(Jika terbukti kedua saksi itu berbuat dosa,302) maka dua orang yang lain menggantikan kedudukannya, yaitu di antara ahli waris yang berhak dan lebih dekat kepada orang yang mati, lalu keduanya bersumpah dengan nama Allah, "Sungguh, kesaksian kami lebih layak diterima daripada kesaksian kedua saksi itu, dan kami tidak melanggar batas. Sesungguhnya jika kami berbuat demikian tentu kami termasuk orang-orang zalim
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: فإن اطُّلِع منهما أو ظهَر.
وأصلُ العَثْرِ الوقوعُ على الشيءِ والسقوطُ عليه، ومن ذلك قولُهم: عثَرَت إصْبعُ فلانٍ بكذا، إذا صدَمَته وأصابَتْه ووقَعَت عليه. ومنه قولُ الأعشى ميمونِ بن قيس:
بذاتِ لَوْثٍ عَفَرْنَاةٍ إذا عثَرَتْ … فالتَّعْسُ أدْنى لها مِن أن أقولَ لَعَا
يعنى بقولِه: عثَرَت: أصاب مَنْسِمُ خُفِّها حجرًا أو غيرَه. ثم يُسْتَعْمَلُ ذلك في كلِّ واقعٍ على شيءٍ كان عنه خفيًّا، كقولِهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً. بمعنى: وقَعَت.
وأما قولُه: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾.
عنه خفيًّا، كقولِهم: عثَرَتْ على الغَزْلِ بأَخَرَةٍ، فلم تَدَعْ بِنَجْدٍ قَرَدَةً. بمعنى: وقَعَت.
وأما قولُه: ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. فإنه يقولُ تعالى ذكرُه: فإن اطُّلِع مِن الوصِيَّيْن اللذين ذكَر اللهُ أَمْرَهما في هذه الآيةِ بعدَ حلِفِهما باللَّهِ: لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا ولو كان ذا قربى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ - ﴿عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: على أنهما اسْتَوْجَبا بأيمانِهما التي حلَفا بها إثمًا، وذلك أن يُطَّلَعَ على أنهما كانا كاذِبَيْن في أيمانِهما باللَّهِ: ما خُنَّا، ولا بدَّلْنا، ولا غيَّرْنا. فإن وُجِدا قد خانا مِن مالِ الميتِ شيئًا، أو غيَّرا وصيتَه، أو بَدَّلا، فأثِما بذلك من حلِفِهما بربِّهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾.
رْنا. فإن وُجِدا قد خانا مِن مالِ الميتِ شيئًا، أو غيَّرا وصيتَه، أو بَدَّلا، فأثِما بذلك من حلِفِهما بربِّهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: يقومُ حينَئذٍ مَقامَهما مِن ورثةِ الميتِ الأَوْلَيان الموصَى إليهما.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأرضِ الشركِ، فأَوْصَى إلى رجلين مِن أهلِ الكتابِ، فإنهما يَحْلِفان بعدَ العصرِ، فإذا اطُّلعِ عليهما بعدَ حلِفِهما أنهما خانا شيئًا، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم اسْتَحَقُّوا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه.
ًا، حلَف أولياءُ الميتِ أنه كان كذا وكذا، ثم اسْتَحَقُّوا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ بمثلِه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ المسلمين، ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ﴾، فإن ارْتِيب في شهادتِهما اسْتُحْلِفا بعدَ الصلاةِ باللهِ: ما اشْتَرَيْنا بشهادتِنا ثمنًا قليلًا. فإن اطَّلَع الأولياءُ على أن الكافرَينِ كذَبا في شهادتِهما، قام رجلان من الأولياءِ فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَيْنِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾. يقولُ: إِن اطَّلِع على أن الكافرَيْنِ كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَينِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ.
ع على أن الكافرَيْنِ كذَبا، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. يقولُ: مِن الأولياءِ، فحلَفا باللهِ: إن شهادةَ الكافرَينِ باطلةٌ، وإنا لم نَعْتَدِ. فتُرَدُّ شهادةُ
الكافرَينِ، وتجوزُ شهادةُ الأولياءِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي: اطُّلع منهما على خيانةٍ، أنهما كذَبا أو كتَما.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في المعنى الذي له حكَم اللهُ تعالى ذكرُه على الشاهدَيْن بالأيمانِ، فنقَلَها إلى الآخَرَيْن بعدَ أن عُثِر عليهما أنهما اسْتَحَقَّا إثمًا؛ فقال بعضُهم: إنما أَلْزَمَهما اليمينَ إذا [ارْتيب في شهادتِهما] على الميتِ في وصيتِه، أنه أوْصَى بغيرِ الذي يَجوزُ في حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا أنه أوْصَى بمالِه كلِّه، أو أوْصَى أن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
أوْصَى بغيرِ الذي يَجوزُ في حكمِ الإسلامِ، وذلك أن يَشْهَدَا أنه أوْصَى بمالِه كلِّه، أو أوْصَى أن يُفَضَّلَ بعضُ ولدِه ببعضِ مالِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾ إلى قولِه: ﴿ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: مِن أهلِ الإسلامِ، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ﴾ إلى: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
حْلِفان باللهِ: لا نَشْترى به ثمنًا ولو كان ذا قُرْبَى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين، إنَّ صاحبَكم لَبهذا أوْصَى، وإن هذه لتَركتُه. فإذا شهِدا، وأجاز الإمامُ شهادتَهما على ما شهِدا، قال لأولياءِ الرجلِ: اذْهَبوا فاضْرِبوا في الأرضِ واسْأَلُوا عنهما، فإن أنتم وجَدْتُم عليهما خِيانةً، أو أحدًا يَطْعُنُ عليهما ردَدْنا شهادتَهما. فيَنْطَلِقُ الأولياءُ فيَسْأَلُون، فإن وجَدوا أحدًا يَطْعُنُ عليهما، أو هما غيرُ مرضِيَّيْن عندَهم، أو اطُّلِع على أنهما خانا شيئًا من المالِ وجَدوه عندَهما، أقْبل الأولياءُ فشهِدوا عندَ الإمامِ، وحلفوا باللهِ: لشَهادتُنا أنهما لخَائنان مُتَّهمان في دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا.
فشهِدوا عندَ الإمامِ، وحلفوا باللهِ: لشَهادتُنا أنهما لخَائنان مُتَّهمان في دينِهما، مَطْعونٌ عليهما، أحقُّ مِن شهادتِهما بما شهِدا، وما اعْتَدَيْنا. فذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.
وقال آخرون: بل إنما أُلْزِم الشاهدان اليمينَ لأنهما ادَّعَيا أنه أوْصَى لهما ببعضِ المالِ، وإنما يُنْقَلُ إلى الآخَرَيْن مِن أجلِ ذلك، إذا ارْتابا بدَعْواهما.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بنُ موسى القَزَّازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾.
بدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سُوَيْدٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ في قولِه: ﴿تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلَاةِ
فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾. قال: زعَما أنهما أوْصَى لهما بكذا وكذا، ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: أي بدَعواهما لأنفسِهما، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: إن صاحبَنا لم يُوصِ إليكما بشيءٍ مما تقولان.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الشاهدَيْن أُلْزِما اليمينَ في ذلك باتهامِ ورثةِ الميتِ إياهما فيما دفَع إليهما الميتُ مِن مالِه، ودَعواهم قِبَلَهما خيانةَ مالٍ معلومِ المبلغِ، ونُقِلَت بعدُ إلى الورثةِ عندِ ظهورِ الرِّيبةِ التي كانت مِن الورثةِ فيهما، وصحةِ التهمةِ عليهما، بشهادةِ شاهدٍ عليهما أو على أحدِهما، فيَحْلِفُ الوارثُ حينَئذٍ مع شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما، إنما صحَّح دَعْواه إذ حُقِّق حقُّه، أو لإقرارٍ يَكونُ من الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم
شهادةِ الشاهدِ عليهما أو على أحدِهما، إنما صحَّح دَعْواه إذ حُقِّق حقُّه، أو لإقرارٍ يَكونُ من الشهودِ ببعضِ ما ادَّعَى عليهما الوارثُ أو بجميعِه، ثم دَعْواهما في الذي أقَرَّا به مِن مالِ الميتِ ما لا يُقْبَلُ فيه دَعْواهما إلا ببينةٍ، ثم لا يَكونُ لهما على دعواهما تلك بينةٌ، فيُنْقَلُ حينَئذٍ اليمينُ إلى أولياءِ الميتِ.
وإنما قلنا: ذلك أولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ؛ لأنا لا نَعْلَمُ مِن أحكامِ الإسلامِ حكمًا يَجِبُ فيه اليمينُ على الشهودِ، ارْتيب بشهادتِهما أو لم يُرْتَبْ بها، فيَكونَ الحكمُ في هذه الشهادةِ نظيرًا لذلك، [ولا - إذْ لم] نَجِدْ ذلك كذلك - صحَّ بخبرٍ عن الرسولِ ﷺ، ولا بإجماعٍ من الأمةِ؛ لأن اسْتِحْلافَ الشهودِ في هذا الموضعِ من حكمِ اللهِ تعالى ذكرُه، فيكونُ أصلًا مُسَلَّمًا، والمَقولُ إِذا خرَج مِن أَن يَكونَ أصلًا أو نظيرًا لأصلِ فيما تَنازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا، فالقولُ بأن الشاهدَيْن اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما
صلًا أو نظيرًا لأصلِ فيما تَنازَعَت فيه الأمةُ، كان واضحًا فسادُه.
وإذا فسَد هذا القولُ بما ذكَرْنا، فالقولُ بأن الشاهدَيْن اسْتُحْلِفا مِن أجلِ أنهما
ادَّعيا على الميتِ وصيةً لهما بمالٍ مِن مالِه - أَفْسَدُ؛ مِن أجلِ أن أهلَ العلمِ لا خلافَ بينَهم في أن مِن حُكْمِ اللهِ تعالى ذكرُه أن مُدَّعِيًا لو ادَّعَى في مالِ ميتٍ وصيةً، أن القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى في مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم، دونَ قولِ مُدَّعِى ذلك مع يمينِه، وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ.
مالِ ميتٍ وصيةً، أن القولَ قولُ ورثةِ المُدَّعَى في مالِه الوصيةُ مع أيمانِهم، دونَ قولِ مُدَّعِى ذلك مع يمينِه، وذلك إذا لم يَكُنْ للمُدَّعِى بينةٌ. وقد جعَل اللهُ تعالى ذكرُه اليمينَ في هذه الآيةِ على الشهودِ إذا ارْتِيب بهما، وإنما نُقِل الأيمانُ عنهم إلى أولياءِ الميتِ إذا عُثر على أن الشهودَ اسْتَحَقَّوا إثمًا في أيمانِهم، فمعلومٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: أُلْزِم اليمينَ الشهودُ لدَعْواهم لأنفسِهم وصيةً أَوْصَى بها لهم الميتُ مِن مالِه.
على أن ما قلنا في ذلك عن أهلِ التأويلِ، هو التأويلُ الذي ورَدَت به الأخبارُ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن رسول الله ﷺ قضَى به حينَ نزلَت هذه الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسببِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
الذي ورَدَت به الأخبارُ عن بعضِ أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، أن رسول الله ﷺ قضَى به حينَ نزلَت هذه الآيةُ، بينَ الذين نزَلَت فيهم وبسببِهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن يحيى بن أبي زائدةَ، عن محمدِ بن أبي القاسمِ، عن عبدِ الملكِ بن سعيدِ بن جبيرٍ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: خرَج رجلٌ مِن بنى سَهْمٍ مع تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ، فمات السَّهميُّ بأَرضٍ ليس فيها مسلمٌ، فلما قدِما بتركتِه فقَدوا جامًا من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ، فأَحْلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ، ثم وجد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ.
فقَدوا جامًا من فضةٍ مُخَوَّصًا بالذهبِ، فأَحْلَفَهما رسولُ اللهِ ﷺ، ثم وجد الجامُ بمكةَ، فقالوا: اشْترَيْناه مِن تميمٍ الداريِّ وعديِّ بن بَدَّاءَ. فقام رجلان من أولياءِ السَّهْميِّ، فحلَفا: لشهادتُنا أحقُّ من شهادتِهما، وإن الجامَ لصاحبِهم، قال: وفيهم أُنْزِلَت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ
بَيْنِكُمْ﴾.
حدَّثنا الحسنُ بنُ [أحمدَ بن] أبي شعيبٍ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ سلَمةَ الحَرَّانيُّ، قال: ثنا محمدُ بن إسحاقَ، عن أبي النَّضْرِ، عن باذانَ مولى أمِّ هانيءٍ ابنةِ أبي طالبٍ، عن ابن عباسٍ، عن تميمٍ الداريِّ في هذه الآيةِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ﴾. قال: برِئ الناسُ منها غيرى وغيرَ عديِّ بن بَدَّاءَ. وكانا نصرانيَّين يَخْتَلِفان إلى الشامِ قبلَ الإسلامِ، فأتَيا الشامَ لتجارتِهما، وقدِم عليهما مولًى لبنى سَهْم يقالُ له: بُدَيْلُ بنُ أَبي مريمَ.
وعديُّ بنُ بَدَّاءَ [فلمَّا قدِمْنا إلى أهلِه دفَعْنا إليهم ما كان معنا، وفقَدوا الجامَ فسأَلونا عنه]، فقلنا: ما ترَك غيرَ هذا، وما دفَع إلينا غيرَه. قال تَميمٌ: فلما أَسْلَمْتُ بعدَ قدومِ رسولِ الله ﷺ المدينةَ تَأَثَّمْتُ مِن ذلك، فأَتَيْتُ أهلَه فأخبرْتُهم الخبرَ، وأدَّيْتُ إليهم خمسَمائةِ درهمٍ، وأخْبرتُهم أن عندَ
صاحبى مثلَها، [فوثبُوا إليه]، فأتَوْا به رسول الله ﷺ، فسأَلهم البينةَ، فلم يَجِدوا، فأمرَهم أن يَسْتَحْلِفوه بما يُعَظَّمُ به على أهلِ دينِه، فحلَف، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾.
ه، فحلَف، فأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ﴾. فقام عمرُو بنُ العاصِ ورجلٌ آخرُ منهم، فحلَفا، فنُزِعَتِ الخمسُمائةِ من عديِّ بن بَدَّاءَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن قتادةَ وابنِ سيرينَ وغيرِه، قال: وحدَّثنا الحجاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ - دخَل حديثُ بعضِهم في بعض -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيةَ.
وغيرِه، قال: وحدَّثنا الحجاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عكرمةَ - دخَل حديثُ بعضِهم في بعض -: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ الآيةَ. قالوا: كان عديٌّ وتميمٌ الداريُّ، وهما مِن لَخْمٍ، نصرانيَّان، يَتَّجِران إلى مكةَ في الجاهليةِ، فلمَّا هاجَر رسولُ اللهِ ﷺ حوَّلا مَتْجَرَهما إلى المدينةِ، فقدِم ابن أبي ماريَةَ مولى عمرِو بن العاصِ المدينةَ، وهو يُرِيدُ الشامَ، تاجرًا، فخرَجوا جميعًا، حتى إذا كانوا ببعضِ الطريق مرِض ابن أبى ماريةَ، فكتَب وصيَّتَه بيدِه، ثم دسَّها في متاعِه، ثم أوْصَى إليهما، فلما مات فتَحا متاعَه، فأخَذا ما أرادا، ثم قدِما على أهلِه، فدفَعا ما أرادا، ففتَح أهلُه متاعَه، فوجَدوا كتابَه وعهدَه، وما خرَج به، وفقَدوا شيئًا، [فسأَلوهما عنه] فقالوا: هذا الذي قبَضْنا له،
ودفَع إلينا. قال لهما أهلُه: فباع شيئًا، أو ابْتاعَه؟ قالا: لا. قالوا: فهل اسْتَهْلَك مِن متاعِه شيئًا؟ قالا: لا. قالوا: فهل تجَر تجارةً؟ قالا: لا. قالوا: فإنا قد فقَدْنا بعضَه.
مِن
المسلمين، ﴿أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾: مِن غيرِ أهلِ الإسلامِ، ﴿إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ﴾. قال: كان الرجلُ يَخْرُجُ مُسافرًا، وهم - العربَ - أهلُ كفرٍ، فعسى أن يَموتَ في سفرِه، فيُسْنِدُ وصيتَه إلى رجلين منهم، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ﴾ في أمرِهما، إذا قال الورثةُ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا. فيُقْسِمان باللهِ: ما كان معه إلا هذا الذي قلنا. ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: إنما حلَفا على باطلٍ وكذبٍ، ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾ بالميتِ، ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، ذكَرْنا أنه كان مع صاحبِنا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك. ثم عُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثِر على ذلك رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه فأقْسَما، ثم ضمِن هذان.
نا كذا وكذا، قال هؤلاء: لم يَكُنْ معه ذاك. ثم عُثِر على بعضِ المتاعِ عندَهما، فلما عُثِر على ذلك رُدَّت القَسَامةُ على وارثِه فأقْسَما، ثم ضمِن هذان. قال اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ﴾ فتَبْطُلَ أيمانُهم، ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ﴾: الكاذبين الذين يَحْلِفون على الكذبِ.
وقال ابن زيدٍ: وقدِم تَميمٌ الداريُّ وصاحبٌ له، وكانا يومَئذٍ مشركَيْن، ولم يكونا أسْلَما، فأَخْبَرا أنهما أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا بتركتِه، فقال أولياءُ الميتِ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران: لم
يَكُن معه إلا الذي جئْنا به.
أوْصَى إليهما رجلٌ، وجاءا بتركتِه، فقال أولياءُ الميتِ: كان مع صاحبِنا كذا وكذا، وكان معه إبريقُ فضةٍ. وقال الآخران: لم
يَكُن معه إلا الذي جئْنا به. فحلَفا خلْفَ الصلاةِ، ثم عُثِر عليهما بعدُ والإبريقُ معهما، فلما عُثِر عليهما رُدَّت القَسامةُ على أولياءِ الميتِ بالذي قالوا مع صاحبِهم، ثم ضمَّنهما الذي حلَف عليه الأَوْلَيان.
حدَّثنا الربيعُ، قال: ثنا الشافعيُّ، قال: أخْبرَنا [أبو سعيدٍ معاذُ بنُ موسى] الجَعْفَريُّ، عن بُكيرِ بن معروفٍ، عن مُقاتِلِ بن حَيَّانَ - قال بُكيرٌ: قال مُقاتِلٌ: أخَذْتُ هذا التفسيرَ عن مجاهدٍ والحسنِ والضحاكِ - في قولِ اللهِ: ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾: أن رجلين نصرانيين من أهل دارِينَ، أحدُهما تميميٌّ والآخرُ يَمانيُّ، صاحَبهما مولًى لقريشٍ في تجارةٍ، فركِبوا البحرَ، ومع القرشيِّ مالٌ معلومٌ قد علِمه أولياؤُه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزٍّ ورِقَةٍ، فمرِض القرشيُّ، فجعَل وصيتَه إلى الداريَّين، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ،
لياؤُه؛ مِن بين آنيةٍ وبَزٍّ ورِقَةٍ، فمرِض القرشيُّ، فجعَل وصيتَه إلى الداريَّين، فمات، وقبَض الداريَّان المالَ والوصيةَ، فدفَعاه إلى أولياءِ الميتِ، وجاءا ببعضِ مالِه، وأنْكَر القومُ قلةَ المالِ، فقالوا للداريَّين: إن صاحبَنا قد خرج معه بمالٍ أكثرَ مما أتَيْتُمونا به، فهل باع شيئًا أو اشْتَرَى شيئًا فوُضِع فيه؟ أو هل طال مرضُه فأَنْفَق على نفسِه؟ قالا: لا. قالوا: فإنكما خنْتُمانا. فقبَضوا المالَ، ورفَعوا أمرَهما إلى النبيِّ ﷺ، فأنزَل اللهُ ﵎: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا
شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. فلمَّا [نزَل: أن يُحْبَسا مِن بعدِ الصلاةِ]. أمَر النبيُّ ﷺ فقاما بعدَ الصلاةِ، فحلَفا باللهِ [ربِّ السماواتِ]: ما ترَك مولاكم مِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين.
ِن المالِ إلا ما أتَيْناكم به، وإنا لا نَشْتَرِى بأيمانِنا ثمنًا قليلًا مِن الدنيا ولو كان ذا قُرْبى، ولا نَكْتُمُ شهادةَ اللهِ، إنا إذن لمن الآثمين. فلما حلَفا خلَّى سبيلَهما، ثم إنهم وجَدوا بعدَ ذلك إناءً من آنيةِ الميتِ، فأُخِذ الداريَّان، فقالا: اشْتَرَيْناه منه في حياتِه. وكذَبا، فكُلِّفا البينةَ، فلم يَقْدِرا عليها، فرفَعوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فَأَنْزَلَ اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾. يقولُ: فإن اطُّلِع، ﴿أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾: يعنى الداريَّين إن كتَما حقًّا، ﴿فَآخَرَانِ﴾ من أولياءِ الميتِ ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ﴾: [فيَحْلِفان باللهِ]: إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
يَحْلِفان باللهِ]: إن مالَ صاحبِنا كان كذا وكذا، وإن الذي يُطْلَبُ قِبَلَ الداريَّين لَحَقٌّ، ﴿وَمَا اعْتَدَيْنَا إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾. هذا قولُ الشاهدَيْن أولياءِ الميتِ، ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا﴾: يعنى الداريَّين والناسَ أن يَعُودوا لمثلِ ذلك.
قال أبو جعفرٍ: ففيما ذكَرْنا مِن هذه الأخبارِ التي روَيْنا دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلْنا، مِن أن حكمَ اللهِ تعالى ذكرُه باليمينِ على الشاهدَيْن في هذا الموضعِ، إنما هو مِن أجلِ دعْوى وَرَثتِه على المُسْنَدِ إليهما الوصيةُ خيانةً فيما دفَع الميتُ مِن مالِه إليهما، أو غيرَ ذلك مما لا يَبْرَأُ فيه المُدَّعَى ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] في
ذلك قِبَلَه إلا بيمينٍ، وأن نقلَ اليمينِ إلى ورثةِ الميتِ بما أَوْجَبه اللهُ تعالى ذكرُه، بعدَ أن عُثِر على الشاهدَيْن [أَنَّهما اسْتَحَقًا إثمًا] في
أيمانِهما، ثم ظُهِر على كذبِهما فيها، إنِ القومُ ادَّعَوْا فيما صحَّ أنه كان للميتِ دعوَى، مِن انتقالِ ملكٍ عنه إليهما، ببعضِ ما تَزولُ به الأملاكُ، مما يَكونُ اليمينُ فيها على ورثةِ الميتِ دونَ المدَّعَى، وتكونُ البينة فيها على المدَّعَى - وفسادِ ما خالف في هذه الآية ما قلنا مِن التأويلِ.
وفيها أيضًا البيانُ الواضحُ على أن معنى الشهادةِ التي ذكَرَها اللهُ تعالى ذكرُه في أولِ هذه القصةِ، إنما هي اليمينُ، كما قال اللهُ تعالى ذكرُه في مواضعَ أُخَرَ: ﴿وَالَّذِينَ يَرْمُونَ أَزْوَاجَهُمْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُمْ شُهَدَاءُ إِلَّا أَنْفُسُهُمْ فَشَهَادَةُ أَحَدِهِمْ أَرْبَعُ شَهَادَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى لمن الصادقين.
َاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَّادِقِينَ﴾ [النور: ٦]. فالشهادةُ في هذا الموضعِ معناها القسَمُ، مِن قولِ القائلِ: أَشْهَدُ باللهِ إنى لمن الصادقين. وكذلك معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. إنما هو: قسَمُ بينِكم، ﴿إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ﴾ أَن يُقْسِمَ ﴿اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ﴾ إن كانا اتُّمِنا على ما قال فارْتِيب بهما، أو اتُّمِن آخران من غير المؤمنين فاتُّهِما. وذلك أنّ الله تعالى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾.
ى ذكرُه لمَّا ذكَر نقلَ اليمينِ من اللذين ظُهِر على خيانتِهما إلى الآخرَين قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. ومعلومٌ أنّ أولياءَ الميتِ المُدَّعِين قِبَلَ اللذين ظُهِر على خيانتِهما، غيرُ جائزٍ أن يكونا شُهداءَ بمعنى الشهادةِ التي يُؤْخَذُ بها في الحكمِ حقُّ مُدَّعًى عليه لمُدَّعٍ؛ لأنه لا يُعْلَمُ للهِ تعالى ذكرُه حكمٌ قضَى فيه لأحدٍ بدَعْواه ويمينِه على مُدَّعًى عليه، بغيرِ بينةٍ ولا إقرارٍ من المُدَّعَى عليه ولا برهانٍ.
فإذ كان معلومًا أن قولَه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. إنما معناه: قَسَمُنا أحقُّ مِن قسَمِهما. وكان قسَمُ اللذين عُثِر على أنهما أثِما، هو الشهادةَ التي ذكَر اللهُ تعالى ذكرُه في قولِه: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ في قولِه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾.
ه: ﴿أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾ - صحَّ أن معنى قولِه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾. بمعنى الشهادةِ في قولِه: ﴿لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا﴾. وأنها بمعنى القسم.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأ ذلك قرأةُ الحجازِ والعراقِ والشامِ (مِن الذين استُحِقَّ عليهم الأَوْلَيان). بضمِّ التاءِ.
ورُوِى عن عليٍّ وأبيِّ بن كعبٍ والحسنِ البصريِّ أنهم قرَءوا ذلك: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾. بفتح التاءِ.
واخْتَلَفَت أيضًا في قراءةِ قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾؛ فقرَأَته عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ والبصرةِ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾.
وقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ أهلِ الكوفةِ: "الأوَّلِينَ".
وذُكِر عن الحسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان).
وأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾.
حسنِ البصريِّ أنه كان يَقْرَأُ ذلك: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلان).
وأولى القراءتين بالصوابِ في قولِه: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. قراءةُ مَن
قرَأ بضمِّ التاءِ؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليه، مع مُتابَعةِ عامةِ أهلِ التأويلِ على صحةِ تأويلِه، وذلك إجماعُ عامتِهم على أن تأويلَه: فآخران مِن أهلِ الميتِ الذين اسْتَحَقُّ المؤتَمنان على مالِ الميتِ الإثمَ فيهم، يَقومان مَقامَ المستحِقَّى الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ.
وقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك.
حِقَّى الإثمِ فيهما بخيانتِهما ما خانا مِن مالِ الميتِ.
وقد ذكَرْنا قائلى ذلك، أو أكثرَ قائليه، فيما مضَى قبلُ، ونحن ذاكِرو باقِيهم، إن شاء اللهُ ذلك.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ﴾: أن يَموتَ المؤمنُ فيَحْضُرَ موتَه مسلمان أو كافران، لا يَحْضُرُه غيرُ اثنين منهم، فإن رضِى ورَثتُه ما عاجَل عليه مِن تركتِه فذاك، وحلَف الشاهدان إن اتُّهِما: إنهما لصادقان، ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: وُجِد لَطْخٌ، حلَف الاثنان الأَوْلَيان مِن الورثةِ، فاسْتَحَقًّا، وأَبْطَلا أيمانَ الشاهدَيْن.
وأَحْسَبُ أن الذين قرَءوا ذلك بفتحِ التاءِ أرادوا أن يُوَجِّهوا تأويلَه إلى: فآخران يقومان مقامَ المُؤْتَمَنين اللذين عُثِر على خيانتِهما في القسَمِ، والاسْتَحقاقِ
به عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ، الأوْلَيان بالميتِ.
عليهما دَعْواهما قِبَلَهما، مِن الذين اسْتَحَق على المُؤْتَمَنين على المالِ على خيانتِهما القيامَ مقامَهما في القسَمِ والاستحقاقِ، الأوْلَيان بالميتِ.
وكذلك كانت قراءةُ مَن رُوِيَت هذه القراءةُ عنه، فقرَأ ذلك: هو ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾؛ ﴿اسْتَحَقَّ﴾ بفتحِ التاءِ، [و ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. على معنى: الأوليان بالميتِ ومالِه.
وذلك مذهبٌ صحيحٌ، وقراءةٌ غيرُ مدفوعةٍ صحتُها، غيرَ أنا نَخْتارُ الأُخرى؛ لإجماعِ الحجةِ مِن القرأةِ عليها، مع موافقتِها التأويلَ الذي ذكَرْنا عن الصحابةِ والتابعين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.
بنُ آدمَ، عن إسرائيلَ، عن أبي إسحاقَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ وكُرَيْبٍ، عن عليٍّ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ إسماعيلَ، عن حمادِ بن زيدٍ، [عن واصلٍ مَوْلَى أبي عُيينةَ]، عن يحيى بن عُقَيْلٍ، عن يحيى بن يَعْمَرَ، عن أبيِّ بن كعبٍ أنه كان يَقْرَأُ: ﴿مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾.
وأما أولى القراءاتِ بالصوابِ في قولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. عندى، فقراءةُ مَن
قرَأ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. بصحةِ معناها؛ وذلك لأن معنى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ [عَلَيْهِمُ الْأَوْلَيَانِ﴾: فآخران يَقومان مَقامَهما مِن الذين استحقَّ] فيهم الإثمُ. ثم حُذِف الإثمُ وأُقِيم مُقامَه الأوليان؛ لأنهما هما اللذان ظلَما وأثِما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقَّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما، فيما كان أتَّمَنهما عليه الميتُ.
؛ لأنهما هما اللذان ظلَما وأثِما فيهما، بما كان مِن خيانةِ اللذين اسْتَحَقَّا الإثمَ، وعُثِر عليهما بالخيانةِ منهما، فيما كان أتَّمَنهما عليه الميتُ. كما قد بيَّنا فيما مضَى مِن فعلِ العربِ مثلَ ذلك؛ مِن حذفِهم الفعلَ اجتزاءً بالاسمِ، وحذْفِهم الاسمَ اجْتزاءً بالفعلِ. ومِن ذلك ما قد ذكَرْنا في تأويلِ هذه القصةِ، وهو قولُه: ﴿شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ﴾. ومعناه: أن يَشْهَدَ اثنان. وكما قال: ﴿فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ لَا نَشْتَرِي بِهِ ثَمَنًا﴾. فقال: ﴿به﴾. فعاد بالهاءِ على اسمِ اللهِ، وإنما المعنى: لا نَشْتَرِى بقسَمِنا باللهِ. فَاجْتُزِئَ بالعودِ على اسمِ اللهِ بالذكرِ، والمرادُ به: لا نَشْتَرِى بالقسمِ باللهِ. اسْتِغْناءً بفهمِ السامعِ بمعناه مِن ذكرِ اسمِ القسمِ.
باللهِ. فَاجْتُزِئَ بالعودِ على اسمِ اللهِ بالذكرِ، والمرادُ به: لا نَشْتَرِى بالقسمِ باللهِ. اسْتِغْناءً بفهمِ السامعِ بمعناه مِن ذكرِ اسمِ القسمِ. وكذلك اجتُزِئ بذكرِ الأَوْلَيَيْن مِن ذكرِ الإثمِ الذي اسْتَحَقه الخائنان لخيانتِهما إياهما، إذ كان قد جرَى ذكرُ ذلك بما أغْنَى السامعَ عندَ سَماعِه إياه مِن (٧) إعادتِه، وذلك قولُه: ﴿فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا﴾.
وأما الذين قرَءوا ذلك: (الأوَّلِينَ). فإنهم قصَدوا في معناه إلى الترجمةِ به عن ﴿الَّذِينَ﴾. فأخْرَجوا ذلك على وجه الجمعِ، إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾
جميعًا، وخفضًا؛ إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾. مخفوضًا. وذلك وجهٌ مِن التأويلِ، غيرَ أنه إنما يُقالُ للشيءِ: أوَّلٌ.
َجوا ذلك على وجه الجمعِ، إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾
جميعًا، وخفضًا؛ إذ كان ﴿الَّذِينَ﴾. مخفوضًا. وذلك وجهٌ مِن التأويلِ، غيرَ أنه إنما يُقالُ للشيءِ: أوَّلٌ. إذا كان له آخِرٌ هو له أوَّلٌ، وليس للذين اسْتحقَّ عليهم الإثمُ آخِرٌ، هم له أولٌ، بل كانت أيمانُ الذين عُثِر على أنهما استحقَّا إثمًا قبلَ أيمانِهم، فهم إلى أن يكونوا - إذ كانت أيمانُهم آخِرًا - أولى أن يكونوا آخِرين مِن أن يكونوا أولِين، وأيمانُهم آخِرةٌ لأُولى قبلُها.
وأما القراءةُ التي حُكِيَت عن الحسنِ، فقراءةٌ عن قراءةِ الحجةِ مِن القرأةِ شاذةٌ، وكفَى بشُذوذِها عن قراءتِهم دليلًا على بُعدِها مِن الصوابِ.
واخْتَلَف أهلُ العربيةِ في الرافعِ لقولِه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. إذا قُرِئ كذلك؛ فكان بعضُ نحويى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ في قولِه: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾.
لْأَوْلَيَانِ﴾. إذا قُرِئ كذلك؛ فكان بعضُ نحويى البصرةِ يَزْعُمُ أنه رُفِع ذلك بدلًا مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ في قولِه: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. وقال: إنما جاز أن يُبْدَلَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ وهو معرفةٌ، مِن ﴿فَآخَرَانِ﴾ وهو نكرةٌ؛ لأنه حينَ قال: ﴿يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ﴾. كان كأنه قد حدَّهما حتى صارا كالمعرفةِ في المعنى، فقال: الأَوْلَيان. فأجْرَى المعرفةَ عليهما بدلًا. قال: ومثلُ هذا مما يَجْرِى على المعنى كثيرٌ. واستشهَد لصحةِ قولِه ذلك بقولِ الراجزِ:
عليَّ يومَ يَمْلِكُ الأُمورَا
صومَ شُهورٍ وجَبَت نُذُورَا
وبادِنًا مُقَلَّدًا مَنْحورًا
قال: فجعَله: عليَّ واجبٌ؛ لأنه في المعنى قد أُوجِبَ.
وكان بعضُ نحويى الكوفةِ يُنْكِرُ ذلك ويقولُ: لا يَجوزُ أن يَكونَ ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ بدلًا مِن ﴿آخَرَانِ﴾ مِن أجلِ أنه قد نسَق ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ على ﴿يَقُومَانِ﴾ في قولِه ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ ﴿مِنَ﴾.
لَيَانِ﴾ بدلًا مِن ﴿آخَرَانِ﴾ مِن أجلِ أنه قد نسَق ﴿فَيُقْسِمَانِ﴾ على ﴿يَقُومَانِ﴾ في قولِه ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ﴾. فلم يَتِمَّ الخبرُ بعدَ ﴿مِنَ﴾. قال: و لا يَجوزُ الإبدالُ قبلَ إتمامِ الخبرِ. و قال: غيرُ جائزٍ: مرَرْتُ برجلٍ قام زيدٍ وقعَد. وزيدٌ بدلٌ مِن رجلٍ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندى أن يقالَ: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. مرفوعان بما لم يُسمَّ فاعلُه، وهو قولُه: (اسْتُحِقَّ عليهم)، وأنهما وُضِعا موضعَ الخبرِ عنهما، فعمِل فيهما ما كان عاملًا في الخبرِ عنهما؛ وذلك أن معنى الكلامِ: فآخران يقومان مَقامهما من الذين استُحِقَّ عليهم الإثمُ بالخيانةِ. فوُضِع ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾ موضعَ الإثمِ، كما قال تعالى ذكرُه في موضعِ آخَرَ ﴿أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ كَمَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ١٩]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كإيمانِ مَن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ؟
مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِر﴾ [التوبة: ١٩]. ومعناه: أجعلتُم سقايةَ الحاجِّ وعمارةَ المسجدِ الحرامِ كإيمانِ مَن آمن باللهِ واليومِ الآخرِ؟ وكما قال: ﴿وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ بِكُفْرِهِمْ﴾ [البقرة: ٩٣]. وكما قال بعضُ الهُذليين:
يُمَشِّى بينَنا حانوتُ خمرٍ … من الخُرْسِ الصَّراصِرةِ القِطاطِ
وهو يعنى: صاحبُ حانوتِ خمرٍ. فأقام الحانوتَ مُقامَه؛ لأنه معلومٌ أن
الحانوتَ لا يَمْشِى، ولكن لما كان معلومًا عندَه أنه لا يَخْفَى على سامعِه ما قصَد إليه مِن معناه، حذَف الصاحبَ، واجْتَرَأَ بذكرِ الحانوتِ منه. فكذلك قولُه: (مِن الذين اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان). إنما هو: مِن الذين استُحِق فيهم خيانتُهما. فحُذفَت الخيانةُ، وأُقِيم المختانان مُقامَهما، فعَمِل فيهما ما كان يَعْمَلُ في المحذوفِ لو ظهَر.
وأما قولُه ﴿عَلَيْهِم﴾. في هذا الموضعِ، فإن معناها: فيهم. كما قال تعالى: ﴿وَاتَّبَعُوا مَا تَتْلُو الشَّيَاطِينُ عَلَى مُلْكِ سُلَيْمَانَ﴾ [البقرة: ١٠٢]. يعني: في ملكِ سليمانَ.
ِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ
الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ﴾. قال: إذا كان الرجلُ بأَرضِ غُرْبةٍ، ولم يَجِدْ مسلمًا يُشْهِدُه على وصيتِه، فأشْهَد يهوديًا، أو نصرانيًّا، أو مجوسيًّا، فشهادتُهم جائزةٌ، فإن جاء رجلان مسلمان فشهِدا بخلافِ شَهادتِهم، أجِيزَت شهادةُ المسلمَيْن، وأُبْطِلَت شهادةُ الآخَرَيْن.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَإِنْ عُثِرَ﴾: أي: اطُّلِع منهما على خيانةٍ، على أنهما كذَبا أو كتَما، فشهِد رجلان هما أعدلُ منهما بخلافِ ما قالا، أُجِيزَت شهادةُ الآخَرَيْن، وأُبْطِلت شهادةُ الأَوَّلَين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين).
شهادةُ الأَوَّلَين.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، قال: كان ابن عباسٍ يَقْرَأُ: (من الذين استَحَقَّ عليهم الأَوَّلين). وقال: كيف يَكونُ الأوْليَان، أرأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرين؟
حدَّثنا هنادٌ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا عَبْدةُ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابن عباسٍ، قال: كان يَقْرَأُ: (مِن الذين اسْتَحَقَّ عليهم الأوَّلين). قال: وقال: أَرَأَيْتَ لو كان الأوْلَيان صغيرَيْن، كيف يقومان مَقامَهما؟
قال الإمامُ أبو جعفرٍ: فذهَب ابن عباسٍ فيما أرَى، إلى نحوِ القولِ الذي حكَيْتُ عن شُريحٍ وقتادةَ، مِن أن ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ
النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً من الشاهدَيْن الأوَّلَيْن، أو المُقسِمَين.
ذلك رجلان آخران مِن المسلمين يقومان مقامَ
النَّصْرانيَّين، أو عَدْلان مِن المسلمين، هما أعدلُ وأجوزُ شهادةً من الشاهدَيْن الأوَّلَيْن، أو المُقسِمَين.
وفي إجماعِ جميعِ أهلِ العلمِ على ألَّا حكمَ للهِ تعالى ذكرُه يَجبُ فيه على شاهدٍ يمينٌ فيما قام به مِن الشهادةِ، دليلٌ واضحٌ على أن غيرَ هذا التأويلِ الذي قاله الحسنُ، ومَن قال بقولِه في قولِ اللهِ تعالى: ﴿فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا﴾. أولى به.
وأما قولُه: ﴿الْأَوْلَيَانِ﴾. فإن معناه عندَنا: الأوْلى بالميتِ مِن المُقْسِمَيْن الأوَّلَيْن فالأَوْلَى. وقد يَحْتَمِلُ أن يكونَ معناه: الأَوْلى باليمينِ منهما فالأَوْلَى. ثم حُذف "منهما". والعربُ تَفْعَلُ ذلك، فتقولُ: فلانٌ أفضلُ. وهي تُرِيدُ: أَفضلُ منك. وذلك إذا وُضِع "أفعلُ" موضعَ الخبرِ، وإن وقَع موقعَ الاسمِ، وأُدْخِلَت فيه الألفُ واللامُ، فعَلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلامٍ قد مضَى، فقالوا: هذا الأفضلُ، وهذا الأشرفُ.
ضعَ الخبرِ، وإن وقَع موقعَ الاسمِ، وأُدْخِلَت فيه الألفُ واللامُ، فعَلوا ذلك أيضًا، إذا كان جوابًا لكلامٍ قد مضَى، فقالوا: هذا الأفضلُ، وهذا الأشرفُ. يُريدون: هو الأشرفُ منك.
وقال ابن زيدٍ: معنى ذلك: الأوْلَيان بالميتِ.
حدَّثني يونُسُ، عن ابن وهبٍ عنه.
عَلَى وَجْهِهَا أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاسْمَعُوا وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ (١٠٨)﴾
اشتملت هذه الآية الكريمة على حكم عزيز، قيل: إنه منسوخ رواه العَوْفي من ابن عباس. وقال حماد بن أبي سليمان، عن إبراهيم: إنها منسوخة. وقال آخرون -وهم الأكثرون، فيما قاله ابن جرير-: بل هو محكم؛ ومن ادعى النسخ فعليه البيان.
فقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ) هذا هو الخبر؛ لقوله: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) فقيل تقديره: "شهادة اثنين"، حذف المضاف، وأقيم المضاف إليه مَقَامه. وقيل: دل الكلام على تقدير أن يشهد اثنان.
وقوله: (ذَوَا عَدْلٍ) وصف الاثنين، بأن يكونا عدلين.
وقوله: (مِنْكُمْ) أي: من المسلمين. قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) قال: من المسلمين.
بأن يكونا عدلين.
وقوله: (مِنْكُمْ) أي: من المسلمين. قاله الجمهور. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) قال: من المسلمين. رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: رُوي عن عُبيدة، وسعيد بن المسيب، والحسن، ومجاهد، ويحيى بن يَعْمُر، والسُّدِّي، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك.
قال ابن جرير: وقال آخرون: عني: ذلك (ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) أي: من حَي الموصي. وذلك قول روي عن عكرمة وعبيدة وعدّة غيرهما.
وقوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سعيد بن عَوْن، حدثنا عبد الواحد بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب.
بن زياد، حدثنا حبيب بن أبي عَمْرَة، عن سعيد بن جبير قال: قال ابن عباس في قوله: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) قال: من غير المسلمين، يعني: أهل الكتاب.
ثم قال: وروي عن عبيدة، وشُرَيْح، وسعيد بن المسيب، ومحمد بن سيرين، ويحيى بن يعمر، وعكرمة، ومجاهد، وسعيد بن جبير، والشعبي، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وأبي مِجْلزَ، والسُّديِّ، ومقاتل بن حيان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، نحو ذلك.
وعلى ما حكاه ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: (مِنْكُمْ) أي: المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي: من غير قبيلة الموصي.
ابن جرير عن عكرمة وعبيدة في قوله: (مِنْكُمْ) أي: المراد من قبيلة الموصي، يكون المراد هاهنا: (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) أي: من غير قبيلة الموصي. وقد روى عن ابن أبي حاتم مثله عن الحسن البصري، والزهري، رحمهما الله.
وقوله: (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ) أي: سافرتم، (فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) وهذان شرطان لجواز استشهاد الذميين عند فقد المؤمنين، أن يكون ذلك في سفر، وأن يكون في وصية، كما صرح بذلك شريح القاضي.
قال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو معاوية ووَكِيع قالا حدثنا الأعمش، عن إبراهيم، عن شريح قال: لا تجوز شهادة اليهودي والنصراني إلا في سفر، ولا تجوز في سفر إلا في وصية.
ثم رواه عن أبي كُرَيْب، عن أبي بكر بن عياش، عن أبي إسحاق السَّبِيعي قال: قال شريح، فذكر مثله.
وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. وهذه المسألة من إفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين.
فذكر مثله.
وقد روي مثله عن الإمام أحمد بن حنبل، رحمه الله تعالى. وهذه المسألة من إفراده، وخالفه الثلاثة فقالوا: لا تجوز شهادة أهل الذمة على المسلمين. وأجازها أبو حنيفة فيما بين بعضهم بعضًا.
وقال ابن جرير: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا أبو داود، حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزهري قال: مضت السنّة أنه لا تجوز شهادة كافر في حضر ولا سفر، إنما هي في المسلمين.
وقال ابن زيد: نزلت هذه الآية في رجل توفي وليس عنده أحد من أهل الإسلام، وذلك في أول الإسلام، والأرض حرب، والناس كفار، وكان الناس يتوارثون بالوصية، ثم نُسخت الوصية وفرضت الفرائض، وعمل الناس بها.
رواه ابن جرير، وفي هذا نظر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: اختلف في قوله: (شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) هل المراد به أن يوصي إليهما، أو يشهدهما؟
حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) هل المراد به أن يوصي إليهما، أو يشهدهما؟ على قولين:
أحدهما: أن يوصي إليهما، كما قال محمد بن إسحاق، عن يزيد بن عبد الله بن قُسَيط قال: سئل ابن مسعود، ﵁، عن هذه الآية قال هذا رجل سافر ومعه مال، فأدركه قدره، فإن وجد رجلين من المسلمين دفع إليهما تركته، وأشهد عليهما عدلين من المسلمين.
رواه ابن أبي حاتم وفيه انقطاع.
والقول الثاني: أنهما يكونان شاهدين. وهو ظاهر سياق الآية الكريمة، فإن لم يكن وصي ثالث معهما اجتمع فيهما الوصفان: الوصاية والشهادة، كما في قصة تَمِيم الداري، وعَدِيّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفًا، إن شاء الله وبه التوفيق.
وقد استشكل ابنُ جرير كونهما شاهدين، قال: لأنا لا نعلم حُكْمًا يَحْلِفُ فيه الشاهد.
عَدِيّ بن بَدَّاء، كما سيأتي ذكرها آنفًا، إن شاء الله وبه التوفيق.
وقد استشكل ابنُ جرير كونهما شاهدين، قال: لأنا لا نعلم حُكْمًا يَحْلِفُ فيه الشاهد. وهذا لا يمنع الحكم الذي تضمنته هذه الآية الكريمة، وهو حكم مستقل بنفسه، لا يلزم أن يكون جاريًا على قياس جميع الأحكام، على أن هذا حكم خاص بشهادة خاصة في محل خاص، وقد اغتفر فيه من الأمور ما لم يغتفر في غيره، فإذا قامت قرائن الريبة حلف هذا الشاهد بمقتضى ما دلت عليه هذه الآية الكريمة.
وقوله تعالى: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) قال [العوفي، عن] ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وعِكْرِمة، ومحمد بن سيرين.
مَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ) قال [العوفي، عن] ابن عباس: يعني صلاة العصر. وكذا قال سعيد بن جبير، وإبراهيم النَّخَعِي، وقتادة، وعِكْرِمة، ومحمد بن سيرين. وقال الزهري: يعني صلاة المسلمين، وقال السدي، عن ابن عباس: يعني صلاة أهل دينهما.
والمقصود: أن يقام هذان الشاهدان بعد صلاة اجتمع الناس فيها بحضرتهم، (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ) أي: فيحلفان بالله (إِنِ ارْتَبْتُمْ) أي: إن ظهرت لكم منهما ريبة، أنهما قد خانا أو غلا فيحلفان حينئذ بالله (لا نَشْتَرِي بِهِ) أي: بأيماننا. قاله مُقاتِل بن حيان (ثَمَنًا) أي: لا نعتاض عنه بعوض قليل من الدنيا الفانية الزائلة، (وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى) أي: ولو كان المشهود عليه قريبًا إلينا لا نحابيه، (وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) أضافها إلى الله تشريفًا لها، وتعظيمًا لأمرها.
وقرأ بعضهم: "ولا نكتم شهادة آلله" مجرورًا على القسم.
إلينا لا نحابيه، (وَلا نَكْتُمُ شَهَادَةَ اللَّهِ) أضافها إلى الله تشريفًا لها، وتعظيمًا لأمرها.
وقرأ بعضهم: "ولا نكتم شهادة آلله" مجرورًا على القسم. رواها ابن جرير، عن عامر الشعبي.
وحَكَي عن بعضهم أنه قرأ: "ولا نَكْتُمُ شهادةً الله"، والقراءة الأولى هي المشهورة.
(إِنَّا إِذًا لَمِنَ الآثِمِينَ) أي: إن فعلنا شيئًا من ذلك، من تحريف الشهادة، أو تبديلها، أو تغييرها أو كتمها بالكلية.
ثم قال تعالى: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) أي: فإن اشتهر وظهر وتحقق من الشاهدين الوصيين، أنهما خانا أو غَلا شيئًا من المال الموصى به إليهما، وظهر عليهما بذلك (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ) هذه قراءة الجمهور: "اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان".
هر عليهما بذلك (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ) هذه قراءة الجمهور: "اسْتُحِقَّ عليهم الأوليان". ورُوي عن علي، وأُبيّ، والحسن البصري أنهم قرؤوها: (اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ).
وقد روى الحاكم في المستدرك من طريق إسحاق بن محمد الفَرْوِي، عن سليمان بن بلال، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، عن عبيد الله بن أبي رافع، عن علي بن أبي طالب؛ أن النبي ﷺ قرأ: (مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ) ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم، ومنهم ابن عباس: "من الذين استحق عليهم الأوَّلِين".
نَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ عَلَيْهِمُ الأوْلَيَانِ) ثم قال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.
وقرأ بعضهم، ومنهم ابن عباس: "من الذين استحق عليهم الأوَّلِين". وقرأ الحسن: "من الذين استحق عليهم الأوَّلان"، حكاه ابنُ جرير.
فعلى قراءة الجمهور يكون المعنى بذلك: أي متى تحقق ذلك بالخبر الصحيح على خيانتهما، فليقم اثنان من الورثة المستحقين للتركة وليكونا من أوْلى من يرث ذلك المال (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) أي: لقولنا: إنهما خانا أحقُّ وأصح وأثبت من شهادتهما المتقدمة (وَمَا اعْتَدَيْنَا) أي: فيما قلنا من الخيانة (إِنَّا إِذًا لَمِنَ الظَّالِمِينَ) أي: إن كنا قد كذبنا عليهما.
وهذا التحليف للورثة، والرجوع إلى قولهما والحالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب "القسامة" من الأحكام.
حالة هذه، كما يحلف أولياء المقتول إذا ظهر لَوْث في جانب القاتل، فيقسم المستحقون على القاتل فيدفع برمته إليهم، كما هو مقرر في باب "القسامة" من الأحكام.
وقد وردت السنة بمثل ما دلت عليه هذه الآية الكريمة، فقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا الحسين بن زياد، حدثنا محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن أبي النضر، عن باذان -يعني: أبا صالح مولى أم هانئ بنت أبي طالب-عن ابن عباس، عن تميم الداري في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) قال: بَرئ الناس منها غيري وغير عَديّ بن بَدَّاء. وكانا نصرانيين، يختلفان إلى الشام قبل الإسلام، فأتيا الشام لتجارتهما وقدم عليهما مولى لبني سهم، يقال له: بُدَيْل بن أبي مريم، بتجارة ومعه جام من فضة يريد به الملك، وهو عُظْم تجارته. فمرض فأوصى إليهما، وأمرهما أن يبلغا ما ترك أهله -قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام، فبعناه
بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بدّاء. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا.
يبلغا ما ترك أهله -قال تميم: فلما مات أخذنا ذلك الجام، فبعناه
بألف درهم، ثم اقتسمناه أنا وعدي بن بدّاء. فلما قدمنا إلى أهله دفعنا إليهم ما كان معنا. وفقدوا الجام فسألونا عنه، فقلنا: ما ترك غير هذا، وما د فع إلينا غيره-قال تميم: فلما أسلمت بعد قدوم النبي ﷺ المدينة تأثمت من ذلك، فأتيت أهله فأخبرتهم الخبر، ودفعت إليهم خمسمائة درهم، وأخبرتهم أن عند صاحبي مثلها، فوثبوا إليه أن يستحلفوه بما يعظم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) إلى قوله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعتْ الخمسمائة من عَدي بن بَدَّاء.
وله: (فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ لَشَهَادَتُنَا أَحَقُّ مِنْ شَهَادَتِهِمَا) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر منهم فحلفا، فنزعتْ الخمسمائة من عَدي بن بَدَّاء.
وهكذا رواه أبو عيسى الترمذي وابن جرير كلاهما عن الحسن بن أحمد بن أبي شعيب الحَرَّاني، عن محمد بن سلمة، عن محمد بن إسحاق، به فذكره -وعنده: فأتوا به رسول الله ﷺ فسألهم البينة فلم يجدوا، فأمرهم أن يستحلفوه بما يُعَظَّم به على أهل دينه، فحلف فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) إلى قوله: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا.
ْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ) إلى قوله: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) فقام عمرو بن العاص ورجل آخر، فحلفا. فَنزعَتْ الخمسمائة من عدي بن بَدَّاء.
ثم قال: هذا حديث غريب، وليس إسناده بصحيح، وأبو النضر الذي روى عنه محمد بن إسحاق هذا الحديث هو عندي محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، وقد تركه أهل العلم بالحديث، وهو صاحب التفسير، سمعت محمد بن إسماعيل يقول: محمد بن السائب الكلبي، يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه.
لكلبي، يكنى أبا النضر، ثم قال: ولا نعرف لسالم أبي النضر رواية عن أبي صالح مولى أم هانئ، وقد رُوي عن ابن عباس شيء من هذا على الاختصار من غير هذا الوجه.
حدثنا سفيان بن وَكِيع، حدثنا يحيى بن آدم، عن ابن أبي زائدة، عن محمد بن أبي القاسم، عن عبد الملك بن سعيد بن جُبَير، عن أبيه، عن ابن عباس قال: خرج رجل من بني سهم مع تميم الداريّ وعديّ بن بَدّاء، فمات السهمي بأرض ليس فيها مسلم، فلما قدما بتركته فقدوا جامًا من فضة مُخَوّصًا بالذهب، فأحلفهما رسول الله ﷺ، ووجدوا الجام بمكة، فقيل: اشتريناه من تميم وعديّ. فقام رجلان من أولياء السهمي فحلفا بالله لشهادتنا أحق من شهادتهما، وأن الجام لِصَاحبهم. وفيهم نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)
وكذا رواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، به.
تهما، وأن الجام لِصَاحبهم. وفيهم نزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ)
وكذا رواه أبو داود، عن الحسن بن علي، عن يحيى بن آدم، به. ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن غريب، وهو حديث ابن أبي زائدة.
ومحمد بن أبي القاسم، كوفي، قيل: إنه صالح الحديث، وقد ذكر هذه القصة مرسلة غيرُ واحد من التابعين منهم: عكرمة، ومحمد بن سيرين، وقتادة. وذكروا أن التحليف كان بعد صلاة العصر،
رواه ابن جرير. وكذا ذكرها مرسلة: مجاهد، والحسن، والضحاك. وهذا يدل على اشتهارها في السلف وصحتها.
ومن الشواهد لصحة هذه القصة أيضا ما رواه أبو جعفر بن جرير:
حدثني يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا زكريا، عن الشعبي؛ أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقا، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب.
زكريا، عن الشعبي؛ أن رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدَقُوقا، قال: فحضرته الوفاة ولم يجد أحدًا من المسلمين يشهده على وصيته، فأشهد رجلين من أهل الكتاب. قال: فقدما الكوفة، فأتيا الأشعري -يعني: أبا موسى الأشعري، ﵁-فأخبراه وقدما بتركته ووصيته، فقال الأشعري: هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد النبي ﷺ قال: فأحلفهما بعد العصر: بالله ما خانا ولا كذبا ولا بَدّلا ولا كتما ولا غيرا، وإنها لوصية الرجل وتركته. قال: فأمضى شهادتهما.
ثم رواه عن عمرو بن علي الفَلاس، عن أبي داود الطيالسي، عن شعبة، عن مغيرة الأزرق، عن الشعبي؛ أن أبا موسى قضى بدقوقا.
وهذان إسنادان صحيحان إلى الشعبي، عن أبي موسى الأشعري.
فقوله: "هذا أمر لم يكن بعد الذي كان في عهد رسول الله ﷺ" الظاهر -والله أعلم-أنه إنما أراد بذلك قصة تميم وعديّ بن بَدّاء، قد ذكروا أن إسلام تَمِيم بن أوْسٍ الداري، ﵁، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.
أن إسلام تَمِيم بن أوْسٍ الداري، ﵁، كان في سنة تسع من الهجرة فعلى هذا يكون هذا الحكم متأخرًا، يحتاج مدعي نسخه إلى دليل فاصل في هذا المقام، والله أعلم.
وقال أسباط عن السُّدِّي: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنَانِ ذَوَا عَدْلٍ مِنْكُمْ) قال: هذا في الوصية عند الموت، يوصي ويشهد رجلين من المسلمين على ما له وما عليه، قال: هذا في الحضر، (أَوْ آخَرَانِ مِنْ غَيْرِكُمْ) في السفر، (إِنْ أَنْتُمْ ضَرَبْتُمْ فِي الأرْضِ فَأَصَابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ) هذا الرجل يدركه الموت في سفره، وليس بحضرته أحد من المسلمين، فيدعو رجلين من اليهود والنصارى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [مال صاحبهم] تركوا الرجلين وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان.
رى والمجوس، فيوصي إليهما، ويدفع إليهما ميراثه فيقبلان به، فإن رضي أهل الميت الوصية وعرفوا [مال صاحبهم] تركوا الرجلين وإن ارتابوا رفعوهما إلى السلطان. فذلك قوله تعالى: (تَحْبِسُونَهُمَا مِنْ بَعْدِ الصَّلاةِ فَيُقْسِمَانِ بِاللَّهِ إِنِ ارْتَبْتُمْ) قال عبد الله بن عباس: كأني أنظر إلى العلْجين حين انتُهى بهما إلى أبي موسى الأشعري في داره، ففتح الصحيفة، فأنكر أهل الميت وخَوّنوهما فأراد أبو موسى أن يستحلفهما بعد العصر، فقلت له: إنهما لا يباليان صلاة العصر، ولكن استحلفهما بعد صلاتهما في دينهما، فَيُوقَفُ الرجلان بعد صلاتهما في
دينهما، فيحلفان: بالله لا نشتري به ثمنًا قليلا ولو كان ذا قربى، ولا نكتم شهادة الله إنا إذا لمن الآثمين: أن صاحبهم لبهذا أوصى، وإن هذه لتركته. فيقول لهما الإمام قبل أن يحلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنْتُما فَضَحْتُكُما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها.
حلفا: إنكما إن كتمتما أو خُنْتُما فَضَحْتُكُما في قومكما، ولم تجز لكما شهادة، وعاقبتكما. فإذا قال لهما ذلك، فإن ذلك أدنى أن يأتوا بالشهادة على وجهها. رواه ابن جرير.
وقال ابن جرير: حدثنا الحسين، حدثنا هُشيْم، أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم وسعيد بن جبير، أنهما قالا في هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهَادَةُ بَيْنِكُمْ) الآية، قالا إذا حضر الرجل الوفاة في سفر، فليشهد رجلين من المسلمين، فإن لم يجد رجلين من المسلمين فرجلين من أهل الكتاب فإذا قدما بتركته، فإن صدقهما الورثة قُبل قولهما، وإن اتهموهما أحلفا بعد صلاة العصر: بالله ما كتمنا ولا كذبنا ولا خُنَّا ولا غَيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا.
ولا غَيَّرنا.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، في تفسير هذه الآية: فإن ارتيب في شهادتهما استحلفا بعد الصلاة بالله: ما اشترينا بشهادتنا ثمنًا قليلا. فإن اطلع الأولياء على أن الكافرين كذبا في شهادتهما، قام رجلان من الأولياء فحلفا بالله: أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فذلك قوله: (فَإِنْ عُثِرَ عَلَى أَنَّهُمَا اسْتَحَقَّا إِثْمًا) يقول: إن اطلع على أن الكافرين كذبا (فَآخَرَانِ يَقُومَانِ مَقَامَهُمَا) يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرَيْن، وتجوز شهادة الأولياء.
وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس.
يقول: من الأولياء، فحلفا بالله: أن شهادة الكافرين باطلة، وإنا لم نعتد، فترد شهادة الكافرَيْن، وتجوز شهادة الأولياء.
وهكذا روى العَوْفي، عن ابن عباس. رواهما ابن جرير.
وهكذا قَرَّر هذا الحكم على مقتضى هذه الآية غيرُ واحد من أئمة التابعين والسلف، ﵃، وهو مذهب الإمام أحمد، ﵀.
وقوله: (ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يَأْتُوا بِالشَّهَادَةِ عَلَى وَجْهِهَا) أي: شرعية هذا الحكم على هذا الوجه المرضي من تحليف الشاهدين الذميين وقد استريب بهما، أقرب إلى إقامتهما الشهادة على الوجه المرضي.
وقوله: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ) أي: يكون الحامل لهم على الإتيان بالشهادة على وجهها، هو تعظيم الحلف بالله ومراعاة جانبه وإجلاله، والخوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ)
خوف من الفضيحة بين الناس إذا ردت اليمين على الورثة، فيحلفون ويستحقون ما يدعون، ولهذا قال: (أَوْ يَخَافُوا أَنْ تُرَدَّ أَيْمَانٌ بَعْدَ أَيْمَانِهِمْ)
ثم قال: (وَاتَّقُوا اللَّهَ) أي: في جميع أموركم (وَاسْمَعُوا) أي: وأطيعوا (وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ) يعني: الخارجين عن طاعته ومتابعة شريعته.