلى: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. قال: فحَمَلها إليه رجلٌ من قومِه فقَرَأها عليه، فقال الحارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمتُ لَصَدوقٌ، وإن رسولَ اللهِ ﷺ لأصدقُ مِنك، وإن الله ﷿ لأصدقُ الثلاثةِ.
: فحَمَلها إليه رجلٌ من قومِه فقَرَأها عليه، فقال الحارثُ: إنك واللهِ ما عَلِمتُ لَصَدوقٌ، وإن رسولَ اللهِ ﷺ لأصدقُ مِنك، وإن الله ﷿ لأصدقُ الثلاثةِ. قال: فرجَع الحارثُ فأسلَم، فَحَسُن إسلامُه.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾. قال:
أُنزِلَت في الحارثِ بن سُوَيدٍ الأنصاريِّ، كفَر بعدَ إيمانِه، فأَنزَلَ اللَّهُ ﷿ فيه هذه الآياتِ، ثم تاب وأسلَم، فنَسَخها اللهُ عنه، فقال: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، قال: رجلٌ من بني عمرِو بن عَوفٍ كفرَ بعدَ إيمانِه.
قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾، قال: رجلٌ من بني عمرِو بن عَوفٍ كفرَ بعدَ إيمانِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيفةّ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ، قال: هو رجلٌ من بنى عمرِو من عَوفٍ كفَر بعدَ إيمانِه.
قال ابن جُرَيجٍ: أخبرَنى عبدُ اللهِ بنُ كثيرٍ، عن مجاهدٍ، قال: لَحقِ بأرضِ الرومِ فتَنَصَّر، ثم كتَب إلى قومِه: أرسِلوا، هل لى من تَوْبَةٍ؟ قال: فَحَسِبتُ أنه آمَن ثم رجَع.
قال ابن جُرَيجٍ: قال عِكْرمةُ: نزَلَت في أبي عامرٍ الرَّاهِبِ، والحارثِ بن سُويدِ بن الصَّامتِ، ووَحْوَحِ بن الأَسْلَتِ، في اثنى عشَرَ رجلًا رجَعوا عن الإسلامِ، ولَحِقوا بقريشٍ، ثم كتَبوا إلى أهلِهم: هل لنا من تَوبةٍ؟
رثِ بن سُويدِ بن الصَّامتِ، ووَحْوَحِ بن الأَسْلَتِ، في اثنى عشَرَ رجلًا رجَعوا عن الإسلامِ، ولَحِقوا بقريشٍ، ثم كتَبوا إلى أهلِهم: هل لنا من تَوبةٍ؟ فنزَلَت: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ﴾ الآيات.
وقال آخرون: عُنِى بهذه الآيةِ أهلُ الكتابِ، وفيهم نزَلَتْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾: فهم أهلُ الكتابِ، عرَفوا محمدًا ﷺ، ثم كفَروا به.
حدَّثنا محمدُ بنُ سِنانٍ، قال: ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية كلّها.
ثنا أبو بكرٍ الحَنَفيُّ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ منصورٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية كلّها. قال: اليهودُ والنصارى.
حدَّثنا بِشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾ الآية: هم أهلُ
الكتابِ من اليهودِ والنصارى، رَأَوْا نَعْتَ محمدٍ ﷺ في كتابِهم، وأقَرَّوا به، وشَهِدوا أنه حقٌّ، فلمَّا بُعِث من غيرِهم حَسَدوا العربَ على ذلك، فأنكَروه وكفَروا بعدَ إقرارِهم، حسدًا للعربِ، حينَ بُعِث من غيرِهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾.
الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. قال: هم أهلُ الكتابِ، كانوا يَجِدون محمدًا ﷺ في كتابِهم، ويَستَفْتِحون به، فكفَروا بعد إيمانِهم.
قال أبو جعفرٍ: وأشبهُ القولَين بظاهرِ التنزيلِ ما قال الحسنُ، من أن هذه الآيةَ مَعْنِيٌّ بها أهلُ الكتابِ، على ما قاله، غيَر أن الأخبارَ بالقولِ الآخرِ أكثرُ، والقائلين به أعلمُ بتأويلِ القرآنِ. وجائزٌ أن يكونَ اللَّهُ ﷿ أَنزَل هذه الآياتِ بسببِ القومِ الذين ذُكِر أنهم كانوا ارتدُّوا عن الإسلامِ، فجمَع قِصَّتَهم وقصةَ مَن كان سبيلُه سبيلَهم في ارتِدادِه عن الإيمانِ محمدٍ ﷺ في هذه الآياتِ. ثم عَرَّف عبادَه سُنَّتَه فيهم، فيكونُ داخلًا في ذلك كلُّ مَن كان مؤمنًا بمحمدٍ ﷺ قبلَ أن يُبْعَثَ، ثم كفرَ به بعدَ أن بُعِث، وكلُّ مَن كان كافرًا ثم أسلَم على عهدِه ﷺ، ثم ارتدَّ وهو حيٌّ عن إسلامِه.
لك كلُّ مَن كان مؤمنًا بمحمدٍ ﷺ قبلَ أن يُبْعَثَ، ثم كفرَ به بعدَ أن بُعِث، وكلُّ مَن كان كافرًا ثم أسلَم على عهدِه ﷺ، ثم ارتدَّ وهو حيٌّ عن إسلامِه. فيكونُ مَعْنِيًّا بالآيةِ جميعُ هذيْن الصِّنْفَين وغيرُهما، [ممن كان بمثلِ معناهما]، بل ذلك كذلك إن شاءَ اللَّهُ.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ﴾. يعنى: كيف يُرْشِدُ اللهُ للصوابِ، ويُوَفِّقُ للإيمانِ، قومًا جَحَدُوا نُبُوَّةَ محمدٍ ﷺ، ﴿بَعْدَ
إِيمَانِهِمْ﴾. أي: بعدَ تَصْديقِهم إيَّاه، وإقرارِهم به فيما جاءَهم به من عندِ ربِّه، ﴿وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ﴾. يقولُ: وبعدَ أن أقَرُّوا أن محمدًا رسولُ اللَّهِ ﷺ إلى خَلْقِهِ حَقًّا. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: وجاءهم الحُجَجُ من عندِ اللَّهِ، والدلائلُ بصحةِ ذلك. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾.
ِهِ حَقًّا. ﴿وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعنى: وجاءهم الحُجَجُ من عندِ اللَّهِ، والدلائلُ بصحةِ ذلك. ﴿وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ﴾. يقولُ: واللهُ لا يُوَفِّق للحَقِّ والصوابِ الجماعةَ الظَّلَمَةَ، وهم الذين بَدَّلوا الحقَّ إلى الباطلِ، فاختاروا الكفرَ على الإيمانِ.
وقد دلَّلنا فيما مضَى قبلُ على معنى "الظُّلْمِ"، وأنه وَضْعُ الشيءِ في غيرِ مَوضعِه، بما أغنَى عن إعادتِه.
﴿أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ﴾. يعنى: هؤلاءِ الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، وبعدَ أن شَهِدوا أن الرسولَ حقٌّ. ﴿جَزَاؤُهُمْ﴾: ثوابُهم من عملِهم الذي عَمِلوه. ﴿أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ﴾. يعنى: أن يَحِلَّ بهم من اللهِ الإقصاءُ والبُعْدُ، ومن الملائكةِ والناسِ ما يَسوءُهم من العقابِ. ﴿أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: من جميعِهم، لا من بعضِ مَن سمَّاه جلَّ ثناؤه من الملائكةِ والناسِ، ولكن مِن جميعِهم.
ن الملائكةِ والناسِ ما يَسوءُهم من العقابِ. ﴿أَجْمَعِينَ﴾. يعنى: من جميعِهم، لا من بعضِ مَن سمَّاه جلَّ ثناؤه من الملائكةِ والناسِ، ولكن مِن جميعِهم. وإنما جعَل ذلك جلَّ ثناؤه ثوابَ عملِهم؛ لأن عملَهم كان باللهِ كُفْرًا.
وقد بَيَّنا صفةَ لعنةِ الناسِ الكافرَ في غيرِ هذا الموضع، بما أغنَى عن إعادتِه.
﴿خَالِدِينَ فِيهَا﴾. يعنى: ماكِثينِ. و ﴿فيها﴾. يعني: في عقوبةِ اللهِ. ﴿لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ﴾: لا يُنقصون من العذابِ شيئًا في حالٍ من الأحوالِ، ولا يُنَفَّسون فيه. ﴿وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ﴾. يعنى: ولا هم يُنْظُرُون لَمَعْذِرةٍ يَعْتَذِرون. وذلك كلُّه أَعْنَى الخلودِ في العقوبةِ في الآخرةِ.
ثم استَثْنَى جلَّ ثناؤه الذين تابُوا من هؤلاء الذين كفَروا بعدَ إيمانِهم، فقال تعالى ذكرُه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا﴾. يعنى: إلا الذين تابُوا من بعدِ ارتدادِهم عن إيمانِهم، فراجَعوا الإيمانَ باللهِ وبرسولِه، وصَدَّقوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ ربِّهم.
َصْلَحُوا﴾. يعنى: إلا الذين تابُوا من بعدِ ارتدادِهم عن إيمانِهم، فراجَعوا الإيمانَ باللهِ وبرسولِه، وصَدَّقوا بما جاءهم به نبيُّهم ﷺ من عندِ ربِّهم. ﴿وَأَصْلَحُوا﴾. يعنى: وعمِلوا الصالحاتِ من الأعمالِ. ﴿فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يعنى: فإن اللَّهَ لِمن فعَل ذلك بعدَ كفرِه ﴿غَفُورٌ﴾. يعنى: ساتِرٌ عليه ذنبَه الذي كان منه من الرِّدَّةِ، فتارِكٌ عقوبتَه عليه، وفَضِيحتَه به يومَ القيامةِ، غيرُ مُؤاخِذِه به إذا مات على التوبةِ منه. ﴿رَحِيمٌ﴾: مُتَعَطِّفٌ عليه بالرحمةِ.
﴿كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (٨٦) أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (٨٧) خَالِدِينَ فِيهَا لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (٨٨) إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٨٩)﴾
قال ابن جرير: حدثني محمد بن عبد الله بن بزيع البصري، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا داود بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك،
ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سَلُوا لي رسول الله ﷺ: هل لي من توبة؟
بن أبي هند، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كان رجل من الأنصار أسلم ثم ارتد ولحق بالشرك،
ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سَلُوا لي رسول الله ﷺ: هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) إلى قوله: ([إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا] فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ).
وهكذا رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا حُمَيد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سُوَيد فأسلم مع النبي ﷺ، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ) إلى قوله: ([إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ] غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة.
غَفُورٌ رَحِيمٌ) قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك والله ما علمتُ لصدوق، وإن رسول الله ﷺ لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحَسُنَ إسلامه.
فقوله تعالى: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ) أي: قامتْ عليهم الحُجَجُ والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسولُ، وَوَضَح لهم الأمرُ، ثم ارتدوا إلى ظُلْمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تَلَبَّسُوا به من العماية؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ)
ثم قال: (أُولَئِكَ جَزَاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: في اللعنة (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم ساعة واحدة.
قه (خَالِدِينَ فِيهَا) أي: في اللعنة (لا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ) أي: لا يُفتَّر عنهم العذاب ولا يُخَفَّف عنهم ساعة واحدة.
ثم قال تعالى: (إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه.