قدرتُه، ماضيةٌ فيهم مشيئتُه، ﴿الْعَظِيمُ﴾ الذي له العظمةُ والكِبْرياءُ والجَبَرِيَّةُ.
وقوله: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: تكادُ السماواتُ يَتَشَفَّقْنَ مِن فوقِ الأَرَضِينَ، مِن عظمةِ الرحمنِ وجَلالِه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. قال: يعنى: من ثِقَلِ الرحمنِ وعظمتِه ﵎.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. أي: مِن عظمةِ اللَّهِ وجَلالِه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ مثلَه.
حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾. قال: يَتَشَفَّقْنَ. في قوله: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨].
مدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ﴾. قال: يَتَشَفَّقْنَ. في قوله: ﴿مُنْفَطِرٌ بِهِ﴾ [المزمل: ١٨]. قال: مُنْشَقٌّ به.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سَمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: أخبرَنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾. يقولُ: يَتَصَدَّعْنَ من عظمةِ اللَّهِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ منصورٍ الطُّوسِيُّ، قال: ثنا حسينُ بنُ محمدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قال: جاء رجلٌ إلى كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أين ربُّنا؟ فقال له الناسُ: اتق اللَّهَ، أفتَسْأَلُ عن هذا؟
حسينُ بنُ محمدٍ، عن أبي مَعْشَرٍ، عن محمدِ بن قيسٍ قال: جاء رجلٌ إلى كعبٍ، فقال: يا كعبُ، أين ربُّنا؟ فقال له الناسُ: اتق اللَّهَ، أفتَسْأَلُ عن هذا؟ فقال كعبٌ: دَعُوه، فإِن يَكُ عالمًا ازْدادَ علمًا، وإن يَكُ جاهلًا تعَلَّمَ؛ سأَلْتَ أين ربُّنا، وهو على العرشِ العظيمِ مُتَّكِئٌ، واضعٌ إحدى رجليه على الأخرى، ومسافةُ هذه الأرضِ التي أنت عليها مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ، [ومِن الأرضِ إلى الأرضِ مسيرةُ خمسِمائةِ سنةٍ]، وكثافتُها خمسِمائةِ سنةٍ، حتى تمَّ سبعُ أرَضِينَ، ثم مِن الأرضِ إلى السماءِ مسيرةُ خمسِمائةِ
سنةٍ، وكثافتُها خمسُمائةِ سنةٍ، واللَّهُ ﷿ على العرشِ متكئٌ، ثم تفَطَّرُ السماواتُ. ثم قال كعبٌ: اقْرَءوا إن شِئْتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الآيةَ
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾.
ال كعبٌ: اقْرَءوا إن شِئْتم: ﴿تَكَادُ السَّمَاوَاتُ يَتَفَطَّرْنَ مِنْ فَوْقِهِنَّ﴾ الآيةَ
وقوله: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: والملائكةُ يُصَلُّون بطاعةِ ربِّهم وشكرِهم له، من هَيْبَةِ جَلالِه وعظمتِه.
كما حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾. قال: والملائكةُ يُسَبِّحون له من عظمتِه.
وقوله: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. يقولُ: ويَسْأَلُون ربَّهم المغفرةَ لذنوبِ مَن في الأرضِ مِن أهلِ الإيمانِ به.
كما حدَّثنا محمدٌ، قال: ثنا أحمدُ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ في قولِه: ﴿وَيَسْتَغْفِرُونَ لِمَنْ فِي الْأَرْضِ﴾. قال: للمؤمنين.
يقولُ الله ﷿: ﴿أَلَا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَفُورُ﴾ لذنوبِ مؤمنى عبادِه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم أن يُعاقِبَهم بعدَ توبتِهم منها.
وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ اللَّهُ حَفِيظٌ عَلَيْهِمْ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِمْ بِوَكِيلٍ (٦)﴾
قد تقدم الكلام على الحروف المقطعة. وقد روى ابن جرير هاهنا أثرا غريبا عجيبا منكرا، فقال:
حدثنا أحمد بن زُهَير، حدثنا عبد الوهاب بن نَجْدَةَ الحَوْطي، حدثنا أبو المغيرة عبد القدوس بن الحجاج، عن أرطاة بن المنذر قال: جاء رجل إلى ابن عباس فقال له -وعنده حُذيفة بن اليمان-: أخبرني عن تفسير قول الله: (حم * عسق) قال: فأطرق ثم أعرض عنه، ثم كرر مقالته فأعرض عنه، فلم يجبه بشيء وكره مقالته، ثم كررها الثالثة فلم يُحِرْ إليه شيئا. فقال حذيفة: أنا أنبئك بها، قد عرفت لم كرهها؟ نزلت في رجل من أهل بيته يقال له "عبد الإله" -أو: عبد الله-ينزل على نهر من أنهار المشرق تُبْنَى عليه مدينتان، يشق النهر بينهما شقا، فإذا أذن الله في زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم، بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة وقد احترقت، كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة: كيف أفلتت؟
زوال ملكهم وانقطاع دولتهم ومدتهم، بعث الله على إحداهما نارا ليلا فتصبح سوداء مظلمة وقد احترقت، كأنها لم تكن مكانها، وتصبح صاحبتها متعجبة: كيف أفلتت؟ فما هو إلا بياض يومها ذلك، حتى يجتمع فيها كل جبار عنيد منهم، ثم يخسف الله بها وبهم جميعا، فذلك قوله: (حم * عسق) يعني: عزيمة من الله تعالى وفتنة وقضاء حُمّ: (حم) عين: يعني عدلا منه، سين: يعني سيكون، ق: يعني واقع بهاتين المدينتين.
وأغرب منه ما رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي في الجزء الثاني من مسند ابن عباس، وعن أبي ذر عن النبي ﷺ في ذلك، ولكن إسناده ضعيف جدا ومنقطع، فإنه قال:
حدثنا أبو طالب عبد الجبار بن عاصم، حدثنا أبو عبد الملك الحسن بن يحيى الخُشَني الدمشقي، عن أبي معاوية قال: صعد عمر بن الخطاب المنبر فقال: أيها الناس هل سمع منكم أحد رسول الله ﷺ يفسر (حم * عسق)؟ فوثب ابن عباس فقال: أنا: قال: " (حم) اسم من أسماء الله تعالى" قال: فعين؟ قال: "عاين المولون عذاب يوم بدر" قال: فسين؟ قال: "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون" قال: فقاف؟
أنا: قال: " (حم) اسم من أسماء الله تعالى" قال: فعين؟ قال: "عاين المولون عذاب يوم بدر" قال: فسين؟ قال: "سيعلم الذين ظلموا أي منقلب
ينقلبون" قال: فقاف؟ فسكت فقام أبو ذر، ففسر كما قال ابن عباس، ﵄، وقال: قاف: قارعة من السماء تغشى الناس.
وقوله: (كَذَلِكَ يُوحِي إِلَيْكَ وَإِلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكَ اللَّهُ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ) أي: كما أنزل إليك هذا القرآن، كذلك أنزل الكتب والصحف على الأنبياء قبلك. وقوله: (اللَّهُ الْعَزِيزُ) أي: في انتقامه، (الْحَكِيمُ) في أقواله وأفعاله.
قال: الإمام مالك ﵀-عن هشام بن عُرْوَة عن أبيه، عن عائشة: أن الحارث بن هشام سأل رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس، وهو أشده عَلَيّ فيفصم عني قد وَعَيت ما قال.
سول الله ﷺ فقال: يا رسول الله، كيف يأتيك الوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: "أحيانًا يأتيني مثل صَلْصَلَةِ الجَرَس، وهو أشده عَلَيّ فيفصم عني قد وَعَيت ما قال. وأحيانا يأتيني الملك رجُلا فيكلمني، فأعي ما يقول" قالت عائشة فلقد رأيته ينزل عليه الوحي في اليوم الشديد البرد، فيفصم عنه، وإن جبينه ليتفصّد عرقا.
أخرجاه في الصحيحين، ولفظه للبخاري.
وقد رواه الطبراني عن عبد الله ابن الإمام أحمد، عن أبيه، عن عامر بن صالح، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، عن الحارث بن هشام؛ أنه سأل رسول الله ﷺ: كيف ينزل عليك الوحي؟ فقال: "مثل صلصلة الجرس فيفصمُ عني وقد وعَيتُ ما قاله" قال: "وهو أشده علي" قال: "وأحيانا يأتيني الملك فيتمثل لي فيكلمني فأعي ما يقول".
وقال: الإمام أحمد: حدثنا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو، ﵄، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟
نا قتيبة، حدثنا ابن لَهِيعة، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمرو بن الوليد، عن عبد الله بن عمرو، ﵄، قال: سألت رسول الله ﷺ فقلت: يا رسول الله، هل تحس بالوحي؟ فقال رسول الله ﷺ: " أسمع صلاصل ثم أسكت عند ذلك، فما من مرة يوحى إليَّ إلا ظننت أن نفسي تُقبَض" تفرد به أحمد.
وقد ذكرنا كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله ﷺ في أول شرح البخاري، بما أغنى عن إعادته هاهنا، ولله الحمد والمنة.
وقوله تعالى: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) أي: الجميع عبيد له وملك له، تحت قهره وتصريفه، (وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ) كقوله تعالى: ﴿الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ﴾ [الرعد: ٩] ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ﴾ [سبأ: ٢٣] والآيات في هذا كثيرة.
قوله تعالى: ﴿وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٤)﴾.
وصف نفسه جل وعلا في هذه الآية الكريمة، بالعلو والعظمة، وهما من الصفات الجامعة كما قدمنا في سورة الأعراف، في الكلام على قوله تعالى: ﴿ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ﴾.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة، من وصفه تعالى نفسه بهاتين الصفتين الجامعتين المتضمنتين لكل كمال وجلال، جاء مثله في آيات أحْر، كقوله تعالى: ﴿وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ (٢٥٥)﴾، وقوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا (٣٤)﴾، وقوله تعالى: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعَالِ (٩)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَلَهُ الْكِبْرِيَاءُ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ الآية. إلى غير ذلك من الآيات.
•