Orang-orang Arab Badui berkata, "Kami telah beriman." Katakanlah (kepada mereka), "Kamu belum beriman, tetapi katakanlah 'Kami telah tunduk (Islam)', karena iman belum masuk ke dalam hatimu. Dan jika kamu taat kepada Allah dan Rasul-Nya, Dia tidak akan mengurangi sedikit pun (pahala) amalmu. Sungguh, Allah Maha Pengampun, Maha Penyayang
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: قَالَتِ ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (١٤)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: قالت الأعرابُ: صدَّقنا باللَّهِ ورسولِه، فنحنُ مؤمنون. قال اللَّهُ لنبيِّه محمدٍ ﷺ: قلْ يا محمدُ لهم: لم تُؤمنوا، ولَسْتم مؤمنين، ولكن قولوا: أسلمنا.
وذُكر أن هذه الآيةَ نزَلت في أعرابِ بني أسدٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قوِله: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾. قال: أعرابُ بني أسدِ بنِ خُزَيمةَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل للنبيِّ ﷺ: قلْ لهؤلاء الأعرابِ: [قولوا: أسلَمْنا]، ولا تقولوا: آمَنَّا.
رابُ بني أسدِ بنِ خُزَيمةَ.
واختلَف أهلُ التأويلِ في السببِ الذي من أجلِه قيل للنبيِّ ﷺ: قلْ لهؤلاء الأعرابِ: [قولوا: أسلَمْنا]، ولا تقولوا: آمَنَّا. فقال بعضُهم: إنما أُمِر
النبيُّ ﷺ بذلك؛ لأنّ القومَ كانوا صدَّقوا بألسنتِهم، ولم يصدِّقوا قولَهم بفعْلِهم، فقيل لهم: قولوا: أسْلَمنا؛ لأن الإسلامَ قولٌ، والإيمانَ قولٌ وعملٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: إن الإسلامَ الكلمةُ، والإيمانَ العملُ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، وأخبَرني الزهريُّ، عن عامرِ بن سعدِ بن أبي وقاصٍ، عن أبيه، قال: أعطَى النبيُّ ﷺ رجالًا، ولم يُعْطِ رجلًا منهم شيئًا، فقال سعدٌ: يا رسولَ اللَّهِ، أعطَيت فلانًا وفلانًا، ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمنٌ. فقال النبيُّ ﷺ: "أَوْ مُسلِمٌ". حتَّى أعادَها سعدٌ ثلاثًا، والنبيُّ ﷺ يقولُ: "أوْ مُسلِمٌ".
عطَيت فلانًا وفلانًا، ولم تُعْطِ فلانًا شيئًا، وهو مؤمنٌ. فقال النبيُّ ﷺ: "أَوْ مُسلِمٌ". حتَّى أعادَها سعدٌ ثلاثًا، والنبيُّ ﷺ يقولُ: "أوْ مُسلِمٌ". ثم قال النبيُّ ﷺ: "إِنِّي أُعطِي رجالًا، وأدَعُ مَن هو أحَبُّ إليَّ منهم لا أُعْطيه شيئًا؛ مخافَةَ أَنْ يُكَبُّوا في النَّارِ على وُجُوهِهِم".
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾. قال: لم يُصدِّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فردَّ اللَّهُ ذلك عليهم، ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وأخبَرهم أن المؤمنين
﴿الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فمن قال منهم: أنا مؤمنٌ. فقد صدَق.
دُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾: صدَّقوا إيمانَهم بأعمالِهم، فمن قال منهم: أنا مؤمنٌ. فقد صدَق. قال: وأمَّا مَن انْتَحل الإيمانَ بالكلامِ ولم يعمَلْ فقد كذَب، وليس بصادقٍ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيان، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: هو الإسلامُ.
وقال آخرون: إنما أمَر اللَّهُ ﷿ النبيَّ ﷺ بقيلِ ذلك لهم؛ لأنهم أرادوا أن يتَسمَّوا بأسماءِ المهاجرين قبلَ أن يهاجِروا، فأعْلَمَهم اللَّهُ أن لهم أسماءَ الأعرابِ، لا أسماءَ المهاجرين.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية.
كرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا﴾ الآية. وذلك أنهم أرادوا أن يتسَمَّوا باسم الهجرةِ، وألا يتسَمَّوا بأسمائِهم التي سمَّاهم اللَّهُ، وكان هذا في أوَّلِ الهجرةِ قبلَ أن تنزلَ المواريثُ لهم.
وقال آخرون: قيل ذلك لهم؛ لأنهم مَنُّوا على رسولِ اللَّهِ ﷺ بإسلامِهم، فقال اللَّهُ لنبيِّه ﷺ: قلْ لهم: لم تُؤمِنوا، ولكن اسْتَسلَمتم خوفَ السِّباءِ والقَتْلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا﴾: ولَعَمْرِي ما عمَّت هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللَّهِ واليومِ الآخرِ، ولكن إنما أُنزِلت في حيٍّ من أحياءِ الأعرابِ امْتَنُّوا بإسلامِهم على نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: أسْلَمنا، ولم نُقاتِلك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ.
لكن إنما أُنزِلت في حيٍّ من أحياءِ الأعرابِ امْتَنُّوا بإسلامِهم على نبيِّ اللَّهِ ﷺ، فقالوا: أسْلَمنا، ولم نُقاتِلك كما قاتَلك بنو فلانٍ وبنو فلانٍ. فقال اللَّهُ: لا تقولوا: آمنَّا، ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ حتى بلَغ: ﴿فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: لم تعمَّ هذه الآيةُ الأعرابَ، إن من الأعرابِ مَن يؤمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ ويَتَّخِذُ ما ينفقُ قُرُباتٍ عندَ اللَّهِ، ولكنها طوائفُ من الأعرابِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن رَباحِ بنِ أبي معروفٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ: ﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا لخوفِ السِّباءِ والقتلِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:
﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾.
سْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا لخوفِ السِّباءِ والقتلِ.
حدَّثنا ابنُ حُمَيدٍ، قال: ثنا مِهرانُ، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ:
﴿قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾. قال: اسْتَسْلَمْنا.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ، وقرَأ قولَ اللَّهِ: ﴿قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾: اسْتَسْلَمْنا؛ دخَلْنَا فِي السِّلْمِ، وترَكْنا المحاربةَ والقتالَ بقولِهم: لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ. وقال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "أُمِرتُ أَن أُقاتِلَ النَّاسَ حتى يقولوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، فإذا قالوا لا إلهَ إِلَّا اللَّهُ، عصَموا مني دماءَهم وأموالَهم إلَّا بحقِّها، وحسابُهم على اللَّهِ".
وأولى الأقوالِ بالصوابِ في تأويلِ ذلك القولُ الذي ذكَرْناه عن الزهريِّ، وهو أن اللَّهَ تقدَّم إلى هؤلاء الأعرابِ الذين دخَلوا في الملَّةِ إقرارًا منهم بالقولِ، ولم يُحقِّقوا قولَهم بعمَلِهم أن يقولوا بالإطلاقِ: آمنَّا. دونَ تقييدِ قولِهم ذلك بأن يقولوا: آمنَّا باللَّهِ ورسولِه.
رسولَه أيُّها القومُ، فتأتَمِروا لأمْرِه وأمرِ رسولِه، وتعمَلوا بما فرَض عليكم، وتنتَهوا عمَّا نهاكم عنه ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لا يَظْلِمْكم من أجورِ أعمالِكم شيئًا، ولا يَنْقُصْكم من ثوابِها شيئًا
وبنحوِ الذي قُلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾: لا يَنقُصْكم.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. يقولُ: لن يظلِمَكم من أعمالِكم شيئًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إن تُصَدِّقوا إيمانَكم بأعمالِكم يَقْبَلْ ذلك منكم.
وقرَأت قرَأةُ الأمصارِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾.
ا اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾. قال: إن تُصَدِّقوا إيمانَكم بأعمالِكم يَقْبَلْ ذلك منكم.
وقرَأت قرَأةُ الأمصارِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ شَيْئًا﴾. بغيرِ همزٍ ولا ألفٍ، سِوَى أبي عمرٍو، فإنَّه قرَأ ذلك: (لا يأْلِتْكُمْ). بألفٍ، اعتبارًا منه في ذلك بقولِه: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١]. فمن قال: ألَت. قال: يَأْلَتُ.
وأمّا الآخرون فإنهم جعَلوا ذلك من لاتَ يَلِيتُ، كما قال رُؤْبةُ بنُ العجَّاجِ:
وَلَيْلَةٍ ذَاتِ نَدًى سَرَيْتُ
ولَمْ يَلِتْنِي عَنْ سُرَاها لَيْتُ
والصوابُ من القراءةِ عندَنا في ذلك ما عليه قرَأةُ المدينةِ والكوفةِ: ﴿لَا يَلِتْكُمْ﴾. بغيرِ ألفٍ ولا همزٍ، على لغةِ مَن قال: لاتَ يَلِيتُ. لعِلَّتَين: إحْدَاهما: إجماعُ الحُجَّةِ من القرَأةِ عليها. والثانيةُ: أنها في المصحفِ بغيرِ ألفٍ، ولا تسقطُ الهمزةُ في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنها ساكنةٌ، والهمزةُ إذا سكَنت ثَبَتت، كما يقالُ: تأمُرون وتأكُلون.
. والثانيةُ: أنها في المصحفِ بغيرِ ألفٍ، ولا تسقطُ الهمزةُ في مثلِ هذا الموضعِ؛ لأنها ساكنةٌ، والهمزةُ إذا سكَنت ثَبَتت، كما يقالُ: تأمُرون وتأكُلون. وإنما تسقطُ إذا سكَن ما قَبْلَها، ولا يُحْمَلُ حرفٌ في القرآنِ أتَى بلغةٍ على آخَرَ جاء بلغةٍ خلافِها إذا كانت اللغتان معروفتين من كلام العرب. وقد ذكَرنا أن ألَتَ ولاتَ لغتانِ معروفتان مِن كلامِهم.
وقولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن اللَّهَ ذو عَفْوٍ أَيُّها الأعرابُ لمن أطاعَه وتاب إليه مِن سالفِ ذنوبِه، فأطِيعوه وانْتَهُوا إلى أمرِه ونَهْيِه يَغْفرْ لكم ذنوبَكم، رحيمٌ بخَلقِه التائبين إليه أن يعاقِبَهم بعدَ توبتهم مِن ذنوبِهم على ما قد تابوا منه، فتُوبوا إليه يَرْحَمْكُم.
كما حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾: غفورٌ للذنوبِ الكثيرةِ، أو الكبيرةِ - شكَّ يزيدُ - رحيمٌ بعبادِه.
ْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٧) إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ (١٨)﴾
يقول تعالى منكرا على الأعراب الذين أول ما دخلوا في الإسلام ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يتمكن الإيمان في قلوبهم بعد: (قَالَتِ الأعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ). وقد استفيد من هذه الآية الكريمة: أن الإيمان أخص من الإسلام كما هو مذهب أهل السنة والجماعة، ويدل عليه حديث جبريل، ﵇، حين سأل عن الإسلام، ثم عن الإيمان، ثم عن الإحسان، فترقى من الأعم إلى الأخص، ثم للأخص منه.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن الزهري، عن عامر بن سعد بن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟
ن أبي وقاص، عن أبيه قال: أعطى رسول الله ﷺ رجالا ولم يعط رجلا منهم شيئًا، فقال سعد: يا رسول الله، أعطيت فلانًا وفلانا ولم تُعط فلانًا شيئًا، وهو مؤمن؟ فقال النبي ﷺ: "أو مسلم" حتى أعادها سعد ثلاثا، والنبي ﷺ يقول: "أو مسلم" ثم قال النبي ﷺ: "إني لأعطي رجالا وأدع من هو أحب إليّ منهم فلم أعطيه شيئًا؛ مخافة أن يكبوا في النار على وجوههم".
أخرجاه في الصحيحين من حديث الزهري، به.
فقد فرق النبي ﷺ بين المسلم والمؤمن، فدل على أن الإيمان أخص من الإسلام. وقد قررنا ذلك بأدلته في أول شرح كتاب الإيمان من "صحيح البخاري" ولله الحمد والمنة. ودل ذلك على أن ذاك الرجل كان مسلما ليس منافقًا؛ لأنه تركه من العطاء ووكله إلى ما هو فيه من الإسلام، فدل هذا على أن هؤلاء الأعراب المذكورين في هذه الآية ليسوا بمنافقين، وإنما هم مسلمون لم يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير.
يستحكم الإيمان في قلوبهم، فادعوا لأنفسهم مقاما أعلى مما وصلوا إليه، فأدبوا في ذلك. وهذا معنى قول ابن عباس وإبراهيم النخعي، وقتادة، واختاره ابن جرير. وإنما قلنا هذا لأن البخاري، ﵀، ذهب إلى أن هؤلاء كانوا منافقين يُظهرون الإيمان وليسوا كذلك. وقد روي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وابن زيد أنهم قالوا في قوله: (وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا) أي: استسلمنا خوف القتل والسباء. قال مجاهد: نزلت في بني أسد بن خزيمة. وقال قتادة: نزلت في قوم امتنوا بإيمانهم على رسول الله ﷺ.
والصحيح الأول؛ أنهم قوم ادعوا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة.
وا لأنفسهم مقام الإيمان، ولم يحصل لهم بعد، فأدبوا وأعلموا أن ذلك لم يصلوا إليه بعد، ولو كانوا منافقين لعنفوا وفضحوا، كما ذكر المنافقون في سورة براءة. وإنما قيل لهؤلاء تأديبًا: (قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ) أي: لم تصلوا إلى حقيقة الإيمان بعد.
ثم قال: (وَإِنْ تُطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ لا يَلِتْكُمْ مِنْ أَعْمَالِكُمْ [شَيْئًا]) أي: لا ينقصكم من أجوركم شيئا، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: لمن تاب إليه وأناب.
م من أجوركم شيئا، كقوله: ﴿وَمَا أَلَتْنَاهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ﴾ [الطور: ٢١].
وقوله: (إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) أي: لمن تاب إليه وأناب.
وقوله: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ) أي: إنما المؤمنون الكُمَّل (الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا) أي: لم يشكوا ولا تزلزلوا، بل ثبتوا على حال واحدة، وهي التصديق المحض، (وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ) أي: وبذلوا مهجهم ونفائس أموالهم في طاعة الله ورضوانه، (أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ) أي: في قولهم إذا قالوا: "إنهم مؤمنون"، لا كبعض الأعراب الذين ليس معهم من الدين إلا الكلمة الظاهرة.
وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن غيلان، حدثنا رِشْدين، حدثني عمرو بن الحارث، عن أبي السمح، عن أبي الهيثم، عن أبي سعيد قال: إن النبي ﷺ قال: "المؤمنون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم.
نون في الدنيا على ثلاثة أجزاء: [الذين] آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله. والذي يأمنه الناس على أموالهم وأنفسهم. ثم الذي إذا أشرف على طمع تركه لله، ﷿".
وقوله: (قُلْ أَتُعَلِّمُونَ اللَّهَ بِدِينِكُمْ) أي: أتخبرونه بما في ضمائركم، (وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ) أي: لا يخفى عليه مثقال ذرة في الأرض ولا في السماء، ولا أصغر من ذلك ولا أكبر، (وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ).
ثم قال [تعالى]: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا)، يعني: الأعراب [الذين] يمنون بإسلامهم ومتابعتهم ونصرتهم على الرسول، يقول الله ردًا عليهم: (قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ)، فإن نفع ذلك إنما يعود عليكم، ولله المنة عليكم فيه، (بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟
تُمْ صَادِقِينَ) أي: في دعواكم ذلك، كما قال النبي ﷺ للأنصار يوم حنين: "يا معشر الأنصار، ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي؟ وكنتم متفرقين فألفكم الله بي؟ وعالة فأغناكم الله بي؟ " كلما قال شيئًا قالوا: الله ورسوله أَمَنُّ.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن سعيد الجوهري، حدثنا يحيى بن سعيد الأموي، عن محمد بن قيس، عن أبي عون، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس [﵄] قال: جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم تقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم".
جاءت بنو أسد إلى رسول الله ﷺ فقالوا: يا رسول الله، أسلمنا وقاتلتك العرب، ولم تقاتلك، فقال رسول الله ﷺ: "إن فقههم قليل، وإن الشيطان ينطق على ألسنتهم". ونزلت هذه الآية: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا قُلْ لا تَمُنُّوا عَلَيَّ إِسْلامَكُمْ بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإيمَانِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ)
ثم قال: لا نعلمه يروى إلا من هذا الوجه، ولا نعلم روى أبو عون محمد بن عبيد الله، عن سعيد بن جبير، غير هذا الحديث.
ثم كرر الإخبار بعلمه بجميع الكائنات، وبصره بأعمال المخلوقات فقال: (إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ)
آخر تفسير الحجرات، ولله الحمد والمنة.
تفسير سورة ق
وهي مكية.
وهذه السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات. وأما ما يقوله العامة: إنه من (عَمّ) فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم.
السورة هي أول الحزب المفصل على الصحيح، وقيل: من الحجرات. وأما ما يقوله العامة: إنه من (عَمّ) فلا أصل له، ولم يقله أحد من العلماء المعتبرين فيما نعلم. والدليل على أن هذه السورة هي أول المفصل ما رواه أبو داود في سننه، باب "تحزيب القرآن" ثم قال:
حدثنا مُسَدَّد، حدثنا قُرَّان بن تمام، (ح) وحدثنا عبد الله بن سعيد أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد سليمان بن حبان -وهذا لفظه-عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده -قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة-ثم اتفقا.
سليمان بن حبان -وهذا لفظه-عن عبد الله بن عبد الرحمن بن يعلى، عن عثمان بن عبد الله بن أوس، عن جده -قال عبد الله بن سعيد: حدثنيه أوس بن حذيفة-ثم اتفقا. قال: قدمنا على رسول الله ﷺ في وفد ثقيف، قال: فنزلت الأحلاف على المغيرة بن شعبة، وأنزل رسول الله ﷺ بني مالك في قُبة له -قال مسَدَّد: وكان في الوفد الذين قدموا على رسول الله ﷺ من ثقيف، قال: كان رسول الله [ﷺ] كل ليلة يأتينا بعد العشاء يحدثنا -قال أبو سعيد: قائما على رجليه حتى يراوح بين رجليه من طول القيام-فأكثر ما يحدثنا ما لقي من قومه قريش، ثم يقول: لا سواء وكنا مستضعفين مستذلين -قال مُسدَّد: بمكة-فلما خرجنا إلى المدينة كانت سجال الحرب بيننا وبينهم، ندال عليهم ويدالون علينا. فلما كانت ليلة أبطأ عن الوقت الذي كان يأتينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة! قال: "إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ: كيف تحزبون القرآن؟
تينا فيه، فقلنا: لقد أبطأت عنا الليلة! قال: "إنه طرأ علي حزبي من القرآن، فكرهت أن أجيء حتى أتمه". قال أوس: سألت أصحاب رسول الله ﷺ: كيف تحزبون القرآن؟ فقالوا: ثلاث، وخمس، وسبع، وتسع، وإحدى عشرة، وثلاث عشرة، وحزب المفصل وحده.
ورواه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن أبي خالد الأحمر، به. ورواه الإمام أحمد عن عبد الرحمن بن مهدي، عن عبد الله بن عبد الرحمن، هو ابن يعلى الطائفي به.
إذا علم هذا، فإذا عددت ثمانيا وأربعين سورة، فالتي بعدهن سورة "ق". بيانه: ثلاث: البقرة، وآل عمران، والنساء. وخمس: المائدة، والأنعام، والأعراف، والأنفال، وبراءة. وسبع: يونس، وهود، ويوسف، والرعد، وإبراهيم، والحجر، والنحل. وتسع: سبحان، والكهف، ومريم، وطه، والأنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والم، السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس.
أنبياء، والحج، والمؤمنون، والنور، والفرقان. وإحدى عشرة: الشعراء، والنمل، والقصص، والعنكبوت، والروم، ولقمان، والم، السجدة، والأحزاب، وسبأ، وفاطر، ويس. وثلاث عشرة: الصافات، وص، والزمر، وغافر، وحم، السجدة، وحم عسق، والزخرف، والدخان، والجاثية،
والأحقاف، والقتال، والفتح، والحجرات. ثم بعد ذلك الحزب المفصل كما قاله الصحابة، ﵃. فتعين أن أوله سورة "ق" وهو الذي قلناه، ولله الحمد والمنة.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي، حدثنا مالك، عن ضَمْرة بن سعيد، عن عُبَيد الله بن عبد الله؛ أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف، واقتربت.
ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة، من حديث مالك، به.
بد الله؛ أن عمر بن الخطاب سأل أبا واقد الليثي: ما كان رسول الله ﷺ يقرأ في العيد؟ قال: بقاف، واقتربت.
ورواه مسلم وأهل السنن الأربعة، من حديث مالك، به. وفي رواية لمسلم عن فليح عن ضمرة، عن عبيد الله، عن أبي واقد قال: سألني عمر، فذكره.
حديث آخر: وقال أحمد: حدثنا يعقوب، حدثنا أبي، عن ابن إسحاق، حدثني عبد الله بن محمد بن أبي بكر بن عمرو بن حزم، عن يحيى بن عبد الله بن عبد الرحمن بن سعد بن زُرَارة، عن أم هشام بنت حارثة قالت: لقد كان تَنُّورنا وتنور النبي ﷺ واحدا سنتين، أو سنة وبعض سنة، وما أخذت ﴿ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ﴾ إلا على لسان رسول الله ﷺ، كان يقرؤها كل يوم جمعة على المنبر إذا خطب الناس.
رواه مسلم [أيضا] من حديث ابن إسحاق، به.
وقال أبو داود: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن خبيب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت "ق" إلا من فِي رسول الله ﷺ، يخطب بها كل جمعة.
محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن خبيب، عن عبد الله بن محمد بن معن، عن ابنة الحارث بن النعمان قالت: ما حفظت "ق" إلا من فِي رسول الله ﷺ، يخطب بها كل جمعة. قالت: وكان تنورنا وتنور رسول الله ﷺ واحدًا.
وكذا رواه مسلم والنسائي وابن ماجه، من حديث شعبة، به.
والقصد أن رسول الله ﷺ كان يقرأ بهذه السورة في المجامع الكبار، كالعيد والجمع، لاشتمالها على ابتداء الخلق والبعث والنشور، والمعاد والقيام، والحساب، والجنة والنار، والثواب والعقاب، والترغيب والترهيب.
قوله تعالى: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾.
ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة أن هؤلاء الأعراب وهم أهل البادية من العرب قالوا آمنا، وأن الله جل وعلا أمر نبيه أن يقول لهم: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾، وهذا يدل على نفي الإيمان عنهم وثبوت الإسلام لهم.
وذلك يستلزم أن الإيمان أخص من الإسلام؛ لأن نفي الأخص لا يستلزم نفي الأعم.
وقد قدمنا مرارًا أن مسمى الإيمان الشرعي الصحيح، والإسلام الشرعي الصحيح، هو استسلام القل بالاعتقاد، واللسان بالإقرار، والجوارح بالعمل، فمؤداهما واحد، كما يدل له قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.
ا واحد، كما يدل له قوله تعالى: ﴿فَأَخْرَجْنَا مَنْ كَانَ فِيهَا مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٣٥) فَمَا وَجَدْنَا فِيهَا غَيرَ بَيتٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ (٣٦)﴾.
وإذا كان ذلك كذلك فإنه يحتاج إلى بيان وجه الفرق بين الإيمان والإسلام في هذه الآية الكريمة؛ لأن الله نفى عنهم الإيمان دون الإسلام، ولذلك وجهان معروفان عند العلماء، أظهرهما عندي: أن الإيمان المنفي عنهم في هذه الآية هو مسماه الشرعي الصحيح، والإسلام المثبت لهم فيها هو الإسلام اللغوي الذي هو الاستسلام والانقياد بالجوارح دون القلب.
وإنما ساغ إطلاق الحقيقة اللغوية هنا على الإسلام مع أن الحقيقة الشرعية مقدمة على اللغوية على الصحيح؛ لأن الشرع الكريم جاء باعتبار الظاهر، وأن توكل السرائر إلى الله.
فانقياد الجوارح في الظاهر بالعمل واللسان بالإقرار يكتفى به شرعا، وإن كان القلب منطويًا على الكفر.
ولهذا ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعا عن التنقيب عن القلب.
ساغ إرادة الحقيقة اللغوية في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾؛ لأن انقياد اللسان والجوارح في الظاهر إسلام لغوي مكتفى به شرعا عن التنقيب عن القلب.
وكل انقياد واستسلام وإذعان يسمى إسلامًا لغة. ومنه قول زيد بن عمرو بن نفيل العدوي مسلم الجاهلية:
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الأرض تحمل صخرًا ثقالًا
دحاها فلما استوت شدها ... جميعا وأرسى عليها الجبالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له المزن تحمل عذبًا زلالا
إذا هي سيقت إلى بلدة ... أطاعت فصبت عليها سجالا
وأسلمت وجهي لمن أسلمت ... له الريح تصرف حالًا فحالا
فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد.
وإذا حمل الإسلام في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ انقدنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح.
لا
فالمراد بالإسلام في هذه الأبيات: الاستسلام والانقياد.
وإذا حمل الإسلام في قوله: ﴿وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا﴾ انقدنا واستسلمنا بالألسنة والجوارح. فلا إشكال في الآية.
وعلى هذا القول، فالأعراب المذكورون منافقون؛ لأنهم مسلمون في الظاهر، وهم كفار في الباطن.
الوجه الثاني: أن المراد بنفي الإيمان في قوله: ﴿لَمْ تُؤْمِنُوا﴾ نفي كمال الإيمان، لا نفيه من أصله.
وعليه فلا إشكال أيضًا؛ لأنهم مسلمون مع أن إيمانهم غير تام، وهذا لا إشكال فيه عند أهل السنة والجماعة القائلين بأن الإيمان يزيد وينقص.
وإنما استظهرنا الوجه الأول، وهو أن المراد بالإسلام معناه اللغوي دون الشرعي، وأن الأعراب المذكورين كفار في الباطن وإن أسلموا في الظاهر؛ لأن قوله جل وعلا: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ يدل على ذلك دلالة كما ترى؛ لأن قوله: ﴿يَدْخُلِ﴾ فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم، كما أوضحنا مرارًا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
ونحو لا شربت أو إن شربا ...
ا ترى؛ لأن قوله: ﴿يَدْخُلِ﴾ فعل في سياق النفي وهو من صيغ العموم، كما أوضحنا مرارًا، وإليه الإشارة بقول صاحب مراقي السعود:
ونحو لا شربت أو إن شربا ... واتفقوا إن مصدر قد جلبا
فقوله: ﴿وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾ في معنى: لا دخول للإيمان في قلوبكم.
والذين قالوا بالثاني قالوا: إن المراد بنفي دخوله نفي كماله. والأول أظهر كما ترى.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿قَالتِ الْأَعْرَابُ﴾ المراد به بعض الأعراب، وقد استظهرنا أنهم منافقون، لدلالة القرآن على ذلك، وهم من جنس الأعراب الذين قال الله فيهم: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَمًا وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوَائِرَ﴾، وإنما قلنا إن المراد بعض الأعراب في هذه الآية؛ لأن الله بين في موضع آخر أن منهم من ليس كذلك، وذلك في قوله تعالى: ﴿وَمِنَ الْأَعْرَابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَيَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ قُرُبَاتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَوَاتِ الرَّسُولِ أَلَا إِنَّهَا قُرْبَةٌ لَهُمْ