القول في تأويل قوله ﷿: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ (١٣) بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقول تعالى ذكره: يُخَبَّرُ الإِنسانُ يومَئِذٍ، يعنى يومَ يُجْمَعُ الشمس والقمرُ، فيُكَوَّران - بما قدَّم وأخَّر.
واختلف أهل التأويل في تأويل قوله: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: بما قدَّم من عمل خير أو شرٍّ أمامه؛ مما عمله في الدنيا قبل مماته، وما أخَّر بعدَ
مماته من حسنةٍ أو سيئةٍ، فيُعْمَلُ بها من بعده.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
ل ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباس في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: ما عمِل قبلَ موتِه، وما سنَّ فعمل به بعد موته.
حدثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن عبد الكريم الجزريِّ، عن زياد بن أبي مريم، عن ابن مسعود قال: ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾: من عمله، ﴿وَأَخَّرَ﴾: من سُنَّةٍ عُمل بها، من خيرٍ بعدَه أو شرٍّ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنَبَّأُ الإنسان يومئذٍ بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعة.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
ثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من المعصية، وأخَّر من الطاعةِ، فَيْنبَأُ بذلك.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: يُنبَّأُ بِأَوَّلِ عمله وآخره.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا مُؤمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصور، عن مجاهدٍ: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بأوَّلِ عملِه وآخرِه.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، [عن منصور] عن مجاهدٍ مثله.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثله.
وحدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم مثله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعةِ اللهِ، ﴿وَأَخَّرَ﴾ مِن حقوقِ الله التي ضيَّعها.
ذكرُ مَن قال ذلك
عن منصورٍ، عن مجاهدٍ وإبراهيم مثله.
وقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿بِمَا قَدَّمَ﴾ من طاعةِ اللهِ، ﴿وَأَخَّرَ﴾ مِن حقوقِ الله التي ضيَّعها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. يقولُ: بما قدَّم من طاعةِ اللهِ، وأَخَّر مما ضَيَّع مِن حقوق الله.
حدثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمر، عن قتادةَ: ﴿بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: بما قدَّم من طاعتِه، وأَخَّر مِن حقِّ اللهِ ﷿.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بما قدَّم من خيرٍ أو شرٍّ مما عَمِله، وما أخَّر مما ترَك من عملِه من طاعةِ اللهِ ﷿.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾.
هِ ﷿.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿يُنَبَّأُ الْإِنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ﴾. قال: ما: أخَّر ما ترَك من العملِ لم يَعْمَلُه، ما ترك من طاعةِ اللهِ لم يَعْمَلْ به، وما قدَّم: ما عمل من خيرٍ أو شرٍّ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندنا، أنَّ ذلك خبرٌ مِنَ اللهِ أنَّ الإنسانَ يُنبأُ بكلِّ ما قدَّم أمامه، [مما عَمِل مِن خير أو شرٍّ في حياته]، وأَخَّر بعده، مِن سُنَّةٍ حسنةٍ أو سيئةٍ مما قدَّم وأخَّر، وكذلك ما قدَّم من عملٍ عَمِله من خيرٍ أو شرٍّ، وأخَّر بعده من عملٍ كان عليه فضيَّعه، فلم يَعْمَلْه مما قدَّم وأخَّر، ولم يَخْصُص اللهُ ﷿ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ ذلك مما يُنبأُ به الإنسانُ يومَ القيامةِ.
وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
َر، ولم يَخْصُص اللهُ ﷿ مِن ذلك بعضًا دونَ بعضٍ، فكلُّ ذلك مما يُنبأُ به الإنسانُ يومَ القيامةِ.
وقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقول جلَّ وعزَّ: بل للإنسان على نفسه من نفسه رُقَبَاءُ يَرْقُبُونه بعمله، ويَشْهَدون عليه به.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقولُ: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه
وجوارحُه.
والبصيرةُ على هذا التأويل: ما ذكره ابن عباسٍ من جوارح ابن آدم، وهى مرفوعةٌ بقوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ﴾، والإنسان مرفوع بالعائد من ذكره في قوله: ﴿نَفْسِهِ﴾.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل الإنسان شاهدٌ على نفسِه وحدَه، ومَن قال هذا القولَ جعَل البصيرة خبرًا للإنسان، ورفع الإنسانَ بها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. يقول: الإنسانُ شاهدٌ على نفسه وحده.
حدَّثنا ابن عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: شاهدٌ عليها بعملها.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾: إذا شئت والله رأيته بصيرًا بعيوبِ الناسِ وذنوبِهم، غافلًا عن ذنوبه، كان يقالُ: إِنَّ في الإنجيل مكتوبًا: يا بن آدم، تُبْصِرُ القَذَاةَ في عين أخيك.
ولا تُبْصِرُ الجذلَ المعترضَ في عينك.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
ولا تُبْصِرُ الجذلَ المعترضَ في عينك.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: هو شاهدٌ على نفسِه، وقرَأ: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
ومن قال هذه المقالة يقولُ: أُدخلت الهاء في قوله: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وهى خيرٌ للإنسان، كما يقالُ للرجل: أنت حجةٌ على نفسِك. وهذا قولُ بعض نحويِّى البصرة. وكان بعضُهم يقولُ: أُدْخِلت هذه الهاءُ في: ﴿بَصِيرَةٌ﴾ وهى صفةٌ للذكَرِ، كما أُدخلت في "راويةٍ" و"علَّامة".
وقوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: اختلَف أهلُ التأويل في معنى ذلك؛ فقال بعضُهم: معناه: بل للإنسان على نفسه شهودٌ مِن نفسِه، ولو اعتذَر بالقول مما قد أتى من المأثم، ورَكِب من المعاصي، وجادَل بالباطل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
جادَل بالباطل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباس: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. يعنى: الاعتذارَ، ألم تَسْمَعْ أنه قال: ﴿لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ﴾ [غافر: ٥٢]. وقال الله: ﴿وَأَلْقَوْا إِلَى اللَّهِ يَوْمَئِذٍ
السَّلَمَ﴾ [النحل: ٨٧]. وقوله: ﴿مَا كُنَّا نَعْمَلُ مِنْ سُوءٍ﴾ [النحل: ٢٨].
وقولهم: ﴿وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ٢٣].
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾.
َثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيانُ، عن موسى بن أبى عائشةَ، عن سعيدٍ بن جُبيرٍ في قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. قال: شاهدٌ على نفسه ولو اعتذَر.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قوله: ﴿عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو جادل عنها، فهو بصيرةٌ عليها.
حدَّثنى يعقوبُ، قال: ثنا ابنُ عليةَ، عن عمرانَ بن حُدَيْرٍ، قال: سألتُ عكرمةَ، عن قوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: فسكت. قال: فقلتُ له: إنَّ الحسن يقولُ: ابن آدمَ، عملُك أولى بك. قال: صدَق.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: معاذيرُهم التي يعتذرون بها يوم القيامة، فلا ينتَفِعون بها.
ونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: معاذيرُهم التي يعتذرون بها يوم القيامة، فلا ينتَفِعون بها. قال: قومٌ لا يُؤذنُ لهم فيعتذرون، وقومٌ يُؤذنُ لهم فيعتذرون، فلا ينفَعُهم، ويعتذرون بالكذبِ.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: [بل للإنسان] على نفسه من نفسه بصيرةٌ ولو تَجرَّد.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنى أبى، عن خالد بن قيس، عن قتادةً، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
نصرُ بنُ عليٍّ الجَهْضَمِيُّ، قال: ثنى أبى، عن خالد بن قيس، عن قتادةً، عن زُرَارَةَ بن أَوْفَى، عن ابن عباسٍ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: لو تجرَّد.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: ولو أَرْخى السُّتُور، وأَغْلق الأبواب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بن خلفٍ العسقلانيُّ، قال: ثنا رَوَّادٌ، عن أبي حمزةَ، عن السديِّ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: ولو أَرْخى السُّتُورَ، وأَغْلَق الأبواب.
وقال آخرون: بل معنى ذلك ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾ لم تُقْبَلْ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا نصرُ بنُ عليٍّ، قال: ثني أبي، عن خالد بن قيسٍ، عن قتادةَ، عن الحسنِ في قوله: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾: لم تُقْبَلْ معاذيرُه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَوْ أَلْقَى
مَعَاذِيرَهُ﴾، قال: لو اعتذَر [يومئذ بباطل ما قُبل منه يوم القيامة.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾.
ال: لو اعتذَر [يومئذ بباطل ما قُبل منه يوم القيامة.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ﴾. قال: ولو اعتذر.
وأولى الأقوال في ذلك عندنا بالصواب قولُ مَن قال: معناه: ولو اعتذر؛ لأنَّ ذلك أشبهُ المعانى بظاهر التنزيل؛ وذلك أنَّ الله جلَّ ثناؤه أخبر عن الإنسانِ أَنَّ عليه شاهدًا من نفسه بقوله: ﴿بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ﴾. فكان الذي هو أَوْلى أن يَتبع ذلك: ولو جادَل عنها بالباطلِ، واعتذَر بغير الحقِّ. فشهادةُ نفسه عليه به أحقُّ وأولى من اعتذاره بالباطل.
لَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ (١٤) وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ (١٥)﴾
قد تقدم غير مرة أن المقسم عليه إذا كان منتفيًا، جاز الإتيان بلا قبل القسم لتأكيد النفي. والمقسوم عليه هاهنا هو إثبات الميعاد، والرد على ما يزعمه الجهلة من العباد من عدم بَعث الأجساد؛ ولهذا قال تعالى: (لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال الحسن: أقسم بيوم القيامة ولم يقسم بالنفس اللوامة. وقال قتادة: بل أقسم بهما جميعًا. هكذا حكاه ابن أبي حاتم. وقد حكى ابن جرير، عن الحسن والأعرج أنهما قرآ: "لأقسم [بيوم القيامة] "، وهذا يوجه قول الحسن؛ لأنه أثبت القسم بيوم القيامة ونفى القسم بالنفس اللوامة. والصحيح أنه أقسم بهما جميعا كما قاله قتادة ﵀، وهو المروي عن ابن عباس، وسعيد بن جُبَير، واختاره ابن جرير.
فأما يوم القيامة فمعروف، وأما النفس اللوامة، فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن -والله-ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟
اللوامة، فقال قرة بن خالد، عن الحسن البصري في هذه الآية: إن المؤمن -والله-ما نراه إلا يلوم نفسه: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟ ما أردت بحديث نفسي؟ وإن الفاجر يمضي قُدُما ما يعاتب نفسه.
وقال جُوَيْبر: بلغنا عن الحسن أنه قال في قوله: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: ليس أحد من أهل السموات والأرض إلا يلوم نفسه يوم القيامة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا عبد الله بن صالح بن مسلم، عن إسرائيل، عن سِماك: أنه سأل عِكْرِمة عن قوله: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: يلوم على الخير والشر: لو فعلت كذا وكذا.
ورواه ابن جرير، عن أبي كُرَيْب، عن وَكِيع عن إسرائيل.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا مؤمل، حدثنا سفيان، عن ابن جُرَيج، عن الحسن بن مسلم، عن سعيد بن جُبَير في: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: تلوم على الخير والشر.
ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك: فقال: هي النفس اللؤوم.
ير في: (وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ) قال: تلوم على الخير والشر.
ثم رواه من وجه آخر عن سعيد أنه سأل ابن عباس عن ذلك: فقال: هي النفس اللؤوم.
وقال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: تندم على ما فات وتلوم عليه.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: اللوامة: المذمومة.
وقال قتادة: (اللَّوَّامَةِ) الفاجرة.
قال ابن جرير: وكل هذه الأقوال متقاربة المعنى، الأشبه بظاهر التنزيل أنها التي تلوم صاحبها على الخير والشر وتندم على ما فات.
وقوله: (أَيَحْسَبُ الإنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ) أي: يوم القيامة، أيظن أنا لا نقدر على إعادة عظامه وجمعها من أماكنها المتفرقة؟ (بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ) قال سعيد بن جُبَير والعَوفي، عن ابن عباس: أن نجعله خُفّا أو حافرًا. وكذا قال مجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والضحاك، وابن جرير. ووجَّهه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.
والظاهر من الآية أن قوله: (قَادِرِينَ) حال من قوله: (نَجْمَعَ) أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟
هه ابنُ جرير بأنه تعالى لو شاء لجعل ذلك في الدنيا.
والظاهر من الآية أن قوله: (قَادِرِينَ) حال من قوله: (نَجْمَعَ) أي: أيظن الإنسان أنا لا نجمع عظامه؟ بلى سنجمعها قادرين على أن نُسَوِّي بنانه، أي: قدرتنا صالحة لجمعها، ولو شئنا لبعثناه أزيد مما كان، فتجعل بنانه -وهي أطراف أصابعه-مستوية. وهذا معنى قول ابن قتيبة، والزجاج.
وقوله: (بَلْ يُرِيدُ الإنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) قال سعيد، عن ابن عباس: يعني يمضي قدما.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) يعني: الأمل، يقول الإنسان: أعمل ثم أتوب قبل يوم القيامة، ويقال: هو الكفر بالحق بين يدي القيامة.
وقال مجاهد (لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ) ليمضي أمامه راكبا رأسه. وقال الحسن: لا يلقى ابن آدم إلا تنزع نفسه إلى معصية الله قدما قدما، إلا من عصمه الله.
ورُوي عن عكرِمة، وسعيد بن جُبَير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يَعجَل الذنوبَ ويُسوّف التوبة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب.
بن جُبَير، والضحاك، والسدي، وغير واحد من السلف: هو الذي يَعجَل الذنوبَ ويُسوّف التوبة.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: هو الكافر يكذب بيوم الحساب. وكذا قال ابن زيد، وهذا هو الأظهر من المراد؛ ولهذا قال بعده (يَسْأَلُ أَيَّانَ يَوْمُ الْقِيَامَةِ)؟ أي: يقول متى يكون يوم
القيامة؟ وإنما سؤاله سؤال استبعاد لوقوعه، وتكذيب لوجوده، كما قال تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ مَتَى هَذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قُلْ لَكُمْ مِيعَادُ يَوْمٍ لا تَسْتَأْخِرُونَ عَنْهُ سَاعَةً وَلا تَسْتَقْدِمُونَ﴾ [سبأ: ٢٩، ٣٠].
وقال تعالى ها هنا: (فَإِذَا بَرِقَ الْبَصَرُ) قال أبو عمرو بن العلاء: (بَرِقَ) بكسر الراء، أي: حار. وهذا الذي قاله شبيه بقوله تعالى: ﴿لا يَرْتَدُّ إِلَيْهِمْ طَرْفُهُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء؛ من شدة الرعب.
وقرأ آخرون: "بَرَقَ" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول.
هُمْ﴾ [إبراهيم: ٤٣]، بل ينظرون من الفزع هكذا وهكذا، لا يستقر لهم بصر على شيء؛ من شدة الرعب.
وقرأ آخرون: "بَرَقَ" بالفتح، وهو قريب في المعنى من الأول. والمقصود أن الأبصار تنبهر يوم القيامة وتخشع وتحار وتذل من شدة الأهوال، ومن عظم ما تشاهده يوم القيامة من الأمور.
وقوله: (وَخَسَفَ الْقَمَرُ) أي: ذهب ضوءه.
(وَجُمِعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ) قال مجاهد: كُوّرا. وقرأ ابن زيد عند تفسير هذه الآية: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ * وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ﴾ [التكوير: ١، ٢] ورُوي عن ابن مسعود أنه قرأ: "وجُمع بين الشمس والقمر".
وقوله: (يَقُولُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) أي: إذا عاين ابنُ آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟
ُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ أَيْنَ الْمَفَرُّ) أي: إذا عاين ابنُ آدم هذه الأهوال يوم القيامة، حينئذ يريد أن يفر ويقول: أين المفر؟ أي: هل من ملجأ أو موئل؟ قال الله تعالى: (كَلا لا وَزَرَ * إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) قال ابن مسعود، وابن عباس، وسعيد بن جُبَير، وغير واحد من السلف: أي لا نجاة.
وهذه كقوله: ﴿مَا لَكُمْ مِنْ مَلْجَإٍ يَوْمَئِذٍ وَمَا لَكُمْ مِنْ نَكِيرٍ﴾ [الشورى: ٤٧] أي: ليس لكم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال هاهنا (لا وَزَرَ) أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه؛ ولهذا قال: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) أي: المرجع والمصير.
كم مكان تتنكرون فيه، وكذا قال هاهنا (لا وَزَرَ) أي: ليس لكم مكان تعتصمون فيه؛ ولهذا قال: (إِلَى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمُسْتَقَرُّ) أي: المرجع والمصير.
ثم قال تعالى: (يُنَبَّأُ الإنْسَانُ يَوْمَئِذٍ بِمَا قَدَّمَ وَأَخَّرَ) أي: يخبر بجميع أعماله قديمها وحديثها، أولها وآخرها، صغيرها وكبيرها، كما قال تعالى: ﴿وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا﴾ [الكهف: ٤٩] وهكذا قال هاهنا: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ * وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) أي: هو شهيد على نفسه، عالم بما فعله ولو اعتذر وأنكر، كما قال تعالى: ﴿اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٤].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) يقول: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه وجوارحُه.
وقال قتادة: شاهد على نفسه.
].
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (بَلِ الإنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ) يقول: سمعُه وبصرُه ويداه ورجلاه وجوارحُه.
وقال قتادة: شاهد على نفسه. وفي رواية قال: إذا شئت -والله-رأيته بصيرا بعيوب الناس وذنوبهم غافلا عن ذنوبه، وكان يقال: إن في الإنجيل مكتوبا: يا ابن آدم، تُبصر القَذَاة في عين أخيك، وتترك الجِذْل في عينك لا تبصره.
وقال مجاهد: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ولو جادل عنها فهو بصير عليها. وقال قتادة: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) ولو اعتذر يومئذ بباطل لا يقبل منه. وقال السدي: (وَلَوْ أَلْقَى مَعَاذِيرَهُ) حجته. وكذا قال ابن زيد، والحسن البصري، وغيرهم.