Sungguh, Kamilah yang menghidupkan orang-orang yang mati, dan Kamilah yang mencatat apa yang telah mereka kerjakan dan bekas-bekas yang mereka (tinggalkan). Dan segala sesuatu Kami kumpulkan dalam Kitab yang jelas (Lauḥ Maḥfūẓ)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
قال أبو جعفر ﵀: يقول تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى﴾ من خلقِنا، وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ في الدنيا من خيرٍ وشرٍّ، وصالح الأعمال وسيئها.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلٌ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة قوله: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾ [من عملٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه:]
[﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا﴾]. قال: ما عمِلوا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾. قال: أعمالَهم.
وقولُه: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. يعنى: وآثارَ خُطاهم بأرجلهم.
سنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿مَا قَدَّمُوا﴾. قال: أعمالَهم.
وقولُه: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. يعنى: وآثارَ خُطاهم بأرجلهم. وذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلت في قومٍ أرادوا أن يقرَبوا من مسجدِ رسولِ اللهِ ﷺ، ليقرَبَ عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَميُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيريُّ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت منازلُ الأنصارِ متباعدةً من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجدِ، فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقالوا: نثبتُ مكانَنا.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن إسرائيل، عن سماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت الأنصارُ بعيدةً منازلهم من المسجدِ، فأرادوا أن ينتقلوا. قال: فنزَلت: ﴿وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾ فثبتوا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا الجُريريُّ،
عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ قربَ المسجدِ.
﴾ فثبتوا.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبدُ الصمدِ، قال: ثنا شعبةُ، قال: ثنا الجُريريُّ،
عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ قربَ المسجدِ. قال: فقال لهم رسولُ اللهِ ﷺ: "يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها تُكْتَبُ آثارُكم".
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمرٌ، قال: سمِعتُ كَهْمسًا يحدِّثُ، عن أبي نَضْرةَ، عن جابرٍ، قال: أراد بنو سلِمةَ أن يتحوّلوا إلى قربِ المسجدِ. قال: والبقاعُ خاليةٌ، فبلَغ ذلك النبيَّ ﷺ، فقال: "يا بني سلِمةَ، ديارَكم، فإنها (١) تُكتب آثارُكم". قال: فأقاموا وقالوا: ما يَسرُّنا أنَّا كنا تحوَّلنا.
حدَّثنا سليمان بن عمر بن خالد الرَّقي، قال: ثنا ابن المبارك، عن سفيانَ، عن طريفٍ، عن أبي نَضْرَةَ، عن أبي سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: شكَت بنو سلِمةً بُعدَ منازلِهم إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
سعيدٍ الخُدْريِّ، قال: شكَت بنو سلِمةً بُعدَ منازلِهم إلى النبيِّ ﷺ، فنزَلت: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. فقال: "عَلَيْكم منازلَكم تُكتَبْ آثارُكم".
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، قال: ثنا الحسينُ، عن ثابتٍ، قال: مشيتُ مع أنسِ بن مالكٍ، فأسرَعتُ المشىَ، فأخَذ بيدى، فمشَينا رُويدًا، فلما قضَينا الصلاةَ قال أنسٌ: مشيتُ مع زيدِ بن ثابتٍ، فأَسْرعتُ المشيَ، فقال: يا
أنسُ، أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكتَبُ؟ [أما شعَرتَ أن الآثارَ تُكْتبُ]؟
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُليَّةَ، عن يونسَ، عن الحسنِ، أن بني سلِمةَ كانت دُورُهم قاصيةً عن المسجدِ، فهمُّوا أن يتحوّلوا قربَ المسجدِ، فيشهَدوا الصلاةَ مع النبيِّ ﷺ، فقال لهم النبيُّ ﷺ: "ألا تحتسِبون آثارَكم يا بني سلِمةَ؟ ". فمكثوا في ديارهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةَ، عن محمدِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم بأرجلِهم.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: خُطاهم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾. قال: قال الحسنُ [وقتادة]: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾: خُطاهم. وقال قتادةُ: لو كان مُغْفِلًا شيئًا من شأنِك يا بنَ آدمَ، أَغْفَل ما تُعَفِّى الرياحُ من هذه الآثارِ.
وقوله: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ شيءٍ كان أو هو كائنٌ أَحْصيناه فأَثْبتناه في أمِّ الكتابِ، وهو الإمامُ المبينُ.
َ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وكلَّ شيءٍ كان أو هو كائنٌ أَحْصيناه فأَثْبتناه في أمِّ الكتابِ، وهو الإمامُ المبينُ. وقيل: ﴿مُبِينٍ﴾؛ لأنه يُبِينُ عن حقيقةِ جميعِ ما أُثْبِت فيه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا ابنُّ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهد: ﴿فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: في أمِّ الكتابِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾: كلُّ شيءٍ مُحْصى عندَ اللهِ في كتابٍ
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ﴾. قال: أمُّ الكتابِ الذي عند الله فيه الأشياءُ كلُّها، هو الإمامُ المبينُ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ
مُرْسَلُونَ (١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكره لنبيِّه محمدٍ ﷺ: ومثِّلْ يا محمدُ لمشركي قومك مثلًا أصحاب القرية. ذكر أنها أنطاكية، ﴿إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ﴾، اخْتَلف أهلُ العلمِ في هؤلاء الرسلِ، وفيمن كان أَرْسَلهم إلى أصحابِ القريةِ؛ فقال بعضُهم: كانوا رسلَ عيسى ابن مريمَ، وعيسى الذي كان أَرْسَلهم إليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدٌ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾.
لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جَاءَهَا الْمُرْسَلُونَ (١٣) إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: ذُكِر لنا أن عيسى ابنَ مريمَ بعَث رجلين من الحواريِّين إلى أنطاكيةَ، مدينةٌ بالرومِ، فكذَّبوهما، فأعزَّهما بثالثٍ، ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾ الآية).
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يحيى وعبدُ الرحمنِ، قالا: ثنا سفيانُ، قال: ثنى السُّديِّ، عن عكرمةَ: ﴿وَاضْرِبْ لَهُمْ مَثَلًا أَصْحَابَ الْقَرْيَةِ﴾. قال: أنطاكيةَ.
وقال آخرون: بل كانوا رسلًا من عندِ اللَّهِ أَرْسَلهم اللهُ إليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا ابن إسحاقَ، فيما بلَغه،
عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: كان بمدينةِ أنطاكيَّة، فرعونُ من الفراعنةِ، يقال له: أبطيحسُ بنُ أبطيحسَ [بن أبطيحسَ].
،
عن ابن عباسٍ، وعن كعبِ الأحبارِ، وعن وهبِ بن مُنَبِّهٍ، قال: كان بمدينةِ أنطاكيَّة، فرعونُ من الفراعنةِ، يقال له: أبطيحسُ بنُ أبطيحسَ [بن أبطيحسَ]. يعبُدُ الأصنامَ، صاحبُ شركٍ، فبعَث اللهُ المرسلين، ثلاثةٌ؛ صادقٌ، و [صدوقٌ، وشلومٌ]، فقدَّم الله إليه وإلى أهلِ مدينته منهم اثنين، فكذبوهما، ثم عزَّز اللهُ بثالثٍ، فلما دعتْه الرسلُ، ونادتْه بأمرِ اللهِ، وصدَعت بالذي أُمِرت به، وعابَت دينَه، وما هم عليه، قال لهم: ﴿إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾.
لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُمْ مِنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾.
وقوله: ﴿إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حينَ أَرْسَلنا إليهم اثنين يدعوانِهم إلى اللهِ، فكذَّبوهما فشدَّدناهما بثالثٍ، وقوَّيناهما به.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: شدَّدنا.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، عن عَنْبسةً، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ،
عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: زِدْنا.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: جعَلناهم ثلاثةً. قال: ذلك التعزُّزُ. قال: والتعزُّزُ: القوةُ.
وقولُه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾.
ولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ﴾. قال: جعَلناهم ثلاثةً. قال: ذلك التعزُّزُ. قال: والتعزُّزُ: القوةُ.
وقولُه: ﴿فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ﴾. يقولُ: فقال المرسلون الثلاثةُ لأصحابِ القريةِ: إنا إليكم أيُّها القومُ مرسلون، بأن تُخْلِصوا العبادةَ للهِ وحدَه لا شريكَ له، وتتبرَّءوا مما تعبُدون من الآلهةِ والأصنامِ.
وبالتشديدِ في قولِه: ﴿فَعَزَّزْنَا﴾. قرأت القرأةُ سوى عاصمٍ، فإنه قرأه بالتخفيفِ، والقراءة عندنا بالتشديدِ؛ لإجماعِ الحجةِ من القرأةِ عليه، وأن معناه إذا شُدِّد: فقوَّينا، وإذا خُفِّف: فغلَبنا، وليس لـ "غلَبنا" في هذا الموضعِ كثيرُ معنًى.
؛ ولهذا قال: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) والمقمح: هو الرافع رأسه، كما قالت أم زَرْع في كلامها: "وأشرب فأتقمَّح" أي:
أشرب فأروى، وأرفع رأسي تهنيئا وتَرَوّيا. واكتفى بذكر الغل في العنق عن ذكر اليدين، وإن كانتا مرادتين، كما قال الشاعر:
فَمَا أدْري إذَا يَمَّمْتُ أرْضًا … أريد الخَيْرَ أيّهما يَليني
أالْخَيْرُ الذي أنَا أبْتَغيه … أم الشَّرّ الذي لا يَأتَليني
فاكتفى بذكر الخير عن ذكر الشر لَمّا دل السياق والكلام عليه، وكذا هذا، لما كان الغُلّ إنما يعرف فيما جَمَع اليدين مع العنق، اكتفى بذكر العنق عن اليدين.
قال العوفي، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا فَهِيَ إِلَى الأذْقَانِ فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: هو كقول الله تعالى: ﴿وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ﴾ [الإسراء: ٢٩] يعني بذلك: أن أيديهم موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.
موثقة إلى أعناقهم، لا يستطيعون أن يبسطوها بخير.
وقال مجاهد: (فَهُمْ مُقْمَحُونَ) قال: رافعو رؤوسهم، وأيديهم موضوعة على أفواههم، فهم مغلولون عن كل خير.
وقوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا): قال مجاهد: عن الحق، (وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا) قال مجاهد: عن الحق، فهم يترددون. وقال قتادة: الضلالات.
وقوله: (فَأَغْشَيْنَاهُمْ) أي: أغشينا أبصارهم عن الحق، (فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ) أي: لا ينتفعون بخير ولا يهتدون إليه.
قال ابن جرير: وروي عن ابن عباس أنه كان يقرأ: "فأعشيناهم" بالعين المهملة، من العشا وهو داء في العين.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: جعل الله هذا السد بينهم وبين الإسلام والإيمان، فهم لا يخلصون إليه، وقرأ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع.
ْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧] ثم قال: من منعه الله لا يستطيع.
وقال عكرمة: قال أبو جهل: لئن رأيتُ محمدًا لأفعلن ولأفعلن، فأنزلت: (إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلالا) إلى قوله: ([فَهُمْ] لا يُبْصِرُونَ)، قال: وكانوا يقولون: هذا محمد. فيقول: أين هو أين هو؟ لا يبصره. رواه ابن جرير.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني يزيد بن زياد، عن محمد بن كعب قال: قال أبو جهل وهم جلوس: إن محمدًا يزعم أنكم إن تابعتموه كنتم ملوكا، فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جِنَانٌ خير من جنان الأرْدُن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعَذَّبون بها.
فإذا متم بعثتم بعد موتكم، وكانت لكم جِنَانٌ خير من جنان الأرْدُن وأنكم إن خالفتموه كان لكم منه ذبح، ثم بعثتم بعد موتكم وكانت لكم نار تُعَذَّبون بها. وخرج [عليهم] رسول الله ﷺ عند ذلك، وفي يده حفنة من تراب، وقد أخذ الله على أعينهم دونه، فجعل يَذُرّها على رؤوسهم، ويقرأ: ﴿يس * وَالْقُرْآنِ الْحَكِيمِ
﴾ حتى انتهى إلى قوله: (وَجَعَلْنَا مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ سَدًّا وَمِنْ خَلْفِهِمْ سَدًّا فَأَغْشَيْنَاهُمْ فَهُمْ لا يُبْصِرُونَ)، وانطلق رسول الله ﷺ لحاجته، وباتوا رُصَدَاء على بابه، حتى خرج عليهم بعد ذلك خارج من الدار، فقال: ما لكم؟ قالوا: ننتظر محمدًا. قال قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا [قد] وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب.
؟ قالوا: ننتظر محمدًا. قال قد خرج عليكم، فما بقي منكم من رجل إلا [قد] وضع على رأسه ترابا، ثم ذهب لحاجته. فجعل كل رجل منهم ينفض ما على رأسه من التراب. قال: وقد بلغ النبيّ ﷺ قول أبي جهل فقال: "وأنا أقول ذلك: إن لهم مني لذبحا، وإنه أحدهم".
وقوله: (وَسَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنْذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنْذِرْهُمْ لا يُؤْمِنُونَ) أي: قد ختم الله عليهم بالضلالة، فما يفيد فيهم الإنذار ولا يتأثرون به.
وقد تقدم نظيرها في أول سورة البقرة، وكما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
نَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ﴾ [يونس: ٩٦، ٩٧].
(إِنَّمَا تُنْذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ) أي: إنما ينتفع بإنذارك المؤمنون الذين يتبعون الذكر، وهو القرآن العظيم، (وَخَشِيَ الرَّحْمَنَ) أي: حيث لا يراه أحد إلا الله، يعلم أن الله مطلع عليه، وعالم بما يفعله، (فَبَشِّرْهُ بِمَغْفِرَةٍ) أي: لذنوبه، (وَأَجْرٍ كَرِيمٍ) أي: كبير واسع حسن جميل، كما قال: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ﴾ [الملك: ١٢].
ثم قال تعالى: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى) أي: يوم القيامة، وفيه إشارة إلى أن الله تعالى يحيي قلب مَنْ يشاء من الكفار الذين قد ماتت قلوبهم بالضلالة، فيهديهم بعد ذلك إلى الحق، كما قال تعالى بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧].
بعد ذكر قسوة القلوب: ﴿اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾ [الحديد: ١٧].
وقوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا) أي: من الأعمال.
وفي قوله: (وَآثَارَهُمْ) قولان:
أحدهما: نكتب أعمالهم التي باشروها بأنفسهم، وآثارهم التي أثروها من بعدهم، فنجزيهم على ذلك أيضًا، إن خيرًا فخير، وإن شرًّا فشر، كقوله ﷺ: "مَنْ سن في الإسلام سنة حسنة، كان له أجرها وأجر من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أجورهم شيئًا، ومَنْ سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزرُ مَنْ عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا".
رواه مسلم، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جُحَيْفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي، ﵁، وفيه قصة مُجْتَابِي النَّمَّار المُضريَّين.
رواه مسلم، من رواية شعبة، عن عون بن أبي جُحَيْفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه جرير بن عبد الله البجلي، ﵁، وفيه قصة مُجْتَابِي النَّمَّار المُضريَّين. ورواه ابن أبي حاتم عن أبيه، عن يحيى بن سليمان الجعفي، عن أبي المحياة يحيى بن يَعْلَى، عن عبد الملك بن عمير، عن جرير بن عبد الله، فذكر الحديث بطوله، ثم تلا هذه الآية: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ).
وقد رواه مسلم من رواية أبي عَوَانة، عن عبد الملك بن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه، فذكره.
وهكذا الحديث الآخر الذي في صحيح مسلم عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا مات ابن آدم، انقطع عمله إلا من ثلاث: من علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له، أو صدقة جارية من بعده".
وقال سفيان الثوري، عن أبي سعيد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) قال: ما أورثوا من الضلالة.
لثوري، عن أبي سعيد قال: سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) قال: ما أورثوا من الضلالة.
وقال ابن لَهِيعَة، عن عطاء بن دينار، عن سعيد بن جبير في قوله: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) يعني: ما أثروا. يقول: ما سنوا من سنة، فعمل بها قوم من بعد موتهم، فإن كان خيرًا فله مثل أجورهم، لا ينقص من أجر مَنْ عمله شيئا، وإن كانت شرًّا فعليه مثل أوزارهم، ولا ينقص من أوزار من عمله شيئًا. ذكرهما ابن أبي حاتم.
وهذا القول هو اختيار البَغَوِيّ.
والقول الثاني: أن المراد بذلك آثار خطاهم إلى الطاعة أو المعصية.
قال ابن أبي نَجِيح وغيره، عن مجاهد: (مَا قَدَّمُوا): أعمالهم. (وَآثَارَهُمْ) قال: خطاهم بأرجلهم. وكذا قال الحسن وقتادة: (وَآثَارَهُمْ) يعني: خطاهم.
.
قال ابن أبي نَجِيح وغيره، عن مجاهد: (مَا قَدَّمُوا): أعمالهم. (وَآثَارَهُمْ) قال: خطاهم بأرجلهم. وكذا قال الحسن وقتادة: (وَآثَارَهُمْ) يعني: خطاهم. قال قتادة: لو كان الله تعالى مُغفلا شيئًا من شأنك يا بن آدم، أغفل ما تعفي الرياح من هذه الآثار، ولكن أحصى على ابن آدم أثره وعمله كله، حتى أحصى هذا الأثر فيما هو من طاعة الله أو من معصيته، فمن استطاع منكم أن يكتب أثره في طاعة الله، فليفعل.
وقد وَرَدَت في هذا المعنى أحاديث:
الحديث الأول: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبي، حدثنا الجُرَيْري، عن أبي نَضْرَة، عن جابر بن عبد الله قال: خلت البقاع حول المسجد، فأراد بنو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك.
نو سلمة أن ينتقلوا قرب المسجد، فبلغ ذلك رسول الله ﷺ، فقال لهم: "إنه بلغني أنكم تريدون أن تنتقلوا قرب المسجد". قالوا: نعم، يا رسول الله، قد أردنا ذلك. فقال: "يا بني سلمة، دياركم تكتب آثاركم، دياركم تكتب آثاركم".
وهكذا رواه مسلم، من حديث سعيد الجريري وكَهْمس بن الحسن، كلاهما عن أبي نضرة -واسمه: المنذر بن مالك بن قطْعَة العَبْدِي-عن جابر.
الحديث الثاني: قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن الوزير الواسطي، حدثنا إسحاق الأزرق، عن سفيان الثوري، عن أبي سفيان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري قال: كانت بنو سلَمة في ناحية من المدينة، فأرادوا أن ينتقلوا إلى قريب من المسجد، فنزلت: (إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)
فقال لهم النبي ﷺ: "إن آثاركم تُكْتبُ". فلم ينتقلوا.
انفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير، به.
قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)
فقال لهم النبي ﷺ: "إن آثاركم تُكْتبُ". فلم ينتقلوا.
انفرد بإخراجه الترمذي عند تفسير هذه الآية الكريمة، عن محمد بن الوزير، به. ثم قال: "حسن غريب من حديث الثوري".
ورواه ابن جرير، عن سليمان بن عمر بن خالد الرقي، عن ابن المبارك، عن سفيان الثوري، عن طريف -وهو ابن شهاب أبو سفيان السعدي-عن أبي نضرة، به.
وقد رُوِيَ من غير طريق الثوري، فقال الحافظ أبو بكر البزار:
حدثنا عباد بن زياد الساجي، حدثنا عثمان بن عمر، حدثنا شعبة، عن سعيد الجُرَيري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: إن بني سَلَمة شَكوا إلى رسول الله ﷺ بعد منازلهم من المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ)، فأقاموا في مكانهم.
وحدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الأعلى، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه.
وفيه غرابة من حيث ذكْرُ نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم.
الحديث الثالث: قال ابن جرير:
ي، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي ﷺ، بنحوه.
وفيه غرابة من حيث ذكْرُ نزول هذه الآية، والسورة بكمالها مكية، فالله أعلم.
الحديث الثالث: قال ابن جرير:
حدثنا نصر بن علي الجَهْضَمِي، حدثنا أبو أحمد الزبيري، حدثنا إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: كانت منازل الأنصار متباعدة من المسجد، فأرادوا أن ينتقلوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فقالوا: نثبت مكاننا. هكذا رواه وليس فيه شيء مرفوع.
ورواه الطبراني عن عبد الله بن محمد بن سعيد بن أبي مريم، عن محمد بن يوسف الفريابي، عن إسرائيل، عن سِمَاك، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فثبتوا في منازلهم.
ن ابن عباس قال: كانت الأنصار بعيدة منازلهم من المسجد، فأرادوا أن يتحولوا إلى المسجد، فنزلت: (وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ) فثبتوا في منازلهم.
الحديث الرابع: قال الإمام أحمد: حدثنا حسن، حدثنا ابن لَهِيعَة، حدثني حُيَيّ بن عبد الله، عن أبي عبد الرحمن الحُبُلي، عن عبد الله بن عمرو قال: توفي رجل بالمدينة، فصلى عليه النبي ﷺ وقال: "يا ليته مات في غير مولده". فقال رجل من الناس ولم يا رسول الله؟ فقال رسول الله ﷺ: "إن الرجل إذا توفي في غير مولده، قِيس له من مولده إلى منقطع أثره
في الجنة".
ورواه النسائي عن يونس بن عبد الأعلى، وابن ماجه عن حرملة، كلاهما عن ابن وهب، عن حيي بن عبد الله، به.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن حميد، حدثنا أبو تُمَيْلَةَ، حدثنا الحسين، عن ثابت قال: مشيت مع أنس فأسرعت المشي، فأخذ بيدي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟
دي فمشينا رويدًا، فلما قضينا الصلاة قال أنس: مشيت مع زيد بن ثابت فأسرعت المشي، فقال: يا أنس، أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟ أما شَعَرْتَ أن الآثار تكتب؟.
وهذا القول لا تنافي بينه وبين الأول، بل في هذا تنبيه ودلالة على ذلك بطريق الأولى والأحرى، فإنه إذا كانت هذه الآثار تُكتَب، فلأن تُكْتَبَ تلك التي فيها قُدوة بهم من خير أو شر بطريق الأولى، والله أعلم.
وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب.
وقوله: (وَكُلَّ شَيْءٍ أحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ) أي: جميع الكائنات مكتوب في كتاب مسطور مضبوط في لوح محفوظ، والإمام المبين هاهنا هو أم الكتاب. قاله مجاهد، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وكذا في قوله تعالى: ﴿يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ﴾ [الإسراء: ٧١] أي: بكتاب أعمالهم الشاهد عليهم بما عملوه من خير وشر، كما قال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ وَجِيءَ بِالنَّبِيِّينَ وَالشُّهَدَاءِ﴾ [الزمر: ٦٩]، وقال تعالى: ﴿وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلا كَبِيرَةً إِلا أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩].
قوله تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نُحْيِ الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾.
ذكر جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة أربعة أشياء:
الأول: أنه يحيى الموتى مؤكدًا ذلك متكلمًا عن نفسه بصيغة التعظيم.
الثاني: أنه يكتب ما قدموا في دار الدنيا.
الثالث: أنه يكتب آثارهم.
الرابع: أنه أحصى كل شيء في إمام مبين، أي: في كتاب بين واضح. وهذه الأشياء الأربعة جاءت موضحة في غير هذا الموضع.
أما الأول منها: وهو كونه يحيى الموتى بالبعث فقد جاء في آيات كثيرة من كتاب الله تعالى.
كقوله تعالى: ﴿قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ﴾ وقوله تعالى: ﴿قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلَى وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا﴾ والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد قدمنا بكثرة في سورة البقرة وسورة النحل في الكلام على براهين البعث وقدمنا الإِحالة على ذلك مرارًا.
رِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.
وقد قدمنا بعض الكلام على هذا في سورة الكهف.
وأما الثالث منها: وهو كونهم تكتب آثارهم فقد ذكر في بعض الآيات أيضًا.
واعلم أن قوله: ﴿وَآثَارَهُمْ﴾ فيه وجهان من التفسير معروفان عند العلماء.
الأول منهما: أن معنى ما قدموا ما باشروا فعله في حياتهم، وأن معنى آثارهم: هو ما سنوه في الإِسلام من سنة حسنة أو سيئة، فهو من آثارهم التي يعمل بها بعدهم.
الثاني: أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده ﷺ .
طاهم إلى المساجد ونحوها من فعل الخير، وكذلك خطاهم إلى الشر، كما ثبت عنه ﷺ أنه قال: "يا بني سلمة دياركم تكتب آثاركم" يعني خطاكم من بيوتكم إلى مسجده ﷺ .
أما على القول الأول فاللَّه جلَّ وعلا قد نص على أنهم يحملون أوزار من أضلوهم، وسنَّوا لهم السنن السيئة، كما في قوله تعالى: ﴿لِيَحْمِلُوا أَوْزَارَهُمْ كَامِلَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ وَأَثْقَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية.
قَالًا مَعَ أَثْقَالِهِمْ﴾.
وقد أوضحنا ذلك في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى:
﴿وَمِنْ أَوْزَارِ الَّذِينَ يُضِلُّونَهُمْ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾ الآية. وذكرنا حديث جرير، وأبي هريرة في صحيح مسلم في إيضاح ذلك.
ومن الآيات الدالة على مؤاخذة الإنسان بما عمل به بعده مما سنَّه من هدى أو ضلالة قوله تعالى: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣)﴾ بناء على أن المعنى: بما قدم مباشرًا له، وأخر مما عمل به بعده مما سنَّه من هدى أو ضلال، وقوله تعالى: ﴿عَلِمَتْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ وَأَخَّرَتْ (٥)﴾ على القول بذلك.
وأما على التفسير الثاني: وهو أن معنى آثارهم خطاهم إلى المساجد ونحوها، فقد جاء بعض الآيات دالًا على ذلك المعنى كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم.
ت دالًا على ذلك المعنى كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَقْطَعُونَ وَادِيًا إِلَّا كُتِبَ لَهُمْ﴾ لأن ذلك يستلزم أن تكتب لهم خطاهم التي قطعوا بها الوادي في غزوهم.
وأما الرابع: وهو قوله تعالى: ﴿وَكُلَّ شَيْءٍ أَحْصَيْنَاهُ فِي إِمَامٍ مُبِينٍ (١٢)﴾ فقد تدل عليه الآيات الدالة على الأمر الثاني، وهو كتابة جميع الأعمال التي قدموها بناء على أن المراد بذلك خصوص الأعمال.
وأما على فرض كونه عامًا فقد دلت عليه آيات أخر، كقوله تعالى: ﴿وَأَحَاطَ بِمَا لَدَيْهِمْ وَأَحْصَى كُلَّ شَيْءٍ عَدَدًا (٢٨)﴾ وقوله تعالى: ﴿مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ﴾ بناء على أن المراد بالكتاب اللوح المحفوظ، وهو أصح القولين. والعلم عند الله تعالى.
•