Maka setelah mereka, datanglah generasi (yang jahat) yang mewarisi Taurat, yang mengambil harta benda dunia yang rendah ini. Lalu mereka berkata,"Kami akan diberi ampun." Dan kelak jika harta benda dunia datang kepada mereka sebanyak itu (pula), niscaya mereka akan mengambilnya (juga). Bukankah mereka sudah terikat perjanjian dalam Kitab (Taurat) bahwa mereka tidak akan mengatakan terhadap Allah, kecuali yang benar, padahal mereka telah mempelajari apa yang tersebut di dalamnya? Negeri akhirat itu lebih baik bagi mereka yang bertakwa. Maka tidakkah kamu mengerti
القول في تأويل قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.
يقول تعالى ذكرُه: فخلف من بعدِ هؤلاء القوم الذين وصف صِفَتَهم - ﴿خَلْفٌ﴾ يعني: خَلْفُ سَوْءٍ. يقولُ: حدَثَ بعدهم وخِلافَهم، وتبدَّل منهم بَدَلُ سَوْءٍ.
يقال منه: هو خَلَفُ صِدْقٍ، وخَلْفُ سَوْءٍ. وأكثر ما جاء في المدح بفتحِ اللامِ، وفي الذمِّ بتسكينِها، وقد تُحرَّكُ في الذمِّ، وتُسكَّنُ في المدحِ، ومن ذلك في تسكينها في المدح قول حسان:
لنا القَدَمُ الأُولى إليكَ وخَلْفُنا … لأَوَّلِنا في طَاعَةِ اللَّهِ تابعُ
وأحْسَبُ أنه إذا وُجِّه إلى الفسادِ مأخوذٌ من قولهم: خَلَف اللبنُ، إذا حمِض من طُولِ تركه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ. فكأنَّ الرجلَ الفاسد مشبَّهٌ به.
وأحْسَبُ أنه إذا وُجِّه إلى الفسادِ مأخوذٌ من قولهم: خَلَف اللبنُ، إذا حمِض من طُولِ تركه في السِّقاءِ حتى يَفْسُدَ. فكأنَّ الرجلَ الفاسد مشبَّهٌ به. وقد يجوزُ أن يكونَ من قولهم: خَلَف فمُ الصائم، إذا تغيَّرت رِيحُه.
وأمّا في تسكينِ اللام في الذمِّ، فقول لبيدٍ:
ذَهَب الذين يُعاشُ في أكْنافِهم … وبَقِيتُ في خَلْفٍ كَجِلْدِ الأَجْرَب
وقيل: إن الخلْفَ الذي ذكر الله في هذه الآيةِ أَنْهم خَلَفُوا مَن قبلهم، هم النَّصارى.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾.
ُ مَن قال ذلك
حدثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهد في قولِ اللَّهِ: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾. قال: النصارى.
والصواب من القول في ذلك عندى أن يقال: إِن اللَّه تعالى ذكره إنما وصَفَ أنه خَلَف القومَ الذين قصَّ قَصصهم في الآياتِ التي مضت - خَلْفُ سَوْءٍ رَدِئٌ، ولم يذكُرْ لنا أنهم نَصارى في كتابه، وقِصَّتُهم بقَصَص اليهودِ أَشبَهُ منها بقَصَص النصارى.
وبعدُ، فإن ما قبل ذلك خبرٌ عن بني إسرائيلَ، وما بعده كذلك، فما بينهما بأن يكونَ خبرًا عنهم أشبه؛ إذْ لم يكن في الآية دليلٌ على صرف الخبر عنهم إلى غيرهم، ولا جاء بذلك دليلٌ يوجب صحة القول به.
فتأويلُ الكلامِ إذن: فتبدّلَ من بعدهم بَدَلُ سَوْءٍ، ورِثوا كتاب الله فعلِموه، وضَيَّعوا العمل به، فخالفوا حُكْمَه؛ يُرْشَوْن في حكم الله فيأخذون الرِّشْوَة فيه من عرضِ هذا العاجل الأدْنَى، يعنى بـ ﴿الْأَدْنَى﴾: الأقربَ من الآجلِ الأبعدِ، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا.
فيأخذون الرِّشْوَة فيه من عرضِ هذا العاجل الأدْنَى، يعنى بـ ﴿الْأَدْنَى﴾: الأقربَ من الآجلِ الأبعدِ، ويقولون إذا فعلوا ذلك: إن الله سيغفر لنا ذنوبنا. تمنِّيًا على الله الأباطيلَ، كما قال جلَّ ثناؤُه فيهم: ﴿فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الْكِتَابَ بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هَذَا مِنْ عِندِ اللَّهِ لِيَشْتَرُوا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَوَيْلٌ لَهُم مَّمَّا كَنَبَتْ أَيْدِيهِمْ وَوَيْلٌ لَّهُم ممَّا يَكْسِبُونَ﴾ [البقرة: ٧٩]. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. يقولُ: وإِنْ شَرَع لهم ذنبٌ حرامٌ مثلُه من الرِّشوة بعد ذلك، أخذوه واستحلوه، ولم يَرْتدِعوا عنه.
٧٩]. ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. يقولُ: وإِنْ شَرَع لهم ذنبٌ حرامٌ مثلُه من الرِّشوة بعد ذلك، أخذوه واستحلوه، ولم يَرْتدِعوا عنه. يُخبِرُ جلَّ ثناؤه عنهم أنهم أهل إصرارٍ على ذنوبهم، وليسوا بأهل إنابةٍ ولا توبةٍ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ، وإن اختلفت عنه عباراتهم.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أحمد بن المقدام، قال: ثنا فضيلُ بن عياضٍ، عن منصورٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قوله: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: يعملون بالذنب ثم يستغفِرُونَ اللَّهَ، فإن عرَضَ ذلك الذنب أخذوه.
حدثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: من الذنوبِ.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
﴾. قال: من الذنوبِ.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصور، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. قال: يعملون بالذنوبِ، ﴿وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾. قال: ذنب آخرُ يعمَلوا به.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن منصور، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿يَأخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: الذنوبُ، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مَثْلُهُ يَأخُدُوهُ﴾. قال: الذنوبُ.
حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾.
خُدُوهُ﴾. قال: الذنوبُ.
حدثني محمدُ بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: ما أشرَف لهم من شيءٍ في اليوم من الدنيا حلالٌ أو حرامٌ يشتهونَه، أخَذوه، ويبتغُون المغفرةَ، فإن يجِدُوا الغدَ مثلَه يأخذوه.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاج، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ بنحوه، إلا أنه قال: يتمنَّون المغفرةَ.
حدثنا الحارث، قال: ثنا عبد العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: لا يُشْرِفُ لهم شيءٌ من الدنيا إلا أخَذوه، حلَالًا كان أو حرامًا، ويتمنَّون المغفرةَ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: لا يُشْرِفُ لهم شيءٌ من الدنيا إلا أخَذوه، حلَالًا كان أو حرامًا، ويتمنَّون المغفرةَ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. وإن يجدوا عرضًا مثله يأخُذوه.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة قولَه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾: إى واللهِ، لَخَلْفُ سَوْءٍ ورِثوا الكتاب بعدَ أنبيائِهم ورسلِهم،
ورَّثَهم الله وعهِدَ إليهم، وقال الله في آيةٍ أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]. قال: ﴿يَأخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾: تمنَّوا على الله أمانيَّ، وغرَّةٌ يغترُّون بها، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾: لا يشغَلُهم شيءٌ عن شيءٍ، ولا ينهاهم عن ذلك، كلَّما أشرف لهم شيءٌ من الدنيا أكلوه، لا يُبَالُون حلالًا كان أو حراما.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قَتادة: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾.
لا يُبَالُون حلالًا كان أو حراما.
حدَّثنا محمد بن عبد الأعلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن قَتادة: ﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: يأخُذونَه إن كان حلالًا وإن كان حرامًا، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ﴾. قال: إن جاءهم حلالٌ أو حرامٌ أخذوه.
حدثني محمد بن الحسين، قال: ثنا أحمد بن المفضَّلِ، قال: ثنا أسباط، عن السُّدِّيِّ قولَه: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ إلى قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: كانت بنو إسرائيلَ لا يسْتقضُون قاضيًا إلا ارتَشَى في الحكم، وإنّ خيارَهم اجتمَعوا فأَخَذَ بعضُهم على بعض العهود ألا يفعلوا، ولا يرتشُوا، فجعَل الرجلُ منهم إذا استقضي ارْتشَى، فيقالُ له: ما شأنُك ترتشي في الحُكْمِ؟ فيقولُ: سيُغفرُ لِي. فيطعُنُ عليه البقيةُ الآخرون من بنى إسرائيلَ فيما صنَعَ، فإذا ماتَ أو نُزِعَ، و جُعلَ مكانَه رجلٌ ممَّن كان يطعُنُ عليه فيرتشي. يقولُ: وإن يأتِ الآخرين عرض الدنيا
يأخُذوه.
لآخرون من بنى إسرائيلَ فيما صنَعَ، فإذا ماتَ أو نُزِعَ، و جُعلَ مكانَه رجلٌ ممَّن كان يطعُنُ عليه فيرتشي. يقولُ: وإن يأتِ الآخرين عرض الدنيا
يأخُذوه. وأمّا "عَرَضُ الأدْنى "، فعرضُ الدنيا من المالِ.
حدثني محمد بن سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾. يقولُ: يأخذون ما أصابوا، ويتركون ما شاءوا من حلالٍ أو حرام، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَأْخُدُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾.
ءوا من حلالٍ أو حرام، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾.
وحدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿يَأْخُدُونَ عَرَضَ هَذَا الأَدْنَى﴾. قال: الكتاب الذي كتبوه، ويقولون: ﴿سَيُغْفَرُ لَنَا﴾؛ لا نُشركُ بالله شيئًا، ﴿وَإِن يَأْتِهِمْ عَرَضُ مِثْلُهُ يَأخُذُوهُ﴾: يأتِهم المُحِقُّ برشوةٍ فيُخرجوا له كتابَ اللهِ، ثم يحكموا له بالرِّشوةِ، وكان الظالمُ إذا جاءَهم برشوَةٍ أخرَجوا له المَثْنَاةَ، وهو الكتاب الذي كتبوه، فحكَموا له بما في المثناة بالرِّشوة، فهو فيها مُحِقٌّ، وهو في التوراة ظالمٌ، فقال الله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾.
حدثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جرير، عن منصور، عن سعيد بن جبير قوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى﴾. قال: يعملون بالذنوبِ، ﴿وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ﴾.
القولُ في تأويل قوله: ﴿أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (١٦٩)﴾.
يقول تعالى ذكره: ألم يُؤْخَذْ على هؤلاء المرتشين في أحكامهم، القائلين: سَيغفِرُ الله لنا فعلَنا هذا. إذا عُوتِبوا على ذلك - ﴿مِيثَاقُ الْكِتَابِ﴾؟ وهو أخذ الله العهودَ على بني إسرائيلَ بإقامة التوراة والعمل بما فيها، فقال جلّ ثناؤه لهؤلاء الذين قصَّ قِصَّتَهم في هذه الآية، مُوبِّخًا لهم على خِلافهم أمرَه، ونقضهم عهدَه وميثاقَه: ألم يأخذِ الله عليهم ميثاقَ كتابِه ألا يقولوا على الله إلا الحقَّ، ولا يُضِيفوا إليه إلَّا ما أنزلَه على رسوله موسى ﵇ في التوارةِ، وألا يَكْذِبوا عليه.
كما حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿أَلَم يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾.
لحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، قال: قال ابن عباس: ﴿أَلَم يُؤْخَذْ عَلَيْهِم مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَن لا يَقُولُوا عَلَى اللهِ إِلَّا الْحَقَّ﴾. قال: فيما يوجِبُون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها ولا يتوبون منها.
وأما قوله: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. فإنه معطوفٌ على قوله: ﴿وَرِثُوا الْكِتَابَ﴾. ومعناه: فخلَفَ من بعدهم خلفٌ ورِثوا الكتاب ودرسوا ما فيه. ويعنى بقولِه: ﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾: قرَءُوا ما فيه. يقولُ: ورثوا الكتاب فعلموا ما فيه ودرَسُوا، فضيَّعوه وترَكوا العملَ به، وخالفوا عهدَ الله إليهم في ذلك.
كما حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله:
﴿وَدَرَسُوا مَا فِيهِ﴾. قال: عَلِموه؛ علِمُوا ما في الكتاب الذي ذكَرَ الله. وقرَأ: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾.
الله. وقرَأ: ﴿بِمَا كُنتُمْ تُعَلِمُونَ الْكِتَابَ وَبِمَا كُنتُمْ تَدْرُسُونَ﴾ [آل عمران: ٧٩].
﴿وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ﴾. يقول جل ثناؤُه: وما في الدار الآخرةِ - وهو ما في المعادِ عندَ اللهِ مما أعدَّ لأوليائه، والعاملين بما أنزل في كتابه، المحافظين على حدوده - خيرٌ للذين يتقونَ اللَّهَ، ويَخافونَ عقابَه، فيُراقبونه في أمرِه ونهيِه، ويُطيعونه في ذلك كلِّه في دنياهم، (أَفَلا يَعْقِلُونَ). يقولُ: أَفَلا يعقِلُ هؤلاء الذين يأخُذونَ عَرَضَ هذا الأدنى على أحكامهم، ويقولون سيغفر لنا، أَنَّ ما عند الله في الدار الآخرة للمتَّقِين العادلين بين الناس في أحكامهم - خيرٌ من هذا العرضِ القليل الذي يَسْتَعْجِلونه في الدنيا على خلافِ أمرِ الله، والقضاء بين الناس بالجورِ.
١١]، (وَبَلَوْنَاهُمْ) أي: اختبرناهم (بِالْحَسَنَاتِ وَالسَّيِّئَاتِ) أي: بالرخاء والشدة، والرغبة والرهبة، والعافية والبلاء، (لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ)
ثم قال تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) يقول تعالى: فخلف من بعد ذلك الجيل الذين فيهم الصالح والطالح، خلف آخر لا خير فيهم، وقد ورثوا دراسة [هذا] الكتاب وهو التوراة -وقال مجاهد: هم النصارى -وقد يكون أعم من ذلك، (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى) أي: يعتاضون عن بذل الحق ونشره بعَرَض الحياة الدنيا، ويسرفون أنفسهم ويعدونها بالتوبة، وكلما لاح لهم مثل الأول وقعوا فيه؛ ولهذا قال: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) كما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله منه، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.
عوا فيه؛ ولهذا قال: (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) كما قال سعيد بن جبير: يعملون الذنب، ثم يستغفرون الله منه، فإن عرض ذلك الذنب أخذوه.
وقول مجاهد في قوله: (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى) قال: لا يشرف لهم شيء من الدنيا إلا أخذوه، حلالا كان أو حرامًا، ويتمنون المغفرة، ويقولون: (سَيُغْفَرُ لَنَا) وإن يجدوا عَرَضًا مثله يأخذوه.
وقال قتادة في: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) أي: والله، لخلف سوء، ورثوا الكتاب بعد أنبيائهم ورسلهم، ورثهم الله وعهد إليهم، وقال الله في آية أخرى: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ﴾ [مريم: ٥٩]، قال (يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الأدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا) تمنوا على الله أماني، وغرَّة يغترون بها، (وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من [أمر] الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالا كان أو حرامًا.
ِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ) لا يشغلهم شيء عن شيء، ولا ينهاهم شيء عن ذلك، كلما هف لهم شيء من [أمر] الدنيا أكلوه، ولا يبالون حلالا كان أو حرامًا.
وقال السُّدِّي [في] قوله: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ) إلى قوله: (وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) قال: كانت بنو إسرائيل لا يستقضون قاضيا إلا ارتشى في الحكم، وإن خيارهم اجتمعوا، فأخذ بعضهم على بعض العهود ألا يفعلوا ولا يرتشى، فجعل الرجل منهم إذا استقضى ارتشى، فيقال له: ما شأنك ترتشي في الحكم، فيقول: "سيغفر لي"، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات، أو نزع، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي.
أنك ترتشي في الحكم، فيقول: "سيغفر لي"، فتطعن عليه البقية الآخرون من بني إسرائيل فيما صنع، فإذا مات، أو نزع، وجعل مكانه رجل ممن كان يطعن عليه، فيرتشي. يقول: وإن يأت الآخرين عرض الدنيا يأخذوه.
قال الله تعالى: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ) يقول تعالى منكرًا عليهم في صنيعهم هذا، مع ما أخذ عليهم من الميثاق ليبينن الحق للناس، ولا يكتمونه كقوله: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ [آل عمران: ١٨٧]
وقال ابن جُرَيْج: قال ابن عباس: (أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) قال: فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها، ولا يتوبون منها.
ثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلا الْحَقَّ) قال: فيما يوجبون على الله من غفران ذنوبهم التي لا يزالون يعودون فيها، ولا يتوبون منها.
وقوله تعالى: (وَالدَّارُ الآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلا تَعْقِلُونَ) يرغبهم تعالى في جزيل ثوابه، ويحذرهم من وبيل عقابه، أي: وثوابي وما عندي خير لمن اتقى المحارم، وترك هوى نفسه، وأقبل على طاعة ربه.
(أَفَلا تَعْقِلُونَ) يقول: أفليس لهؤلاء الذين اعتاضوا بعَرَض الدنيا عما عندي عقل يردعهم عما هم فيه من السفه والتبذير؟ ثم أثنى تعالى على من تمسك بكتابه الذي يقوده إلى اتباع رسوله محمد ﷺ، كما هو مكتوب فيه، فقال تعالى (وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ) أي: اعتصموا به واقتدوا بأوامره، وتركوا زواجره (وَأَقَامُوا الصَّلاةَ إِنَّا لا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ)