القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لأهلِ بدرٍ الذين غَنِموا وأخَذوا من الأَسْرى الفداءَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يقولُ: لولا قضاءٌ من اللَّهِ سَبَقَ لكم، أهلَ بدرٍ، في اللوحِ المحفوظِ - بأن اللَّهَ مُحِلٌّ لكم الغنيمةَ، وأن اللَّهَ قَضَى فيما قَضَى أنه لا يُضِلُّ قومًا بعدَ إذ هَداهم حتى يُبَيِّنَ لهم ما يَتَّقون، وأنه لا يُعذِّبُ أحدًا شَهِدَ المشهدَ الذي شَهِدتُموه ببدرٍ مع رسولِ اللَّهِ ﷺ ناصرًا دينَ اللَّهِ - لنالَكم مِن اللَّهِ، بأخْذِكم الغنيمةَ والفِداءَ، عذابٌ عظيمٌ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَديٍّ، عن عوفٍ، عن الحسنِ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية. قال: إن اللَّهَ كان مُطْعِمَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وإنهم أَخَذوا الفداءَ من أُسارى بدرٍ قبلَ أن يُؤمَروا به.
وْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية. قال: إن اللَّهَ كان مُطْعِمَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وإنهم أَخَذوا الفداءَ من أُسارى بدرٍ قبلَ أن يُؤمَروا به. قال فعاب اللَّهُ ذلك عليهم، ثم أحلَّه اللَّهُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ اللَّهِ بن بَزيعٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفضلِ، عن عَوفٍ، عن
الحسنِ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، وذلك يومَ بدرٍ، أَخَذَ أصحابُ النبيِّ ﷺ المغانمَ والأُسارى قبلَ أن يُؤمَروا به، وكان اللَّهُ، ﵎، قد كتَب في أمِّ الكتابِ: المغانمُ والأُسارى حلالٌ لمحمدٍ وأمتِه. ولم يكنْ أحَلَّه لأمةٍ قبلَهم، فأَخذوا المغانَم، وأَسَروا الأُسارى قبلَ أن يُنزَّلَ إليهم في ذلك، قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾.
ولم يكنْ أحَلَّه لأمةٍ قبلَهم، فأَخذوا المغانَم، وأَسَروا الأُسارى قبلَ أن يُنزَّلَ إليهم في ذلك، قال اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. يعنى: في الكتابِ الأولِ أن المغانمَ والأُسارى حلالٌ لكم ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال ثني عمِّي، قال ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، وكانت الغنائمُ قبلَ أن يُبْعَثَ النبيُّ ﷺ في الأممِ إذا أصابوا مَغْنمًا جَعَلوه للقربانِ، وحرَّمَ اللَّهُ عليهم أن يأكُلوا منه قليلًا أو كثيرًا، حُرِّمَ ذلك على كلِّ نبيٍّ وعلى أمته، فكانوا لا يأكلون منه، ولا يَغُلُّون منه، ولا يأخُذون منه قليلًا ولا كثيرًا إلا عَذَّبَهم اللَّهُ عليه، وكان اللَّهُ حرَّمَه عليهم تحريمًا شديدًا، فلم يُحِلُّه لنبيٍّ إلا لمحمدٍ ﷺ، وكان قد سبَق من الله في قضائِه أن المغنمَ له ولأمتِه حلالٌ، فذلك قولُه يومَ بدرٍ، في أخذِ الفداءِ من الأُسارى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ
لمحمدٍ ﷺ، وكان قد سبَق من الله في قضائِه أن المغنمَ له ولأمتِه حلالٌ، فذلك قولُه يومَ بدرٍ، في أخذِ الفداءِ من الأُسارى: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو أسامةَ، عن عوف، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: إن اللَّهَ كان مُعْطِىَ هذه الأمةِ الغنيمةَ، وفعَلوا الذي فَعَلوا قبل أن تَحِلَّ الغنيمةُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، قال: قال الأعمشُ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾، سبَق من الله أن أحلَّ لهم الغنيمةَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ بن أبي ليلى، عن بشيرِ بن مَيمونٍ، قال: سمعتُ سعيدًا يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، قال: قرأ هذه الآيةَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
قال: سمعتُ سعيدًا يُحدِّثُ، عن أبي هريرةَ، قال: قرأ هذه الآيةَ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: يعنى: لولا أنه سبَقَ في عِلْمى أنى سأُحِلَّ الغنائمَ، لَمَسَّكم فيما أَخَذْتُم من الأُسارى عذابٌ عظيمٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ وأبو مُعاويةَ بنحوِه، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما أَحلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُود الرءوسِ من قَبْلِكم، كانت تَنْزلُ نارٌ من السماءِ [وتأكُلُها] ".
أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "ما أَحلَّتِ الغنائمُ لأحدٍ سُود الرءوسِ من قَبْلِكم، كانت تَنْزلُ نارٌ من السماءِ [وتأكُلُها] ". حتى كان يومُ بدرٍ، فوقَع الناسُ في الغنائمِ، فأنزلَ اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ﴾ حتى بلغَ: ﴿حَلَالًا طَيِّبًا﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن الأعمشِ، عن أبي صالحٍ، عن أبي هريرةَ، عن النبيِّ ﷺ بنحوه، قال: فلما كان يومُ بدرٍ أسرع الناسُ في الغنائمِ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابن فُضَيلٍ، عن أشعثَ بن سَوَّارٍ، عن ابن سيرينَ، عن عَبِيدةَ، قال: أَسَر المسلمون من المشركين سبعين، وقَتَلوا سبعين، فقال رسول الله ﷺ: "اختاروا أن تأخُذُوا منهم الفداءَ فتقَووا بهِ على عَدُوَّكُم، وإن قَبِلْتُموُه قُتِلَ منكم سبعونَ، أو تَقْتُلوهم". فقالوا: بل نأخذُ الفِديةَ منهم. وقُتِل منهم سبعون.
ذُوا منهم الفداءَ فتقَووا بهِ على عَدُوَّكُم، وإن قَبِلْتُموُه قُتِلَ منكم سبعونَ، أو تَقْتُلوهم". فقالوا: بل نأخذُ الفِديةَ منهم. وقُتِل منهم سبعون. قال عَبيدةُ: وطَلَبوا الخِيَرتين كلتيهما.
حدَّثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا ابن فُضيلٍ، عن أشعثَ، عن ابن سيرينَ، عن عَبيدةَ، قال: كان فِداءُ أُسارى بدرٍ مائةَ أوقيَّةٍ، والأوقيَّةُ أربعون درهمًا، ومن الدنانيرِ ستَّةُ دنانيرَ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا ابن عُليَّةَ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ، أنه قال في أسارى بدرٍ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إن شئتم قَتَلتُموهُم، وإن شِئتم فاديتمُوهُم واستُشهِدَ منكُم بِعِدَّتهم".
ونٍ، عن ابن سيرينَ، عن عبيدةَ، أنه قال في أسارى بدرٍ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إن شئتم قَتَلتُموهُم، وإن شِئتم فاديتمُوهُم واستُشهِدَ منكُم بِعِدَّتهم". فقالوا: بلى، نأخُذُ الفداءَ فنستمتعُ به ويُستَشهدُ منا بعدَّتِهم.
حدَّثني أحمدُ بنُ محمدٍ الطُّوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصَّمدِ بنُ عبدِ الوارثِ، قال: ثنَا هَمَّامُ بنُ يحيى، قال ثنا عطاءُ بنُ السائبِ، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن سعودٍ، قال: أمَر عمرُ، ﵁، بقَتْلِ الأُسارى، فأنزل اللَّهُ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،
قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾.
تُ عن الحسينِ بن الفَرجِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: ثنا عبيدُ بنُ سليمانَ،
قال: سمعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: كان المَغْنَم مُحرَّمًا على كلِّ نبيٍّ وأُمَّتِه، وكانوا إذا غَنِموا يَجْعَلون المغنم للَّهِ قُربانًا تأكُلُه النارُ، وكان سَبَقَ في قضاءِ اللَّهِ وعلمِه أن يُحِلَّ المغنمَ لهذه الأمةِ يأكلُونه في بطونِهم.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن عطاءٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾. قال: كان في علمِ اللَّهِ أن تَحِلَّ لهم الغنائمُ، فقال: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ بأنه أحلَّ لكم الغنائمَ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وقال آخرون: معنى ذلك: لولا كتابٌ من اللَّهِ سبَق لأهلِ بدرٍ ألَّا يُعَذِّبَهم: لمَسَّهم عذابٌ عظيمٌ.
ذكر مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: حدَّثنا أبو أحمدَ الزُّبيريُّ، عن شريكٍ، عن سالمٍ، عن سعيد: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: لأهلِ بدرٍ مِن السعادةِ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا ابن نُمِيرٍ، عن وَرقاءَ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهلِ بدرٍ مَشْهدَهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾.
هِ سَبَقَ﴾ لأهلِ بدرٍ مَشْهدَهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن مَعمرٍ، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: سَبَقَ من اللَّهِ خيرٌ لأهلِ بدرٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: كان سبَق لهم من اللَّهِ خيرٌ، وأَحَلَّ لهم الغنائمَ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ بنُ سعيدٍ، عن عمرِو بن عُبيدٍ، عن الحسنِ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. قال: سبَق أن لا يُعذِّبَ أحدًا من أهلِ بدرٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾.
َ أحدًا من أهلِ بدرٍ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. لأهلِ بدرٍ ومشهدَهم إيَّاه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: لمسَّكم فيما أخذتُم من الغنائم يومَ بدرٍ قبلَ أن أُحِلَّها لكم. فقال: سبَق من اللَّهِ العَفْوُ عنهم، والرحمةُ لهم، سبَق أنه لا يُعذِّبُ المؤمنين؛ لأنه لا يعذِّبُ رسولَه، ومن آمن به، وهاجَر معه ونَصَره.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ أن لا يؤاخذَ أحدًا بفعلٍ أتاه على جهالةٍ؛ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهل بدرٍ ومشهدَهم إياه.
ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ لأهل بدرٍ ومشهدَهم إياه. قال: كتابٌ سبَق؛ لقولِه: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِلَّ قَوْمًا بَعْدَ إِذْ هَدَاهُمْ حَتَّى يُبَيِّنَ لَهُمْ مَا
يَتَّقُونَ﴾ [التوبة: ١١٥] سبَق ذلك وسبَق أن لا يُؤاخِذَ قومًا فَعَلُوا شيئًا بجهالةٍ ﴿لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾ قال ابن جريجٍ: قال ابن عباسٍ: ﴿فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾: مما أسَرْتم. ثم قال بعد: ﴿فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: عاتَبَه في الأسارى وأخذِ الغنائمِ، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه من الأنبياءِ يأكلُ مغنمًا من عدوٍّ له.
.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: عاتَبَه في الأسارى وأخذِ الغنائمِ، ولم يكنْ أحدٌ قبلَه من الأنبياءِ يأكلُ مغنمًا من عدوٍّ له.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن محمدٍ، قال: ثني أبو جعفرٍ محمدُ بن عليّ بن الحسينِ بن عليّ بن أبى طالبٍ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "نُصرتُ بالرُّعبِ، وجُعِلَت لِىَ الأرضُ مسجدًا وطَهورًا، وأُعطِيتُ جوامعَ الكَلِمِ، وأُحِلَّت لىَ المغائمُ ولم تَحِلُّ لنبيٍّ كان قَبْلى، وأُعطِيتُ الشفاعةَ، خمسٌ لم يؤتهنَّ نبيٌّ كان قبْلى". قال محمدٌ: فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾. أي: قبلَك ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾.
ٌ: فقال: ﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ﴾. أي: قبلَك ﴿أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى﴾، إلى قوله: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ﴾. أي: من الأُسارى والمغانمِ، ﴿عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾: أي لولا أنه سبَق منى أن لا أُعَذِّبَ إلا بعدَ النهى، ولم أكُنْ نَهَيتُكم، لعذَّبتُكم فيما صنَعتم، ثم أُحِلُّها له ولهم، رحمةً ونعمةً وعائدةً من الرحمنِ الرحيمِ (١).
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ ما قد بَيَّناه قبلُ. وذلك أن قولَه: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾. خبرٌ عامٌّ غيرُ محصورٍ على معنًى دونَ معنًى، وكلُّ هذه المعانى التي ذكرتُها عمَّن ذكَرتُ مما قد سبَق في كتابِ اللَّهِ أَنه لا يُؤَاخِذُ بشيءٍ منها هذه الأمةَ، وذلك ما عَمِلوا من عملٍ بجهالةٍ، وإحلال الغنيمةِ، والمغفرةُ
لأهلِ بدرٍ، وكلُّ ذلك مما كُتِبَ لهم.
بِ اللَّهِ أَنه لا يُؤَاخِذُ بشيءٍ منها هذه الأمةَ، وذلك ما عَمِلوا من عملٍ بجهالةٍ، وإحلال الغنيمةِ، والمغفرةُ
لأهلِ بدرٍ، وكلُّ ذلك مما كُتِبَ لهم. وإذ كان ذلك كذلك، فلا وجهَ لأن يَخُصَّ من ذلك معنًى دونَ معنًى، وقد عَمَّ اللَّهُ الخبرَ بكلِّ ذلك بغيرِ دلالةٍ توجِبُ صحةَ القولُ بخصوصِه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: لم يكنْ من المؤمنين أَحدٌ ممَّن نُصِرَ إلا أحبَّ الغنائمَ إلا عمرَ بنَ الخطابِ، جعَل لا يَلْقَى أسيرًا إِلا ضَرَب عُنُقَه، وقال: يا رسولَ اللَّهِ، ما لنا وللغنائمِ؟ نحن قومٌ نُجَاهِدُ في دينِ اللَّهِ حتى يُعبَدَ اللَّهُ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "لو عُذِّبنا في هذا الأمرِ يا عمرُ ما نجا غيرُك". قال اللَّهُ: لا تعودوا تَستَحِلُّون قبلَ أن أُحِلَّ لكم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: قال ابن إسحاقَ: لمّا نَزَلَت: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "لو نَزَل عذابٌ من السماءِ لم ينْجُ منه إلا سعدُ بنُ معاذٍ".
إسحاقَ: لمّا نَزَلَت: ﴿لَوْلَا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ﴾ الآية، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "لو نَزَل عذابٌ من السماءِ لم ينْجُ منه إلا سعدُ بنُ معاذٍ". لقوله: يا نبيَّ اللَّهِ، كان الإثخانُ في القتلِ أحبَّ إليَّ من استبقاءِ الرجالِ.
﴿مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (٦٧) لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ (٦٨) فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٦٩)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا علي بن عاصم، عن حميد، عن أنس، ﵁، قال: استشار رسول الله ﷺ الناس في الأسارى يوم بدر، فقال: "إن الله قد أمكنكم منهم" فقام عمر بن الخطاب فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد رسول الله ﷺ فقال: "يا أيها الناس، إن الله قد أمكنكم منهم، وإنما هم إخوانكم بالأمس". فقام عمر فقال: يا رسول الله، اضرب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق، ﵁، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء.
رب أعناقهم. فأعرض عنه النبي ﷺ، ثم عاد النبي ﷺ فقال للناس مثل ذلك، فقام أبو بكر الصديق، ﵁، فقال: يا رسول الله، نرى أن تعفو عنهم، وأن تقبل منهم الفداء. قال: فذهب عن وجه رسول الله ﷺ ما كان فيه من الغم، فعفا عنهم، وقبل منهم الفداء. قال: وأنزل الله، ﷿: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) الآية
وقد سبق في أول السورة حديث ابن عباس في صحيح مسلم بنحو ذلك.
وقال الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما كان يوم بدر قال رسول الله ﷺ: "ما تقولون في هؤلاء الأسارى؟ " قال: فقال أبو بكر: يا رسول الله، قومك وأهلك، استبقهم واستتبهم، لعل الله أن يتوب عليهم. قال: وقال عمر: يا رسول الله، أخرجوك، وكذبوك، فقدمهم فاضرب أعناقهم. قال: وقال عبد الله بن رواحة: يا رسول الله، أنت في واد كثير الحطب، فأضرم الوادي عليهم نارًا، ثم ألقهم فيه. [قال: فقال العباس: قطعت رحمك] قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر.
ألقهم فيه. [قال: فقال العباس: قطعت رحمك] قال: فسكت رسول الله ﷺ فلم يرد عليهم شيئًا، ثم قام فدخل فقال ناس: يأخذ بقول أبي بكر. وقال ناس: يأخذ بقول عمر. وقال ناس: يأخذ بقول عبد الله بن رواحة. ثم خرج عليهم رسول الله ﷺ فقال: "إن الله ليلين قلوب رجال حتى تكون ألين من اللبن، وإن الله ليشدد قلوب رجال فيه حتى تكون أشد من الحجارة، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل إبراهيم، ﵇، قال: ﴿فَمَنْ تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي وَمَنْ عَصَانِي فَإِنَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ [إبراهيم: ٣٦]، وإن مثلك يا أبا بكر كمثل عيسى، ﵇، قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مثلك يا عمر مثل موسى
قال: ﴿إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [المائدة: ١١٨]، وإن مثلك يا عمر مثل موسى
﵇، قال: ﴿رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الألِيمَ﴾ [يونس: ٨٨]، وإن مثلك يا عمر كمثل نوح ﵇، قال: ﴿رَبِّ لا تَذَرْ عَلَى الأرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا﴾ [نوح: ٢٦]، أنتم عالة فلا ينفلتن أحد منهم إلا بفداء أو ضربة عنق". قال ابن مسعود: قلت: يا رسول الله، إلا سهيل بن بيضاء، فإنه يذكر الإسلام، فسكت رسول الله ﷺ، فما رأيتني في يوم أخوف أن تقع عليّ حجارة من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) إلى آخر الآية.
من السماء مني في ذلك اليوم، حتى قال رسول الله ﷺ: "إلا سهيل بن بيضاء" فأنزل الله تعالى: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) إلى آخر الآية.
رواه الإمام أحمد والترمذي، من حديث أبي معاوية، عن الأعمش، والحاكم في مستدركه، وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه وروى الحافظ أبو بكر بن مردويه، عن عبد الله بن عمر، وأبي هريرة، ﵄، عن النبي ﷺ نحوه وفي الباب عن أبي أيوب الأنصاري.
وروى ابن مردويه أيضا -واللفظ له -والحاكم في مستدركه، من حديث عبيد الله بن موسى: حدثنا إسرائيل، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، عن ابن عمر قال: لما أسر الأسارى يوم بدر، أسر العباس فيمن أسر، أسره رجل من الأنصار، قال: وقد أوعدته الأنصار أن يقتلوه. فبلغ ذلك للنبي ﷺ، فقال رسول الله ﷺ: "إني لم أنم الليلة من أجل عمي العباس، وقد زعمت الأنصار أنهم قاتلوه" فقال له عمر: فآتهم؟ قال: "نعم" فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه.
عم" فأتى عمر الأنصار فقال لهم: أرسلوا العباس فقالوا: لا والله لا نرسله. فقال لهم عمر: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى؟ قالوا: فإن كان لرسول الله ﷺ رضى فخذه. فأخذه عمر فلما صار في يده قال له: يا عباس، أسلم، فوالله لأن تسلم أحب إلي من أن يسلم الخطاب، وما ذاك إلا لما رأيت رسول الله ﷺ يعجبه إسلامك، قال: فاستشار رسول الله ﷺ أبا بكر، فقال أبو بكر: عشيرتك. فأرسلهم، فاستشار عمر، فقال: اقتلهم، ففاداهم رسول الله ﷺ، فأنزل الله: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الأرْضِ) الآية.
قال الحاكم: صحيح الإسناد، ولم يخرجاه
وقال سفيان الثوري، عن هشام -هو ابن حسان -عن محمد بن سيرين، عن عبيدة، عن علي، ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى: إن شاءوا الفداء، وإن شاؤوا القتل على أن يقتل منهم مقبلا مثلهم.
ن عبيدة، عن علي، ﵁، قال: جاء جبريل إلى النبي ﷺ يوم بدر فقال: خَيِّر أصحابك في الأسارى: إن شاءوا الفداء، وإن شاؤوا القتل على أن يقتل منهم مقبلا مثلهم. قالوا: الفداء ويقتل منا.
رواه الترمذي، والنسائي، وابن حبان في صحيحه من حديث الثوري، به وهذا حديث غريب
جدا.
وقال ابن عون [عن محمد بن سيرين] عن عبيدة، عن علي قال: قال رسول الله ﷺ في أسارى يوم بدر: "إن شئتم قتلتموهم، وإن شئتم فاديتموهم واستمتعتم بالفداء، واستشهد منكم بعدتهم". قال: فكان آخر السبعين ثابت بن قيس، قتل يوم اليمامة، ﵁
ومنهم من روى هذا الحديث عن عبيدة مرسلا فالله أعلم.
وقال محمد بن إسحاق، عن ابن أبي نجيح، عن عطاء، عن ابن عباس: (مَا كَانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرَى) فقرأ حتى بلغ: (عَذَابٌ عَظِيمٌ) قال: غنائم بدر، قبل أن يحلها لهم، يقول: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال الأعمش: سبق منه ألا يعذب أحدا شهد بدرا.
: لولا أني لا أعذب من عصاني حتى أتقدم إليه، لمسكم فيما أخذتم عذاب عظيم.
وكذا روى ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال الأعمش: سبق منه ألا يعذب أحدا شهد بدرا. وروى نحوه عن سعد بن أبي وقاص، وسعيد بن جبير، وعطاء.
وقال شعبة، عن أبي هاشم عن مجاهد: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) أي: لهم بالمغفرة ونحوه عن سفيان الثوري، ﵀.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله: (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) يعني: في أم الكتاب الأول أن المغانم والأسارى حلال لكم، (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) من الأسارى (عَذَابٌ عَظِيمٌ) قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) الآية. وكذا روى العوفي، عن ابن عباس.
ل لكم، (لَمَسَّكُمْ فِيمَا أَخَذْتُمْ) من الأسارى (عَذَابٌ عَظِيمٌ) قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ) الآية. وكذا روى العوفي، عن ابن عباس. وروي مثله عن أبي هريرة، وابن مسعود، وسعيد بن جبير، وعطاء، والحسن البصري، وقتادة والأعمش أيضا: أن المراد (لَوْلا كِتَابٌ مِنَ اللَّهِ سَبَقَ) لهذه الأمة بإحلال الغنائم وهو اختيار ابن جرير، ﵀.
ويستشهد لهذا القول بما أخرجاه في الصحيحين، عن جابر بن عبد الله، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "أعطيت خمسا، لم يعطهن أحد من الأنبياء قبلي: نصرت بالرعب مسيرة شهر، وجعلت لي الأرض مسجدا وطهورا، وأحلت لي الغنائم ولم تحل لأحد قبلي، وأعطيت الشفاعة، وكان النبي يبعث إلى قومه وبعثت إلى الناس عامة"
وقال الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "لم تحل
الغنائم لسود الرؤوس غيرنا"
ولهذا قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.
"
ولهذا قال الله تعالى: (فَكُلُوا مِمَّا غَنِمْتُمْ حَلالا طَيِّبًا وَاتَّقُوااللَّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فعند ذلك أخذوا من الأسارى الفداء.
وقد روى الإمام أبو داود في سننه: حدثنا عبد الرحمن بن المبارك العيشي، حدثنا سفيان بن حبيب، حدثنا شعبة، عن أبي العنبس، عن أبي الشعثاء، عن ابن عباس: أن رسول الله ﷺ جعل فداء أهل الجاهلية يوم بدر أربعمائة
وقد استقر الحكم في الأسرى عند جمهور العلماء: أن الإمام مخير فيهم: إن شاء قتل -كما فعل ببني قريظة -وإن شاء فادى بمال -كما فعل بأسرى بدر -أو بمن أسر من المسلمين -كما فعل رسول الله ﷺ في تلك الجارية وابنتها اللتين كانتا في سبي سلمة بن الأكوع، حيث ردهما وأخذ في مقابلتهما من المسلمين الذين كانوا عند المشركين، وإن شاء استرق من أسر. هذا مذهب الإمام الشافعي وطائفة من العلماء، وفي المسألة خلاف آخر بين الأئمة مقرر في موضعه من كتب الفقه.