KitabAITafsir Al-Qur'an AI-Powered
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 30

QS 2:30

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 30

2:30
وَإِذۡ قَالَ رَبُّكَ لِلۡمَلَـٰٓئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٞ فِي ٱلۡأَرۡضِ خَلِيفَةٗۖ قَالُوٓاْ أَتَجۡعَلُ فِيهَا مَن يُفۡسِدُ فِيهَا وَيَسۡفِكُ ٱلدِّمَآءَ وَنَحۡنُ نُسَبِّحُ بِحَمۡدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَۖ قَالَ إِنِّيٓ أَعۡلَمُ مَا لَا تَعۡلَمُونَ
Dan (ingatlah) ketika Tuhanmu berfirman kepada para Malaikat, "Aku hendak menjadikan khalifah15) di bumi". Mereka berkata, "Apakah Engkau hendak menjadikan orang yang merusak dan menumpahkan darah di sana, sedangkan kami bertasbih memuji-Mu dan menyucikan nama-Mu?" Dia berfirman, "Sungguh, Aku mengetahui apa yang tidak kalian ketahui
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 29Ayat 31 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

وَإِذْ
إِذ
keterangan waktu
قَالَ
قَالَ
قول
رَبُّكَ
رَبّ
ربب
لِلْمَلَٰٓئِكَةِ
مَلَك
ملك
إِنِّى
إِنّ
partikel nashab
جَاعِلٌ
جَاعِل
جعل
فِى
فِى
preposisi
ٱلْأَرْضِ
أَرْض
ارض
خَلِيفَةً
خَلِيفَة
خلف
قَالُوٓا۟
قَالَ
قول
أَتَجْعَلُ
جَعَلَ
جعل
فِيهَا
فِى
preposisi
مَن
مَن
kata sambung penghubung
يُفْسِدُ
أَفْسَدُ
فسد
فِيهَا
فِى
preposisi
وَيَسْفِكُ
يَسْفِكُ
سفك
ٱلدِّمَآءَ
دَم
دمو
وَنَحْنُ
pronomina
نُسَبِّحُ
سَبَّحَ
سبح
بِحَمْدِكَ
حَمْد
حمد
وَنُقَدِّسُ
نُقَدِّسُ
قدس
لَكَ
pronomina
قَالَ
قَالَ
قول
إِنِّىٓ
إِنّ
partikel nashab
أَعْلَمُ
عَلِمَ
علم
مَا
مَا
kata sambung penghubung
لَا
لَا
partikel nafi
تَعْلَمُونَ
عَلِمَ
علم

Tafsir dalam korpus (201 potongan)

QS 2:30 (jilid 1 hlm. 466) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 466 · #50564
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. زعَم بعضُ المنسوبين إلى العلمِ بلُغاتِ العَربِ من أهلِ البصرةِ أن تأويلَ قولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾: وقال ربُّك. وأنّ ﴿وَإِذْ﴾ من الحروفِ الزَّوائدِ، وأن معناها الحذفُ. واعتَلَّ لقولِه الذي وصَفْنا عنه في ذلك ببيتِ الأسودِ بنِ يَعْفُرَ: فإذا وذلك لا مَهاهَ لِذِكْرِه … والدهرُ يُعْقِبُ صالحًا بفسادِ ثم قال: ومعناها: وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه. وببيتِ عبدِ منافِ بن رِبْعٍ الهُذليِّ: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائِدَةٍ … شَلًّا كما تطْرُدُ الجَمّالةُ الشُّرُدا وقال: معناه: حتى أسْلَكُوهم. قال أبو جعفرٍ: والأمرُ في ذلك بخلافِ ما قال، وذلك أن "إذْ" حرفٌ يأتي بمعنى الجزاءِ، ويَدُلُّ على مجهولٍ من الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ]. إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ، [وهو] في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 467) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 467 · #50565
ن الوقتِ، وغيرُ جائزٍ إبطالُ حرفٍ كان دليلًا على معنًى [في الكلامِ]. إذ سواءٌ قيلُ قائلٍ: هو بمعنى البُطولِ، [وهو] في الكلامِ دليلٌ على معنًى مفهومٍ. وقيلُ آخرَ في جميعِ الكلامِ الذي نطَق به دليلًا على ما أرِيدَ به: هو بمعنى البُطولِ. وليس [لما ادّعى] الذي وصَفْنا قولَه - في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ، أن "إذا" بمعنى البُطولِ - وجهٌ مفهومٌ، بل ذلك لو حُذِف من الكلامِ لَبَطَل المعنَى الذي أراده الأسودُ من قولِه: * فإذا وذلك لا مَهاهَ لذِكْرِه * وذلك أنه أراد بقولِه: فإذا: فإذا الذي نحن فيه وما قد مضَى من عَيْشِنا. وأشار بقولِه: [وذلك]. إلى ما تقدَّم وصْفُه من عيشِه الذي كان فيه. لا مَهاهَ لذِكْرِهِ، يعني: لا طَعْمَ له ولا فضْلَ؛ لإعقابِ الدهرِ صالحَ ذلك بفسادٍ. وكذلك معنى قولِ عبدِ منافِ بنِ رِبعٍ: حتى إذا أسلكوهم في قُتائدةٍ … شلًّا ..................... لو أُسقِط منه "إذا" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا. فدلَّ قولُه: أسلكوهم شلًّا (٤).
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 468) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 468 · #50566
ا ..................... لو أُسقِط منه "إذا" بطَل معنى الكلامِ؛ لأن معناه: حتى إذا أسلَكوهم في قُتائدةٍ سلَكوا شَلًّا. فدلَّ قولُه: أسلكوهم شلًّا (٤). على مَعْنَى المْحذُوفِ، فاسْتُغْنِي عن ذكْرِه بدَلالةِ "إذا" عليه فحُذِف - كما قد ذكَرْنا فيما مَضَى من كتابِنا - على ما تفعَلُ العربُ في نظائرِ ذلك، وكما قال النَّمِرُ بنُ تَوْلَبٍ: فإن المنيةَ من يخْشَها … فسوف تصادِفُه أيْنَما وهو يريدُ: أينما ذهَب. وكما تقولُ العربُ: أتيتُك من قبلُ ومن بعدُ. تُرِيدُ: من قبلِ ذلكَ ومن بعدِ ذلكَ. فكذلك ذلك في "إذا"، كما يقولُ القائلُ: إذا أكرَمك أخوك فأكرِمْه، وإذا لا فلَا. يريدُ: وإذا لم يُكرِمْك فلا تُكرِمْه. ومن ذلك قولُ الآخر. فإذا وذلك لا يضُرُّك ضُرُّه … في يومِ أسألُ نائلًا أو أنكَدَا نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 469) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 469 · #50567
نائلًا أو أنكَدَا نظيرَ ما ذكَرْنا من المعنى في بيتِ الأسودِ بنِ يَعفُرَ. وكذلك معنى قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾. لو أُبْطِلَتْ "إذْ" وحذِفتْ من الكلامِ، لاستحالَ عن معناه الذي هو به وفيه "إذْ". فإن قال قائلٌ: فما معنى ذلك، وما الجالبُ لـ "إذ"، إذا لم يكنْ في الكلامِ قبلَه ما يُعطَفُ به عليه؟ قيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 469) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 469 · #50568
ا يُعطَفُ به عليه؟ قيل له: قد ذكَرنا فيما مضَى أن اللهَ تعالى ذكرُه خاطَب الذين خاطَبهم بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا﴾. بهذه الآياتِ والتي بعدَها مُوَبِّخَهم ومُقَبِّحًا إليهم سوءَ فِعالِهم ومُقامِهم على ضلالِهم مع النعمِ التي أنعَمها عليهم وعلى أسلافِهم، ومُذكِّرَهُم - بتعديدِ نِعَمِه عليهم وعلى أسلافِهم - بأسَه أن يسلُكوا سبيل مَن هلَك من أسلافِهم في معصيتِه، فيسلُكَ بهم سبيلَهم في عقوبتِه، ومُعرِّفَهم ما كان منه من تعطُّفِه على التائبِ منهم، استعتابًا منه لهم، فكان مما عدَّدَ من نِعَمِه عليهم، أنه خلَق لهم ما في الأرضِ جميعًا، وسخَّر لهم ما في السماواتِ؛ من شمسِها وقمرِها ونجومِها وغيرِ ذلك من منافعِها التي جعَلها لهم ولسائرِ بني آدمَ معهم منافعَ، فكان في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 470) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 470 · #50569
عَ، فكان في قولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾. معنى: اذكُروا نعمتي عليكم إذ خلَقتُكم ولم تكونوا شيئًا، وخلَقتُ لكم ما في الأرض جميعًا، وسوَّيتُ لكم ما في السماءِ. ثم عطَف بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾ على المعنى المقتضَى بقولِه: ﴿كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ﴾ إذ كانَ مُقتضيًا ما وصفتُ من قولِه: اذكُروا نِعمتي إذْ فعلتُ بكم وفعلتُ، واذكُروا فِعْلِي بأبِيكم آدمَ، إذْ قلتُ للملائكةِ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً. فإن قال قائلٌ: فهل لذلك من نظيرٍ في كلامِ العربِ نعلَمُ به صحةَ ما قلتَ؟ قيل: نعم، أكثرُ مِن أن يُحصَى، من ذلك قولُ الشاعرِ: أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ … ولا بَيْدَانَ ناجيةً ذَمُولَا ولا متدارَكٍ والشمسُ طِفْلٌ … ببعضِ نواشغِ الوادي حُمُولَا فقال: ولا مُتدارَكٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 470) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 470 · #50570
شاعرِ: أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ … ولا بَيْدَانَ ناجيةً ذَمُولَا ولا متدارَكٍ والشمسُ طِفْلٌ … ببعضِ نواشغِ الوادي حُمُولَا فقال: ولا مُتدارَكٍ. ولم يتقدَّمْه فعلٌ بلفظِه يُعطَفُ به عليه، ولا حرفٌ مُعرَبٌ إعرابَه فيُرَدَّ "متدارك" عليه في إعرابِه، ولكنه لما تقدَّمه فعلٌ مجحودٌ بـ "لن" يَدُلُّ على المعنى المطلوبِ في الكلامِ من المحذوفِ، استغْنَى بدَلالةِ ما ظَهَر منه عن إظهارِ ما حُذِف، وعامَل الكلامَ في المعنى والإعرابِ معاملتَه أن لو كان ما هو محذوفٌ منه ظاهرًا؛ لأن قولَه: * أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ * معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ "مُتداركًا" على مَوضعِ "تَرَى"، كأن "لست" والباءَ موجودتان في الكلامِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 471) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 471 · #50571
لأن قولَه: * أجِدَّك لن تَرَى بثُعَيْلِباتٍ * معناه: أجِدَّك لستَ براءٍ. فردَّ "مُتداركًا" على مَوضعِ "تَرَى"، كأن "لست" والباءَ موجودتان في الكلامِ. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ﴾. لمّا سلَف قبلَه تذكيرُ اللهِ جلّ وعزَّ المخاطَبين به ما سلَف قِبلَهم وقِبلَ آبائِهم من أيادِيه وآلائِه، وكان قولُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ﴾ مع ما بعدَه من النِّعَمِ التي عدَّدَها عليهم، ونَبَّههم على مواقعِها - ردَّ "إذْ" على موضعِ ﴿وَكُنْتُمْ أَمْوَاتًا فَأَحْيَاكُمْ﴾. لأن معنى ذلك: اذكُروا هذه من نِعَمِي، وهذه التي قلتُ فيها للملائكةِ. فلمّا كانت الأولى مُقتضيةً "إذ"، عطَف [بـ "إذ"] على موضعِها في الأولى، كما وصَفْنا من فِعْلِ الشاعرِ في: ولا مُتداركٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 472) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 472 · #50572
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿لِلْمَلَائِكَةِ﴾. والملائكةُ جمعُ مَلْأَكٍ، غيرَ أن أحدَهم بغيرِ الهمزِ أكثرُ وأشهرُ في كلامِ العربِ منه بالهمزِ، وذلك أنهم يقولون في واحدِهم: مَلَكٌ من الملائكةِ. فيحذِفون الهمزَ منه، ويُحرِّكون اللامَ التي كانت مُسَكَّنةً لو هُمزَ الاسمُ، وإنما يُحرِّكونها بالفَتْحِ لأنهم ينقُلونَ حركةَ الهمزةِ التي فيه بسقوطِها إلى الحرفِ الساكنِ قبلَها، فإذا جمَعوا واحدَهم ردُّوه في الجمعِ إلى الأصلِ [وهمَزُوا]، فقالوا: ملائكةٌ. وقد تفعَلُ العربُ نحوَ ذلك كثيرًا في كلامِها، فتترُكُ الهمزَ في الكلمةِ التي هي مهموزةٌ فيجرِي كلامُهم بتَرْكِ هَمْزِها في حالٍ، وبهمزِها في أُخرى، كقولِهم: رأيتُ فلانًا. فجرَى كلامُهم بهمزِ "رأيتُ"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم في "يفعل" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 472) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 472 · #50573
م بهمزِ "رأيتُ"، ثم قالوا: نرَى / وترَى ويَرى. فجرَى كلامُهم في "يفعل" ونظائرِها بتركِ الهمزِ، حتى صار الهمزُ معها شاذًّا، مع كونِ الهمزِ فيها أصلًا. فكذلك ذلك في "مَلَك وملائكة"، جرَى كلامُهم بتركِ الهمزِ من واحدِهم، وبالهمزِ في جميعِهم، وربما جاء الواحدُ منهم مهموزًا، كما قال الشاعرُ: فلستَ بجنِّيٍّ ولكنْ مَلْأَكًا … تحدَّر من جوِّ السماءِ يَصُوبُ وقد يقالُ في واحدِهم: مألكٌ. فيكونُ ذلك مثلَ قولِهم: جبَذ وجذَب، وشَأْمَلَ وشمْأَل. وما أشبهَ ذلك من الحروفِ المقلوبةِ، غيرَ أن الذي يجبُ إذا سُمِّيَ واحدُهم: مألكٌ، أن يُجمَعَ إذا جُمِعَ على ذلك: مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 473) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 473 · #50574
مآلكُ، ولستُ أحفظُ جمعَهُم كذلك سماعًا، ولكنهم قد يَجمعون: ملائِكُ، وملائِكةٌ، كما يُجْمَعُ أشعثُ: أشاعثُ وأشاعِثةٌ، ومِسْمَعٌ: مَسامعُ ومَسامِعَةٌ. قال أميةُ بنُ أبي الصَّلْتِ في جمعِهم كذلك: وفيها مِنْ عبادِ اللهِ قومٌ … ملائِكُ ذُلِّلوا وهُمُ صِعابُ وأصلُ الملأكِ الرسالةُ، كما قال عديُّ بنُ زيدٍ العِبَادِيُّ: أبلغِ النعمانَ عنى ملأكًا … أنه قد طال حَبْسِي وانتظارِي وقد يُنشَدُ: مَأْلَكًا، على اللغةِ الأخْرَى. فمن قال: ملأَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: [لأَك إليه يَلْأَكُ]، إذا أرسَل إليه رسالةً، مَلْأَكةً. ومن قال: مَأْلَكًا. فهو "مَفْعَل"، من: ألَكتُ إليه ألِكُه، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا. كما قال لَبيدُ ابنُ ربيعةَ: وغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه … بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ فهذا من: ألَكت.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 474) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 474 · #50575
كتُ إليه ألِكُه، إذا أرسلتَ إليه، مأْلكةً وأَلُوكًا. كما قال لَبيدُ ابنُ ربيعةَ: وغُلامٍ أرسلَتْه أُمُّه … بأَلوكٍ فبَذَلْنا ما سأَلْ فهذا من: ألَكت. ومنه قولُ نابغةِ بني ذُبيانَ: ألِكْنِي يا عُيَينَ إليك قولًا … [سأُهْدِيه إليك إليك عنِّيْ] وقال عبدُ بني الحَسْحاسِ: ألِكْنى إليها عَمْرَك اللهَ يا فتى … بآيةِ ما جاءت إلينا تهادِيَا يعني بذلك: أبْلِغها رسالتِي. فسُمِّيتِ الملائكةُ ملائكةً بالرسالةِ؛ لأنَّها رسُلُ اللهِ بينَه وبينَ أنبيائِه ومَن أُرسِلتْ إليه مِن عبادِه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 475 · #50576
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعز: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ﴾. اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ﴾؛ فقال بعضُهم: إني فاعلٌ. ذِكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا القاسمُ بنُ الحسنِ، قال: حَدَّثَنَا الحسينُ، قال: حَدَّثَنِي حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومباركٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ - يعني الهُذَليَّ - عن الحسنِ وقتادةَ، قالوا: قال اللهُ تعالى ذِكْرُه لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعلٌ. وقال آخرون: إني خالقٌ. ذِكرُ من قال ذلك حُدِّثت عن المنِجابِ بنِ الحارثِ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، قال: كلُّ شيْءٍ في القرآنِ "جعَل" فهو "خلَق". قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. إنِّي مُستخلِفٌ فيها خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 475) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 475 · #50577
فهو "خلَق". قال أبو جعفرٍ: والصوابُ في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. إنِّي مُستخلِفٌ فيها خليفةً، ومُصَيِّرٌ فيها خُلَفاءَ. وذلك شبيهٌ بتأويلِ قولِ الحسنِ وقتادةَ. وقيل: إن الأرضَ التي ذكَرها اللهُ جل ثناؤُه في هذه الآيةِ هي مكةُ. ذكرُ من قال ذلك حَدَّثَنَا ابنُ حميدٍ، قال: حَدَّثَنَا جريرٌ، عن عطاءٍ، عن ابنِ سابطٍ، أن النَّبِيَّ ﷺ قال: "دُحِيتِ الأرضُ مِن مكَّةَ، وكانت الملائكةُ تطُوفُ بالبيتِ، فهي أولُ من طاف به، وهي الأرضُ التي قال اللهُ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وكان النبيُّ إذا هلَك قومُه ونَجا هُوَ والصالحون، أتاها هو ومَن معه فعبَدوا اللهَ بها حتى يموتوا، فإنَّ قبرَ نوحٍ وهودٍ وصالحٍ وشعيبٍ بينَ زمزمَ والرُّكنِ والمَقامِ".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 476) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 476 · #50578
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿خَلِيفَةً﴾. والخليفةُ الفَعِيلةُ، من قولِك: خلَف فلانٌ فلانًا في هذا الأمرِ، إذا قام مَقامَه فيه بعدَه، كما قال تعالى ذكرُه. ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. يَعْني بذلك أنه أبدَلكم في الأرضِ منهم، فجعلَكم خُلفاءَ [بعدَهم، ومن ذلك قيل للسلطانِ الأعظمِ: خليفةٌ. لأنه خلَف الذي كان قبلَه، فقام بالأمرِ مَقامَه، فكان منه خَلَفًا]، يقالُ منه: خَلَف الخليفةُ يخلُفُ خِلافةً وخِلِّيفَي. وكان ابنُ إسحاقَ يقولُ بما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - يقولُ: ساكنًا وعامرًا يَسكُنُها ويَعْمُرُها - ليسَ خَلْقًا منكم. وليس الذي قال ابنُ إسحاقَ في معنى "الخليفةِ" بتأويلِها، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 477) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 477 · #50579
نُ إسحاقَ في معنى "الخليفةِ" بتأويلِها، وإن كان اللهُ تعالى ذكرُه إنما أخبَر ملائكتَه أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً يَسكُنُها، ولكن معناها ما وصفتُ قبلُ. فإن قال لنا قائلٌ: فما الذي كان في الأرضِ قبلَ بني آدمَ لها عامرًا، فكان بنو آدمَ منه بدلًا، وفيها منه خَلَفًا؟ قيلَ: قد اختَلف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فحَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: حَدَّثَنَا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حَدَّثَنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 477) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 477 · #50580
َنَا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: أولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ، فقتَلهم إبليسُ ومن معه، حتى ألحقُوهم بجزائرِ البحورِ وأطرافِ الجبالِ، ثم خلَق اللهُ آدمَ فأسكَنه إياها، فلذلك قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. [فعلى هذا] القولِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ من الجنِّ يَخلُفونهم فيها فيسكُنونها ويَعْمُرُونها. حَدَّثَنِي المُثَنَّى، قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 478) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 478 · #50581
: حَدَّثَنَا إسحاقُ، قال: حَدَّثَنَا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إن اللهَ خلَقَ الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمُعةِ، قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانت الدماءُ وكان الفسادُ في الأرضِ. وقال آخرون في تأويلِ قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أي: خُلَفاءَ يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 478) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 478 · #50582
ِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. أي: خُلَفاءَ يخلُفُ بعضُهم بعضًا، وهم ولدُ آدمَ الذين يَخْلُفون أباهم آدمَ، ويَخْلُفُ كلُّ قرنٍ منهم القرنَ الذي سلَف قبلَه. وهذا قولٌ حُكِي عن الحسنِ البصريِّ. ونظيرٌ له ما حَدَّثَنَا به محمدُ بنُ بشارٍ، قال: حَدَّثَنَا أبو أحمدَ الزّبيريُّ، قال: حَدَّثَنَا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن ابنِ سابطٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ قال: يَعنُون به بني آدمَ. حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 479) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 479 · #50583
ي آدمَ. حَدَّثَنِي يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهب، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال اللهُ للملائكةِ: إني أُرِيدُ أن أخلُقَ في الأرضِ خَلْقًا، وأجعلَ فيها خليفةً. وليس للهِ يومئذٍ خَلْقٌ إلَّا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ. وهذا القولُ يَحْتَمِلُ ما حُكِي عن الحسنِ، ويَحْتَمِلُ أن يكونَ أراد ابنُ زيدٍ أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخبَر الملائكةَ أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً له، يَحْكُمُ فيها بينَ خلْقِه بحُكْمِه، نظيرَ مَا حَدَّثَنِي به موسى بنُ هارونَ، قال: حَدَّثَنَا عمرُو ابنُ حمادٍ، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ [عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ] وعن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 479) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 479 · #50584
ن ناسٍ مِن أصحابِ النَّبِيِّ ﷺ، أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا وما يَكُونُ ذلك الخليفةُ؟ قال يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدونَ ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فكان تأويلُ الآيةِ على هذه الروايةِ التي ذكَرناها عن ابنِ مسعودٍ وابنِ عباسٍ: إني جاعلٌ في الأرضِ خليفةً منِّي يَخْلُفُني في الحكمِ بمنَ خَلْقِي، وذلك الخليفةُ هو آدمُ وَمَن قامَ مَقامَه في طاعةِ اللهِ، والحكمِ بالعدلِ بينَ خَلْقِه. وأما الإفسادُ وسفكُ الدماءِ بغيرِ حَقِّها فمن غيرِ خلفائِه، ومن غيرِ آدمَ ومَن قام مَقامَه في عبادِ اللهِ؛ لأنهما أخبرَا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 480) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 480 · #50585
َا أن اللهَ تعالى ذِكْرُه قال لملائكتِه إذْ سألوه: ما ذاك الخليفةُ؟: إنه خليفةٌ تكونُ له ذريةٌ يُفْسِدون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. فأضاف الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ بغيرِ حقِّها إلى ذريةِ خَليفتِه دونَه، وأخرَج منه خليفتَه. وهذا التأويلُ وإن كان مخالفًا في معنى الخليفةِ ما حُكِي عن الحسنِ من وجهٍ، فموافقٌ له من وجهٍ، فأما موافقتُه إياه فصرْفُ متأوِّلِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ. وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 480) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 480 · #50586
ِيه إضافةَ الإفسادِ في الأرضِ وسَفْكِ الدماءِ فيها إلى غيرِ الخليفةِ. وأما مخالفتُه إياه، فإضافتُهم الخلافةَ إلى آدمَ بمعنى استخلافِ اللهِ إياه فيها. وإضافةُ الحسنِ الخلافةَ إلى ولدِه، بمعنى خلافةِ بعضِهم بعضًا، وقيامِ قرْنٍ منهم مَقامَ قَرْنٍ قبلَهم، وإضافةِ الإفسادِ في الأرض وسَفْكِ الدماءِ إلى الخليفةِ. والذي دعَا المتأوِّلين قولَه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ التأويلَ الذي ذُكِر عن الحسنِ - إلى ما قالوا في ذلك؛ أنّهم قالوا: إن الملائكةَ إنما قالت لربِّها - إذ قال لهم ربُّهم: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ -: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 481) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 481 · #50587
إخبارًا منها بذلك عن الخليفةِ الذي أخبَر اللهُ جلَّ ذِكْرُه أنه جاعِلُه في الأرضِ لا عن غيرِه؛ لأنَّ [المحاورةَ بين] الملائكةِ وبين ربِّها عنه جرتْ. قالوا: فإذ كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذِكْرُه قد برَّأ آدمَ من الإفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، وطهَّره من ذلك، عُلِمَ أن الذي عُنِي به غيرُه من ذرِّيتِه. فثبَت أن الخليفةَ الذي يفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ هو غيرُ آدمَ، وأنهم ولدُه الذين فعلُوا ذلك، وأن معنى الخلافةِ التي ذكَرها اللهُ إنما هي خلافةُ قرْنٍ منهم قرنًا، عندَهم؛ لما وصَفْنا. وأغفَل قائلُو هذه المقالةِ ومتأوِّلو الآيةِ هذا التأويلَ سبيلَ التأويلِ، وذلك أن الملائكةَ - إذ قال لها ربُّها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ - لَمْ تُضِفِ الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 481) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 481 · #50588
ِ خَلِيفَةً﴾ - لَمْ تُضِفِ الإفسادَ وسفْكَ الدماءِ في جوابِها ربَّها إلى خليفتِه في أرضِه، بل قالت: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. [وغيرُ مُنكرٍ أن يكونَ ربُّها أعلَمَها أنه يكونُ لخليفتِه ذلكَ ذريةٌ يكونُ منهم الإفسادُ وسفكُ الدماءِ [فقالت: يا ربَّنا، أتجعلُ فيها من يفسِدُ فيها ويسفِكُ الدماءَ]]. كما قال ابنُ مسعودٍ وابنُ عباسٍ ومَن حكَيْنا ذلك عنه من أهلِ التأويلِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 482) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 482 · #50589
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه خبرًا عن ملائكتِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. إن قال لنا قائلٌ: وكيف قالتِ الملائكةُ لربِّها، إذ أخبَرها أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ يكنْ آدمُ بعدُ مخلوقًا ولا ذريتُه، فيعلَموا ما يفعَلون عِياناً؟ أعلِمتِ الغيبَ فقالت ذلك، أم قالت ما قالت مِن ذلك ظنًّا؟ فذلك شهادةٌ منها بالظنِّ، وقولٌ بما لا تعلمُ، وذلك ليس مِن صفتِها، أمْ ما وجهُ قِيلِها ذلك لربِّها؟ قيل: قد قالتِ العلماءُ من أهلِ التأويلِ في ذلك أقوالاً، ونحن ذاكِرو أقوالِهم في ذلك، ثم مُخْبِرون بأصحِّها برهانًا وأوضحِها حُجةً. فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدثنا به أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 482) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 482 · #50590
أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان إبليسُ مِن حيٍّ مِن أحياءِ الملائكةِ يقالُ لهم: الجنُّ. خُلِقوا من نارِ السَّمومِ مِن بيِن الملائكةِ. قال: وكان اسمُه الحارثَ. قال: وكان خازنًا مِن خُزَّانِ الجَنَّةِ. قال: وخُلِقتِ الملائكةُ كلُّهم مِن نورٍ غيرَ هذا الحيِّ. قال: وخُلِقتِ الجنُّ الذين ذكِروا في القرآنِ من مارجٍ من نارٍ - وهو لسانُ النارِ الذي يكونُ في طرَفِها إذا أُلهِبَت - قال: وخلِق الإنسانُ [من طينٍ]، فأولُ من سكَن الأرضَ الجنُّ، فأفسَدوا فيها وسفَكوا الدماءَ، وقتَل بعضُهم بعضًا. قال: فبعَث اللهُ جلَّ وعزَّ إليهم إبليسَ في جندٍ مِن الملائكةِ - وهم هذا الحيُّ [الذين يُقالُ لهم: الجنُّ] - فقتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 483) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 483 · #50591
قتَلهم إبليسُ ومن معه حتى ألحَقَهم بجزَائرِ البُحورِ وأطرافِ الجبالِ، فلما فعَل إبليسُ ذلك اغترَّ في نفسِه، وقال: قد صنَعْتُ شيئًا لم يَصْنَعْه أحدٌ. قال: فاطَّلع اللهُ على ذلك مِن قلبِه، ولم تطَّلِعْ عليه الملائكةُ الذين كانوا معه، فقال اللهُ جلَّ ثناؤُه للملائكةِ [الذين معه]: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فقالتِ الملائكةُ مجيبِين له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾، كما أفسَدتِ الجنُّ وسفَكتِ الدماءَ، وإنما بعَثْتَنا عليهم لذلك، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: إني قد اطَّلعتُ من قلبِ إبليسَ على ما لم تطَّلعوا عليه من كِبْرِه واغْتِرارِه. قال: ثم أمَر بتربةِ آدمَ فرُفِعَت، فخلَق اللهُ آدمَ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق منه آدمَ ﵇ بيدِه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 483) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 483 · #50592
َ مِن طينٍ لازِبٍ - واللازِبُ اللَّزِجُ الطيِّبُ - مِن حمأٍ مَسْنونٍ مُنْتِنٍ. قال: وإنما كان حمأً مسنونًا بعدَ الترابِ. قال: فخلَق منه آدمَ ﵇ بيدِه. قال: فمكَث أربعينَ ليلةً جسدًا ملقًى، فكان إبليسُ يَأْتِيه فيَضْرِبُه برِجْلِه فيُصَلْصِلُ - أي: فيُصَوِّتُ - قال: فهو قولُ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. يقولُ: كالشيْءِ المنفوخِ الذي ليس بمُصمَتٍ. قال: ثم يَدْخلُ في فِيه ويَخرجُ من دُبُرِه، ويَدْخلُ من دُبُرِه، ويَخرُجُ من فِيه، ثم يقولُ: لستَ شيئًا للصلصلةِ، ولشيْءٍ ما خُلقتَ، لئن سُلِّطتُ عليك لأُهْلِكَنَّك، ولئن سُلِّطْتَ عليَّ لَأَعْصِيَنَّك. قال: فلما نفَخ اللهُ فيه من رُوحِه، أتَتِ النَّفخةُ مِن قِبلِ رأسِه فجعَل لا يَجرِي شيْءٌ منها في جسدِه إلا صار لحمًا ودمًا، فلما انتهتِ النفخةُ إلى سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأى مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 484) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 484 · #50593
سُرَّتِه نظَر إلى جسدِه، فأعْجَبه ما رأى مِن حُسنِه، فذهَب ليَنهضَ فلم يَقدِرْ، فهو قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَكَانَ الْإِنْسَانُ عَجُولًا (١١)﴾ [الإسراء: ١١]. قال: ضجِرًا لا صبْرَ له على سَرَّاءَ ولاضَرّاءَ. قال: فلما تمَّتِ النفخةُ في جسدِه عطَس فقال: الحمدُ للهِ ربِّ العالمين. بإلهامِ اللهِ له، فقال اللهُ له: يَرْحَمُك اللهُ يا آدمُ. قال: ثم قال اللهُ للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدوا لآدمَ. فسجَدوا كلُّهم أجمعون إلا إبليسَ أبَى واستكبر، لما كان حدَّث به نفسَه مِن كِبْرِه واغتِرارِه، فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]،. يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 484) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 484 · #50594
له، وأنا خيرٌ منه، وأكبر سنًّا وأقوى خلقًا، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾ [الأعراف: ١٢]،. يقولُ: إن النارَ أقْوَى مِن الطيِن. قال: فلما أبَى إبليسُ أن يسجدَ أبْلَسَه اللهُ، أي: آيَسَه مِن الخيرِ كلِّه، وجعَله شيطانًا رَجيمًا عقوبةً لمعصيتِه. ثم علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، وهي هذه الأسماءُ التي يَتعارَفُ بها الناسُ؛ إنسانٌ ودابةٌ وأرضٌ وسهلٌ وبحرٌ وجبلٌ وحمارٌ، وأشباهُ ذلك مِن الأممِ وغيرِها، ثم عرَض هذه الأسماءَ على أولئك الملائكةِ - يعني الملائكةَ الذين كانوا مع إبليسَ الذين خُلِقوا مِن نارِ السمومِ - وقال لهم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: [إن كنتم] تَعلمون لمَ أجعَلُ في الأرضِ خليفةً.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 485 · #50595
هم: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ﴾. يقولُ: أخْبِرُوني بأسماءِ هؤلاء، ﴿إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾: [إن كنتم] تَعلمون لمَ أجعَلُ في الأرضِ خليفةً. قال: فلمّا علِمتِ الملائكةُ مُؤاخذةَ اللهِ عليهم فيما تكلَّموا به من علمِ الغيبِ الذي لا يعلمُه غيرُه، الذي ليس لهم به علمٌ، قالوا: ﴿سُبْحَانَكَ﴾ - تَنزيهًا للهِ مِن أن يكونَ أحدٌ يعلمُ الغيبَ غيرَه - تبنا إليك، ﴿لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ - تَبَرِّيًا منهم من علمِ الغيبِ - ﴿إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا﴾ كما علَّمْتَ آدمَ. فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. يقولُ: أخبِرْهم بأسمائِهم، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. [يقولُ: أخبَرَهم] بأسمائهم، ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ﴾ أيها الملائكةُ خاصةً: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 485) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 485 · #50596
﴿إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، ولا يَعْلَمُه غيري، ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. يقول: ما تُظْهِرون، ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. يقول: أعلمُ السرَّ كما أعلمُ العَلانيةَ، يعني ما كتَم إبليسُ في نفسِه مِن الكبْرِ والاغْتِرارِ. وهذه الروايةُ عن ابنِ عباسٍ تُنبئُ عن أن قولَ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. خطابٌ مِن اللهِ ﷿ لخاصٍّ مِن الملائكةِ دونَ الجميعِ، وأن الذين قيل لهم ذلك من الملائكةِ كانوا قبيلةَ إبليسَ خاصةً، الذين قاتَلوا معه جنَّ الأرضِ قبلَ خلقِ آدمَ، وأن اللهَ إنما خصَّهم بقيلِ ذلك امتحانًا منه لهم وابتلاءً؛ ليعرِّفَهم قصورَ علْمِهم وفضْلَ كثيرٍ ممَّن هو أضعفُ خَلْقًا منهم من خَلْقِه عليهم، وأن كرامتَه لا تُنالُ بقُوَى الأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 486 · #50597
لأبدانِ وشدةِ الأجسامِ، كما ظنَّه إبليسُ عدوُّ اللهِ، ومُصَرِّحٌ بأن قِيلَهم لربِّهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. كانت هَفْوةً منهم ورَجْمًا بالغيبِ، وأن اللهَ أطْلَعَهم على مكروهِ ما نطَقوا به مِن ذلك، ووقَّفهم عليه حتى تابوا وأنابوا إليه مما قالوا ونطَقوا مِن رَجْمِ الغيْبِ بالظُّنونِ، وتبرَّءُوا إليه من أن يَعْلَمَ الغيبَ غيرُه، وأظْهَر لهم مِن إبليسَ ما كان مُنطوِيًا عليه من الكِبْرِ الذي قد كان عنهم مسْتَخْفِيًا. وقد رُوِي عن ابنِ عباسٍ خلافُ هذه الروايةِ، وهو ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 486) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 486 · #50598
النبيِّ ﷺ: لما فرَغ اللهُ مِن خلقِ ما أحبَّ، استوى على العرشِ، فجعَل إبليسَ على مُلْكِ سماءِ الدنيا، وكان من قبيلةٍ من الملائكةِ يُقالُ لهم: الجنُّ. وإنما سُمُّوا الجنَّ لأنهم خُزَّانُ الجَنَّةِ، وكان إبليسُ مع مُلكِه خازنًا، فوقَع في صدرِه كِبْرٌ، وقال: ما أعطاني اللهُ هذا إلا لمزيدٍ لي - هكذا قال موسى ابنُ هارونَ، وقد حدَّثني به غيرُه فقال: لمَزِيَّةٍ لي - على الملائكةِ. فلما وقَع ذلك الكِبْرُ في نفسِه، اطَّلَع اللهُ على ذلك منه، فقال اللهُ للملائكةِ: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قالوا: ربَّنا، وما يكونُ ذلك الخليفةُ؟ قال: يكونُ له ذريةٌ يُفْسِدُون في الأرضِ ويتحاسَدون ويَقْتُلُ بعضُهم بعضًا. قالُوا: ربَّنا ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني من شأنِ إبليسَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 487 · #50599
يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني من شأنِ إبليسَ. فبعَث جبريلَ ﵇ إلى الأرضِ ليَأْتِيَه بطِينٍ منها، فقالتِ الأرضُ: إني أعوذُ باللهِ منك أن تَنقُصَ مني أو تَشِينَني. فرجَع ولم يأخُذْ، وقال: ربِّ إنها عاذَت بك فأعذْتُها. فبعَث اللهُ مِيكائيلَ، فعاذَت منه فأعاذها، فرجَع فقال كما قال جبريلُ، فَبعَث مَلَكَ الموتِ، فعاذت منه، فقال: وأنا أَعوذُ باللهِ أن أرجِعَ ولم أُنْفِذْ أمْرَه. فأخَذ مِن وجهِ الأرضِ وخلَط، فلم يَأْخُذْ من مكانٍ واحدٍ، وأخَذ مِن تُرْبةٍ حمراءَ وبيضاءَ وسوداءَ، فلذلك خرَج بنو آدمَ مُخْتَلِفين، فصَعِد به فبلَّ الترابَ حتى عاد طينًا لازبًا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. قال: مُنْتِنٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 487 · #50600
ا - واللازبُ هو الذي يَلْتَزِقُ بعضُه ببعضٍ - ثم تُرِك حتى أنْتَن وتغَيَّر، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ (٢٦)﴾ [الحجر: ٢٦]. قال: مُنْتِنٍ. ثم قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ طِينٍ (٧١) فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ (٧٢)﴾ [ص: ٧١، ٧٢]. فخلَقه اللهُ بيدَيْه، لكَيْلا يَتكبَّرَ إبليسُ عنه ليقولَ له: تتكبَّرُ عما عمِلْتُ بيديَّ، ولم أتكبَّرْ أنا عنه؟ فخلَقه بشرًا، فكان جسدًا من طينٍ أربعين سنةً مِن مقدارِ يومِ الجمعةِ، فمرَّت به الملائكةُ، ففزِعوا منه لمَّا رأَوْه، وكان أشدَّهم منه فزَعًا إبليسُ، فكان يمرُّ به فيضرِبُه، فيُصَوِّتُ الجسدُ كما يُصَوِّتُ الفَخَّارُ، وتَكُونُ له صَلْصَلةٌ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿مِنْ صَلْصَالٍ كَالْفَخَّارِ (١٤)﴾ [الرحمن: ١٤]. ويقولُ: لأمرٍ ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن فِيه فخرَج مِن دُبُرِه. فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 487) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 487 · #50601
ما خُلِقْتَ. ودخَل مِن فِيه فخرَج مِن دُبُرِه. فقال للملائكةِ: لا تَرْهَبوا مِن هذا، فإن ربَّكم صَمَدٌ وهذا أجوفُ، لئن سُلِّطْتُ عليه لَأُهْلِكَنَّه. فلمَّا بلَغ الحينَ الذي يُريدُ اللهُ جلَّ ثناؤُه أن يَنفُخَ فيه الرُّوحَ، قال للملائكةِ: إذا نفَخْتُ فيه مِن رُوحي فاسْجُدوا له. فلمّا نفَخ فيه الرُّوحَ فدخَل الرُّوحُ في رأسِه، عطَس، فقالت له الملائكهُ: قل: الحمدُ للهِ. فقال: الحمدُ للهِ. فقال له اللهُ: رحِمك ربُّك. فلما دخَل الروحُ في عينَيْهِ نظَر إلى ثِمارِ الجَنَّةِ، فلمّا دخَل في جوفِه اشْتهَى الطعامَ، فوثَب قبلَ أن تَبْلُغَ الروحُ رجليْه عَجْلانَ إلى ثمارِ الجَنَّةِ، فذلك حينَ يقولُ: ﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧]. ﴿فَسَجَدَ الْمَلَائِكَةُ كُلُّهُمْ أَجْمَعُونَ (٣٠) إِلَّا إِبْلِيسَ أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أي: استكبر وكان من الكافرين. قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 488) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 488 · #50602
أَبَى أَنْ يَكُونَ مَعَ السَّاجِدِينَ﴾ [الحجر ٣٠، ٣١] أي: استكبر وكان من الكافرين. قال اللهُ له: ما منَعك أنْ تَسجدَ إذ أمَرتُك لِما خلقْتُ بيدَيَّ. قال: أنا خيْرٌ منه لم أَكُنْ لأَسْجُدَ لبشرٍ خلقتَه من طينٍ. قال اللهُ له: اخْرُجْ منها فما يَكُونُ لك - يعني: ما يَنْبغي لك - أنْ تَتَكَبَّرَ فيها، فاخْرُجْ إنك مِن الصاغِرين. والصَّغارُ هو الذُّلُّ. قال: وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، ثم عرَض الخلْقَ على الملائكةِ فقال: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (٣١)﴾ [البقرة: ٣١] أنَّ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. فقالوا له: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال اللهُ: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 488) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 488 · #50603
ُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: قولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فهذا الذي أبْدَوْا، وأَعْلمُ ما كنتم تكْتُمون، يعني ما أسَرَّ إبليسُ في نفسِه من الكِبْرِ. فهذا الخبرُ أولُه مُخالِفٌ معْناه معنى الروايةِ التي رُوِيتْ عن ابنِ عباسٍ مِن روايةِ الضحاكِ التي قدمْنا ذِكْرَها قبلُ، وموافقٌ معنى آخرِه معناها، وذلك أنه ذُكِر في أوَّلِه أن الملائكةَ سأَلت ربَّها: ما ذاك الخليفةُ؟ حين قال لها: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فأجابها أنه تكونُ له ذُرِّيةٌ يُفسِدُون في الأرضِ وَيَتَحَاسَدُون ويَقتلُ بعضُهم بعضًا، فقالت الملائكةُ حينئذٍ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 489 · #50604
هَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فكان قولُ الملائكةِ ما قالت لربِّها من ذلك بعدَ إعلامِ اللهِ إياها أن ذلك كائنٌ من ذريةِ الخليفةِ الذي يجعَلُه في الأرضِ. فذلك معنى خلافِ أولِه معنى خبرِ الضحاكِ الذي ذكرْناه. وأما موافقتُه إياه في آخرِه، فهو قولُهم في تأويلِ قولِه: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أن بني آدمَ يفسِدون في الأرضِ ويَسْفِكون الدماءَ، وأن الملائكةَ قالت - إذ قال لها ربُّها ذلك - تَبَرِّيًا مِن علمِ الغيبِ: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. وهذا إذا تدَبَّره ذو الفهمِ، علِم أنَّ أولَه يُفْسِدُ آخرَه، وأن آخِرَه يُبطِلُ معنى أولِه، وذلك أن اللهَ تعالى ذكره إن كان أخبَر الملائكةَ أن ذريةَ الخليفةِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 489 · #50605
ِ الذي يَجْعَلُه في الأرضِ تُفْسِدُ فيها وتَسْفِكُ الدماءَ، فقالتِ الملائكةُ لربِّها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فلا وجهَ لتوبيخِها على أن أخْبَرَت عمَّن أخبَرَها اللهُ عنه أنه يُفسِدُ في الأرضِ ويَسفِكُ الدماءَ، بمثلِ الذي أخْبَرَها عنهم ربُّها، فيَجُوزَ أن يُقالَ لها فيما طوَى عنها مِن العلومِ: إن كنتم صادقين فيما علِمْتُم بخبرِ اللهِ إياكم أنه كائنٌ مِن الأمورِ فأخْبَرْتُم به، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 489) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 489 · #50606
ه، فأخْبِرونا بالذي قد طوَى اللهُ عنكم علمَه، كما قد أخْبَرْتُمونا بالذي قد أطْلَعَكم اللهُ [على علمِه] - بل ذلك خُلْفٌ مِن التأويلِ، ودعوَى على اللهِ ما لا يَجوزُ أن يكونَ [له صفةً، وأخْشَى أن يَكُونَ بعضُ نَقَلةِ هذا الخبرِ هو الذي غَلِط على مَن رواه عنه مِن الصحابة]، وأن يكونَ التأويلُ منهم كان في ذلك: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ فيما ظنَنْتم أنكم أدْرَكْتموه مِن العلمِ بخبَري إياكم أن بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، حتى اسْتَجَزْتم أن تَقُولوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 490) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 490 · #50607
لدِّمَاءَ﴾. فيكونُ التَّوْبيخُ حينئذٍ واقعًا على ما ظنُّوا أنهم قد أدْرَكوا بقولِ اللهِ لهم: إنه يكونُ له ذريةٌ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ. لا على إخبارِهم بما أخبرهم اللهُ به أنه كائنٌ، وذلك أن اللهَ جلَّ ثناؤه وإن كان أخبَرهم عما يكونُ مِن بعضِ ذريةِ خليفتِه في الأرضِ، ما يكونُ منه فيها مِن الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ، فقد كان طوَى عنهم الخبرَ عما يكونُ من كثيرٍ منهم بما يكونُ مِن طاعتِهم ربَّهم، وإصلاحِهم في أرضِه وحَقْنِ الدماءِ، ورفعِه [منزلتَهم، وكرامتِهم] عليه، فلم يُخْبِرْهم بذلك، فقالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ على ظنٍّ منها - على تأويلِ هذيْن الخبرَيْن اللذيْن ذكَرْتُ وظاهرِهما - أن جميعَ ذريةِ الخليفةِ الذي يُجعَلُ في الأرضِ يُفسِدون فيها، ويَسفِكون فيها الدماءَ، فقال اللهُ لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 490) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 490 · #50608
لهم، إذ علَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها: ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنكم تَعْلَمون أن جميعَ بني آدمَ يُفسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ، على ما ظننْتُم في أنفسِكم. إنكارًا منه لِقيلِهم ما قالوا مِن ذلك على الجميعِ والعمومِ، وهو مِن صفةِ خاصِّ ذريةِ الخليفةِ منهم. وهذا الذي ذكَرْنا هو صفةٌ منا لتأويلِ الخبرِ لا القولُ الذي نَخْتارُه في تأويلِ الآيةِ. ومما يَدُلُّ على ما ذكَرْنا مِن توجيهِ مَخرجِ خبرِ الملائكةِ عن إفسادِ ذريةِ الخليفةِ وسَفْكِها الدماءَ على العمومِ ما حدَّثنا به أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْريُّ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قولَه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال: يعْنون الناسَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 491 · #50609
ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بنِ السائبِ، عن عبدِ الرحمنِ بنِ سابطٍ قولَه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. قال: يعْنون الناسَ. وقال آخرون في ذلك بما حدَّثنا به بشرُ بنُ معاذٍ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. فاستشارَ الملائكةَ في خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقد علِمتِ الملائكةُ مِن علمِ اللهِ أنه لا شيْءَ أكْرَهُ إلى اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ والفسادِ في الأرضِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فكان في علمِ اللهِ أنه سيكونُ مِن تلك الخليفةِ أنبياءُ ورسلٌ، وقومٌ صالحون، وساكِنو الجَنَّةِ. قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللهَ لما أخَذ في خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا، ولا أعلمَ منَّا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 491) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 491 · #50610
َةِ. قال: وذُكِر لنا أن ابنَ عباسٍ كان يقولُ: إن اللهَ لما أخَذ في خلقِ آدمَ قالتِ الملائكةُ: ما اللهُ خالقٌ خلقًا أكرمَ عليه منَّا، ولا أعلمَ منَّا. فابْتُلوا بخلقِ آدمَ - وكلُّ خلقٍ مُبْتلًى -كما ابْتُلِيَتِ السماواتُ والأرضُ بالطاعةِ، فقال اللهُ: ﴿ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وهذا الخبرُ عن قتادةَ يَدُلُّ على أن قتادةَ كان يرَى أن الملائكةَ قالت ما قالت مِن قولِها: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. على غير يقينِ علمٍ تقَدَّم منها بأن ذلك كائنٌ، ولكن على الرأيِ منها والظنِّ، وأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 492) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 492 · #50611
ك كائنٌ، ولكن على الرأيِ منها والظنِّ، وأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أنكَر ذلك مِن قيلِها، وردَّ عليها ما رأَت بقولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. مِن أنه يكونُ مِن ذريةِ ذلك الخليفةِ الأنبياءُ والرسلُ والمُجْتَهِدُ في طاعةِ اللهِ. وقد رُوِي عن قتادةَ خلافُ هذا التأويلِ، وهو ما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. قال: كان اللهُ أعلمَهم إذا كان في الأرضِ خلقٌ أَفْسَدوا فيها، وسفَكوا الدماءَ، فذلك قولُه: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. وبمثلِ قول قتادةَ قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويل، منهم الحسنُ البصريُّ. حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن جريرِ بنِ حازمٍ ومبارَكٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللهُ لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعلٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 492) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 492 · #50612
بنِ حازمٍ ومبارَكٍ، عن الحسنِ، وأبي بكرٍ، عن الحسنِ وقتادةَ، قالا: قال اللهُ لملائكتِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. قال لهم: إني فاعلٌ. فعرَضُوا برأيِهم، فعلَّمهم علمًا، وطوَى عنهم علمًا علِمه لا يَعْلَمونه، فقالوا بالعلم الذي علَّمهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقد كانت الملائكةُ علِمتْ مِن علمِ اللهِ أنه لا ذنبَ أعَظمَ عندَ اللهِ مِن سَفْكِ الدماءِ، ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. فلما أخَذ في خلقِ آدمَ همَستِ الملائكةُ فيما بينَها، فقالوا: ليخْلُقْ ربُّنا ما شاء أن يَخْلُقَ، فلم يَخْلُقَ خَلقًا إلا كنّا أعلمَ منه، وأكرمَ عليه منه. فلمّا خلَقه ونفَخ فيه مِن روحِه، أمَرهم أن يَسجدوا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلِموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقتِ الأممُ قبلَه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 493) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 493 · #50613
وا له لِمَا قالوا، ففضَّله عليهم، فعلِموا أنهم ليسوا بخيرٍ منه، فقالوا: إن لم نَكنْ خيرًا منه، فنحن أعلمُ منه؛ لأنا كنا قبلَه، وخُلِقتِ الأممُ قبلَه. فلما أُعْجِبوا بعلمِهم ابْتُلُوا، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾ أنى لا أَخْلُقُ خلقًا إلا كنتم أعلمَ منه، فأَخْبروني بأسماءِ هؤلاء إنْ كنتم صادقينَ. قال: ففزِع القومُ إلى التوبةِ - وإليها يَفْزَعُ كلُّ مؤمنٍ - فقالوا: ﴿سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (٣٢) قَالَ يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولِهم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شَاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 493) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 493 · #50614
الْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. لقولِهم: لِيَخْلُقْ ربُّنا ما شَاء، فلن يَخْلُقَ خلقًا أكرمَ عليه منا، ولا أعلمَ منا. قال: علَّمه اسمَ كلِّ شيْءٍ؛ هذه الخَيْلُ، وهذه البِغالُ، والإبلُ، والجنُّ، والوحشُ، وجعَل يُسمى كلَّ شيْءٍ باسمِه، وعُرِضَت عليه أمَّةً أمَّةً: ﴿قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. قال: أما ما أبْدَوْا فقولُهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وأمَّا ما كتَموا فقولُ بعضِهم لبعضٍ: نحن خيرٌ منه وأعلمُ. حدَّثني المُثَنَّى بنُ إبراهيمَ الآمُليُّ، قال: حدَّثنا إسحاقُ بن الحجاجِ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ في قولِه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إنَّ اللهَ خلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمعةِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 494) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 494 · #50615
ه: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية. قال: إنَّ اللهَ خلَق الملائكةَ يومَ الأربعاءِ، وخلَق الجنَّ يومَ الخميسِ، وخلَق آدمَ يومَ الجمعةِ. قال: فكفَر قومٌ مِن الجنِّ، فكانتِ الملائكةُ تهْبِطُ إليهم في الأرضِ فتُقاتِلُهم، فكانتِ الدماءُ، وكان الفسادُ في الأرضِ، فمِن ثمَّ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية. [حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: حدَّثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بنِ أنسٍ بمثلِه]. حدِّثتُ عن عمارِ بن الحسنِ، قال ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن غيرِ الربيع ابنِ أنسٍ: ﴿ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: وذلك حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 494) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 494 · #50616
يمُ الْحَكِيمُ﴾. قال: وذلك حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: فلما عرَفوا أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةَ، قالوا بينَهم: لن يَخلُقَ اللهُ خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فأراد اللهُ جلَّ ذكرُه أن يُخبرَهم أنه قد فضَّل عليهم آدمَ، وعلَّم آدمَ الأسماءَ كلَّها، فقال للملائكةِ. ﴿أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. فكان الذي أبْدَوْا حينَ قالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وكان الذي كتَموا بينَهم قولَهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 495) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 495 · #50617
أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وكان الذي كتَموا بينَهم قولَهم: لن يَخْلُقَ ربُّنا خلقًا إلا كنا نحن أعلمَ منه وأكرمَ. فعرَفوا أن اللهَ فضَّل عليهم آدمَ في العلمِ والكرمِ. وقال ابنُ زيدٍ: لما حدَّثني به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: لمّا خلَق اللهُ النارَ ذُعِرَت منها الملائكةُ ذُعْرًا شديدًا، وقالوا: ربَّنا لمَ خلَقْتَ هذه النارَ، ولأيِّ شيْءٍ خلَقْتَها؟ قال: لِمَن عصاني مِن خَلْقي. قال: ولمْ يَكُنْ للهِ خَلْقٌ يومَئذٍ إلا الملائكةُ، والأرضُ ليس فيها خلقٌ، إنما خُلِق آدمُ بعدَ ذلك. وقرَأ قولَ اللهِ ﷿: ﴿هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنْسَانِ حِينٌ مِنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئًا مَذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ، ليتَ ذلك الحينَ. ثم قال: وقالتِ الملائكةُ: يا ربِّ، أو يأتي علينا دهرٌ نعصِيك فيه!
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 495) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 495 · #50618
ذْكُورًا﴾ [الإنسان: ١]. قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: يا رسولَ اللهِ، ليتَ ذلك الحينَ. ثم قال: وقالتِ الملائكةُ: يا ربِّ، أو يأتي علينا دهرٌ نعصِيك فيه! - لا يَرَون له خلقًا غيرَهم - قال: لا، إني أُرِيدُ أن أَخلُقَ في الأرضِ خلْقًا، وأَجعَلَ فيها خَليفةً، يَسفِكون الدماءَ ويُفْسِدون في الأرضِ. فقالت الملائكةُ: أتَجعلُ في الأرض مَن يفسدُ فيها ويسفكُ الدماءَ وقد اختَرتَنا؟ فاجْعَلْنا نحن فيها، فنحن نُسبِّحُ بحمدِك ونُقدِّسُ لك، ونعمَلُ فيها بطاعتِك. وأعظَمت الملائكةُ أن يَجْعَلَ اللهُ في الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. فقال: فلانٌ، وفلانٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 495) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 495 · #50619
أن يَجْعَلَ اللهُ في الأرضِ مَن يَعْصِيه، فقال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾. فقال: فلانٌ، وفلانٌ. قال: فلما رأَوْا ما أعْطاه اللهُ مِن العلمِ عليهم، أقرُّوا لآدمَ بالفضلِ عليهم، وأبي الخبيثُ إبليسُ أن يُقِرَّ له، قال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا﴾ [الأعراف: ١٢، ١٣]. وقال ابنُ إسحاقَ بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: لما أراد اللهُ أن يَخلُقَ آدمَ بقدرتِه ليَبْتَليَه ويَبْتَليَ به، لعلمِه بما في ملائكتِه وجميعِ خلقِه - وكان أولَ بلاءٍ ابتُلِيَت به الملائكةُ مما لها فيه ما تحِبُّ وما تَكْرَهُ، للبلاءِ والتَّمْحيصِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللهِ منهم - جمَع الملائكةَ مِن سكاتِ السماواتِ والأرضِ، ثم قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 496) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 496 · #50620
ِ لما فيهم مما لم يَعْلَموا، وأحاط به علمُ اللهِ منهم - جمَع الملائكةَ مِن سكاتِ السماواتِ والأرضِ، ثم قال: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. يقول: ساكنًا وعامرًا ليَسْكنَها ويَعْمُرَها، خَلْقًا ليس منكم. ثم أخْبَرَهم بعلمِه فيهم، فقال: يُفْسِدون في الأرضِ ويَسفِكون الدماءَ ويَعمَلون بالمعاصي. فقالوا جميعًا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. لا نَعْصِي، ولا نَأْتي شيئًا كرِهْتَه، ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فيكم ومنكم - ولم يُبْدِها لهم - مِن المعصيةِ والفسادِ وسفكِ الدماءِ وإتيانِ ما أَكْرَهُ منهم، مما يكونُ في الأرضِ مما ذكَرْتُ في بني آدمَ. قال اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 496) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 496 · #50621
اللهُ لمحمدٍ ﷺ: ﴿مَا كَانَ لِيَ مِنْ عِلْمٍ بِالْمَلَإِ الْأَعْلَى إِذْ يَخْتَصِمُونَ (٦٩) إِنْ يُوحَى إِلَيَّ إِلَّا أَنَّمَا أَنَا نَذِيرٌ مُبِين﴾. إلى قولِه: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٦٩ - ٧٢]. فذكَر لنبيِّه ﷺ الذي كان مِن ذِكرِه آدمَ ﷺ حينَ أراد خلقَه، ومُراجعةِ الملائكةِ إياه فيما ذكَر لهم منه، فلما عزَم اللهُ تعالى ذكرُه على خلْقِ آدمَ قال للملائكةِ: ﴿إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ﴾ [الحجر: ٢٨]. بيدَيْه تَكْرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له، حفِظَتِ الملائكةُ عهدَه، ووَعَوْا قولَه، وأجْمَعوا لطاعتِه، إلا ما كان مِن عدوِّ اللهِ إبليسَ، فإنه صمَت على ما كان في نفسِه مِن الحسدِ والبغْيِ والتكَبُّرِ والمعصيةِ. وخلَق اللهُ آدمَ ﵇ مِن أَدَمةِ الأرضِ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَأٍ مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له على سائرِ خلْقِه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 497 · #50622
المعصيةِ. وخلَق اللهُ آدمَ ﵇ مِن أَدَمةِ الأرضِ؛ مِن طينٍ لازبٍ مِن حمَأٍ مسنونٍ بيديه، تكرِمةً له، وتَعْظيمًا لأمرِه، وتَشْريفًا له على سائرِ خلْقِه. قال ابنُ إسحاقَ: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: خلَق اللهُ آدمَ، ثم وضَعه يَنْظُرُ إليه أربعين عامًا قبلَ أن يَنْفُخَ فيه الرُّوحَ حتى عاد صَلصالًا كالفَخارِ، ولم تَمسسْه نارٌ. قال: فيُقالُ واللهُ أعلمُ: إنه لمَّا انْتَهى الروحُ إلى رأسِه عطَس، فقال: الحمدُ للهِ. فقال له رُّبه: يَرْحَمُك ربُّك. ووقَع الملائكةُ حينَ اسْتَوَى سجودًا له؛ حفظًا لعهدِ اللهِ الذي عهِد إليهم، وطاعةً لأمرِه الذي أمَرهم به، وقام عدوُّ اللهِ إبليسُ مِن بينِهم فلم يَسْجُدْ، مُكابِرًا مُتَعَظِّمًا، بَغْيًا وحسدًا، فقال له: ﴿يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. إلى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥ - ٨٥].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 497 · #50623
يسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾. إلى: ﴿لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: ٧٥ - ٨٥]. قال: فلمَّا فرَغ اللهُ مِن إبليسَ ومن مُعاتَبتِه، وأبَى إلا المعصيةَ، أوْقَع عليه اللعنةَ، وأخْرَجه مِن الجَنَّةِ، ثم أقْبَل على آدمَ وقد علَّمه الأسماءَ كلَّها، فقال: ﴿يَاآدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 497) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 497 · #50624
ُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾. ﴿قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ﴾ أي: إنما أجَبْناك فيما علَّمْتَنا، فأما ما لم تُعَلِّمْنا فأنت أعْلَمُ به، فكان ما سمَّى آدمُ مِن شيْءٍ، كان إسمَه الذي هو عليه إلى يومِ القيامةِ. وقال ابنُ جُرَيْجٍ بما حدَّثنا به القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: إنما تكَلَّموا بما أعْلَمَهم أنه كائنٌ مِن خلقِ آدمَ، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 498 · #50625
نْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. وقال بعضُهم: إنما قالتِ الملائكةُ ما قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. لأن الله تعالى ذكرُه أذِن لها في السؤالِ عن ذلك بعد ما أخْبَرَها أن ذلك كائنٌ مِن بني آدمَ، فسألَتْه الملائكةُ، فقالت على التعجبِ منها: وكيف يَعْصُونك يا ربِّ وأنتَ خالقُهم؟ فأجابهم ربُّهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يعني أن ذلك كائنٌ منهم وإن لم تَعْلَموه أنتم، ومِن بعضِ مَن تَرَوْنه لي طائعًا، يُعَرِّفُهم بذلك قُصورَ علمِهم عن علمِه. وقال بعضُ أهلِ العربيةِ: قولُ الملائكةِ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. على غيرِ وجهِ الإنكارِ منهم على ربِّهم، وإنما سأَلوه ليعْلَموا، وأخْبَروا عن أنفسِهم أنهم يُسَبِّحون. وقال: قالوا ذلك لأنهم كرِهوا أن يُعْصَى اللهُ؛ لأن الجنَّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ. وقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّرْنا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 498) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 498 · #50626
َّ قد كانت أُمِرَتْ قبلَ ذلك فعَصَتْ. وقال بعضُهم: ذلك مِن الملائكةِ على وجهِ الاسْتِرْشادِ عما لم يَعْلَموا مِن ذلك، فكأنهم قالوا: ياربِّ خَبِّرْنا. مسألةَ اسْتِخْبارٍ منهم للهِ، لا على وجهِ مسألةِ التوبيخِ. قال أبو جعفرٍ: وأولَى هذه التأويلاتِ بقولِ اللهِ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن ملائكتِه قيلَها له: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. تأويلُ مَن قال: إن ذلك منها اسْتِخْبارٌ لربِّها، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ مَن هذه صفتُه، وتاركٌ أن تجْعَلَ [خليفتَك فيها] منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 499 · #50627
رٌ لربِّها، بمعنى: أعْلِمْنا ياربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ مَن هذه صفتُه، وتاركٌ أن تجْعَلَ [خليفتَك فيها] منا، ونحن نُسَبِّحُ بحمدِك ونُقَدِّسُ لك. لا إنكارًا منها لِما أعْلَمَها ربُّها أنه فاعلٌ، وإن كانت قد استَعظَمَتْ لمَّا أُخبِرَت بذلك أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِيه. وأما دَعْوى مَن زعَم أن اللهَ كان أذِن لها بالسؤالِ عن ذلك، فسأَلَتْ على وجهِ التعجبِ، فدَعْوى لا دَلالةَ عليها في ظاهرِ التنزيلِ، ولا خبرَ بها عن الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التي تَقومُ بها الحُجَّةُ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 499 · #50628
ا خبرَ بها عن الحُجَّةِ يَقْطَعُ العُذْرَ، وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ في تأويلِ كتابِ اللهِ بما لا دَلالةَ عليه مِن بعضِ الوجوهِ التي تَقومُ بها الحُجَّةُ. وأما وصفُ الملائكةِ مَن وصَفَت - في استخبارِها ربَّها عنه - بالفسادِ في الأرضِ وسفْكِ الدماءِ، فغيرُ مُسْتحيلٍ فيه ما رُوِي عن ابن عباسٍ وابنِ مسعودٍ مِن القولِ الذي رواه السديُّ، ووافَقَهما عليه قَتادةُ مِن التأويلِ، وهو أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه أخبَرهم أنه جاعلٌ في الأرضِ خليفةً تكونُ له ذريةٌ يفعَلون كذا وكذا، فقالوا: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. على ما وصَفتُ من الاستخبارِ. فإن قال لنا قائلٌ: وما وجهُ اسْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبرَت أن ذلك كائنٌ؟ قيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينَئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ وقوعِ ذلك، وهل ذلك منهم؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 499) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 499 · #50629
سْتِخْبارِها، والأمرُ على ما وصَفْتَ مِن أنها قد أُخْبرَت أن ذلك كائنٌ؟ قيل: وجهُ اسْتِخْبارِها حينَئذٍ يكونُ عن حالِهم عندَ وقوعِ ذلك، وهل ذلك منهم؟ ومسألتُهم ربَّهم أن يَجْعَلَهم الخلفاءَ في الأرضِ حتى لا يَعْصُموه. وغيرُ فاسدٍ أيضًا ما رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، وتابَعه عليه الربيعُ بنُ أنسٍ، مق أن الملائكةَ قالت ذلك لِما كان عندها مِن علمِ سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها: أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذي كانوا يَفْعَلون؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 500 · #50630
ذلك لِما كان عندها مِن علمِ سُكانِ الأرضِ قبلَ آدمَ من الجنِّ، فقالت لربِّها: أجاعلٌ فيها أنت مثلَهم مِن الخلْقِ يَفْعَلون مثلَ الذي كانوا يَفْعَلون؟ على وجهِ الاسْتِعلامِ منهم لربِّهم، لا على وجهِ الإيجابِ أن ذلك كائنٌ كذلك، فيَكونَ ذلك منها إخبارًا عما لم تَطَّلِعْ عليه مِن علمِ الغيبِ. وغيرُ خطأ أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ مِن أن يكونَ قِيلُ الملائكَةِ ما قالت كان على وجهِ التعجبِ منها مِن أن يكونَ للهِ خلقٌ يَعْصِي خالقَه. وإنما ترَكْنا القولَ بالذي رواه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، ووافَقه عليه الربيعُ، وبالذي قاله ابنُ زيدٍ في تأويلِ ذلك؛ لأنه لا خبرَ عندَنا بالذي قالوه مِن وجهٍ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، ويَلْزَمُ سامعَه به الحجةُ، والخبرُ عما قد مضَى وما قد سَلَف لا يُدْرَكُ علمُ صحتِه إلا بمجيئِه مَجيئًا يَمْتَنِع منه التشاغُبُ والتَّواطُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، [ووافقه عليه الربيعُ]، ولا فيما قاله ابن زيدٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 500) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 500 · #50631
طُؤُ، ويَسْتَحيلُ فيه الكذبُ والخطأُ والسَّهْوُ، وليس ذلك بموجودٍ كذلك فيما حكاه الضحاكُ عن ابنِ عباسٍ، [ووافقه عليه الربيعُ]، ولا فيما قاله ابن زيدٍ. فأولَى التأويلاتِ إذ كان الأمرُ كذلك بالآيةِ، ما كان عليه مِن ظاهرِ التنزيلِ دَلالةٌ مما يَصِحُّ مَخْرَجُه في المفهومِ. فإن قال قائلٌ: فإن كان أوْلَى التأويلاتِ بالآيةِ هو ما ذكَرْتَ، مِن أن اللهَ تعالى ذِكْرُه أخْبَر الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِه في الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 501 · #50632
الملائكةَ بأن ذريةَ خليفتِه في الأرضِ يُفسِدون فيها ويَسفِكون فيها الدماءَ، فمِن أجلِ ذلك قالتِ الملائكةُ: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾. فأَين ذِكْرُ إخبارِ اللهِ تعالى ذِكْرُه إياهم بذلك في كتابِه؟ قيل له: اكْتُفي بدَلالةِ ما قد ظهَر مِن الكلامِ عليه عنه، كما قال الشاعر: [فلا تَدْفِنوني إنَّ دَفْني مُحَرَّمٌ] … عليكم ولكنْ خامِرِي أمَّ عامرِ فحذَف قولَه: دعُوني للتي يُقالُ لها [إذا أُريد] صيدُها: خامِرِي أمَّ عامرٍ. إذ كان فيما ظهَر مِن كلامِه دلالةٌ على معنى مرادِه، فكذلك ذلك في قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا﴾ لمّا كان فيه دَلالةٌ على ما ترَك ذكرَه بعد قولِه ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ مِن الخبرِ عما يَكونُ مِن إفسادِ ذريتِه في الأرضِ، اكْتَفَى بدلالتِه، فحذَف وترَك ذِكْرَه، كما ذكَرْنا مِن قولِ الشاعرِ، ونظائرُ ذلك في القرآنِ وأشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فلِمَا ذكَرْنا مِن ذلك اخْتَرْنا ما اخترْنا مِن القولِ في تأويلِ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 501) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 501 · #50633
ِن قولِ الشاعرِ، ونظائرُ ذلك في القرآنِ وأشعارِ العربِ وكلامِها أكثرُ مَن أن يُحْصَى، فلِمَا ذكَرْنا مِن ذلك اخْتَرْنا ما اخترْنا مِن القولِ في تأويلِ قولِه: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 502 · #50634
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. أما قولُه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. فإنه يَعْني: إنا نعظِّمُك بالحمدِ لك والشكرِ، كما قال الله تعالى ذكرُه: [﴿فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ﴾] [النصر: ٣]. وكما قال: ﴿وَالْمَلَائِكَةُ يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ [الشورى: ٥]. وكلُّ ذكرٍ للهِ عندَ العربِ فتَسْبيحٌ وصلاةٌ، يقولُ الرجلُ منهم: قضَيْتُ سُبْحَتِي مِن الذكرِ والصلاةِ. وقد قيل: إن التسبيحَ صلاة الملائكةِ. حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا يعقوبُ القُمِّيُّ، عن جعفرِ بنِ أبي المُغيرةِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، قال: كان النبيُّ ﷺ يُصَلِّي، فمرَّ رجلٌ مِن المسلمين على رجلٍ مِن المنافِقين، فقال له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له: امْضِ إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال: ما أَظنُّ إلا سيَمُرُّ عليك مَن يُنْكِرُ عليك. فمرَّ عليه عمرُ بنُ الخطابِ، فقال له: يا فلانُ، النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له مثلَها، فقال: هذا مِن عمَلي.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 502) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 502 · #50635
سيَمُرُّ عليك مَن يُنْكِرُ عليك. فمرَّ عليه عمرُ بنُ الخطابِ، فقال له: يا فلانُ، النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال له مثلَها، فقال: هذا مِن عمَلي. فوثَب عليه، فضرَبه حتى انْبَهَر، ثم دخَل المسجدَ، فصلَّى مع النبيِّ ﷺ، فلما انْفَتل النبيُّ ﷺ قام إليه عمرُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، مرَرْتُ آنفًا على فلانٍ وأنت تُصَلِّي، فقلت له: النبيُّ ﷺ يُصَلِّي وأنت جالسٌ! فقال: مُرَّ إلى عملِك إن كان لك عملٌ. فقال النبيُّ ﷺ: "فَهَلَّا ضَرَبْتَ عُنُقَهُ". فقام عمرُ مُسْرِعًا، فقال: "يا عمرُ، ارجِعْ، فإن غضبَك عِزٌّ، ورضاك حُكمٌ، إن للهِ في السماواتِ السبعِ ملائكةً يُصلُّونَ له غِنًى عن صلاةِ فُلانٍ". فقال عمرُ: يا نبيَّ اللهِ، وما صلاتُهم؟ فلم يَرُدَّ عليه شيئًا، فأتاه جبريلُ، فقال: يا نبيَّ اللهِ، سأَلك عمرُ عن صلاةِ أهلِ السماءِ؟ قال: "نَعَمْ". قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ، وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 503 · #50636
السماءِ؟ قال: "نَعَمْ". قال: اقْرَأْ على عمرَ السلامَ، وأخْبِرْه أن أهلَ سماءِ الدنيا سجودٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سبحانَ ذي المُلكِ والملكوتِ. وأهلَ السماء الثانيةِ ركوعٌ إلى يومِ القيامةِ يَقُولون: سُبْحانَ ذي العزّةِ والجَبَروتِ. وأهلَ السماءِ الثالثةِ قيامٌ إلى يومِ القيامةِ يقولون: سبحانَ الحيِّ الذي لا يموتُ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ وسهلُ بنُ موسى الرازيُّ، قالا: حدَّثنا ابنُ عُلَيةَ، قال: أخْبَرَنا الجُرَيْريُّ، عن أبي عبدِ اللهِ الجسْريِّ، عن عبدِ اللهِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذَرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أو أن أبا ذَرٍّ عاد النبيَّ ﷺ فقال: "يا رسولَ اللهِ، بأبي أنت، أيُّ الكلامِ أحبُّ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 503) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 503 · #50637
ِ بنِ الصامتِ، عن أبي ذَرٍّ، أن رسولَ اللهِ ﷺ أو أن أبا ذَرٍّ عاد النبيَّ ﷺ فقال: "يا رسولَ اللهِ، بأبي أنت، أيُّ الكلامِ أحبُّ إلى اللهِ جلَّ وعزَّ؟ فقال: "ما اصطَفى اللهُ لملائكتِه؛ سبحانَ ربي وبحمدِه، سبحانَ ربِّي وبحمدِه". في أشكالٍ لما ذكَرْنا مِن الأخبارِ، كرِهْنا إطالةَ الكتابِ باسْتِقْصائِها. وأصلُ التسبيحِ للهِ عندَ العربِ التنزيهُ له مِن إضافةِ ما ليس مِن صفاتِه إليه، والتبْرِئةُ له مِن ذلك، كما قال أعْشَى بني ثَعْلبةَ: أَقُولُ لمَّا جاءني فخْرُه … سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ يريدُ: سبحانَ اللهِ مِن فخْرِ علقمةَ. أي: تنزيهًا للهِ مما أتَى علقمةُ مِن الافْتِخارِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 504) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 504 · #50638
َ: أَقُولُ لمَّا جاءني فخْرُه … سبحانَ مِن عَلْقَمةَ الفاخِرِ يريدُ: سبحانَ اللهِ مِن فخْرِ علقمةَ. أي: تنزيهًا للهِ مما أتَى علقمةُ مِن الافْتِخارِ. على وجهِ النكيرِ منه لذلك. وقد اختَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذلك التسبيحِ والتقْدِيسِ في هذا الموضعِ؛ فقال بعضُهم: قولُهم: ﴿نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُصَلِّي لك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثني موسى، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرَّةَ الهمْدانيِّ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾ قال: يَقُولون: نُصَلِّي لك. وقال آخَرون: نُسَبِّحُ لك التسبيحَ المعلومَ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾. قال: التسبيحُ: التسبيحُ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 505) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 505 · #50639
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. والتقْديسُ هو التطهيرُ والتعظيمُ، ومنه قولُهم: سُبُّوحٌ قُدّوسٌ. يعني بقولِهم: سُبُّوحٌ. تنزيهٌ للهِ جلَّ وعزَّ، وبقولِهم: قُدُّوسٌ. طهارةٌ له وتعظيمٌ. ولذلك قيل للأرضِ: أرضٌ مُقَدَّسةٌ. يعني بذلك المُطَهَّرةَ. فمعنى قولِ الملائكةِ إذن: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ﴾: نُنَزِّهُك ونُبَرِّئُك مما يُضيفُه إليك أهلُ الشركِ بك، ونُصَلِّي لك. ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. نَنْسِبُك إلى ما هو مِن صفاتِك من الطهارةِ من الأدناسِ، وما أضاف إليك أهلُ الكفرِ بك. وقد قيل: إن تقديسَ الملائكةِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 505) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 505 · #50640
ِ لربِّها صلاتُها له، كما حدَّثنا به الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: التقديسُ: الصلاةُ. وقال بعضهم: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك. ذكرُ من قال ذلك حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: حدَّثنا هاشمُ بنُ القاسمِ، قال: حدَّثنا أبو سعيدٍ المُؤَدِّبُ، قال: حدَّثنا إسماعيلُ، عن أبي صالحٍ في قولِه: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: نُعَظِّمُك ونُمَجِّدُك. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 506) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 506 · #50641
ثني عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: نُعَظِّمُك ونُكَبِّرُك. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: لا نعصِي ولا نأتي شيئًا تَكرهُه. حُدِّثْتُ عن المِنْجابِ، قال: حدَّثنا بشرٌ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾. قال: التقديسُ: التطهيرُ. وأما قولُ مَن قال: التقديسُ: الصلاةُ، أو: التعظيمُ. فإن معنى قولِه ذلك راجعٌ إلى نحوِ المعنى الذي ذكَرْنا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به. ولو كان مكانَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: ونُقَدِّسُك.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 506) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 506 · #50642
نا مِن التطهيرِ، من أجلِ أن صلاتَها لربِّها تعظيمٌ منها له، وتطهيرٌ مما يَنسِبُه إليه أهلُ الكفرِ به. ولو كان مكانَ: ﴿وَنُقَدِّسُ لَكَ﴾: ونُقَدِّسُك. كان فصيحًا مِن الكلامِ، وذلك أن العربَ تقولُ: فلانٌ يُسَبِّحُ اللهَ ويُقَدِّسُه، ويُسَبِّحُ للهِ ويُقَدِّسُ له. بمعنًى واحدٍ، وقد جاء بذلك القرآنُ، قال اللهُ جلَّ ثناؤُه: ﴿كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا﴾ [طه: ٣٣]. وقال في موضعٍ آخرَ: ﴿يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 507) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 507 · #50643
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾. اختَلف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: يعني بقولِه: ﴿أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ مما اطلَع عليه مِن إبليسَ، وإضمارِه المعصيةَ للهِ وإخْفائِه الكبْرَ، مما اطلَع عليه تعالى ذكرُه منه، وخفِي على ملائكتِه. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 507) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 507 · #50644
علاءِ، قال: حدَّثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: حدَّثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. يقولُ: إني قد اطلَعتُ مِن قلبِ إبليسَ على ما لم تَطَّلِعوا عليه مِن كِبْرِه [واغترارِه]. حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرٌو، قال: حدَّثنا أسباطُ، عن السدِّيِّ في خبرٍ ذكَره عن أبي مالكٍ، وعن أبي صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ، وعن مُرةَ، عن ابنِ مسعودٍ، وعن ناسٍ مِن أصحابِ النبيِّ ﷺ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يعني: مِن شأنِ إبليسَ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازيُّ، قال: حدَّثنا أبو أحمد، وحدَّثنا محمدُ ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 508) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 508 · #50645
، وحدَّثنا محمدُ ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا مؤمَّلٌ، قالا جميعًا: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقَه لها. حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: حدَّثنا محمدُ بنُ بشرٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن عليِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا ابنُ يمانٍ، عن سفيانَ، عن عليِّ بنِ بذيمةَ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّة، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 508) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 508 · #50646
قال: حدَّثنا حَكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن محمدِ بنِ عبد الرحمنِ، عن القاسمِ بنِ أبي بَزَّة، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم من إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها. حدَّثني جعفرُ بنُ محمدٍ البُزُوريُّ، قال: حدَّثنا الحسنُ بنُ بشرٍ، عن حمزةَ الزياتِ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ كتْمانَه الكِبْرَ ألا يسْجُدَ لآدمَ. حدَّثني محمدُ بن عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى بنُ ميمونٍ، قال: وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا ابو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، - عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 509) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 509 · #50647
ِ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ. حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، - عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا سُويدٌ، قال: أخبَرنا ابن المباركِ، عن سفيانَ، قال: قال مجاهدٌ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ، وخلَقه لها. وقال مرةً: آدمَ. وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا حجاجُ بنُ المنهالِ، قال: حدَّثنا المعتمِرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت عبدَ الوهابِ بنَ مجاهدٍ يُحدِّثُ عن أبيه في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها، وعلِم مِن آدمَ الطاعةَ وخلَقه لها. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه والثورىِّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 509) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 509 · #50648
دُ الرزَّاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه والثورىِّ، عن علىِّ بنِ بَذِيمةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾. قال: علِم مِن إبليسَ المعصيةَ وخلَقه لها. وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: حدَّثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ أي: فيكم ومنكم -ولم يبْدِها لهم- مِن المعصيةِ والفسادِ وسَفْكِ الدماءِ. وقال آخرون: معنى ذلك: إنى أعلمُ ما لا تعلمونَ من أنَّه يكونُ من تلك الخليفةِ أهلُ الطاعةِ والولايةِ للهِ جلَّ ذكْرُه. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾: فكان في علمِ اللهِ أنه سيَكونُ مِن [تلك الخليفةِ] أنبباءُ ورسلٌ وقومٌ صالحون وساكنو الجنةِ. وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكتَه التى قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 510) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 510 · #50649
لحون وساكنو الجنةِ. وهذا الخبرُ من اللهِ تعالى ذكرُه يُنبئُ عن أن ملائكتَه التى قالت: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾. استَفْظَعَت أن يكونَ للهِ جلَّ ثناؤُه خَلْقٌ يَعْصِيه، وعَجِبَتْ منه إذ أخْبِرت أن ذلك كائنٌ فلذلك قال لهم ربهم: ﴿إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ يَعْنى بذلك واللهُ أعلمُ: إنكم لتَعْجَبون مِن أمرٍ وتَسْتَفْظِعونه، وأنا أعلمُ أنه في بعضِكم، وتصِفون أنفسَكم بصفةٍ أعلمُ خلافَها مِن بعضِكم، وتُعَرِّضون بأمرٍ قد جعَلْتُه لغيرِكم. وذلك أن الملائكةَ [قالت لربِّها] -لمّا أخبَرها ربُّها بما هو كائنٌ مِن ذريةِ خليفتِه من الفسادِ وسَفْكِ الدماءِ- قالت لربِّها: ربَّنا، أجاعلٌ أنت في الأرضِ خليفةً مِن غيرِنا، [يكونُ مِن ذريَّتِه] من يَعْصِيك أم منا، فإنا نعَظِّمُك ونصَلِّى لك ونُطِيعُك ولا نَعْصِيك؟ -ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى كَشْحًا عليه إبليسُ من استكبارِه على ربِّه- فقال لهم ربُّهم: إنِّى أعلمُ غيرَ الذى تقُولونَ من بعضِكم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 511) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 511 · #50650
ا نَعْصِيك؟ -ولم يكنْ عندَها علمٌ بما قد انطوى كَشْحًا عليه إبليسُ من استكبارِه على ربِّه- فقال لهم ربُّهم: إنِّى أعلمُ غيرَ الذى تقُولونَ من بعضِكم. وذلك هو ما كان مستورًا عنهم مِن أمرِ إبليسَ وانْطِوائِه على ما كان قد انْطَوَى عليه مِن الكِبْرِ، وعلى قِيلِهم ذلك، ووصْفِهم أنفسَهم بالعمومِ من الوصفِ، عُوتِبوا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 216) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 216 · #81003
﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ (٣٠)﴾ يخبر تعالى بامتنانه على بني آدم، بتنويهه بذكرهم في الملأ الأعلى قبل إيجادهم، فقال تعالى: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ) أي: واذكر يا محمد إذ قال ربك للملائكة، واقصص على قومك ذلك. وحكى ابن جرير عن بعض أهل العربية [وهو أبو عبيدة] أنه زعم أن "إذ" هاهنا زائدة، وأن تقدير الكلام: وقال ربك. ورده ابن جرير. قال القرطبي: وكذا رده جميع المفسرين حتى قال الزجاج: هذا اجتراء من أبي عبيدة. (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) أي: قوما يخلف بعضهم بعضا قرنا بعد قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 216) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 216 · #81004
قرن وجيلا بعد جيل، كما قال تعالى: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الأَرْضِ﴾ [الأنعام: ١٦٥] وقال ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الأَرْضِ﴾ [النمل: ٦٢]. وقال ﴿وَلَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَا مِنْكُمْ مَلائِكَةً فِي الأرْضِ يَخْلُفُونَ﴾ [الزخرف: ٦٠]. وقال ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ﴾ [مريم: ٥٩]. [وقرئ في الشاذ: "إني جاعل في الأرض خليقة" حكاه الزمخشري وغيره ونقلها القرطبي عن زيد بن علي]. وليس المراد هاهنا بالخليفة آدم، ﵇، فقط، كما يقوله طائفة من المفسرين، وعزاه القرطبي إلى ابن مسعود وابن عباس وجميع أهل التأويل، وفي ذلك نظر، بل الخلاف في ذلك كثير، حكاه فخر الدين الرازي في تفسيره وغيره، والظاهر أنه لم يرد آدم عينًا إذ لو كان كذلك لما حسن قول الملائكة: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) فإنهم إنما أرادوا أن من هذا الجنس من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 216) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 216 · #81005
س من يفعل ذلك، وكأنهم علموا ذلك بعلم خاص، أو بما فهموه من الطبيعة البشرية فإنه أخبرهم أنه يخلق هذا الصنف من صَلْصَال من حمإ مسنون [أو فهموا من الخليفة أنه الذي يفصل بين الناس ويقع بينهم من المظالم ويرد عنهم المحارم والمآثم، قاله القرطبي] أو أنهم قاسوهم على من سبق، كما سنذكر أقوال المفسرين في ذلك. وقول الملائكة هذا ليس على وجه الاعتراض على الله، ولا على وجه الحسد لبني آدم، كما قد يتوهمه بعض المفسرين [وقد وصفهم الله تعالى بأنهم لا يسبقونه بالقول، أي: لا يسألونه شيئا لم يأذن لهم فيه وهاهنا لما أعلمهم بأنه سيخلق في الأرض خلقًا. قال قتادة: وقد تقدم إليهم أنهم يفسدون فيها فقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا) الآية] وإنما هو سؤال استعلام واستكشاف عن الحكمة في ذلك، يقولون: يا ربنا، ما الحكمة في خلق هؤلاء مع أن منهم من يفسد في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي: نصلي لك كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 216) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 216 · #81006
في الأرض ويسفك الدماء، فإن كان المراد عبادتك، فنحن نسبح بحمدك ونقدس لك، أي: نصلي لك كما سيأتي، أي: ولا يصدر منا شيء من ذلك، وهلا وقع الاقتصار علينا؟ قال الله تعالى مجيبا لهم عن هذا السؤال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: إني أعلم من المصلحة الراجحة في خلق هذا الصنف على المفاسد التي ذكرتموها ما لا تعلمون أنتم؛ فإني سأجعل فيهم الأنبياء، وأرسل فيهم الرسل، ويوجد فيهم الصديقون والشهداء، والصالحون والعباد، والزهاد والأولياء، والأبرار والمقربون، والعلماء العاملون والخاشعون، والمحبون له ﵎ المتبعون رسله، صلوات الله وسلامه عليهم. وقد ثبت في الصحيح: أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 217) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 217 · #81007
. وقد ثبت في الصحيح: أن الملائكة إذا صعدت إلى الرب تعالى بأعمال عباده سألهم وهو أعلم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون. وذلك لأنهم يتعاقبون فينا ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر، فيمكث هؤلاء ويصعد أولئك بالأعمال كما قال ﵇: "يرفع إليه عمل الليل قبل النهار، وعمل النهار قبل الليل" فقولهم: أتيناهم وهم يصلون وتركناهم وهم يصلون من تفسير قوله: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقيل: معنى قوله جوابًا لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أن لي حكمة مفصلة في خلق هؤلاء والحالة ما ذكرتم لا تعلمونها، وقيل: إنه جواب لقولهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 217) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 217 · #81008
لهم: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) فقال: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) أي: من وجود إبليس بينكم وليس هو كما وصفتم أنفسكم به. وقيل: بل تضمن قولهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) طلبًا منهم أن يسكنوا الأرض بدل بني آدم، فقال الله تعالى لهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) من أن بقاءكم في السماء أصلح لكم وأليق بكم. ذكرها فخر الدين مع غيرها من الأجوبة، والله أعلم. ذكر أقوال المفسرين ببسط ما ذكرناه: قال ابن جرير: حدثني القاسم بن الحسن قال: حدثنا الحسين قال: حدثني الحجاج، عن جرير بن حازم، ومبارك، عن الحسن وأبي بكر، عن الحسن وقتادة، قالوا: قال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قال لهم: إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك. وقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن قتادة نحوه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 217) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 217 · #81009
الأرْضِ خَلِيفَةً) قال لهم: إني فاعل. وهذا معناه أنه أخبرهم بذلك. وقال السدي: استشار الملائكة في خلق آدم. رواه ابن أبي حاتم، قال: وروي عن قتادة نحوه. وهذه العبارة إن لم ترجع إلى معنى الإخبار ففيها تساهل، وعبارة الحسن وقتادة في رواية ابن جرير أحسن، والله أعلم. (فِي الأرْضِ) قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو سلمة، حدثنا حماد حدثنا عطاء بن السائب، عن عبد الرحمن بن سابط أن رسول الله ﷺ قال: "دُحِيت الأرض من مكة، وأول من طاف بالبيت الملائكة، فقال الله: إني جاعل في الأرض خليفة، يعني مكة". وهذا مرسل، وفي سنده ضعف، وفيه مُدْرَج، وهو أن المراد بالأرض مكة، والله أعلم، فإن الظاهر أن المراد بالأرض أعم من ذلك. (خَلِيفَةً) قال السدي في تفسيره عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 217) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 217 · #81010
عباس -وعن مرة، عن ابن مسعود، وعن ناس من الصحابة أن الله تعالى قال للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قالوا: ربنا وما يكون ذلك الخليفة؟ قال: يكون له ذرية يفسدون في الأرض ويتحاسدون ويقتل بعضهم بعضا. قال ابن جرير: فكان تأويل الآية على هذا: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) مني، يخلفني في الحكم بين خلقي، وإن ذلك الخليفة هو آدم ومن قام مقامه في طاعة الله والحكم بالعدل بين خلقه. وأما الإفساد وسفك الدماء بغير حقه فمن غير خلفائه. قال ابن جرير: وإنما [كان تأويل الآية على هذا] معنى الخلافة التي ذكرها الله إنما هي خلافة قرن منهم قرنا. قال: والخليفة الفعيلة من قولك، خلف فلان فلانا في هذا الأمر: إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 218) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 218 · #81011
ذا الأمر: إذا قام مقامه فيه بعده، كما قال تعالى: ﴿ثُمَّ جَعَلْنَاكُمْ خَلائِفَ فِي الأرْضِ مِنْ بَعْدِهِمْ لِنَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ [يونس: ١٤]. ومن ذلك قيل للسلطان الأعظم: خليفة؛ لأنه خلف الذي كان قبله، فقام بالأمر مقامه، فكان منه خَلَفًا. قال: وكان محمد بن إسحاق يقول في قوله تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) يقول: ساكنا وعامرا يسكنها ويعمرها خلفا ليس منكم. قال ابن جرير: وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا عثمان بن سعيد، حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن الضحاك، عن ابن عباس، قال: أول من سكن الأرض الجنُّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 218) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 218 · #81012
رض الجنُّ، فأفسدوا فيها وسفكوا فيها الدماء، وقتل بعضهم بعضا. قال: فبعث الله إليهم إبليس، فقتلهم إبليس ومن معه حتى ألحقهم بجزائر البحور وأطراف الجبال. ثم خلق آدم وأسكنه إياها، فلذلك قال: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً). وقال سفيان الثوري، عن عطاء بن السائب، عن ابن سابط: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) قال: يعنون [به] بني آدم. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: قال الله للملائكة: إني أريد أن أخلق في الأرض خلقا وأجعل فيها خليفة وليس لله، ﷿، خلق إلا الملائكة، والأرض ليس فيها خلق، قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها [ويسفك الدماء]؟! وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 218) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 218 · #81013
يها [ويسفك الدماء]؟! وقد تقدم ما رواه السدي، عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة: أن الله أعلم الملائكة بما يفعل ذرّية آدم، فقالت الملائكة ذلك. وتقدم آنفا ما رواه الضحاك، عن ابن عباس: أن الجن أفسدوا في الأرض قبل بني آدم، فقالت الملائكة ذلك، فقاسوا هؤلاء بأولئك. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطَّنَافِسي، حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش، عن بُكَير بن الأخنس، عن مجاهد، عن عبد الله بن عمرو، قال: كان الجن بنو الجان في الأرض قبل أن يخلق آدم بألفي سنة، فأفسدوا في الأرض، وسفكوا الدماء، فبعث الله جندا من الملائكة فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 219) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 219 · #81014
الملائكة فضربوهم، حتى ألحقوهم بجزائر البحور، فقال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قالوا: أتجعل فيها من يفسد فيها ويسفك الدماء؟ قال: إني أعلم ما لا تعلمون. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع، عن أبي العالية في قوله: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) إلى قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: ٣٣] قال: خلق الله الملائكة يوم الأربعاء وخلق الجن يوم الخميس، وخلق آدم يوم الجمعة؛ فكفر قوم من الجن، فكانت الملائكة تهبط إليهم في الأرض فتقاتلهم، فكانت الدماء بينهم، وكان الفساد في الأرض، فمن ثم قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) كما أفسدت الجن (وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) كما سَفَكُوا. قال ابن أبي حاتم: وحدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال: قال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قال لهم: إني فاعل.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 219) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 219 · #81015
بن الصباح، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا مبارك بن فضالة، حدثنا الحسن، قال: قال الله للملائكة: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) قال لهم: إني فاعل. فآمنوا بربهم، فعلمهم علمًا وطوى عنهم علمًا علمه ولم يعلموه، فقالوا بالعلم الذي علمهم: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؟ (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) قال الحسن: إن الجن كانوا في الأرض يفسدون ويسفكون الدماء، ولكن جعل الله في قلوبهم أن ذلك سيكون فقالوا بالقول الذي عَلَّمهم. وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا) كان [الله] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا).
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 219) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 219 · #81016
َنْ يُفْسِدُ فِيهَا) كان [الله] أعلمهم أنه إذا كان في الأرض خَلْق أفسدوا فيها وسفكوا الدماء، فذلك حين قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا). وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا هشام الرازي، حدثنا ابن المبارك، عن معروف، يعني ابن خَرّبوذ المكي، عمن سمع أبا جعفر محمد بن علي يقول: السّجِلّ ملك، وكان هاروت وماروت من أعوانه، وكان له في كل يوم ثلاث لمحات ينظرهن في أم الكتاب، فنظر نظرة لم تكن له فأبصر فيها خلق آدم وما فيه من الأمور، فأسَر ذلك إلى هاروت وماروت، وكانا من أعوانه، فلما قال تعالى: (إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) قالا ذلك استطالة على الملائكة. وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده، والله أعلم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 219) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 219 · #81017
استطالة على الملائكة. وهذا أثر غريب. وبتقدير صحته إلى أبي جعفر محمد بن علي بن الحسن الباقر، فهو نقله عن أهل الكتاب، وفيه نكارة توجب رده، والله أعلم. ومقتضاه أن الذين قالوا ذلك إنما كانوا اثنين فقط، وهو خلاف السياق. وأغرب منه ما رواه ابن أبي حاتم -أيضًا-حيث قال: حدثنا أبي، حدثنا هشام بن أبي عَبْد الله، حدثنا عبد الله بن يحيى بن أبي كثير، قال: سمعت أبي يقول: إن الملائكة الذين قالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) كانوا عشرة آلاف، فخرجت نار من عند الله فأحرقتهم. وهذا -أيضًا-إسرائيلي منكر كالذي قبله، والله أعلم. قال ابن جريج: إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 220) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 220 · #81018
بله، والله أعلم. قال ابن جريج: إنما تكلموا بما أعلمهم الله أنه كائن من خلق آدم، فقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وقال ابن جرير: وقال بعضهم: إنما قالت الملائكة ما قالت: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ)؛ لأن الله أذن لهم في السؤال عن ذلك، بعد ما أخبرهم أن ذلك كائن من بني آدم، فسألته الملائكة، فقالت على التعجب منها: وكيف يعصونك يا رب وأنت خالقهم!؟ فأجابهم ربهم: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) يعني: أن ذلك كائن منهم، وإن لم تعلموه أنتم ومن بعض من ترونه لي طائعا. قال: وقال بعضهم: ذلك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب خبرنا، مسألة [الملائكة] استخبار منهم، لا على وجه الإنكار، واختاره ابن جرير.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 220) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 220 · #81019
لك من الملائكة على وجه الاسترشاد عما لم يعلموا من ذلك، فكأنهم قالوا: يا رب خبرنا، مسألة [الملائكة] استخبار منهم، لا على وجه الإنكار، واختاره ابن جرير. وقال سعيد عن قتادة قوله: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأرْضِ خَلِيفَةً) فاستشار الملائكة في خلق آدم، فقالوا: (أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ) وقد علمت الملائكة من علم الله أنه لا شيء أكره إلى الله من سفك الدماء والفساد في الأرض (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) فكان في علم الله أنه سيكون من تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، قال: وذكر لنا عن ابن عباس أنه كان يقول: إن الله لما أخذ في خلق آدم قالت الملائكة: ما الله خالق خلقا أكرم عليه منا ولا أعلم منا، فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١].
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 220) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 220 · #81020
ا، فابتلوا بخلق آدم، وكل خلق مبتلى كما ابتليت السماوات والأرض بالطاعة فقال: ﴿اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ﴾ [فصلت: ١١]. وقوله تعالى: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة: التسبيحُ: التسبيحُ، والتقديس: الصلاة. وقال السدي، عن أبي مالك وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرّة، عن ابن مسعود-وعن ناس من الصحابة: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) قال: يقولون: نصلي لك. وقال مجاهد: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) قال: نعظمك ونكبرك. وقال الضحاك: التقديس: التطهير. وقال محمد بن إسحاق: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ) قال: لا نعصي ولا نأتي شيئًا تكرهه. وقال ابن جرير: التقديس: هو التعظيم والتطهير، ومنه قولهم: سُبُّوح قُدُّوس، يعني بقولهم: سُبوح، تنزيه له، وبقولهم: قدوس، طهارة وتعظيم له. ولذلك قيل للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 221) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 221 · #81021
م والتطهير، ومنه قولهم: سُبُّوح قُدُّوس، يعني بقولهم: سُبوح، تنزيه له، وبقولهم: قدوس، طهارة وتعظيم له. ولذلك قيل للأرض: أرض مقدسة، يعني بذلك المطهرة. فمعنى قول الملائكة إذًا: (وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ) ننزهك ونبرئك مما يضيفه إليك أهلُ الشرك بك (وَنُقَدِّسُ لَكَ) ننسبك إلى ما هو من صفاتك، من الطهارة من الأدناس وما أضاف إليك أهل الكفر بك. [وفي صحيح مسلم عن أبي ذر أن رسول الله ﷺ سئل: أي الكلام أفضل؟ قال: "ما اصطفى الله لملائكته سبحان الله وبحمده" وروى البيهقي عن عبد الرحمن بن قرط أن رسول الله ﷺ ليلة أسري به سمع تسبيحًا في السماوات العلا "سبحان العلي الأعلى ﷾"]. (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) قال قتادة: فكان في علم الله أنه سيكون في تلك الخليقة أنبياء ورسل وقوم صالحون وساكنو الجنة، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ)
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 221) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 221 · #81022
صالحون وساكنو الجنة، وسيأتي عن ابن مسعود وابن عباس وغير واحد من الصحابة والتابعين أقوال في حكمة قوله تعالى: (قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ) وقد استدل القرطبي وغيره بهذه الآية على وجوب نصب الخليفة ليفصل بين الناس فيما يختلفون فيه، ويقطع تنازعهم، وينتصر لمظلومهم من ظالمهم، ويقيم الحدود، ويزجر عن تعاطي الفواحش، إلى غير ذلك من الأمور المهمة التي لا يمكن إقامتها إلا بالإمام، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. والإمامة تنال بالنص كما يقوله طائفة من أهل السنة في أبي بكر، أو بالإيماء إليه كما يقول آخرون منهم، أو باستخلاف الخليفة آخر بعده كما فعل الصديق بعمر بن الخطاب، أو يتركه شورى في جماعة صالحين كذلك كما فعله عمر، أو باجتماع أهل الحل والعقد على مبايعته أو بمبايعة واحد منهم له فيجب التزامها عند الجمهور وحكى على ذلك إمام الحرمين الإجماع، والله أعلم، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي. وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 221) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 221 · #81023
رمين الإجماع، والله أعلم، أو بقهر واحد الناس على طاعته فتجب لئلا يؤدي ذلك إلى الشقاق والاختلاف، وقد نص عليه الشافعي. وهل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ فيه خلاف، فمنهم من قال: لا يشترط، وقيل: بلى ويكفي شاهدان. وقال الجبائي: يجب أربعة وعاقد ومعقود له، كما ترك عمر ﵁، الأمر شورى بين ستة، فوقع الأمر على عاقد وهو عبد الرحمن بن عوف، ومعقود له وهو عثمان، واستنبط وجوب الأربعة الشهود من الأربعة الباقين، وفي هذا نظر، والله أعلم. ويجب أن يكون ذكرًا حرًا بالغًا عاقلا مسلمًا عدلا مجتهدًا بصيرًا سليم الأعضاء خبيرًا بالحروب والآراء قرشيًا على الصحيح، ولا يشترط الهاشمي ولا المعصوم من الخطأ خلافًا للغلاة الروافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" وهل له أن يعزل نفسه؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 222) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 222 · #81024
روافض، ولو فسق الإمام هل ينعزل أم لا؟ فيه خلاف، والصحيح أنه لا ينعزل لقوله ﵊: "إلا أن تروا كفرًا بواحًا عندكم من الله فيه برهان" وهل له أن يعزل نفسه؟ فيه خلاف، وقد عزل الحسن بن علي نفسه وسلم الأمر إلى معاوية لكن هذا لعذر وقد مدح على ذلك. فأما نصب إمامين في الأرض أو أكثر فلا يجوز لقوله ﵊: "من جاءكم وأمركم جميع يريد أن يفرق بينكم فاقتلوه كائنًا من كان". وهذا قول الجمهور، وقد حكى الإجماع على ذلك غير واحد، منهم إمام الحرمين، وقالت الكرامية: يجوز نصب إمامين فأكثر كما كان علي ومعاوية إمامين واجبي الطاعة، قالوا: وإذا جاز بعث نبيين في وقت واحد وأكثر جاز ذلك في الإمامة؛ لأن النبوة أعلى رتبة بلا خلاف، وحكى إمام الحرمين عن الأستاذ أبي إسحاق أنه جوز نصب إمامين فأكثر إذا تباعدت الأقطار واتسعت الأقاليم بينهما، وتردد إمام الحرمين في ذلك، قلت: وهذا يشبه حال خلفاء بني العباس بالعراق والفاطميين بمصر والأمويين بالمغرب.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 68) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 68 · #95941
قوله تعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾ الآية، وفي قوله: [خَلِيفَةً] وجهان من التفسير للعلماء. أحدهما: أن المراد بالخليفة أبونا آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام؛ لأنه خليفة الله في أرضه في تنفيذ أوامره. وقيل: لأنه صار خلفا من الجن الذين كانوا يسكنون الأرض قبله، وعليه فالخليفة. فعيلة بمعنى فاعل. وقيل لأنه إذا مات يخلفه من بعده، وعليه فهو من فعيلة بمعنى مفعول، وكون الخليفة هو آدم هو الظاهر المتبادر من سياق الآية. الثاني: أن قوله خَلِيفَةً مفرد أريد به الجمع، أي خلائف، وهو اختيار ابن كثير. والمفرد إن كان اسم جنس يكثر في كلام العرب إطلاقه مرادا به الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ يعني وأنهار بدليل قوله ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 69) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 69 · #95942
مرادا به الجمع كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ (٥٤)﴾ يعني وأنهار بدليل قوله ﴿فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ﴾ الآية. وقوله: ﴿وَاجْعَلْنَا لِلْمُتَّقِينَ إِمَاماً (٧٤)﴾ وقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْساً﴾ ونظيره من كلام العرب قول عقيل بن علفة المري: وكان بنو فزارة شر عم ... وكنت لهم كشر بني الأخينا وقول العباس بن مرداس السلمي: فقلنا: اسلموا إنا أخوكم ... وقد سلمت من الإحن الصدور وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التيمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفو ...
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 69) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 69 · #95943
من الإحن الصدور وأنشد له سيبويه قول علقمة بن عبدة التيمي: بها جيف الحسرى فأما عظامها ... فبيض وأما جلدها فصليب وقول الآخر: كلوا في بعض بطنكم تعفو ... فإن زمانكم زمن خميص وإذا كانت هذه الآية الكريمة تحتمل الوجهين المذكورين فاعلم أنه قد دلت آيات أخر على الوجه الثاني، وهو أن المراد بالخليفة: الخلائف من آدم وبنيه لا آدم نفسه وحده، كقوله تعالى: ﴿قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ﴾ الآية، ومعلوم أن آدم عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام ليس ممن يفسد فيها، ولا ممن يسفك الدماء، وكقوله: ﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الآية.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 69) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 69 · #95944
مْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ فِي الْأَرْضِ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾ الآية. ونحو ذلك من الآيات. ويمكن الجواب عن هذا بأن المراد بالخليفة آدم، وأن الله أعلم الملائكة أنه يكون من ذريته من يفعل ذلك الفساد وسفك الدماء، فقالوا ما قالوا، وأن المراد بخلافة آدم الخلافة الشرعية، وبخلافة ذريته أعم من ذلك، وهو أنهم يذهب منهم قرن ويخلفه قرن آخر. تنبيه: قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة: هذه الآية أصل في نصب إمام وخليفة؛ يسمع له ويطاع، لتجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الخليفة، ولا خلاف في وجوب ذلك بين الأمة، ولا بين الأئمة، إلا ما روي عن الأصم حيث كان عن الشريعة أصم إلى أن قال. ودليلنا قول الله تعالى: ﴿إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾. وقوله تعالى: ﴿يَادَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 70) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 70 · #95945
جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ﴾. وقال: ﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ﴾. أي: يجعل منهم خلفاء إلى غير ذلك من الآي. وأجمعت الصحابة على تقديم الصديق بعد اختلاف وقع بين المهاجرين والأنصار في سقيفة بني ساعدة في التعيين: حتى قالت الأنصار: منا أمير ومنكم أمير، فدفعهم أبو بكر وعمر والمهاجرون عن ذلك، وقالوا لهم: إن العرب لا تدين إلا لهذا الحي من قريش ورووا لهم الخبر في ذلك فرجعوا وأطاعوا لقريش. فلو كان فرض الإمامة غير واجب لا في قريش ولا في غيرهم لما ساغت هذه المناظرة والمحاورة عليها، ولقال قائل: إنها غير واجبة لا في قريش ولا في غيرهم، فما لتنازعكم وجه، ولا فائدة في أمر ليس بواجب. ثم إن الصديق ﵁ لما حضرته الوفاة عهد إلى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد: هذا غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 71) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 71 · #95946
لى عمر في الإمامة، ولم يقل له أحد: هذا غير واجب علينا ولا عليك. فدل على وجوبها وأنها ركن من أركان الدين الذي به قوام المسلمين والحمد لله رب العالمين. انتهى من القرطبي. قال مقيدة [عفا الله عنه]: من الواضح المعلوم من ضرورة الدين أن المسلمين يجب عليهم نصب إمام تجتمع به الكلمة وتنفذ به أحكام الله في أرضه، ولم يخالف في هذا إلا من لا يعتد به كأبي بكر الأصم المعتزلي، الذي تقدم في كلام القرطبي، وكضرار، وهشام القرطبي ونحوهم. وأكثر العلماء على أن وجوب الإمامة الكبرى بطريق الشرع كما دلت عليه الآية المتقدمة وأشباهها وإجماع الصحابة ﵃؛ ولأن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزعه بالقرآن. كما قال تعالى: ﴿لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 71) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 71 · #95947
بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ﴾ لأن قوله: ﴿وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ﴾ فيه إشارة إلى إعمال السيف عند الإباء بعد إقامة الحجة. وقالت الإمامية: إن الإمامة واجبة بالعقل لا بالشرع. وعن الْحَسَنِ البصري والجاحظ والبلخي: أنها تجب بالعقل والشرع معا. واعلم أن ما تتقوله الْإِمَامِيَّةُ من المفتريات على أبي بكر وعمر وأمثالهم من الصحابة، وما تتقوله في الأثني عشر إماما، وفي الإمام المنتظر المعصوم، ونحو ذلك من خرافاتهم وأكاذيبهم الباطلة، كله باطل لا أصل له. وإذا أردت الوقوف على تحقيق ذلك: فعليك بكتاب "منهاج السنة النبوية، في نقض كلام الشيعة والقدرية" للعلامة الوحيد الشيخ تقي الدين أبي العباس بن تيمية -تغمده الله برحمته- فإنه جاء فيه بما لا مزيد عليه من الأدلة القاطعة، والبراهين الساطعة علي إبطال جميع تلك الخرافات المختلفة، فإذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين. فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور: الأول: ما لو نص - ﷺ - على أن فلانا هو الإمام، فإنها تنعقد له بذلك.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 72) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 72 · #95948
إذا حققت وجوب نصب الإمام الأعظم على المسلمين. فاعلم أن الإمامة تنعقد له بأحد أمور: الأول: ما لو نص - ﷺ - على أن فلانا هو الإمام، فإنها تنعقد له بذلك. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر ﵁ من هذا القبيل؛ لإن تقديم النبي - ﷺ - له في إمامة الصلاة وهي أهم شيء فيه الإشارة إلى التقديم للإمامة الكبرى، وهو ظاهر. الثاني: هو اتفاق أهل الحل والعقد على بيعته. وقال بعض العلماء: إن إمامة أبي بكر منه؛ لإجماع أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار عليها بعد الخلاف، ولا عبرة بعدم رضى بعضهم، كما وقع من سعد بن عبادة ﵁ من عدم قبوله بيعة أبي بكر ﵁. الثالث: أن يعهد إليه الخليفة الذي قبله، كما وقع من أبي بكر لعمر ﵄. ومن هذا القبيل: جعل عمر ﵁ الخلافة شورى بين ستة من أصحاب رسول الله - ﷺ - مات وهو عنهم راض. الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر، وتدين له الناس؛ لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 72) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 72 · #95949
الرابع: أن يتغلب على الناس بسيفه، وينزع الخلافة بالقوة حتى يستتب له الأمر، وتدين له الناس؛ لما في الخروج عليه حينئذ من شق عصا المسلمين وإراقة دمائهم. قال بعض العلماء: ومن هذا القبيل قيام عبد الملك بن مروان على عبد الله بن الزبير وقتله إياه في مكة على يد الحجاج بن يوسف فاستتب الأمر له. كما قاله ابن قدامة في المغني. ومن العلماء من يقول: تنعقد له الإمامة ببيعة واحد، وجعلوا منه مبايعة عمر لأبي بكر في سقيفة بني ساعدة، ومال إليه القرطبي. وحكى عليه إمام الحرمين الإجماع. وقيل: ببيعة أربعة. وقيل غير ذلك. هذا ملخص كلام العلماء فيما تنعقد به الإمامة الكبرى. ومقتضى كلام الشيخ تقي الدين أبي العباس ابن تيمية ﵀ في "المنهاج" أنها إنما تنعقد بمبايعة من تقوى به شوكته، ويقدر به على تنفيذ أحكام الإمامة، لأن من لا قدرة له على ذلك كآحاد الناس ليس بإمام. واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط: الأول: أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 73) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 73 · #95950
اس ليس بإمام. واعلم أن الإمام الأعظم تشترط فيه شروط: الأول: أن يكون قرشيا وقريش أولاد فهر بن مالك. وقيل: أولاد النضر بن كنانة. فالفهري قرشي بلا نزاع. ومن كان من أولاد مالك بن النضر، أو أولاد النضر بن كنانة فيه خلاف. هل هو قرشي أو لا؟ وما كان من أولاد كنانة من غير النضر فليس بقرشي بلا نزاع. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة في ذكر شرائط الإمام: الأول: أن يكون من صميم قريش لقوله - ﷺ -: "الأئمة من قريش". وقد اختلف في هذا. قال مقيده [عفا الله عنه]: الاختلاف الذي ذكره القرطبي في اشتراط كون الإمام الأعظم قرشيا ضعيف. وقد دلت الأحاديث الصحيحة على تقديم قريش في الإمامة على غيرهم. وأطبق عليه جماهير العلماء من المسلمين. وحكى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 74) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 74 · #95951
كى غير واحد عليه الإجماع، ودعوى الإجماع تحتاج إلى تأويل ما أخرجه الإمام أحمد عن عمر بسند رجاله ثقات أنه قال: "إن أدركني أجلي وأبو عبيدة حي استخلفته". فذكر الحديث وفيه: "فإن أدركني أجلى وقد مات أبو عبيدة استخلفت معاذ بن جبل"، ومعلوم أن معاذا غير قرشي. وتأويله بدعوى انعقاد الإجماع بعد عمر، أو تغيير رأيه إلى موافقة الجمهور. فاشتراط كونه قرشيا هو الحق، ولكن النصوص الشرعية دلت على أن ذلك التقديم الواجب لهم في الإمامة مشروط بإقامتهم الدين وإطاعتهم لله ورسوله. فإن خالفوا أمر الله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم. فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية ﵁ حيث قال: "باب الأمراء من قريش".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 74) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 74 · #95952
لله فغيرهم ممن يطيع الله تعالى وينفذ أوامره أولى منهم. فمن الأدلة الدالة على ذلك ما رواه البخاري في صحيحه عن معاوية ﵁ حيث قال: "باب الأمراء من قريش". حدثنا أبو اليمان، أخبرنا شعيب عن الزهري قال: كان محمد بن جبير بن مطعم يحدث أنه بلغ معاوية وهو عنده في وفد من قريش: أن عبد الله بن عمرو يحدث أنه سيكون ملك من قحطان فغضب، فقام فأثنى على الله بما هو أهله، ثم قال: أما بعد: فإنه قد بلغني أن رجالا منكم يحدثون أحاديث ليست في كتاب الله، ولا تؤثر عن رسول الله - ﷺ - وأولئك جهالكم، فإياكم والأماني التي تضل أهلها. فإني سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "إن هذا الأمر في قريش لا يعاديهم أحد إلا كبه الله على وجهه ما أقاموا الدين" انتهى من صحيح البخاري بلفظه. ومحل الشاهد منه قوله - ﷺ -: "ما أقاموا الدين" لأن لفظة: "ما" فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله: إن هذا الأمر في قريش، وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 75) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 75 · #95953
ما" فيه مصدرية ظرفية مقيدة لقوله: إن هذا الأمر في قريش، وتقرير المعنى إن هذا الأمر في قريش مدة إقامتهم الدين، ومفهومه: أنهم إن لم يقيموه لم يكن فيهم. وهذا هو التحقيق الذي لا شك فيه في معنى الحديث. وقال ابن حجر في "فتح الباري" في الكلام على حديث معاوية هذا ما نصه: "وقد ورد في حديث أبي بكر الصديق ﵁ نظير ما وقع في حديث معاوية، ذكره محمد بن إسحاق في الكتاب الكبير. فذكر قصة سقيفة بني ساعدة، وبيعة أبي بكر وفيها، فقال أبو بكر: وإن هذا الأمر في قريش ما أطاعوا الله واستقاموا على أمره. وقد جاءت الأحاديث التي أشرت إليها على ثلاثة أنحاء: الأول: وعيدهم باللعن إذا لم يحافظوا على المأمور به. كما في الأحاديث التي ذكرتها في الباب الذي قبله حيث قال: "الأمراء من قريش ما فعلوا ثلاثا ما حكموا فعدلوا - الحديث". وفيه: "فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله"، وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. الثاني: وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذاهم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 75) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 75 · #95954
عدلوا - الحديث". وفيه: "فمن لم يفعل ذلك منهم فعليه لعنة الله"، وليس في هذا ما يقتضي خروج الأمر عنهم. الثاني: وعيدهم بأن يسلط عليهم من يبالغ في أذاهم. فعند أحمد وأبي يعلى من حديث ابن مسعود رفعه: "إنكم أهل هذا الأمر ما لم تحدثوا، فإن غيرتم بعث الله عليكم من يلحاكم كما يلحى القضيب" ورجاله ثقات إلا أنه من رواية عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن عم أبيه عبد الله بن مسعود ولم يدركه، هذه رواية صالح بن كيسان عن عبيد الله، وخالفه حبيب ابن أبي ثابت فرواه عن القاسم بن محمد بن عبد الرحمن، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة، عن أبي مسعود الأنصاري ولفظه "لا يزال هذا الأمر فيكم وأنتم ولاته" الحديث. وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته. وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 76) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 76 · #95955
وفي سماع عبيد الله من أبي مسعود نظر مبني على الخلاف في سنة وفاته. وله شاهد من مرسل عطاء بن يسار، أخرجه الشافعي والبيهقي من طريقه بسند صحيح إلى عطاء. ولفظه قال لقريش: "أنتم أولى بهذا الأمر ما كنتم على الحق إلا أن تعدلوا عنه فتلحون كما تلحى هذه الجريدة" وليس في هذا تصريح بخروج الأمر عنهم، وإن كان فيه إشعار به. الثالث: الإذن في القيام عليهم وقتالهم، والإيذان بخروج الأمر عنهم كما أخرجه الطيالسي والطبراني من حديث ثوبان رفعه: "استقيموا لقريش ما استقاموا لكم، فإن لم يستقيموا فضعوا سيوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء" ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا، لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 76) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 76 · #95956
يوفكم على عواتقكم فأبيدوا خضراءهم، فإن لم تفعلوا فكونوا زراعين أشقياء" ورجاله ثقات، إلا أن فيه انقطاعا، لأن راويه سالم بن أبي الجعد لم يسمع من ثوبان. وله شاهد في الطبراني من حديث النعمان بن بشير بمعناه. وأخرج أحمد من حديث ذي مخبر (بكسر الميم وسكون المعجمة وفتح الموحدة بعدهما راء) وهو ابن أخي النجاشي عن النبي - ﷺ - قال: "كان هذا الأمر في حمير فنزعه الله منهم وصيره في قريش وسيعود لهم" وسنده جيد، وهو شاهد قوي لحديث القحطاني فإن حمير يرجع نسبها إلى قحطان، وبه يقوى أن مفهوم حديث معاوية "ما أقاموا الدين" أنهم إذا لم يقيموا الدين خرج الأمر عنهم". انتهى. واعلم أن قول عبد الله بن عمرو بن العاص -الذي أنكره عليه معاوية في الحديث المذكور-: إنه سيكون ملك من قحطان، إذا كان عبد الله بن عمرو ﵄ يعني به القحطاني الذي صحت الرواية بملكه، فلا وجه لإنكاره: لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 77) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 77 · #95957
واية بملكه، فلا وجه لإنكاره: لثبوت أمره في الصحيح، من حديث أبي هريرة أن رسول الله - ﷺ - قال: "لا تقوم الساعة حتى يخرج رجل من قحطان يسوق الناس بعصاه". أخرجه البخاري في "كتاب الفتن" في "باب تغير الزمان حتى يعبدوا الأوثان"، وفي "كتاب المناقب" في "باب ذكر قحطان". وأخرجه مسلم في "كتاب الفتن" و"أشراط الساعة" في "باب لا تقوم الساعة حتى يمر الرجل بقبر الرجل فيتمنى أن يكون مكان الميت من البلاء" وهذا القحطاني لم يعرف اسمه عند الأكثرين. وقال بعض العلماء: اسمه جهجاه، وقال بعضهم: اسمه شعيب بن صالح. وقال ابن حجر في الكلام على حديث القحطاني هذا ما نصه: "وقد تقدم في الحج أن البيت يحج بعد خروج يأجوج ومأجوج" وتقدم الجمع بينه وبين حديث: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة" فيفهم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 77) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 77 · #95958
ع بينه وبين حديث: "لا تقوم الساعة حتى لا يحج البيت، وأن الكعبة يخربها ذو السويقتين من الحبشة" فيفهم من ذلك أن الحبشة إذا خربت البيت خرج عليهم القحطاني فأهلكهم، وأن المؤمنين قبل ذلك يحجون في زمن عيسى بعد خروج يأجوج ومأجوج وهلاكهم، وأن الريح التي تقبض أرواح المؤمنين تبدأ بمن بقي بعد عيسى ويتأخر أهل اليمن بعدها. ويمكن أن يكون هذا مما يفسر به قوله: "الإيمان يمان" أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 78) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 78 · #95959
قوله: "الإيمان يمان" أي: يتأخر الإيمان بها بعد فقده من جميع الأرض. وقد أخرج مسلم حديث القحطاني عقب حديث تخريب الكعبة ذو السويقتين فلعله رمز إلى هذا". انتهى منه بلفظه والله أعلم، ونسبة العلم إليه أسلم. الثاني: من شروط الإمام الأعظم: كونه ذكرا ولا خلاف في ذلك بين العلماء، ويدل له ما ثبت في صحيح البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁، أن النبي - ﷺ - لما بلغه أن فارسا ملكوا ابنة كسرى قال: "لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة". الثالث: من شروط الإمام الأعظم كونه حرا، فلا يجوز أن يكون عبدا، ولا خلاف في هذا بين العلماء. فإن قيل: ورد في الصحيح ما يدل على جواز إمامة العبد. فقد أخرج البخاري في صحيحه من حديث أنس بن مالك ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ - "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". ولمسلم من حديث أم الحصين "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 78) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 78 · #95960
ه - ﷺ - "اسمعوا وأطيعوا، وإن استعمل عليكم عبد حبشي كأن رأسه زبيبة". ولمسلم من حديث أم الحصين "اسمعوا وأطيعوا ولو استعمل عليكم عبد يقودكم بكتاب الله". ولمسلم أيضا: من حديث أبي ذر ﵁ قال: "أوصاني خليلي أن أطيع وأسمع، وإن كان عبدا حبشيا مجدع الأطراف" فالجواب من أوجه: الأول: أنه قد يضرب المثل بما لا يقع في الوجود؛ فإطلاق العبد الحبشي لأجل المبالغة في الأمر بالطاعة، وإن كان لا يتصور شرعا أن يلي ذلك. ذكر ابن حجر هذا الجواب عن الخطابي. ويشبه هذا الوجه قوله تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كَانَ لِلرَّحْمَنِ وَلَدٌ فَأَنَا أَوَّلُ الْعَابِدِينَ (٨١)﴾ على أحد التفسيرات. الوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد، وهو أظهرها، فليس هو الإمام الأعظم.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 79) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 79 · #95961
على أحد التفسيرات. الوجه الثاني: أن المراد باستعمال العبد الحبشي أن يكون مؤمرا من جهة الإمام الأعظم على بعض البلاد، وهو أظهرها، فليس هو الإمام الأعظم. الوجه الثالث: أن يكون أطلق عليه اسم العبد، نظرا لاتصافه بذلك سابقا مع أنه وقت التولية حر، ونظيره إطلاق اليتم على البالغ باعتبار اتصافه به سابقا في قوله تعالى: ﴿وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ﴾ الآية- وهذا كله فيما يكون بطريق الاختيار. أما لو تغلب عبد حقيقة بالقوة فإن طاعته تجب، إخمادا للفتنة وصونا للدماء ما لم يأمر بمعصية كما تقدمت الإشارة إليه. والمراد بالزبيبة في هذا الحديث، واحدة الزبيب المأكول المعروف، الكائن من العنب إذا جف، والمقصود من التشبيه: التحقير وتقبيح الصورة، لأن السمع والطاعة إذا وجبا لمن كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي. ويشبه قوله - ﷺ - "كأنه زبيبة" قول الشاعر يهجو شخصا أسود: دنس الثياب كأن فروة رأسه ...
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 79) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 79 · #95962
كان كذلك دل ذلك على الوجوب على كل حال إلا في المعصية كما يأتي. ويشبه قوله - ﷺ - "كأنه زبيبة" قول الشاعر يهجو شخصا أسود: دنس الثياب كأن فروة رأسه ... غرست فأنبت جانباها فلفلا الرابع: من شروطه أن يكون بالغا، فلا يجوز إمامة الصبي إجماعا لعدم قدرته على القيام بأعباء الخلافة. الخامس: أن يكون عاقلا، فلا تجوز إمامة المجنون ولا المعتوه. وهذا لا نزاع فيه. السادس: أن يكون عدلا فلا تجوز إمامة فاسق. واستدل عليه بعض العلماء بقوله تعالى: ﴿قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَاماً قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ ويدخل في اشتراط العدالة اشتراط الإسلام، لأن العدل لا يكون غير مسلم. السابع: أن يكون ممن يصلح أن يكون قاضيا من قضاة المسلمين، مجتهدا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث. الثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 80) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 80 · #95963
ضاة المسلمين، مجتهدا يمكنه الاستغناء عن استفتاء غيره في الحوادث. الثامن: أن يكون سليم الأعضاء غير زمن ولا أعمى ونحو ذلك، ويدل لهذين الشرطين الأخيرين. أعني: العلم وسلامة الجسم قوله تعالى في طالوت: ﴿إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَاهُ عَلَيْكُمْ وَزَادَهُ بَسْطَةً فِي الْعِلْمِ وَالْجِسْمِ﴾. التاسع: أن يكون ذا خبرة ورأي حصيف بأمر الحرب، وتدبير الجيوش، وسد الثغور، وحماية بيضة المسلمين، وردع الأمة، والانتقام من الظالم، والأخذ للمظلوم. كما قال لقيط الإيادي: وقلدوا أمركم لله دركم ... رحب الذراع بأمر الحرب مطلعا العاشر: أن يكون ممن لا تلحقه رقة في إقامة الحدود، ولا فزع من ضرب الرقاب، ولا قطع الأعضاء. ويدل لذلك: إجماع الصحابة ﵃ على أن الإمام لا بد أن يكون كذلك. قاله القرطبي. مسائل الأولى: إذا طرأ على الإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة. هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه أو لا؟ قال بعض العلماء: إذا صار فاسقا أو داعيا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 81) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 81 · #95964
لإمام الأعظم فسق أو دعوة إلى بدعة. هل يكون ذلك سببا لعزله والقيام عليه أو لا؟ قال بعض العلماء: إذا صار فاسقا أو داعيا إلى بدعة جاز القيام عليه لخلعه. والتحقيق الذي لا شك فيه أنه لا يجوز القيام عليه إلا إذا ارتكب كفرا بواحا عليه من الله برهان. فقد أخرج الشيخان في صحيحيهما عن عبادة بن الصامت ﵁ قال: بايعنا رسول الله - ﷺ - على السمع والطاعة في منشطنا ومكرهنا، وعسرنا ويسرنا، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله. قال: "إلا أن تروا كفرا بواحا عندكم فيه من الله برهان". وفي صحيح مسلم من حديث عوف بن مالك الأشجعي ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "خيار أئمتكم الذين يحبونكم وتحبونهم، وتصلون عليهم ويصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 81) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 81 · #95965
يصلون عليكم، وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم، وتلعنونهم ويلعنونكم، قال: قلنا يا رسول الله: أفلا ننابذهم عند ذلك؟ قال: لا ما أقاموا فيكم الصلاة. ألا من ولي عليه وال فرآه يأتي شيئًا من معصية الله فليكره ما يأتي من معصية الله تعالى، ولا ينزعن يدًا من طاعة". وفي صحيح مسلم أيضا: من حديث أم سلمة ﵂: أن رسول الله - ﷺ - قال: "ستكون أمراء فتعرفون وتنكرون فمن عرف بريء، ومن أنكر سلم، ولكن من رضى وتابع. قالوا: يا رسول الله أفلا نقاتلهم؟ قال: لا ما صلوا". وأخرج الشيخان في صحيحيهما من حديث ابن عباس ﵄ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "من رأى من أميره شيئا فكرهه فليصبر؛ فإنه ليس أحد يفارق الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة جاهلية". وأخرج مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". والأحاديث في هذا كثيرة.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 82) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 82 · #95966
أنه سمع رسول الله - ﷺ - يقول: "من خلع يدا من طاعة لقي الله يوم القيامة لا حجة له، ومن مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية". والأحاديث في هذا كثيرة. فهذه النصوص تدل على منع القيام عليه، ولو كان مرتكبا لما لا يجوز، إلا إذا ارتكب الكفر الصريح الذي قام البرهان الشرعي من كتاب الله وسنة رسوله - ﷺ -، أنه كفر بواح، أي: ظاهر باد لا لبس فيه. وقد دعا المأمون والمعتصم والواثق إلى بدعة القول بخلق القرآن وعاقبوا العلماء من أجلها بالقتل والضرب والحبس وأنواع الإهانة، ولم يقل أحد بوجوب الخروج عليهم بسبب ذلك، ودام الأمر بضع عشرة سنة حتى ولي المتوكل الخلافة، فأبطل المحنة، وأمر بإظهار السنة. واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 82) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 82 · #95967
ة. واعلم أنه أجمع جميع المسلمين على أنه لا طاعة لإمام ولا غيره في معصية الله تعالى. وقد جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة الصريحة التي لا لبس فيها ولا مطعن. كحديث ابن عمر ﵄ أن رسول الله - ﷺ - قال: "السمع والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره، ما لم يؤمر بمعصية، فإن أمر بمعصية فلا سمع ولا طاعة" أخرجه الشيخان، وأبو داود. وعن علي بن أبي طالب ﵁ عن النبي - ﷺ - أنه قال في السرية الذين أمرهم أميرهم أن يدخلوا في النار: "لو دخلوها ما خرجوا منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف". وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. المسألة الثانية: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 83 · #95968
منها أبدا، إنما الطاعة في المعروف". وفي الكتاب العزيز: ﴿وَلا يَعْصِينَكَ فِي مَعْرُوفٍ﴾. المسألة الثانية: هل يجوز نصب خليفتين كلاهما مستقل دون الآخر؟ في ذلك ثلاثة أقوال: الأول: قول الكرامية بجواز ذلك مطلقا محتجين بأن عليا ومعاوية كانا إمامين واجبي الطاعة كلاهما على من معه، وبأن ذلك يؤدي إلى كون كل واحد منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه. وبأنه لما جاز بعث نبيين في عصر واحد ولم يؤد ذلك إلى إبطال النبوة كانت الإمامة أولى. القول الثاني: قول جماهير العلماء من المسلمين: أنه لا يجوز تعدد الإمام الأعظم، بل يجب كونه واحدا، وأن لا يتولى على قطر من الأقطار إلا أمراؤه المولون من قبله، محتجين بما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث أبي سعيد الخدري ﵁ قال: قال رسول الله - ﷺ -: "إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخر منهما". ولمسلم أيضا: من حديث عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه".
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 83 · #95969
منهما". ولمسلم أيضا: من حديث عرفجة ﵁ قال: سمعت رسول الله - ﷺ - يقول: "من أتاكم وأمركم جميعًا على رجل واحد يريد أن يشق عصاكم أو يفرق جماعتكم فاقتلوه". وفي رواية "فاضربوه بالسيف كائنا من كان" ولمسلم أيضا من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄: "ومن بايع إماما فأعطاه صفقة يده وثمرة قلبه فليطعه إن استطاع، فإن جاء آخر ينازعه فاضربوا عنق الآخر"، ثم قال: سمعته أذناي من رسول الله - ﷺ - ووعاه قلبي. وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع علي لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 83) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 83 · #95970
ول الله - ﷺ - ووعاه قلبي. وأبطلوا احتجاج الكرامية بأن معاوية أيام نزاعه مع علي لم يدع الإمامة لنفسه، وإنما ادعى ولاية الشام بتولية من قبله من الأئمة. ويدل لذلك: إجماع الأمة في عصرهما على أن الإمام أحدهما فقط، لا كل منهما، وأن الاستدلال بكون كل منهما أقوم بما لديه وأضبط لما يليه، وبجواز بعث نبيين في وقت واحد، يرده قوله - ﷺ -: فاقتلوا الآخر منهما، ولأن نصب خليفتين يؤدي إلى الشقاق وحدوث الفتن. القول الثالث: التفصيل فيمنع نصب إمامين في البلد الواحد والبلاد المتقاربة، ويجوز في الأقطار المتنائية كالأندلس وخراسان. قال القرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة ما نصه: لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز في ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. والمشار إليه في كلامه: نصب خليفتين.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 84) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 84 · #95971
لكن إن تباعدت الأقطار وتباينت كالأندلس وخراسان، جاز في ذلك على ما يأتي بيانه إن شاء الله تعالى. انتهى منه بلفظه. والمشار إليه في كلامه: نصب خليفتين. وممن قال بجواز ذلك: الأستاذ أبو إسحاق كما نقله عنه إمام الحرمين، ونقله عنه ابن كثير، والقرطبي في تفسير هذه الآية الكريمة. وقال ابن كثير: قلت: وهذا يشبه حال الخلفاء، بني العباس بالعراق، والفاطميين بمصر، والأمويين بالمغرب. المسألة الثالثة: هل للإمام أن يعزل نفسه؟ قال بعض العلماء: له ذلك. قال القرطبي: والدليل على أن له عزل نفسه قول أبي بكر الصديق ﵁: أقيلوني أقيلوني، وقول الصحابة ﵃: لا نقيلك ولا نستقيلك. قدمك رسول الله - ﷺ - لديننا فمن ذا يؤخرك؟ رضيك رسول الله - ﷺ - لديننا أفلا نرضاك؟ قال: فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 85) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 85 · #95972
لله - ﷺ - لديننا فمن ذا يؤخرك؟ رضيك رسول الله - ﷺ - لديننا أفلا نرضاك؟ قال: فلو لم يكن له ذلك لأنكرت الصحابة ذلك عليه، ولقالت له: ليس لك أن تقول هذا. وقال بعض العلماء: ليس له عزل نفسه؛ لأنه تقلد حقوق المسلمين فليس له التخلي عنها. قال مقيده - عفا الله عنه - إن كان عزله لنفسه لموجب يقتضي ذلك كإخماد فتنة كانت ستشتعل لو لم يعزل نفسه، أو لعلمه من نفسه العجز عن القيام بأعباء الخلافة، فلا نزاع في جواز عزله نفسه. ولذا أجمع جميع المسلمين على الثناء على سبط رسول الله - ﷺ -، الحسن بن علي ﵄، بعزله نفسه وتسليمه الأمر إلى معاوية، بعد أن بايعه أهل العراق؛ حقنا لدماء المسلمين، وأثنى عليه بذلك قبل وقوعه، جده رسول الله - ﷺ - بقوله: "إن ابني هذا سيد، ولعل الله أن يصلح به بين فئتين من المسلمين". أخرجه البخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁. المسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ قال بعض العلماء: لا يجب؛ لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 85) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 85 · #95973
لبخاري وغيره من حديث أبي بكرة ﵁. المسألة الرابعة: هل يجب الإشهاد على عقد الإمامة؟ قال بعض العلماء: لا يجب؛ لأن إيجاب الإشهاد يحتاج إلى دليل من النقل. وهذا لا دليل عليه منه. وقال بعض العلماء: يجب الإشهاد عليه؛ لئلا يدعي مدع أن الإمامة عقدت له سرا، فيؤدي ذلك إلى الشقاق والفتنة. والذين قالوا بوجوب الإشهاد على عقد الإمامة قالوا: يكفي شاهدان خلافا للجبائي في اشتراطه أربعة شهود وعاقدا ومعقودا له، مستنبطا ذلك من ترك عمر الأمر شورى بين ستة فوقع الأمر على عاقد، وهو عبد الرحمن بن عوف ومعقود له، وهو عثمان وبقي الأربعة الآخرون شهودا، ولا يخفى ضعف هذا الاستنباط كما نبه عليه القرطبي وابن كثير والعلم عند الله تعالى. •
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 395) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 395 · #108774
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٣٠] وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (٣٠) وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً. عَطَفَتِ الْوَاوُ قِصَّةَ خَلْقِ أَوَّلِ الْبَشَرِ عَلَى قِصَّةِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ انْتِقَالًا بِهِمْ فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّ اللَّهَ وَاحِدٌ وَعَلَى بُطْلَانِ شِرْكِهِمْ وَتَخَلُّصًا مِنْ ذِكْرِ خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَى خَلْقِ النَّوْعِ الَّذِي هُوَ سُلْطَانُ الْأَرْضِ وَالْمُتَصَرِّفُ فِي أَحْوَالِهَا، لِيَجْمَعَ بَيْنَ تَعَدُّدِ الْأَدِلَّةِ وَبَين مُخْتَلف حوادث تَكْوِينِ الْعَوَالِمِ وَأَصْلِهَا لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مَا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانُوا يُبَاهُونَ بِهِ الْعَرَبَ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 395) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 395 · #108775
ث تَكْوِينِ الْعَوَالِمِ وَأَصْلِهَا لِيَعْلَمَ الْمُسْلِمُونَ مَا عَلِمَهُ أَهْلُ الْكِتَابِ مِنَ الْعِلْمِ الَّذِي كَانُوا يُبَاهُونَ بِهِ الْعَرَبَ وَهُوَ مَا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَاعْلَمْ أَنَّ مَوْقِعَ الدَّلِيلِ بِخَلْقِ آدَمَ عَلَى الْوَحْدَانِيَّةِ هُوَ أَنَّ خَلْقَ أَصْلِ النَّوْعِ أَمْرٌ مُدْرَكٌ بِالضَّرُورَةِ لِأَنَّ كُلَّ إِنْسَانٍ إِذَا لَفَتَ ذِهْنَهُ إِلَى وُجُودِهِ عَلِمَ أَنَّهُ وُجُودٌ مَسْبُوقٌ بِوُجُودِ أَصْلٍ لَهُ بِمَا يُشَاهِدُ مِنْ نَشْأَةِ الْأَبْنَاءِ عَنِ الْآبَاءِ فَيُوقِنُ أَنَّ لِهَذَا النَّوْعِ أَصْلًا أَوَّلَ يَنْتَهِي إِلَيْهِ نُشُوءُهُ، وَإِذْ قَدْ كَانَتِ الْعِبْرَةُ بِخَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا أُدْمِجَتْ فِيهَا مِنَّةٌ وَهِيَ قَوْله: لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢٩] الْمُقْتَضِيَةُ أَنَّ خَلْقَ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَجْلِهِمْ تَهَيَّأَتْ أَنْفُسُهُمْ لِسَمَاعِ قِصَّةِ إِيجَادِ مَنْشَأِ النَّاسِ الَّذِينَ خُلِقَتِ الْأَرْضُ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 395) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 395 · #108776
َضِيَةُ أَنَّ خَلْقَ مَا فِي الْأَرْضِ لِأَجْلِهِمْ تَهَيَّأَتْ أَنْفُسُهُمْ لِسَمَاعِ قِصَّةِ إِيجَادِ مَنْشَأِ النَّاسِ الَّذِينَ خُلِقَتِ الْأَرْضُ لِأَجْلِهِمْ لِيُحَاطَ بِمَا فِي ذَلِكَ مِنْ دَلَائِلِ الْقُدْرَةِ مَعَ عَظِيمِ الْمِنَّةِ وَهِيَ مِنَّةُ الْخَلْقِ الَّتِي نَشَأَتْ عَنْهَا فَضَائِلُ جَمَّةٌ وَمِنَّةُ التَّفْضِيلِ وَمِنَّةُ خِلَافَةِ اللَّهِ فِي الْأَرْضِ، فَكَانَ خَلْقُ أَصْلِنَا هُوَ أَبْدَعَ مَظَاهِرِ إِحْيَائِنَا الَّذِي هُوَ الْأَصْلُ فِي خَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ لَنَا، فَكَانَتِ الْمُنَاسَبَةُ فِي الِانْتِقَالِ إِلَى التَّذْكِيرِ بِهِ وَاضِحَةً مَعَ حُسْنِ التَّخَلُّص إِلَى ذكر خَبَرَهُ الْعَجِيبَ، فَإِيرَادُ وَاوِ الْعَطْفِ هُنَا لِأَجْلِ إِظْهَارِ اسْتِقْلَالِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا فِي عِظَمِ شَأْنِهَا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 395) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 395 · #108777
ى ذكر خَبَرَهُ الْعَجِيبَ، فَإِيرَادُ وَاوِ الْعَطْفِ هُنَا لِأَجْلِ إِظْهَارِ اسْتِقْلَالِ هَذِهِ الْقِصَّةِ فِي حَدِّ ذَاتِهَا فِي عِظَمِ شَأْنِهَا. وَ (إِذْ) مِنْ أَسْمَاءِ الزَّمَانِ الْمُبْهَمَةِ تَدُلُّ عَلَى زَمَانِ نِسْبَةٍ مَاضِيَةٍ وَقَعَتْ فِيهِ نِسْبَةٌ أُخْرَى مَاضِيَةٌ قَارَنَتْهَا، فَ (إِذْ) تَحْتَاجُ إِلَى جُمْلَتَيْنِ جُمْلَةٍ أَصْلِيَّةٍ وَهِيَ الدَّالَّةُ عَلَى الْمَظْرُوفِ وَتِلْكَ هِيَ الَّتِي تَكُونُ مَعَ جَمِيعِ الظُّرُوفِ، وَجُمْلَةٍ تُبَيِّنُ الظَّرْفَ مَا هُوَ، لِأَنَّ (إِذْ) لَمَّا كَانَتْ مُبْهَمَةً احْتَاجَتْ لِمَا يُبَيِّنُ زَمَانَهَا عَنْ بَقِيَّةِ الْأَزْمِنَةِ، فَلِذَلِكَ لَزِمَتْ إِضَافَتُهَا إِلَى الْجُمَلِ أَبَدًا، وَالْأَكْثَرُ فِي الْكَلَامِ أَنْ تَكُونَ إِذْ فِي مَحَلِّ ظَرْفٍ لِزَمَنِ الْفِعْلِ فَتَكُونُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ، وَقَدْ تَخْرُجُ (إِذْ) عَنِ النَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ إِلَى الْمَفْعُولِيَّةِ كَأَسْمَاءِ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 396) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 396 · #108778
فَتَكُونُ فِي مَحَلِّ نَصْبٍ عَلَى الْمَفْعُولِ فِيهِ، وَقَدْ تَخْرُجُ (إِذْ) عَنِ النَّصْبِ عَلَى الظَّرْفِيَّةِ إِلَى الْمَفْعُولِيَّةِ كَأَسْمَاءِ الزَّمَانِ الْمُتَصَرِّفَةِ عَلَى مَا ذَهَبَ إِلَيْهِ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ مُخْتَارُ ابْنِ هِشَامٍ خِلَافًا لِظَاهِرِ كَلَامِ الْجُمْهُورِ، فَهِيَ تَصِيرُ ظَرْفًا مُبْهَمًا مُتَصَرِّفًا، وَقَدْ يُضَافُ إِلَيْهَا اسْمُ زَمَانٍ نَحْوَ يَوْمَئِذٍ وَسَاعَتَئِذٍ فَتُجَرُّ بِإِضَافَةٍ صُورِيَّةٍ لِيَكُونَ ذِكْرُهَا وَسِيلَةً إِلَى حَذْفِ الْجُمْلَةِ الْمُضَافَةِ هِيَ إِلَيْهَا، وَذَلِكَ أَنَّ (إِذْ) مُلَازِمَةٌ لِلْإِضَافَةِ فَإِذَا حُذِفَتْ جُمْلَتُهَا عَلِمَ السَّامِعُ أَنَّ هُنَالِكَ حَذْفًا، فَإِذَا أَرَادُوا أَنْ يَحْذِفُوا جُمْلَةً مَعَ اسْمِ زَمَانٍ غَيْرِ (إِذْ) خَافُوا أَنْ لَا يَهْتَدِيَ السَّامِعُ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ حَتَّى يَتَطَلَّبَ دَلِيلَهُ فَجَعَلُوا إِذْ قَرِينَةً عَلَى إِضَافَةٍ وَحَذَفُوا الْجُمْلَةَ لِيُنَبِّهُوا
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 396) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 396 · #108779
ا يَهْتَدِيَ السَّامِعُ لِشَيْءٍ مَحْذُوفٍ حَتَّى يَتَطَلَّبَ دَلِيلَهُ فَجَعَلُوا إِذْ قَرِينَةً عَلَى إِضَافَةٍ وَحَذَفُوا الْجُمْلَةَ لِيُنَبِّهُوا السَّامِعَ فَيَتَطَلَّبُ دَلِيلَ الْمَحْذُوفِ. وَهِيَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ يَجُوزُ أَنْ تَكُونَ ظَرْفًا وَكَذَلِكَ أَعْرَبَهَا الْجُمْهُورُ وَجَعَلُوهَا مُتَعَلِّقَةً بِقَوْلِهِ: قالُوا وَهُوَ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ الْمَقْصُودُ مِنَ الْقِصَّةِ قَوْلَ الْمَلَائِكَةِ وَذَلِكَ بَعِيدٌ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْعِبْرَةِ هُوَ خِطَابُ اللَّهِ لَهُمْ وَهُوَ مَبْدَأُ الْعِبْرَةِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ تَشْرِيفِ آدَمَ وَتَعْلِيمِهِ بَعْدَ الِامْتِنَانِ بِإِيجَادِ أَصْلِ نَوْعِ النَّاسِ الَّذِي هُوَ مَنَاطُ الْعِبْرَةِ مِنْ قَوْلِهِ: كَيْفَ تَكْفُرُونَ [الْبَقَرَة: ٢٨] الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي نَظِيرِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ الْآتِي: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 396) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 396 · #108780
لْبَقَرَة: ٢٨] الْآيَاتِ، وَلِأَنَّهُ لَا يَتَأَتَّى فِي نَظِيرِهَا وَهُوَ قَوْلُهُ الْآتِي: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [الْبَقَرَة: ٣٤] إِذْ وُجُودُ فَاءِ التَّعْقِيبِ يَمْنَعُ مِنْ جَعْلِ الظَّرْفِ مُتَعَلِّقًا بِمَدْخُولِهَا، وَلِأَنَّ الْأَظْهَرَ أَنَّ قَوْلَهُ: قالُوا حِكَايَةٌ لِلْمُرَاجَعَةِ وَالْمُحَاوَرَةِ عَلَى طَرِيقَةِ أَمْثَالِهِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ. فَالَّذِي يَنْسَاقُ إِلَيْهِ أُسْلُوبُ النَّظْمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ عَلَى جُمْلَةِ:
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 396) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 396 · #108781
اوَرَةِ عَلَى طَرِيقَةِ أَمْثَالِهِ كَمَا سَنُحَقِّقُهُ. فَالَّذِي يَنْسَاقُ إِلَيْهِ أُسْلُوبُ النَّظْمِ فِيهِ أَنْ يَكُونَ الْعَطْفُ عَلَى جُمْلَةِ: خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [الْبَقَرَة: ٢٩] أَيْ خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ وَقَالَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي خَالِقُ أَصْلِ الْإِنْسَانِ لِمَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ ذِكْرَ خَلْقِ مَا فِي الْأَرْضِ وَكَونه لأجلنا يهيىء السَّامِعَ لِتَرَقُّبِ ذِكْرِ شَأْنِنَا بَعْدَ ذِكْرِ شَأْنِ مَا خُلِقَ لِأَجْلِنَا مِنْ سَمَاءٍ وَأَرْضٍ، وَتَكُونُ (إِذْ) عَلَى هَذَا مَزِيدَةً لِلتَّأْكِيدِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: فَإِذْ وَذَلِكَ لَا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ...
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 396) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 396 · #108782
تَّأْكِيدِ قَالَهُ أَبُو عُبَيْدَةَ مَعْمَرُ بْنُ الْمُثَنَّى وَأَنْشَدَ قَوْلَ الْأَسْوَدِ بْنِ يَعْفُرَ: فَإِذْ وَذَلِكَ لَا مَهَاهَ لِذِكْرِهِ ... وَالدَّهْرُ يُعْقِبُ صَالِحًا بِفَسَادِ (هَكَذَا رَوَاهُ فَإِذْ عَلَى أَنْ يَكُونَ فِي الْبَيْتِ زِحَافُ الطَّيِّ، وَفِي رِوَايَةٍ فَإِذَا فَلَا زِحَافَ، وَالْمَهَاهُ بِهَاءَيْنِ الْحُسْنُ وَلَا يُشْكِلُ عَلَيْهِ أَنَّ شَأْنَ الزِّيَادَةِ أَنْ تَكُونَ فِي الْحُرُوفِ لِأَنَّ إِذْ وَإِذا وَنَحْو هما عُومِلَتْ مُعَامَلَةَ الْحُرُوفِ) ، أَوْ أَنْ يَكُونَ عَطْفُ الْقِصَّةِ عَلَى الْقِصَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّهَا تُبْتَدَأُ بِهَا الْقِصَصُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى أَنَّهَا ذُكِرَتْ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 397) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 397 · #108783
ّهَا تُبْتَدَأُ بِهَا الْقِصَصُ الْعَجِيبَةُ الدَّالَّةُ عَلَى قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى، أَلَا تَرَى أَنَّهَا ذُكِرَتْ أَيْضًا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ وَلَمْ تُذْكَرْ فِيمَا بَيْنَهُمَا وَتَكُونُ (إِذْ) اسْمَ زَمَانٍ مَفْعُولًا بِهِ بِتَقْدِيرِ اذْكُرْ، وَنَظِيرُهُ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ تَعْلِيقِ الذِّكْرِ وَالْقِصَّةِ بِالزَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ مَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنَ الْأَحْوَالِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 397) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 397 · #108784
ٌ فِي الْقُرْآنِ، وَالْمَقْصُودُ مِنْ تَعْلِيقِ الذِّكْرِ وَالْقِصَّةِ بِالزَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ مَا حَصَلَ فِي ذَلِكَ الزَّمَانِ مِنَ الْأَحْوَالِ. وَتَخْصِيصُ اسْمِ الزَّمَانِ دُونَ اسْمِ الْمَكَانِ لِأَنَّ النَّاسَ تَعَارَفُوا إِسْنَادَ الْحَوَادِثِ التَّارِيخِيَّةِ وَالْقِصَصِ إِلَى أَزْمَانِ وُقُوعِهَا. وَكَلَامُ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمَلَائِكَةِ أُطْلِقَ عَلَى مَا يَفْهَمُونَ مِنْهُ إِرَادَتَهُ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ بِالْكَلَامِ النَّفْسِيِّ فَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ كَلَامٌ سَمِعُوهُ فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَيْهِ حَقِيقَةً وَإِسْنَادُهُ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّهُ خَلَقَ ذَلِكَ الْقَوْلَ بِدُونِ وَسِيلَةٍ مُعْتَادَةٍ، وَيَحْتَمِلُ أَنَّهُ دَالٌّ آخَرُ عَلَى الْإِرَادَةِ، فَإِطْلَاقُ الْقَوْلِ عَلَيْهِ مَجَازٌ لِأَنَّهُ دَلَالَةٌ لِلْعُقَلَاءِ وَالْمَجَازُ فِيهِ أَقْوَى مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي فِي نَحْوِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا»
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 397) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 397 · #108785
أَنَّهُ دَلَالَةٌ لِلْعُقَلَاءِ وَالْمَجَازُ فِيهِ أَقْوَى مِنَ الْمَجَازِ الَّذِي فِي نَحْوِ قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «اشْتَكَتِ النَّارُ إِلَى رَبِّهَا» وَقَوْلِهِ تَعَالَى: فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ [فصلت: ١١] وَقَوْلِ أَبِي النَّجْمِ: «إِذْ قَالَتِ الْآطَالُ لِلْبَطْنِ الْحَقِ» ، وَلَا طَائِلَ فِي الْبَحْثِ عَنْ تَعَيُّنِ أَحَدِ الِاحْتِمَالَيْنِ. وَالْمَلَائِكَةُ جَمْعُ مَلَكٍ وَأَصْلُ صِيغَةِ الْجمع مَلَائِكَة وَالتَّاءُ لِتَأْكِيدِ الْجَمْعِيَّةِ لِمَا فِي التَّاءِ مِنَ الْإِيذَانِ بِمَعْنَى الْجَمَاعَةِ، وَالظَّاهِرُ أَنَّ تَأْنِيثَ مَلَائِكَةٍ سَرَى إِلَى لُغَةِ الْعَرَبِ مِنْ كَلَامِ الْمُتَنَصِّرِينَ مِنْهُمْ إِذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَمْلَاكَ بَنَاتُ اللَّهِ وَاعْتَقَدَهُ الْعَرَبُ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى:
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 397) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 397 · #108786
مِنْ كَلَامِ الْمُتَنَصِّرِينَ مِنْهُمْ إِذْ كَانُوا يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَمْلَاكَ بَنَاتُ اللَّهِ وَاعْتَقَدَهُ الْعَرَبُ أَيْضًا قَالَ تَعَالَى: وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَناتِ سُبْحانَهُ [النَّحْل: ٥٧] فَمَلَائِكُ جَمْعُ مَلْأَكٍ كَشَمَائِلَ وَشَمْأَلٍ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَيْهِ أَيْضًا قَوْلُ بَعْضِ شُعَرَاءِ عَبْدِ الْقَيْسِ أَوْ غَيْرِهِ: وَلَسْتَ لِإِنْسِيٍّ وَلَكِنْ لِمَلْأَكٍ ... تَنَزَّلَ مِنْ جَوِّ السَّمَاءِ يَصُوبُ (١) ثُمَّ قَالُوا مَلَكٌ تَخْفِيفًا. وَقَدِ اخْتَلَفُوا فِي اشْتِقَاقِهِ فَقَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ هُوَ مَفْعَلٌ مِنْ لَأَكَ بِمَعْنَىُُ أَرْسَلَ وَمِنْهُ قَوْلُهُمْ فِي الْأَمْرِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ أَلِكْنِي أَلِيهِ أَيْ كُنْ رَسُولِي إِلَيْهِ وَأَصْلُ أَلِكْنِي أَلْإِكْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِعْلٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108787
مْ فِي الْأَمْرِ بِتَبْلِيغِ رِسَالَةِ أَلِكْنِي أَلِيهِ أَيْ كُنْ رَسُولِي إِلَيْهِ وَأَصْلُ أَلِكْنِي أَلْإِكْنِي وَإِنْ لَمْ يُعْرَفْ لَهُ فِعْلٌ. وَإِنَّمَا اشْتُقَّ اسْمُ الْمَلَكِ مِنَ الْإِرْسَالِ لِأَنَّ الْمَلَائِكَةَ رُسُلُ اللَّهِ إِمَّا بِتَبْلِيغٍ أَوْ تَكْوِينٍ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «ثُمَّ يُرْسِلُ إِلَيْهِ (أَيْ لِلْجَنِينِ فِي بَطْنِ أُمِّهِ) الْمَلَكَ فَيَنْفُخُ فِيهِ الرُّوحَ» ، فَعَلَى هَذَا الْقَوْلِ هُوَ مَصْدَرٌ مِيمِيٌّ بِمَعْنَى اسْمِ الْمَفْعُولِ، وَقَالَ الْكِسَائِيُّ هُوَ مَقْلُوبٌ وَوَزْنُهُ الْآنَ مَعْفُلٌ وَأَصْلُهُ مَأْلَكٌ مِنَ الْأَلُوكِ وَالْأَلُوكَةُ وَهِيَ الرِّسَالَةُ وَيُقَالُ مَأْلَكٌ وَمَأْلَكَةٌ (بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا) فَقَلَبُوا فِيهِ قَلْبًا مَكَانِيًّا فَقَالُوا مَلْأَكٌ فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108788
َةُ وَيُقَالُ مَأْلَكٌ وَمَأْلَكَةٌ (بِفَتْحِ اللَّامِ وَضَمِّهَا) فَقَلَبُوا فِيهِ قَلْبًا مَكَانِيًّا فَقَالُوا مَلْأَكٌ فَهُوَ صِفَةٌ مُشَبَّهَةٌ. وَقَالَ ابْنُ كَيْسَانَ هُوَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْمَلْكِ (بِفَتْحِ الْمِيمِ وَسُكُونِ اللَّامِ) وَالْمَلْكُ بِمَعْنَى الْقُوَّةِ قَالَ تَعَالَى: عَلَيْها مَلائِكَةٌ غِلاظٌ شِدادٌ [التَّحْرِيم: ٦] وَالْهَمْزَةُ مَزِيدَةٌ فَوَزْنُهُ فَعْأَلٌ بِسُكُونِ الْعَيْنِ وَفَتْحِ الْهَمْزَةِ كَشَمْأَلٍ، وَرُدَّ بِأَنَّ دَعْوَى زِيَادَةِ حَرْفٍ بِلَا فَائِدَةٍ دَعْوَى بَعِيدَةٌ، وَرُدَّ مَذْهَبُ الْكِسَائِيِّ بِأَنَّ الْقَلْبَ خِلَافُ الْأَصْلِ، فَرُجِّحَ مَذْهَبُ أَبِي عُبَيْدَةَ، وَنَقَلَ الْقُرْطُبِيُّ عَنِ النَّضْرِ بْنِ شُمَيْلٍ أَنَّهُ قَالَ لَا اشْتِقَاقَ لِلْمَلَكِ عِنْدَ الْعَرَبِ يُرِيدُ أَنَّهُمْ عَرَّبُوهُ مِنَ اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ التَّوْرَاةَ سَمَّتِ الْمَلَكَ مَلَاكًا بِالتَّخْفِيفِ، وَلَيْسَ وُجُودُ كَلِمَةٍ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108789
هُمْ عَرَّبُوهُ مِنَ اللُّغَةِ الْعِبْرَانِيَّةِ وَيُؤَيِّدُهُ أَنَّ التَّوْرَاةَ سَمَّتِ الْمَلَكَ مَلَاكًا بِالتَّخْفِيفِ، وَلَيْسَ وُجُودُ كَلِمَةٍ مُتَقَارِبَةِ اللَّفْظِ وَالْمَعْنَى فِي لُغَتَيْنِ بِدَالٍّ عَلَى أَنَّهَا مَنْقُولَةٌ مِنْ إِحْدَاهُمَا إِلَى الْأُخْرَى إِلَّا بِأَدِلَّةٍ أُخْرَى. وَالْمَلَائِكَةُ مَخْلُوقَاتٌ نُورَانِيَّةٌ سَمَاوِيَّةٌ مَجْبُولَةٌ عَلَى الْخَيْرِ قَادِرَةٌ عَلَى التَّشَكُّلِ فِي خَرْقِ الْعَادَةِ لِأَنَّ النُّورَ قَابِلٌ لِلتَّشَكُّلِ فِي كَيْفِيَّاتٍ وَلِأَنَّ أَجْزَاءَهُ لَا تَتَزَاحَمُ وَنُورُهَا لَا شُعَاعَ لَهُ فَلِذَلِكَ لَا تُضِيءُ إِذَا اتَّصَلَتْ بِالْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ وَإِنَّمَا تَتَشَكَّلُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108790
الْأَرْضِيِّ وَإِنَّمَا تَتَشَكَّلُ إِذَا أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَظْهَرَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضِ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ عَلَى وَجْهِ خَرْقِ الْعَادَةِ. وَقَدْ جَعَلَ اللَّهُ تَعَالَى لَهَا قُوَّةَ التَّوَجُّهِ إِلَى الْأَشْيَاءِ الَّتِي يُرِيدُ اللَّهُ تَكْوِينَهَا فَتَتَوَلَّى التَّدْبِيرَ لَهَا وَلِهَذِهِ التَّوَجُّهَاتِ الْمَلَكِيَّةِ حَيْثِيَّاتٌ وَمَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ تَتَعَذَّرُ الْإِحَاطَةُ بِهَا وَهِيَ مُضَادَّةٌ لِتَوَجُّهَاتِ الشَّيَاطِينِ، فَالْخَوَاطِرُ الْخَيْرِيَّةُ مِنْ تَوَجُّهَاتِ الْمَلَائِكَةِ وَعَلَاقَتِهَا بِالنُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ وَبِعَكْسِهَا خَوَاطِرُ الشَّرِّ. وَالْخَلِيفَةُ فِي الْأَصْلِ الَّذِي يَخْلُفُ غَيْرَهُ أَوْ يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ كَالْعَلَامَةِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108791
هُ أَوْ يَكُونُ بَدَلًا عَنْهُ فِي عَمَلٍ يَعْمَلُهُ، فَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعِلٍ وَالتَّاءُ فِيهِ لِلْمُبَالَغَةِ فِي الْوَصْفِ كَالْعَلَامَةِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْخَلِيفَةِ هُنَا إِمَّا الْمَعْنَى الْمَجَازِيُّ وَهُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى عَمَلًا يُرِيدُهُ الْمُسْتَخْلَفُ مِثْلَ الْوَكِيلِ وَالْوَصِيِّ، أَيْ جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ مُدَبِّرًا يَعْمَلُ مَا نُرِيدُهُ فِي الْأَرْضِ فَهُوَ اسْتِعَارَةٌ أَوْ مَجَازٌ مُرْسَلٌ وَلَيْسَ بِحَقِيقَةٍ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَكُنْ حَالًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا عَامِلًا فِيهَا الْعَمَلَ الَّذِي أَوْدَعَهُ فِي الْإِنْسَانِ وَهُوَ السَّلْطَنَةُ عَلَى مَوْجُودَاتِ الْأَرْضِ،
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 398) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 398 · #108792
مْ يَكُنْ حَالًّا فِي الْأَرْضِ وَلَا عَامِلًا فِيهَا الْعَمَلَ الَّذِي أَوْدَعَهُ فِي الْإِنْسَانِ وَهُوَ السَّلْطَنَةُ عَلَى مَوْجُودَاتِ الْأَرْضِ، وَلِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمْ يَتْرُكْ عَمَلًا كَانَ يَعْمَلُهُ فَوَكَلَهُ إِلَى الْإِنْسَانِ بَلِ التَّدْبِيرُ الْأَعْظَمُ لَمْ يَزَلْ لِلَّهِ تَعَالَى فَالْإِنْسَانُ هُوَ الْمَوْجُودُ الْوَحِيدُ الَّذِي اسْتَطَاعَ بِمَا أَوْدَعَ اللَّهُ فِي خِلْقَتِهِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي مَخْلُوقَاتِ الْأَرْضِ بِوُجُوهٍ عَظِيمَةٍ لَا تَنْتَهِي خِلَافَ غَيْرِهِ مِنَ الْحَيَوَانِ، وَإِمَّا أَنْ يُرَادَ مِنَ الْخَلِيفَةِ مَعْنَاهُ الْحَقِيقِيُّ إِذَا صَحَّ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مَعْمُورَةً مِنْ قَبْلُ بِطَائِفَةٍ مِنَ الْمَخْلُوقَاتِ يُسَمَّوْنَ الْحِنَّ وَالْبِنَّ- بِحَاءٍ مُهْمِلَةٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ فِي الْأَوَّلِ، وَبِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ فِي الثَّانِي- وَقِيلَ اسْمُهُمُ الطَّمُّ وَالرَّمُّ- بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا-، وَأَحْسَبُهُ مِنَ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 399) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 399 · #108793
نٍ فِي الْأَوَّلِ، وَبِمُوَحَّدَةٍ مَكْسُورَةٍ وَنُونٍ فِي الثَّانِي- وَقِيلَ اسْمُهُمُ الطَّمُّ وَالرَّمُّ- بِفَتْحِ أَوَّلِهِمَا-، وَأَحْسَبُهُ مِنَ الْمَزَاعِمِ، وَأَنَّ وَضْعَ هَذَيْنِ الِاسْمَيْنِ مِنْ بَابِ قَوْلِ النَّاسِ: هَيَّانُ بْنُ بَيَّانٍ إِشَارَةً إِلَى غَيْرِ مَوْجُودٍ أَوْ غَيْرِ مَعْرُوفٍ. وَلَعَلَّ هَذَا أَنْجَزُ لِأَهْلِ الْقَصَصِ مِنْ خُرَافَاتِ الْفُرْسِ أَوِ الْيُونَانِ فَإِنَّ الْفُرْسَ زَعَمُوا أَنَّهُ كَانَ قَبْلَ الْإِنْسَانِ فِي الْأَرْضِ جِنْسٌ اسْمُهُ الطَّمُّ وَالرَّمُّ كَانَ الْيُونَانُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْأَرْضَ كَانَتْ مَعْمُورَةً بِمَخْلُوقَاتٍ تُدْعَى التِيتَانَ وَأَنَّ زُفَسَ وَهُوَ الْمُشْتَرِي كَبِيرُ الْأَرْبَابِ فِي اعْتِقَادِهِمْ جَلَّاهُمْ مِنَ الْأَرْضِ لِفَسَادِهِمْ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 399) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 399 · #108794
بِمَخْلُوقَاتٍ تُدْعَى التِيتَانَ وَأَنَّ زُفَسَ وَهُوَ الْمُشْتَرِي كَبِيرُ الْأَرْبَابِ فِي اعْتِقَادِهِمْ جَلَّاهُمْ مِنَ الْأَرْضِ لِفَسَادِهِمْ. وَكُلُّ هَذَا يُنَافِيهِ سِيَاقُ الْآيَةِ فَإِنَّ تَعْقِيبَ ذِكْرِ خَلْقِ الْأَرْضِ ثُمَّ السَّمَاوَاتِ بِذِكْرِ إِرَادَتِهِ تَعَالَى جَعْلَ الْخَلِيفَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ جَعْلَ الْخَلِيفَةِ كَانَ أَوَّلَ الْأَحْوَالِ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ خَلْقِهَا فَالْخَلِيفَةُ هُنَا الَّذِي يَخْلُفُ صَاحِبَ الشَّيْءِ فِي التَّصَرُّفِ فِي مَمْلُوكَاتِهِ وَلَا يَلْزَمُ أَن يكون المخلوف مُسْتَقِرًّا فِي الْمَكَانِ مِنْ قَبْلُ، فَالْخَلِيفَةُ آدَمُ وَخَلَفِيَّتُهُ قِيَامُهُ بِتَنْفِيذِ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ تَعْمِيرِ الْأَرْضِ بِالْإِلْهَامِ أَوْ بِالْوَحْيِ وَتَلْقِينِ ذُرِّيَّتِهِ مُرَادَ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ، وَمِمَّا يَشْمَلُهُ هَذَا التَّصَرُّفُ تَصَرُّفُ آدَمَ بِسَنِّ النِّظَامِ لِأَهْلِهِ وَأَهَالِيهِمْ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 399) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 399 · #108795
لَّهِ تَعَالَى مِنْ هَذَا الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ، وَمِمَّا يَشْمَلُهُ هَذَا التَّصَرُّفُ تَصَرُّفُ آدَمَ بِسَنِّ النِّظَامِ لِأَهْلِهِ وَأَهَالِيهِمْ عَلَى حَسَبِ وَفْرَةِ عَدَدِهِمْ وَاتِّسَاعِ تَصَرُّفَاتِهِمْ، فَكَانَتِ الْآيَةُ مِنْ هَذَا الْوَجْهِ إِيمَاءً إِلَى حَاجَةِ الْبَشَرِ إِلَى إِقَامَةِ خَلِيفَةٍ لِتَنْفِيذِ الْفَصْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي مُنَازَعَاتِهِمْ إِذْ لَا يَسْتَقِيمُ نِظَامٌ يَجْمَعُ الْبَشَرَ بِدُونِ ذَلِكَ، وَقَدْ بَعَثَ اللَّهُ الرُّسُلَ وَبَيَّنَ الشَّرَائِعَ فَرُبَّمَا اجْتَمَعَتِ الرِّسَالَةُ وَالْخِلَافَةُ وَرُبَّمَا انْفَصَلَتَا بِحَسَبِ مَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ شَرَائِعِهِ إِلَى أَنْ جَاءَ الْإِسْلَامُ فَجَمَعَ الرِّسَالَةَ وَالْخِلَافَةَ لِأَنَّ دِينَ الْإِسْلَامِ غَايَةُ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى مِنَ الشَّرَائِعِ وَهُوَ الشَّرِيعَةُ الْخَاتِمَةُ وَلِأَنَّ امْتِزَاجَ الدِّينِ وَالْمُلْكِ هُوَ أَكْمَلُ مَظَاهِرِ الْخُطَّتَيْنِ قَالَ تَعَالَى: وَما
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 399) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 399 · #108796
نَ الشَّرَائِعِ وَهُوَ الشَّرِيعَةُ الْخَاتِمَةُ وَلِأَنَّ امْتِزَاجَ الدِّينِ وَالْمُلْكِ هُوَ أَكْمَلُ مَظَاهِرِ الْخُطَّتَيْنِ قَالَ تَعَالَى: وَما أَرْسَلْنا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا لِيُطاعَ بِإِذْنِ اللَّهِ [النِّسَاء: ٦٤] وَلِهَذَا أَجْمَعَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ بَعْدَ وَفَاةِ النَّبِيءِ ﷺ عَلَى إِقَامَةِ الْخَلِيفَةِ لِحِفْظِ نِظَامِ الْأُمَّةِ وَتَنْفِيذِ الشَّرِيعَةِ وَلَمْ يُنَازِعْ فِي ذَلِكَ أَحَدٌ مِنَ الْخَاصَّةِ وَلَا مِنَ الْعَامَّةِ إِلَّا الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى، مِنْ جُفَاةِ الْأَعْرَابِ وَدُعَاةِ الْفِتْنَةِ فَالْمُنَاظَرَةُ مَعَ أَمْثَالِهِمْ سُدًى. وَلِلْخَلِيفَةِ شُرُوطٌ مَحَلُّ بَيَانِهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَسَتَجِيءُ مُنَاسَبَتُهَا فِي آيَاتٍ آتِيَةٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 399) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 399 · #108797
َةُ مَعَ أَمْثَالِهِمْ سُدًى. وَلِلْخَلِيفَةِ شُرُوطٌ مَحَلُّ بَيَانِهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْكَلَامِ، وَسَتَجِيءُ مُنَاسَبَتُهَا فِي آيَاتٍ آتِيَةٍ. وَالظَّاهِرُ أَنَّ خِطَابَهُ تَعَالَى هَذَا لِلْمَلَائِكَةِ كَانَ عِنْدَ إِتْمَامِ خَلْقِ آدَمَ عِنْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ أَوْ قَبْلَ النَّفْخِ وَالْأَوَّلُ أَظْهَرُ، فَيَكُونُ الْمُرَادُ بِالْمُخْبَرِ عَنْ جَعْلِهِ خَلِيفَةً هُوَ ذَلِكَ الْمَخْلُوقُ كَمَا يَقُولُ الَّذِي كَتَبَ كِتَابًا بِحَضْرَةِ جَلِيسٍ إِنِّي مُرْسِلٌ كِتَابًا إِلَى فُلَانٍ فَإِنَّ السَّامِعَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ ذَلِكَ الَّذِي هُوَ بِصَدَدِ كِتَابَتِهِ كِتَابٌ لِفُلَانٍ، وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ خِطَابُهُمْ بِذَلِكَ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ، وَعَلَى الْوُجُوهِ كُلِّهَا يَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: جاعِلٌ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ وَصْفَ الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لِآدَمَ سَاعَتَئِذٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 400) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 400 · #108798
ُلِّهَا يَكُونُ اسْمُ الْفَاعِلِ فِي قَوْلِهِ: جاعِلٌ لِلزَّمَنِ الْمُسْتَقْبَلِ لِأَنَّ وَصْفَ الْخَلِيفَةِ لَمْ يَكُنْ ثَابِتًا لِآدَمَ سَاعَتَئِذٍ. وَقَوْلُ اللَّهِ هَذَا مُوَجَّهٌ إِلَى الْمَلَائِكَةِ عَلَى وَجْهِ الْإِخْبَارِ لِيَسُوقَهُمْ إِلَى مَعْرِفَةِ فَضْلِ الْجِنْسِ الْإِنْسَانِيِّ عَلَى وَجْهٍ يُزِيلُ مَا عَلِمَ اللَّهُ أَنَّهُ فِي نُفُوسِهِمْ مِنْ سُوءِ الظَّنِّ بِهَذَا الْجِنْسِ، وَلِيَكُونَ كَالِاسْتِشَارَةٍ لَهُمْ تَكْرِيمًا لَهُمْ فَيَكُونُ تَعْلِيمًا فِي قَالَبِ تَكْرِيمٍ مِثْلَ إِلْقَاءِ الْمُعَلِّمِ فَائِدَةً لِلتِّلْمِيذِ فِي صُورَةِ سُؤَالٍ وَجَوَابٍ وَلِيَسُنَّ الِاسْتِشَارَةَ فِي الْأُمُورِ، وَلِتَنْبِيهِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا دَقَّ وَخَفِيَ مِنْ حِكْمَةِ خَلْقِ آدَمَ كَذَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 400) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 400 · #108799
يَسُنَّ الِاسْتِشَارَةَ فِي الْأُمُورِ، وَلِتَنْبِيهِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى مَا دَقَّ وَخَفِيَ مِنْ حِكْمَةِ خَلْقِ آدَمَ كَذَا ذَكَرَ الْمُفَسِّرُونَ. وَعِنْدِي أَنْ هَاتِهِ الِاسْتِشَارَةَ جُعِلَتْ لِتَكُونَ حَقِيقَةً مُقَارَنَةً فِي الْوُجُودِ لِخَلْقِ أَوَّلِ الْبَشَرِ حَتَّى تَكُونَ نَامُوسًا أُشْرِبَتْهُ نُفُوسُ ذُرِّيَّتِهِ لِأَنَّ مُقَارَنَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمَعَانِي لِتَكْوِينِ شَيْءٍ مَا، تُؤْثِرُ تَآلُفًا بَيْنَ ذَلِكَ الْكَائِنِ وَبَيْنَ الْمُقَارَنِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 400) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 400 · #108800
لِأَنَّ مُقَارَنَةَ شَيْءٍ مِنَ الْأَحْوَالِ وَالْمَعَانِي لِتَكْوِينِ شَيْءٍ مَا، تُؤْثِرُ تَآلُفًا بَيْنَ ذَلِكَ الْكَائِنِ وَبَيْنَ الْمُقَارَنِ. وَلَعَلَّ هَذَا الِاقْتِرَانَ يَقُومُ فِي الْمَعَانِي الَّتِي لَا تُوجَدُ إِلَّا تَبَعًا لِذَوَاتِ مَقَامِ أَمْرِ التَّكْوِينِ فِي الذَّوَاتِ فَكَمَا أَنَّ أَمْرَهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَيْ إِنْشَاءَ ذَاتٍ أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ، كَذَلِكَ أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ اقْتِرَانَ مَعْنًى بِذَاتٍ أَوْ جِنْسٍ أَنْ يُقَدَّرَ حُصُولَ مَبْدَأِ ذَلِكَ الْمَعْنَى عِنْدَ تَكْوِينِ أَصْلِ ذَلِكَ الْجِنْسِ أَوْ عِنْدَ تَكْوِينِ الذَّاتِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَبُولُ الْعِلْمِ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء عِنْد مَا خَلَقَهُ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 400) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 400 · #108801
، أَلَا تَرَى أَنَّهُ تَعَالَى لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَكُونَ قَبُولُ الْعِلْمِ مِنْ خَصَائِصِ الْإِنْسَانِ عَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاء عِنْد مَا خَلَقَهُ. وَهَذَا هُوَ وَجْهُ مَشْرُوعِيَّةِ تَسْمِيَةِ اللَّهِ تَعَالَى عِنْدَ الشُّرُوعِ فِي الْأَفْعَالِ لِيَكُونَ اقْتِرَانُ ابْتِدَائِهَا بِلَفْظِ اسْمِهِ تَعَالَى مُفِيضًا لِلْبَرَكَةِ عَلَى جَمِيعِ أَجْزَاءِ ذَلِكَ الْفِعْلِ، وَلِهَذَا أَيْضًا طَلَبَتْ مِنَّا الشَّرِيعَةُ تَخَيُّرَ أَكْمَلِ الْحَالَاتِ وَأَفْضَلِ الْأَوْقَاتِ لِلشُّرُوعِ فِي فَضَائِلِ الْأَعْمَالِ وَمُهِمَّاتِ الْمُطَالِبِ، وَتَقَدَّمَ هَذَا فِي الْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ، وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّورَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 400) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 400 · #108802
لْكَلَامِ عَلَى الْبَسْمَلَةِ، وَسَنَذْكُرُ مَا يَتَعَلَّقُ بِالشُّورَى عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَشاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ وَأُسْنِدَتْ حِكَايَةُ هَذَا الْقَوْلِ إِلَى اللَّهِ سُبْحَانَهُ بِعُنْوَانِ الرَّبِّ لِأَنَّهُ قَول منبىء عَنْ تَدْبِيرٍ عَظِيمٍ فِي جَعْلِ الْخَلِيفَةِ فِي الْأَرْضِ، فَفِي ذَلِكَ الْجَعْلِ نِعْمَةُ تَدْبِيرٍ مَشُوبٍ بِلُطْفٍ وَصَلَاحٍ وَذَلِكَ مِنْ مَعَانِي الرُّبُوبِيَّةِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ [الْفَاتِحَة: ٢] ، وَلَمَّا كَانَتْ هَذِهِ النِّعْمَةُ شَامِلَةً لِجَمِيعِ النَّوْعِ أُضِيفَ وَصْفُ الرَّبِّ إِلَى ضَمِيرِ أَشْرَفِ أَفْرَادِ النَّوْعِ وَهُوَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعَ تَكْرِيمِهِ بِشَرَفِ حُضُورِ الْمُخَاطَبَةِ. قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 401) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 401 · #108803
وْعِ وَهُوَ النَّبِيءُ مُحَمَّدٌ ﷺ مَعَ تَكْرِيمِهِ بِشَرَفِ حُضُورِ الْمُخَاطَبَةِ. قالُوا أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها وَيَسْفِكُ الدِّماءَ. هَذَا جَوَابُ الْمَلَائِكَةِ عَنْ قَوْلِ اللَّهِ لَهُمْ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً فَالتَّقْدِيرُ فَقَالُوا عَلَى وِزَانِ قَوْلِهِ: وَإِذْ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا [الْبَقَرَة: ٣٤] وَفَصَلَ الْجَوَابَ وَلَمْ يَعْطِفْ بِالْفَاءِ أَوِ الْوَاوِ جَرْيًا بِهِ عَلَى طَرِيقَةٍ مُتَّبَعَةٍ فِي الْقُرْآنِ فِي حِكَايَةِ الْمُحَاوَرَاتِ وَهِيَ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ قَالَ زُهَيْرٌ: قِيلَ لَهُمْ أَلَا ارْكَبُوا أَلَاتَا ... قَالُوا جَمِيعًا كُلُّهُمْ آلَافَا أَيْ فَارْكَبُوا وَلَمْ يَقُلْ فَقَالُوا. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلْمَى وَإِنْ ...
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 401) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 401 · #108804
مِيعًا كُلُّهُمْ آلَافَا أَيْ فَارْكَبُوا وَلَمْ يَقُلْ فَقَالُوا. وَقَالَ رُؤْبَةُ بْنُ الْعَجَّاجِ: قَالَتْ بَنَاتُ الْعَمِّ يَا سَلْمَى وَإِنْ ... كَانَ فَقِيرًا مُعْدَمًا قَالَتْ وَإِنْ وَإِنَّمَا حَذَفُوا الْعَاطِفَ فِي أَمْثَالِهِ كَرَاهِيَةَ تَكْرِيرِ الْعَاطِفِ بِتَكْرِيرِ أَفْعَالِ الْقَوْلِ فَإِنَّ الْمُحَاوَرَةَ تَقْتَضِي الْإِعَادَةَ فِي الْغَالِبِ فَطَرَدُوا الْبَابَ فَحَذَفُوا الْعَاطِفَ فِي الْجَمِيعِ وَهُوَ كَثِيرٌ فِي التَّنْزِيلِ وَرُبَّمَا عَطَفُوا ذَلِكَ بِالْفَاءِ لِنُكْتَةٍ تَقْتَضِي مُخَالَفَةَ الِاسْتِعْمَالِ وَإِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ هُوَ الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أُسْبَقْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَسَالِيبِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 401) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 401 · #108805
إِنْ كَانَ الْعَطْفُ بِالْفَاءِ هُوَ الظَّاهِرُ وَالْأَصْلُ، وَهَذَا مِمَّا لَمْ أُسْبَقْ إِلَى كَشْفِهِ مِنْ أَسَالِيبِ الِاسْتِعْمَالِ الْعَرَبِيِّ. وَمِمَّا عُطِفَ بِالْفَاءِ قَوْلُهُ تَعَالَى: فَقالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ فَقالَ الْمَلَأُ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنِينَ [٢٣، ٢٤] وَقَدْ يُعْطَفُ بِالْوَاوِ أَيْضًا كَمَا فِي قَوْلِهِ: فَأَرْسَلْنا فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرُهُ أَفَلا تَتَّقُونَ وَقالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِلَخْ فِي سُورَةِ الْمُؤْمِنُونَ [٣٢، ٣٣] وَذَلِكَ إِذَا لَمْ يَكُنِ الْمَقْصُودُ حِكَايَةَ التَّحَاوُرِ بَلْ قَصْدُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَقْوَالٍ جَرَتْ أَوْ كَانَتِ الْأَقْوَالُ الْمَحْكِيَّةُ مِمَّا جَرَى فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 401) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 401 · #108806
ُ الْإِخْبَارِ عَنْ أَقْوَالٍ جَرَتْ أَوْ كَانَتِ الْأَقْوَالُ الْمَحْكِيَّةُ مِمَّا جَرَى فِي أَوْقَاتٍ مُتَفَرِّقَةٍ أَوْ أَمْكِنَةٍ مُتَفَرِّقَةٍ. وَيَظْهَرُ ذَلِكَ لَكَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا اقْتُلُوا أَبْناءَ الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ [غَافِر: ٢٥] إِلَى قَوْلِهِ: وَقالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسى [٢٦] ثُمَّ قَالَ تَعَالَى: وَقالَ مُوسى إِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ [٢٧] ثُمَّ قَالَ: وَقالَ رَجُلٌ مُؤْمِنٌ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [٢٨] الْآيَةَ فِي سُورَةِ غَافِرٍ، وَلَيْسَ قَوْلِهِ: قالُوا أَتَجْعَلُ جَوَابا لإذ عَامِلًا فِيهَا لِمَا قَدَّمْنَاهُ آنِفًا مِنْ أَنَّهُ يُفْضِي إِلَى أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيها هُوَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِصَّةِ وَأَنْ تَصِيرَ جُمْلَةُ (إِذْ) تَابِعَةً لَهُ إِذِ الظَّرْفُ تَابِعٌ لِلْمَظْرُوفِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 401) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 401 · #108807
ونَ قَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيها هُوَ الْمَقْصُودَ مِنَ الْقِصَّةِ وَأَنْ تَصِيرَ جُمْلَةُ (إِذْ) تَابِعَةً لَهُ إِذِ الظَّرْفُ تَابِعٌ لِلْمَظْرُوفِ. وَالِاسْتِفْهَامُ الْمَحْكِيُّ عَنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ مَحْمُولٌ عَلَى حَقِيقَتِهِ مُضَمَّنٌ مَعْنَى التَّعَجُّبِ وَالِاسْتِبْعَادِ مِنْ أَنْ تَتَعَلَّقَ الْحِكْمَةُ بِذَلِكَ فَدَلَالَةُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى ذَلِكَ هُنَا بِطَرِيقِ الْكِنَايَةِ مَعَ تَطَلُّبِ مَا يُزِيلُ إِنْكَارَهُمْ وَاسْتِبْعَادَهُمْ فَلِذَلِكَ تَعَيَّنَ بَقَاءُ الِاسْتِفْهَامِ عَلَى حَقِيقَتِهِ خِلَافًا لِمَنْ تَوَهَّمَ الِاسْتِفْهَامَ هُنَا لِمُجَرَّدِ التَّعَجُّبِ، وَالَّذِي أَقْدَمَ الْمَلَائِكَةَ عَلَى هَذَا السُّؤَالِ أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ اللَّهَ لَمَّا أَخْبَرَهُمْ أَرَادَ مِنْهُمْ إِظْهَارَ عِلْمِهِمْ تُجَاهَ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْ كُلِّ مُؤَارَبَةٍ فَلَمَّا نَشَأَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ أَفْصَحَتْ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 402) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 402 · #108808
جَاهَ هَذَا الْخَبَرِ لِأَنَّهُمْ مَفْطُورُونَ عَلَى الصِّدْقِ وَالنَّزَاهَةِ مِنْ كُلِّ مُؤَارَبَةٍ فَلَمَّا نَشَأَ ذَلِكَ فِي نُفُوسِهِمْ أَفْصَحَتْ عَنْهُ دَلَالَةٌ تَدُلُّ عَلَيْهِ يَعْلَمُهَا اللَّهُ تَعَالَى من أَحْوَالهم لَا سِيمَا إِذَا كَانَ مِنْ تَمَامِ الِاسْتِشَارَةِ أَنْ يُبْدِيَ الْمُسْتَشَارُ مَا يَرَاهُ نُصْحًا وَفِي الْحَدِيثِ: «الْمُسْتَشَارُ مُؤْتَمَنٌ وَهُوَ بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَتَكَلَّمْ» يَعْنِي إِذَا تَكَلَّمَ فَعَلَيْهِ أَدَاءُ أَمَانَةِ النَّصِيحَةِ. وَعَبَّرَ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ لِلْإِيمَاءِ إِلَى وَجْهِ بِنَاءِ الْكَلَامِ وَهُوَ الِاسْتِفْهَامُ وَالتَّعَجُّبُ لِأَنَّ مَنْ كَانَ مِنْ شَأْنِهِ الْفَسَادُ وَالسَّفْكُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْمِيرِ لِأَنَّهُ إِذَا عُمِّرَ نَقْضَ مَا عَمَّرَهُ. وَعَطْفُ سَفْكِ الدِّمَاءِ عَلَى الْإِفْسَادِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 402) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 402 · #108809
السَّفْكُ لَا يَصْلُحُ لِلتَّعْمِيرِ لِأَنَّهُ إِذَا عُمِّرَ نَقْضَ مَا عَمَّرَهُ. وَعَطْفُ سَفْكِ الدِّمَاءِ عَلَى الْإِفْسَادِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِ. وَتَكْرِيرُ ضَمِيرِ (الْأَرْضِ) لِلِاهْتِمَامِ بِهَا وَالتَّذْكِيرِ بِشَأْنِ عُمْرَانِهَا وَحِفْظِ نِظَامِهَا لِيَكُونَ ذَلِكَ أَدْخَلَ فِي التَّعَجُّبِ مِنِ اسْتِخْلَافِ آدَمَ وَفِي صَرْفِ إِرَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى عَنْ ذَلِكَ إِنْ كَانَ فِي الِاسْتِشَارَةِ ائْتِمَارٌ. وَالْإِفْسَادُ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ [الْبَقَرَة: ١٢] . وَالسَّفْكُ الْإِرَاقَةُ وَقَدْ غَلَبَ فِي كَلَامِهِمْ تَعْدِيَتُهُ إِلَى الدِّمَاءِ وَأَمَّا إِرَاقَةُ غَيْرِ الدَّمِ فَهِيَ سَفْحٌ بِالْحَاءِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 402) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 402 · #108810
٢] . وَالسَّفْكُ الْإِرَاقَةُ وَقَدْ غَلَبَ فِي كَلَامِهِمْ تَعْدِيَتُهُ إِلَى الدِّمَاءِ وَأَمَّا إِرَاقَةُ غَيْرِ الدَّمِ فَهِيَ سَفْحٌ بِالْحَاءِ. وَفِي الْمَجِيءِ بِالصِّلَةِ جُمْلَةً فِعْلِيَّةً دَلَالَةٌ عَلَى تَوَقُّعِ أَنْ يَتَكَرَّرَ الْإِفْسَادُ وَالسَّفْكُ مِنْ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَإِنَّمَا ظَنُّوا هَذَا الظَّنَّ بِهَذَا الْمَخْلُوقِ مِنْ جِهَةِ مَا اسْتَشْعَرُوهُ مِنْ صِفَاتِ هَذَا الْمَخْلُوقِ الْمُسْتَخْلَفِ بِإِدْرَاكِهِمُ النُّورَانِيِّ لِهَيْئَةِ تَكْوِينِهِ الْجَسَدِيَّةِ وَالْعَقْلِيَّةِ وَالنُّطْقِيَّةِ إِمَّا بِوَصْفِ اللَّهِ لَهُمْ هَذَا الْخَلِيفَةَ أَوْ بِرُؤْيَتِهِمْ صُورَةَ تَرْكِيبِهِ قَبْلَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ وَبَعْدَهُ، وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُمْ رَأَوْهُ بَعْدَ نَفْخِ الرُّوحِ فِيهِ فَعَلِمُوا أَنَّهُ تَرْكِيبٌ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْجِبِلَّةِ إِلَى الِاكْتِسَابِ وَعَنِ الِامْتِثَالِ إِلَى الْعِصْيَانِ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 402) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 402 · #108811
ٌ يَسْتَطِيعُ صَاحِبُهُ أَنْ يَخْرُجَ عَنِ الْجِبِلَّةِ إِلَى الِاكْتِسَابِ وَعَنِ الِامْتِثَالِ إِلَى الْعِصْيَانِ فَإِنَّ الْعَقْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى شَاهِيَةٍ وَغَاضِبَةٍ وَعَاقِلَةٍ وَمِنْ مَجْمُوعِهَا وَمَجْمُوعِ بَعْضِهَا تَحْصُلُ تَرَاكِيبُ مِنَ التَّفْكِيرِ نَافِعَةٌ وَضَارَّةٌ، ثُمَّ إِنَّ الْقُدْرَةَ الَّتِي فِي الْجَوَارِحِ تَسْتَطِيعُ تَنْفِيذَ كُلِّ مَا يَخْطُرُ لِلْعَقْلِ وَقُوَاهُ أَنْ يَفْعَلَهُ ثُمَّ إِنَّ النُّطْقَ يَسْتَطِيعُ إِظْهَارَ خِلَافِ الْوَاقِعِ وَتَرْوِيجَ الْبَاطِلِ، فَيَكُونُ مِنْ أَحْوَالِ ذَلِكَ فَسَادٌ كَبِيرٌ وَمِنْ أَحْوَالِهِ أَيْضًا صَلَاحٌ عَظِيمٌ وَإِنَّ طَبِيعَةَ اسْتِخْدَامِ ذِي الْقُوَّةِ لِقُوَاهُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي بِكُلِّ مَا تَصْلُحُ لَهُ هَذِهِ الْقُوَى خَيْرُهَا وَشَرُّهَا فَيَحْصُلُ فِعْلٌ مُخْتَلَطٌ مِنْ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 402) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 402 · #108812
ِي الْقُوَّةِ لِقُوَاهُ قَاضِيَةٌ بِأَنَّهُ سَيَأْتِي بِكُلِّ مَا تَصْلُحُ لَهُ هَذِهِ الْقُوَى خَيْرُهَا وَشَرُّهَا فَيَحْصُلُ فِعْلٌ مُخْتَلَطٌ مِنْ صَالِحٍ وَسَيِّئٍ، وَمُجَرَّدُ مُشَاهَدَةِ الْمَلَائِكَةِ لِهَذَا الْمَخْلُوقِ الْعَجِيبِ الْمُرَادِ جَعْلُهُ خَلِيفَةً فِي الْأَرْضِ كَافٍ فِي إِحَاطَتِهِمْ بِمَا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مِنْ عَجَائِبِ الصِّفَاتِ عَلَى نَحْوِ مَا سَيَظْهَرُ مِنْهَا فِي الْخَارِجِ لِأَنَّ مَدَارِكَهُمْ غَايَةٌ فِي السُّمُوِّ لِسَلَامَتِهَا مِنْ كُدْرَاتِ الْمَادَّةِ، وَإِذَا كَانَ أَفْرَادُ الْبَشَرِ يَتَفَاوَتُونَ فِي الشُّعُورِ بِالْخَفِيَّاتِ، وَفِي تَوَجُّهِ نُورَانِيَّةِ النُّفُوسِ إِلَى الْمَعْلُومَاتِ، وَفِي التَّوَسُّمِ وَالتَّفَرُّسِ فِي الذَّوَاتِ بِمِقْدَارِ تَفَاوُتِهِمْ فِي صِفَاتِ النَّفْسِ جِبِلِّيَّةً وَاكْتِسَابِيَّةً وَلَدُنِّيَّةً الَّتِي أَعْلَاهَا النُّبُوَّةُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالنُّفُوسِ الْمَلَكِيَّةِ الْبَحْتَةِ؟
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 403) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 403 · #108813
ِفَاتِ النَّفْسِ جِبِلِّيَّةً وَاكْتِسَابِيَّةً وَلَدُنِّيَّةً الَّتِي أَعْلَاهَا النُّبُوَّةُ، فَمَا ظَنُّكَ بِالنُّفُوسِ الْمَلَكِيَّةِ الْبَحْتَةِ؟ وَفِي هَذَا مَا يُغْنِيكَ عَمَّا تَكَلَّفَ لَهُ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ مِنْ وَجْهِ اطِّلَاعِ الْمَلَائِكَةِ عَلَى صِفَاتِ الْإِنْسَانِ قَبْلَ بُدُوِّهَا مِنْهُ مِنْ تَوْقِيفٍ وَاطِّلَاعٍ عَلَى مَا فِي اللَّوْحِ أَيْ عِلْمِ اللَّهِ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى أُمَّةٍ تَقَدَّمَتْ وَانْقَرَضَتْ، أَوْ قِيَاسٍ عَلَى الْوُحُوشِ الْمُفْتَرِسَةِ إِذْ كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كَمَا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 403) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 403 · #108814
َاسٍ عَلَى الْوُحُوشِ الْمُفْتَرِسَةِ إِذْ كَانَتْ قَدْ وُجِدَتْ عَلَى الْأَرْضِ قَبْلَ خَلْقِ آدَمَ كَمَا فِي سِفْرِ التَّكْوِينِ مِنَ التَّوْرَاةِ. وَبِهِ أَيْضًا تَعْلَمُ أَنَّ حُكْمَ الْمَلَائِكَةِ هَذَا عَلَى مَا يَتَوَقَّعُ هَذَا الْخَلْقُ مِنَ الْبَشَرِ لَمْ يُلَاحَظْ فِيهِ وَاحِدٌ دُونَ آخَرَ، لِأَنَّهُ حُكْمٌ عَلَيْهِمْ قَبْلَ صُدُورِ الْأَفْعَالِ مِنْهُمْ وَإِنَّمَا هُوَ حُكْمٌ بِمَا يَصْلُحُونَ لَهُ بِالْقُوَّةِ، فَلَا يَدُلُّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّ حُكْمَهُمْ هَذَا عَلَى بَنِي آدَمَ دُونَ آدَمَ حَيْثُ لَمْ يُفْسِدُ، لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ غَفْلَةً عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْبَيَانِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 403) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 403 · #108815
َى أَنَّ حُكْمَهُمْ هَذَا عَلَى بَنِي آدَمَ دُونَ آدَمَ حَيْثُ لَمْ يُفْسِدُ، لِأَنَّ فِي هَذَا الْقَوْلِ غَفْلَةً عَمَّا ذَكَرْنَاهُ مِنَ الْبَيَانِ. وَأُوثِرَ التَّعْبِيرُ بِالْفِعْلِ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: مَنْ يُفْسِدُ وَيَسْفِكُ لِأَنَّ الْمُضَارِعَ يَدُلُّ عَلَى التَّجَدُّدِ وَالْحُدُوثِ دُونَ الدَّوَامِ أَيْ مَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْفَسَادُ تَارَةً وَسَفْكُ الدِّمَاءِ تَارَةً لِأَنَّ الْفَسَادَ وَالسَّفْكَ لَيْسَا بِمُسْتَمِرَّيْنِ مِنَ الْبَشَرِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 403) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 403 · #108816
َامِ أَيْ مَنْ يَحْصُلُ مِنْهُ الْفَسَادُ تَارَةً وَسَفْكُ الدِّمَاءِ تَارَةً لِأَنَّ الْفَسَادَ وَالسَّفْكَ لَيْسَا بِمُسْتَمِرَّيْنِ مِنَ الْبَشَرِ. وَقَوْلُهُمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ فِيها دَلِيلٌ عَلَى أَنَّهُمْ عَلِمُوا أَنَّ مُرَادَ اللَّهِ مِنْ خَلْقِ الْأَرْضِ هُوَ صَلَاحُهَا وَانْتِظَامُ أَمْرِهَا وَإِلَّا لَمَا كَانَ لِلِاسْتِفْهَامِ الْمَشُوبِ بِالتَّعَجُّبِ مَوْقِعٌ وَهُمْ عَلِمُوا مُرَادَ اللَّهِ ذَلِكَ مِنْ تَلَقِّيهِمْ عَنْهُ سُبْحَانَهُ أَوْ مِنْ مُقْتَضَى حَقِيقَةِ الْخِلَافَةِ أَوْ مِنْ قَرَائِنِ أَحْوَالِ الِاعْتِنَاءِ بِخَلْقِ الْأَرْضِ وَمَا عَلَيْهَا عَلَى نُظُمٍ تَقْتَضِي إِرَادَةَ بَقَائِهَا إِلَى أَمَدٍ، وَقَدْ دَلَّتْ آيَاتٌ كَثِيرَةٌ عَلَى أَنَّ إِصْلَاحَ الْعَالِمِ مَقْصِدٌ لِلشَّارِعِ قَالَ تَعَالَى: فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [مُحَمَّد: ٢٢، ٢٣]
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 403) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 403 · #108817
فَهَلْ عَسَيْتُمْ إِنْ تَوَلَّيْتُمْ أَنْ تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَتُقَطِّعُوا أَرْحامَكُمْ أُولئِكَ الَّذِينَ لَعَنَهُمُ اللَّهُ [مُحَمَّد: ٢٢، ٢٣] وَقَالَ: وَإِذا تَوَلَّى سَعى فِي الْأَرْضِ لِيُفْسِدَ فِيها وَيُهْلِكَ الْحَرْثَ وَالنَّسْلَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥] . وَلَا يَرِدُ هُنَا أَنَّ هَذَا الْقَوْلَ غِيبَةٌ وَهُمْ مُنَزَّهُونَ عَنْهَا لِأَنَّ ذَلِكَ الْعَالَمَ لَيْسَ عَالَمَ تَكْلِيفٍ وَلِأَنَّهُ لَا غِيبَةَ فِي مَشُورَةٍ وَنَحْوِهَا كَالْخِطْبَةِ وَالتَّجْرِيحِ لِتَوَقُّفِ الْمَصْلَحَةِ عَلَى ذِكْرِ مَا فِي الْمُسْتَشَارِ فِي شَأْنِهِ مِنَ النَّقَائِصِ، وَرُجْحَانِ تِلْكَ الْمَصْلَحَةِ عَلَى مَفْسَدَةِ ذِكْرِ أَحَدٍ بِمَا يَكْرَهُ، وَلِأَنَّ الْمَوْصُوفَ بِذَلِكَ غَيْرُ مُعَيَّنٍ إِذِ الْحَكُمُ عَلَى النَّوْعِ، فَانْتَفَى جَمِيعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْغِيبَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْجِمْ عَنْهَا الْمَلَائِكَةُ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 404) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 404 · #108818
نَّوْعِ، فَانْتَفَى جَمِيعُ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْغِيبَةِ مِنَ الْمَفَاسِدِ فِي وَاقِعَةِ الْحَالِ فَلِذَلِكَ لَمْ يُحْجِمْ عَنْهَا الْمَلَائِكَةُ. ونُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ. الْوَاوُ مُتَعَيِّنَةٌ لِلْحَالِيَّةِ إِذْ لَا مَوْقِعَ لِلْعَطْفِ هُنَا وَإِنْ كَانَ مَا بَعْدَ الْوَاوِ مِنْ مِقْوَلِهِمْ وَمَحْكِيًّا عَنْهُمْ لَكِنَّ الْوَاوَ مِنَ الْمَحْكِيِّ وَلَيْسَتْ مِنَ الْحِكَايَةِ لِأَنَّ قَوْلَهُمْ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ يَحْتَمِلُ مَعْنَيَيْنِ أَحَدُهُمَا أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْهُ تَفْوِيضَ الْأَمْرِ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَاتِّهَامَ عِلْمِهِمْ فِيمَا أَشَارُوا بِهِ كَمَا يَفْعَلُ الْمُسْتَشَارُ مَعَ مَنْ يَعْلَمُ أَنَّهُ أَسَدُّ مِنْهُ رَأْيًا وَأَرْجَحُ عَقْلًا فَيُشِيرُ ثُمَّ يُفَوِّضُ كَمَا قَالَ أَهْلُ مَشُورَةِ بِلْقِيسَ إِذْ قَالَتْ: أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 404) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 404 · #108819
مَشُورَةِ بِلْقِيسَ إِذْ قَالَتْ: أَفْتُونِي فِي أَمْرِي مَا كُنْتُ قاطِعَةً أَمْراً حَتَّى تَشْهَدُونِ قالُوا نَحْنُ أُولُوا قُوَّةٍ وَأُولُوا بَأْسٍ شَدِيدٍ- أَيِ الرَّأْيُ أَنْ نُحَارِبَهُ وَنَصُدَّهُ عَمَّا يُرِيدُ مِنْ قَوْلِهِ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ [النَّمْل: ٣١]- وَالْأَمْرُ إِلَيْكِ فَانْظُرِي مَاذَا تأمرين [النَّمْل: ٣٢، ٣٣] ، وَكَمَا يَفْعَلُ التِّلْمِيذُ مَعَ الْأُسْتَاذِ فِي بَحْثِهِ مَعَهُ ثُمَّ يُصَرِّحُ بِأَنَّهُ مَبْلَغُ عِلْمِهِ، وَأَنَّ الْقَوْلَ الْفَصْلَ لِلْأُسْتَاذِ، أَوْ هُوَ إِعْلَانٌ بِالتَّنْزِيهِ لِلْخَالِقِ عَنْ أَنْ يَخْفَى عَلَيْهِ مَا بَدَا لَهُمْ مِنْ مَانِعِ اسْتِخْلَافِ آدَمَ، وَبَرَاءَةٌ مِنْ شَائِبَةِ الِاعْتِرَاضِ، وَاللَّهُ تَعَالَى وَإِنْ كَانَ يَعْلَمُ بَرَاءَتَهُمْ مِنْ ذَلِكَ إِلَّا أَنَّ كَلَامَهُمْ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِعْلَامِ الْغَيْرِ، أَوْ لِأَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا التَّصْرِيحِ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 404) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 404 · #108820
َلَامَهُمْ جَرَى عَلَى طَرِيقَةِ التَّعْبِيرِ عَمَّا فِي الضَّمِيرِ مِنْ غَيْرِ قَصْدِ إِعْلَامِ الْغَيْرِ، أَوْ لِأَنَّ فِي نَفْسِ هَذَا التَّصْرِيحِ تَبَرُّكًا وَعِبَادَةً، أَوْ إِعْلَانٌ لِأَهْلِ الْمَلَأِ الْأَعْلَى بِذَلِكَ. فَإِذَا كَانَ كَذَلِكَ كَانَ الْعَطف غير جَائِز لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْمَحْكِيَّةَ بِالْقَوْلِ إِذَا عُطِفَتْ عَلَيْهَا جُمْلَةٌ أُخْرَى مِنَ الْقَوْلِ فَالشَّأْنُ أَنْ لَا يُقْصَدَ الْعَطْفُ عَلَى تَقْدِيرِ عَامِلِ الْقَوْلِ إِلَّا إِذَا كَانَ الْقَوْلَانِ فِي وَقْتَيْنِ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ [آل عمرَان: ١٧٣] عَلَى أَحَدِ الْوُجُوهِ فِي عَطْفِ جُمْلَةِ نِعْمَ الْوَكِيلُ عِنْدَ مَنْ لَا يَرَوْنَ صِحَّةَ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ وَإِنْ كَانَ الْحَقُّ صِحَّةَ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ وَعَكْسِهِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي حُسْنَ الْكَلَامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَظٌّ لِلْعَطْفِ، أَلَا تَرَى
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 404) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 404 · #108821
صِحَّةَ عَطْفِ الْإِنْشَاءِ عَلَى الْخَبَرِ وَعَكْسِهِ وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي حُسْنَ الْكَلَامِ، فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ حَظٌّ لِلْعَطْفِ، أَلَا تَرَى أَنَّهُمْ إِذَا حَكَوْا حَادِثًا مُلِمًّا أَوْ مُصَابًا جَمًّا أَعَقَبُوهُ بِنَحْوِ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ أَوْ إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ أَوْ نَحْوِ ذَلِكَ (١) وَلَا يَعْطِفُونَ مِثْلَ ذَلِكَ فَكَانَتِ الْوَاوُ وَاوَ الْحَالِ لِلْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ هَذَا أَمْرٌ مُسْتَحْضَرٌ لَهُمْ فِي حَالِ قَوْلِهِمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ وَلَيْسَ شَيْئًا خَطَرَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ تَوَغَّلُوا فِي الِاسْتِبْعَادِ وَالِاسْتِغْرَابِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 405) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 405 · #108822
ُمْ فِي حَالِ قَوْلِهِمْ: أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ وَلَيْسَ شَيْئًا خَطَرَ لَهُمْ بَعْدَ أَنْ تَوَغَّلُوا فِي الِاسْتِبْعَادِ وَالِاسْتِغْرَابِ. الِاحْتِمَالُ الثَّانِي: أَنْ يَكُونَ الْغَرَضُ مِنْ قَوْلِهِمْ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ التَّعْرِيضَ بِأَنَّهُمْ أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ لِأَنَّ الْجُمْلَةَ الْإِسْمِيَّةَ دَلَّتْ عَلَى الدَّوَامِ وَجُمْلَةُ مَنْ يُفْسِدُ فِيها دَلَّتْ عَلَى تَوَقُّعِ الْفَسَادِ وَالسَّفْكِ فَكَانَ الْمُرَادُ أَنَّ اسْتِخْلَافَهُ يَقَعُ مِنْهُ صَلَاحٌ وَفَسَادٌ وَالَّذِينَ لَا يَصْدُرُ مِنْهُمْ عِصْيَانُ مُرَادِ اللَّهِ هُمْ أَوْلَى بِالِاسْتِخْلَافِ مِمَّنْ يُتَوَقَّعُ مِنْهُ الْفَسَادُ فَتَكُونُ حَالًا مُقَرِّرَةً لِمَدْلُولِ جُمْلَةِ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِغْرَابِ، وَعَامِلُهَا هُوَ تَجْعَلُ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَمْثِيلُ «الْكَشَّافِ» .
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 405) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 405 · #108823
َةِ أَتَجْعَلُ فِيها مَنْ يُفْسِدُ تَكْمِلَةً لِلِاسْتِغْرَابِ، وَعَامِلُهَا هُوَ تَجْعَلُ وَهَذَا الَّذِي أَشَارَ إِلَيْهِ تَمْثِيلُ «الْكَشَّافِ» . وَالْعَامِلُ فِي الْحَالِ هُوَ الِاسْتِفْهَامُ لِأَنَّهُ مِمَّا تَضَمَّنَ معنى الْفِعْل لَا سِيمَا إِذَا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْهُ التَّعَجُّبَ أَيْضًا إِذْ تَقْدِيرُ أَتَجْعَلُ فِيها إِلَخْ نَتَعَجَّبُ مِنْ جَعْلِهِ خَلِيفَةً. وَالتَّسْبِيحُ قَوْلٌ أَوْ مَجْمُوعُ قَوْلٍ مَعَ عَمَلٍ يَدُلُّ عَلَى تَعْظِيمِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنْزِيهِهِ وَلِذَلِكَ سُمِّيَ ذِكْرُ اللَّهِ تَسْبِيحًا، وَالصَّلَاةُ سُبْحَةً وَيُطْلَقُ التَّسْبِيحُ عَلَى قَوْلِ سُبْحَانَ اللَّهِ لِأَنَّ ذَلِكَ الْقَوْلَ مِنَ التَّنْزِيهِ وَقَدْ ذَكَرُوا أَنَّ التَّسْبِيحَ مُشْتَقٌّ مِنَ السَّبْحِ وَهُوَ الذَّهَابُ السَّرِيعُ فِي الْمَاءِ إِذْ قَدْ تُوُسِّعَ فِي مَعْنَاهُ إِذْ أُطْلِقَ مَجَازًا عَلَى مَرِّ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 405) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 405 · #108824
الْمَاءِ إِذْ قَدْ تُوُسِّعَ فِي مَعْنَاهُ إِذْ أُطْلِقَ مَجَازًا عَلَى مَرِّ النُّجُومِ فِي السَّمَاءِ قَالَ تَعَالَى: وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ [يس: ٤٠] وَعَلَى جَرْيِ الْفَرَسِ قَالُوا فَلَعَلَّ التَّسْبِيحَ لُوحِظَ فِيهِ مَعْنَى سُرْعَةِ الْمُرُورِ فِي عِبَادَةِ اللَّهِ تَعَالَى، وَأَظْهَرُ مِنْهُ أَنْ يَكُونَ سَبَّحَ بِمَعْنَى نَسَبَ لِلسَّبَحِ أَيِ الْبُعْدِ وَأُرِيدُ الْبُعْدُ الِاعْتِبَارِيُّ وَهُوَ الرِّفْعَةُ أَيِ التَّنْزِيهُ عَنْ أَحْوَالِ النَّقَائِصِ وَقِيلَ سُمِعَ سَبَحَ مُخَفَّفًا غَيْرَ مُضَاعَفٍ بِمَعْنَى نَزَّهَ، ذَكَرَهُ فِي «الْقَامُوسِ» . وَعِنْدِي أَنَّ كَوْنَ التَّسْبِيحِ مَأْخُوذًا مِنَ السَّبْحِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ بِعِيدٌ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلِمَةِ سُبْحَانَ وَلِهَذَا الْتَزَمُوا فِي هَذَا أَن يكون لوزن فَعَّلَ الْمُضَاعَفِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُخَفَّفًا.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 405) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 405 · #108825
ٌ وَالْوَجْهُ أَنَّهُ مَأْخُوذٌ مِنْ كَلِمَةِ سُبْحَانَ وَلِهَذَا الْتَزَمُوا فِي هَذَا أَن يكون لوزن فَعَّلَ الْمُضَاعَفِ فَلَمْ يُسْمَعْ مُخَفَّفًا. وَإِذَا كَانَ التَّسْبِيحُ كَمَا قُلْنَا هُوَ قَوْلٌ أَوْ قَوْلٌ وَعَمَلٌ يَدُلُّ عَلَى التَّعْظِيمِ فَتَعَلُّقُ قَوْلِهِ بِحَمْدِكَ بِهِ هُنَا وَفِي أَكْثَرِ الْمَوَاضِعِ فِي الْقُرْآنِ ظَاهِرٌ لِأَنَّ الْقَوْلَ يَشْتَمِلُ عَلَى حَمَدِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَمْجِيدِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ فَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ أَيْ نُسَبِّحُ تَسْبِيحًا مَصْحُوبًا بِالْحَمْدِ لَكَ وَبِذَلِكَ تَنْمَحِي جَمِيعُ التَّكَلُّفَاتِ الَّتِي فَسَّرُوا بِهَا هُنَا. وَالتَّقْدِيسُ التَّنْزِيهُ وَالتَّطْهِيرُ وَهُوَ إِمَّا بِالْفِعْلِ كَمَا أُطْلِقَ الْمُقَدَّسُ عَلَى الرَّاهِبِ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ يَصِفُ تَعَلُّقَ الْكِلَابِ بِالثَّوْرِ الْوَحْشِيِّ: فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا ...
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 405) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 405 · #108826
لَى الرَّاهِبِ فِي قَوْلِ امْرِئِ الْقَيْسِ يَصِفُ تَعَلُّقَ الْكِلَابِ بِالثَّوْرِ الْوَحْشِيِّ: فَأَدْرَكْنَهُ يَأْخُذْنَ بِالسَّاقِ وَالنَّسَا ... كَمَا شَبْرَقَ الْوِلْدَانُ ثَوْبَ الْمُقَدَّسِ (١) وَإِمَّا بِالِاعْتِقَادِ كَمَا فِي الْحَدِيثِ: «لَا قُدِّسَتْ أُمَّةٌ لَا يُؤْخَذُ لِضَعِيفِهَا مِنْ قَوِيِّهَا» أَيْ لَا نَزَّهَهَا اللَّهُ تَعَالَى وَطَهَّرَهَا مِنَ الْأَرْجَاسِ الشَّيْطَانِيَّةِ. وَفِعْلُ قَدَّسَ يَتَعَدَّى بِنَفْسِهِ فَالْإِتْيَانُ بِاللَّامِ مَعَ مَفْعُولِهِ فِي الْآيَةِ لِإِفَادَةِ تَأْكِيدِ حُصُولِ الْفِعْلِ نَحْوُ شَكَرْتُ لَكَ وَنَصَحْتُ لَكَ وَفِي الْحَدِيثِ عِنْدَ ذِكْرِ الَّذِي وَجَدَ كَلْبَا يَلْهَثُ مِنَ الْعَطَشِ «فَأَخَذَ خُفَّهُ فَأَدْلَاهُ فِي الرَّكِيَّةِ فَسَقَاهُ فَشَكَرَ اللَّهُ لَهُ» أَيْ شَكَرَهُ مُبَالَغَةً فِي الشُّكْرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ ضَعْفُ ذَلِكَ الشُّكْرِ مِنْ أَنَّهُ عَنْ عَمَلِ حَسَنَةٍ مَعَ دَابَّةٍ فَدَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 406) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 406 · #108827
رَهُ مُبَالَغَةً فِي الشُّكْرِ لِئَلَّا يُتَوَهَّمَ ضَعْفُ ذَلِكَ الشُّكْرِ مِنْ أَنَّهُ عَنْ عَمَلِ حَسَنَةٍ مَعَ دَابَّةٍ فَدَفَعَ هَذَا الْإِيهَامَ بِالتَّأْكِيدِ بِاللَّامِ وَهَذَا مِنْ أَفْصَحِ الْكَلَامِ، فَلَا تَذْهَبْ مَعَ الَّذِينَ جَعَلُوا قَوْلَهُ: لَكَ مُتَعَلِّقًا بِمَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ حَامِدِينَ أَوْ هُوَ مُتَعَلق بنسبح وَاللَّامُ بِمَعْنَى لِأَجْلِكَ عَلَى مَعْنَى حَذْفِ مَفْعُولِ نُسَبِّحُ أَيْ نُسَبِّحُ أَنْفُسَنَا أَيْ نُنَزِّهُهَا عَنِ النَّقَائِصِ لِأَجْلِكَ أَيْ لِطَاعَتِكَ فَذَلِكَ عُدُولٌ عَنْ فَصِيحِ الْكَلَامِ، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَ اللَّامَ لَامَ التَّبْيِينِ الَّتِي سَنَتَعَرَّضُ لَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [الْبَقَرَة: ١٥٢] .
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 406) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 406 · #108828
َ أَنْ تَجْعَلَ اللَّامَ لَامَ التَّبْيِينِ الَّتِي سَنَتَعَرَّضُ لَهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاشْكُرُوا لِي وَلا تَكْفُرُونِ [الْبَقَرَة: ١٥٢] . فَمَعْنَى وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ نَحْنُ نُعَظِّمُكَ وَنُنَزِّهُكَ وَالْأَوَّلُ بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ وَالثَّانِي بِاعْتِقَادِ صِفَاتِ الْكَمَالِ الْمُنَاسِبَةِ لِلذَّاتِ الْعَلِيَّةِ، فَلَا يُتَوَهَّمُ التَّكْرَارُ بَين (نُسَبِّح) و (نقدس) . وَأُوثِرَتِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: وَنَحْنُ نُسَبِّحُ لِإِفَادَةِ الدَّلَالَةِ عَلَى الدَّوَامِ وَالثَّبَاتِ أَيْ هُوَ وَصْفُهُمُ الْمُلَازِمُ لِجِبِلَّتِهِمْ، وَتَقْدِيمُ الْمُسْنِدِ إِلَيْهِ عَلَى الْخَبَرِ الْفِعْلِيِّ دُونَ حَرْفِ النَّفْيِ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ لِلتَّخْصِيصِ بِحَاصِلِ مَا دَلَّتْ عَلَيْهِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوَامِ أَيْ نَحْنُ الدَّائِمُونَ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ دُونَ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 406) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 406 · #108829
هِ الْجُمْلَةُ الْإِسْمِيَّةُ مِنَ الدَّوَامِ أَيْ نَحْنُ الدَّائِمُونَ عَلَى التَّسْبِيحِ وَالتَّقْدِيسِ دُونَ هَذَا الْمَخْلُوقِ وَالْأَظْهَرُ أَنَّ التَّقْدِيمَ لِمُجَرَّدِ التَّقْوَى نَحْوُ هُوَ يُعْطِي الْجَزِيلَ. قالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ. جَوَابٌ لِكَلَامِهِمْ فَهُوَ جَارٍ عَلَى أُسْلُوبِ الْمُقَاوَلَةِ فِي الْمُحَاوَرَاتِ كَمَا تَقَدَّمَ، أَيْ أَعْلَمُ مَا فِي الْبَشَرِ مِنْ صِفَاتِ الصَّلَاحِ وَمِنْ صِفَاتِ الْفَسَادِ. وَأَعْلَمُ أَنَّ صَلَاحَهُ يَحْصُلُ مِنْهُ الْمَقْصِدُ مِنْ تَعْمِيرِ الْأَرْضِ وَأَنَّ فَسَادَهُ لَا يَأْتِي عَلَى الْمَقْصِدِ بِالْإِبْطَالِ وَأَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَصَالِحَ عَظِيمَةً وَمَظَاهِرَُُ
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 406) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 406 · #108830
ُ مِنْ تَعْمِيرِ الْأَرْضِ وَأَنَّ فَسَادَهُ لَا يَأْتِي عَلَى الْمَقْصِدِ بِالْإِبْطَالِ وَأَنَّ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مَصَالِحَ عَظِيمَةً وَمَظَاهِرَُُ لِتَفَاوُتِ الْبَشَرِ فِي الْمَرَاتِبِ وَاطِّلَاعًا عَلَى نُمُوذَجٍ مِنْ غَايَاتِ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَإِرَادَتِهِ وَقُدْرَتِهِ بِمَا يُظْهِرُهُ الْبَشَرُ مِنْ مَبَالِغِ نَتَائِجِ الْعُقُولِ وَالْعُلُومِ وَالصَّنَائِعِ وَالْفَضَائِلِ وَالشَّرَائِعِ وَغَيْرِ ذَلِكَ. كَيْفَ وَمِنْ أَبْدَعِ ذَلِكَ أَنَّ تَرَكُّبَ الصِّفَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ يَأْتِي بِصِفَاتِ الْفَضَائِلِ كَحُدُوثِ الشَّجَاعَةِ مِنْ بَيْنِ طَرَفَيِ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 407) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 407 · #108831
َ أَنَّ تَرَكُّبَ الصِّفَتَيْنِ الذَّمِيمَتَيْنِ يَأْتِي بِصِفَاتِ الْفَضَائِلِ كَحُدُوثِ الشَّجَاعَةِ مِنْ بَيْنِ طَرَفَيِ التَّهَوُّرِ وَالْجُبْنِ. وَهَذَا إِجْمَالٌ فِي التَّذْكِيرِ بِأَنَّ عِلْمَ اللَّهِ تَعَالَى أَوْسَعُ مِمَّا عَلِمُوهُ فَهُمْ يُوقِنُونَ إِجْمَالًا أَنَّ لِذَلِكَ حِكْمَةً وَمِنَ الْمَعْلُومِ أَنْ لَا حَاجَةَ هُنَا لِتَقْدِيرِ وَمَا تَعْلَمُونَ بَعْدَ مَا لَا تَعْلَمُونَ لِأَنَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ سَامِعٍ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِكْرِهِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا شَذَّ عَنْهُمْ.
QS 2:30 (jilid 1 hlm. 407) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 407 · #108832
نَّهُ مَعْرُوفٌ لِكُلِّ سَامِعٍ وَلِأَنَّ الْغَرَضَ لَمْ يَتَعَلَّقْ بِذِكْرِهِ وَإِنَّمَا تَعَلَّقَ بِذِكْرِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِمَا شَذَّ عَنْهُمْ. وَقَدْ كَانَ قَوْلُ اللَّهِ تَعَالَى هَذَا تَنْهِيَةً لِلْمُحَاوَرَةِ وَإِجْمَالًا لِلْحُجَّةِ عَلَى الْمَلَائِكَةِ بِأَنَّ سِعَةَ عِلْمِ اللَّهِ تُحِيطُ بِمَا لَمْ يُحِطْ بِهِ عِلْمُهُمْ وَأَنَّهُ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَجْعَلَ آدَمَ خَلِيفَةً كَانَتْ إِرَادَتُهُ عَنْ عِلْمٍ بِأَنَّهُ أَهْلٌ لِلْخِلَافَةِ، وَتَأْكِيدُ الْجُمْلَةِ بِأَنَّ لِتَنْزِيلِ الْمَلَائِكَةِ فِي مُرَاجَعَتِهِمْ وَغَفْلَتِهِمْ عَنِ الْحِكْمَةِ منزلَة المترددين. [٣١]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:33QS 2:32QS 10:14QS 2:28QS 38:85QS 7:169QS 12:96QS 15:98QS 19:59QS 38:75QS 39:75QS 40:7QS 42:5QS 43:60QS 110:3

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:33QS 2:34QS 2:31-33QS 2:31QS 2:11QS 2:32QS 2:102-103