القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨) إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩) ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾
أقسم ربُّنا جلَّ ثناؤُه بالليلِ إذا عَسْعس. يقولُ: وأُقسِمُ بالليلِ إذا عسعس واختلَف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾؛ فقال بعضُهم: عُنِى بقولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إذا أدْبَر.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يقولُ: إِذا أَدْبَر.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
َ﴾. يقولُ: إِذا أَدْبَر.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. يعنى: إذا أدْبَر.
حدَّثنا عبدُ الحميدِ بنُ بيانٍ اليشكريُّ، قال: ثنا محمدُ بنُ يزيدُ، عن إسماعيلَ بنُ أبي خالدٍ، عن رجلٍ، عن أبي ظَبْيانَ، قال: كنتُ أتَّبِعُ عليَّ بنَ أبي طالبٍ ﵁ وهو خارجٌ نحوَ المشرقِ، فاستقبَل الفجْرَ، فقَرَأ هذه الآيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ إدريسَ، عن الحسنِ بن عبيدِ اللهِ، عن سعدِ
ابن عبيدةَ، عن أبي عبدِ الرحمنِ، قال: خرَج عليٌّ ﵁ مما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟
ما يلى بابَ السوقِ، وقد طلَع الصبحُ أو الفجرُ. قال: فقرَأ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ نعم، ساعةُ الوترِ هذه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: إقبالُه، ويقالُ: إدبارُه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾.
ٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا أدْبَر.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذَا عَسْعَسَ﴾: إِذا أَدْبَرَ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن مِسْعرٍ، عن أبي حَصينٍ، عن أبي عبد الرحمن، قال: خرَج عليٌّ ﵁ بعدَ ما أذَّن المؤذِّنُ بالصبحِ، فقال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧) وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. أين السائلُ عن الوترِ؟ قال: نعم،
ساعةُ الوترِ هذه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: ﴿عَسْعَسَ﴾: تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا.
يونسُ، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: ﴿عَسْعَسَ﴾: تولَّى. وقال: تنفَّس الصبحُ مِن ههنا. وأشار إلى المشرقِ؛ اطِّلاعِ الفجرِ.
وقال آخرون: عُنِى بقوله: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾: إذا أقبَل بظلامِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ عبد الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن الحسنِ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ﴾. قال: إذا غَشِي الناسَ.
حدَّثنا الحسينُ بن عليٍّ الصُّدائيُّ، قال: ثنا أبي، عن الفُضيلِ، عن عطيةَ: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ (١٧)﴾. قال: أشار بيدِه إلى المغربِ (٢).
وأَولى التأويلينِ في ذلك بالصواب عندى قولُ مَن قال: معنى ذلك: إذا أدْبَر؛ وذلك لقولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ.
فدلَّ بذلك على أن القسمَ بالليل مُدبرًا، وبالنهارِ مُقْبلًا، والعربُ تقولُ: عسْعَس الليلُ، وسَعْسَع الليلُ، إِذا أَدْبَرَ ولم يَبْقَ منه إلا اليسيرُ. ومن ذلك قولُ رُؤْبةَ بن العجاجِ:
يا هِنْدُ ما أَسْرَعَ مَا تَسَعْسَعا … ولوْ رجَا تَبَعَ الصِّبَا تَتَبَّعا
فهذه لغةُ مَن قال: سَعْسَع. وأما لغةُ مَن قال: عَسْعَسَ. فقولُ علقمةَ بَنِ قُرْطٍ:
حتَّى إذا الصُّبْحُ لها تَنَفَّسا
وانْجاب عنها ليلُها وعَسْعَسا
يعني: أدْبَر.
وقد كان بعضُ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ يزعُمُ أن عَسْعَس: دنا مِن أوَّلِه وأَظْلَم.
وقال الفرَّاءُ: كان أبو البِلادِ النحويُّ يُنشِدُ بيتًا:
عَسْعَسَ حتى لو يشاءُ ادَّنا … كان له مِن ضَوْئِه مَقْبَسُ
يريدُ: لو يشاءُ إِذْ دَنا. ولكنه أَدْغَم الذالَ في الدَّالِ. قال الفرَّاءُ: فكانوا يَرَوْن أنَّ هذا البيتَ مصنوعٌ.
وقولُه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾.
يشاءُ إِذْ دَنا. ولكنه أَدْغَم الذالَ في الدَّالِ. قال الفرَّاءُ: فكانوا يَرَوْن أنَّ هذا البيتَ مصنوعٌ.
وقولُه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. يقولُ: وضوءِ النهارِ إذا أقبَل وتبيَّن.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا ابنُ يمانٍ، عن أشعثَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ في قولِه: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾. قال: إذا نشَأ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ (١٨)﴾: إذا أضاء وأقبَل.
وقولُه: هو ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾.
تَنَفَّسَ (١٨)﴾: إذا أضاء وأقبَل.
وقولُه: هو ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنَّ هذا القرآنَ لتنزيلُ ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. يعني جبريلَ، نزَّله على محمدِ بن عبدِ اللهِ.
وبنحو الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ أنه كان يقولُ: ﴿إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ (١٩)﴾: يعني جبريلَ.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿رَسُولٍ كَرِيمٍ﴾. قال: هو جبريلُ.
وقولُه: ﴿ذِي قُوَّةٍ عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ (٢٠)﴾. يقولُ تعالى ذكره: ﴿ذِي قُوَّةٍ﴾. يعني جبريلَ، على ما كُلِّف مِن أمرٍ غيرُ عاجزٍ عنه، ﴿عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ﴾. يقولُ: هو مكينٌ عندَ ربِّ العرشِ العظيمِ.
صليت خلف النبي ﷺ الصبح، فسمعته يقرأ: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ * وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ).
ورواه النسائي عن بندار، عن غُنْدَر، عن شعبة، عن الحجاج بن عاصم، عن أبي الأسود، عن عمرو بن حُرَيث، به نحوه.
قال ابن أبي حاتم وابن جرير، من طريق الثوري، عن أبي إسحاق، عن رجل من مراد، عن علي: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) قال: هي النجوم تخنس بالنهار، وتظهر بالليل.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا محمد بن جعفر قال: حدثنا شعبة، عن سماك بن حرب، سمعت خالد بن عرعرة، سمعت عليا وسئل عن: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) فقال: هي النجوم، تخنِس بالنهار وتكنس بالليل.
وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن سِماك، عن خالد، عن عليّ قال: هي النجوم.
َارِ الْكُنَّسِ) فقال: هي النجوم، تخنِس بالنهار وتكنس بالليل.
وحدثنا أبو كُرَيْب، حدثنا وَكِيع، عن إسرائيل، عن سِماك، عن خالد، عن عليّ قال: هي النجوم.
وهذا إسناد جيد صحيح إلى خالد بن عرعرة، وهو السهمي الكوفي، قال أبو حاتم الرازي: روي عن علي، وروى عنه سماك والقاسم بن عوف الشيباني ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا والله أعلم.
وروى يونس، عن أبي إسحاق، عن الحارث، عن علي: أنها النجوم. رواه ابن أبي حاتم وكذا رُوي عن ابن عباس، ومجاهد، والحسن، وقتادة، والسّدي، وغيرهم: أنها النجوم.
وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا هَوذة بن خليفة، حدثنا عوف، عن بكر بن عبد الله في قوله: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) قال: هي النجوم الدراريّ، التي تجرى تستقبل المشرق.
وقال بعض الأئمة: إنما قيل للنجوم: "الخنس"، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنَّس" من قول العرب: أوى الظبي إلى كنَاسة: إذا تغيب فيه.
نما قيل للنجوم: "الخنس"، أي: في حال طلوعها، ثم هي جوار في فلكها، وفي حال غيبوبتها يقال لها: "كُنَّس" من قول العرب: أوى الظبي إلى كنَاسة: إذا تغيب فيه.
وقال الأعمش، عن إبراهيم قال: قال عبد الله: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ) قال: بقر الوحش. وكذا قال الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة، عن عبد الله: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) ما هي يا عمرو؟ قلت: البقر. قال: وأنا أرى ذلك.
وكذا روى يونس عن أبي إسحاق، عن أبيه.
وقال أبو داود الطيالسي، عن عمرو، عن أبيه، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس: (الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) قال: البقر [الوحش] تكنس إلى الظل. وكذا قال سعيد بن جبير.
وقال العوفي، عن ابن عباس: هي الظباء. وكذا قال سعيد أيضا، ومجاهد، والضحاك.
وقال أبو الشعثاء جابر بن زيد: هي الظباء والبقر.
وقال ابن جرير: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت.
، أخبرنا مغيرة عن إبراهيم ومجاهد: أنهما تذاكرا هذه الآية: (فَلا أُقْسِمُ بِالْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) فقال إبراهيم لمجاهد: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع فيها شيئا، وناس يقولون: إنها النجوم. قال: فقال إبراهيم: قل فيها بما سمعت. قال: فقال مجاهد: كنا نسمع أنها بقر الوحش حين تكنس في حُجْرتها. قال: فقال إبراهيم: إنهم يكذبون على عليّ، هذا كما رووا عن علي أنه ضمن الأسفل الأعلى، والأعلى الأسفل.
وتوقف ابن جرير في قوله: (الْخُنَّسِ * الْجَوَارِ الْكُنَّسِ) هل هو النجوم، أو الظباء وبقر الوحش؟ قال: ويحتمل أن يكون الجميع مرادا.
وقوله: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ) فيه قولان:
أحدهما: إقباله بظلامه. قال مجاهد: أظلم. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وقال الحسن البصري: إذا غَشى الناس. وكذا قال عطية العوفي.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: (إِذَا عَسْعَسَ) إذا أدبر.
سعيد بن جبير: إذا نشأ. وقال الحسن البصري: إذا غَشى الناس. وكذا قال عطية العوفي.
وقال علي بن أبي طلحة، والعوفي عن ابن عباس: (إِذَا عَسْعَسَ) إذا أدبر. وكذا قال مجاهد، وقتادة، والضحاك، وكذا قال زيد بن أسلم، وابنه عبد الرحمن: (إِذَا عَسْعَسَ) أي: إذا ذهب فتولى.
وقال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي البَخْتَري، سمع أبا عبد الرحمن السلمي قال: خرج علينا علي، ﵁، حين ثَوّب المثوب بصلاة الصبح فقال: أين السائلون عن الوتر: (وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ * وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ)؟ هذا حين أدبر حسن.
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: (إِذَا عَسْعَسَ) إذا أدبر. قال لقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا:
حَتّى إذا الصُّبحُ له تَنَفَّسا … وانجابَ عَنها لَيلُها وعَسعَسَا
أي: أدبر.
لقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) أي: أضاء، واستشهد بقول الشاعر أيضا:
حَتّى إذا الصُّبحُ له تَنَفَّسا … وانجابَ عَنها لَيلُها وعَسعَسَا
أي: أدبر. وعندي أن المراد بقوله: (عَسْعَسَ) إذا أقبل، وإن كان يصح استعماله في الإدبار، لكن الإقبال هاهنا أنسب؛ كأنه أقسم تعالى بالليل وظلامه إذا أقبل، وبالفجر وضيائه إذا أشرق، كما قال: ﴿وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى﴾ [الليل: ١، ٢]، وقال: ﴿وَالضُّحَى * وَاللَّيْلِ إِذَا سَجَى﴾ [الضحى: ١، ٢]، وقال ﴿فَالِقُ الإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا﴾ [الأنعام: ٩٦]، وغير ذلك من الآيات.
وقال كثير من علماء الأصول: إن لفظة "عسعس" تستعمل في الإقبال والإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن "عسعس": دنا من أوله وأظلم.
لإدبار على وجه الاشتراك، فعلى هذا يصح أن يراد كل منهما، والله أعلم.
قال ابن جرير: وكان بعض أهل المعرفة بكلام العرب يزعم أن "عسعس": دنا من أوله وأظلم. وقال الفراء: كان أبو البلاد النحوي يُنشد بيتًا:
عَسعَس حَتَّى لو يشاء ادّنا … كانَ له من ضَوئه مَقبس
يريد: لو يشاء إذ دنا، أدغم الذال في الدال. وقال الفراء: وكانوا يَرَون أن هذا البيت مصنوع.
وقوله: (وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ) قال الضحاك: إذا طلع. وقال قتادة: إذا أضاء وأقبل. وقال سعيد بن جبير: إذا نشأ. وهو المروي عن علي، ﵁.
وقال ابن جرير: يعني: وَضَوءُ النهار إذا أقبل وَتَبَيَّن.
وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يعني: أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، ﵊.
أقبل وَتَبَيَّن.
وقوله: (إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ) يعني: أن هذا القرآن لتبليغُ رسول كريم، أي: ملك شريف حَسَن الخلق، بهي المنظر، وهو جبريل، ﵊. قاله ابن عباس، والشعبي، وميمون بن مِهْران، والحسن، وقتادة، والضحاك، والربيع بن أنس، وغيرهم.
(ذِي قُوَّةٍ) كقوله ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ [فَاسْتَوَى]﴾ [النجم: ٥، ٦]، أي: شديد الخَلْق، شديد البطش والفعل، (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) أي: له مكانة عند الله ﷿ ومنزلة رفيعة.
قال أبو صالح في قوله: (عِنْدَ ذِي الْعَرْشِ مَكِينٍ) قال: جبريل يدخل في سبعين حجابا من
نور بغير إذن، (مُطَاعٍ ثَمَّ) أي: له وجاهة، وهو مسموع القول مطاع في الملأ الأعلى.
قال قتادة: (مُطَاعٍ ثَمَّ) أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، مُعتَنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
أ الأعلى.
قال قتادة: (مُطَاعٍ ثَمَّ) أي: في السموات، يعني: ليس هو من أفناد الملائكة، بل هو من السادة والأشراف، مُعتَنى به، انتخب لهذه الرسالة العظيمة.
وقوله: (أَمِينٍ) صفة لجبريل بالأمانة، وهذا عظيم جدا أن الرب ﷿ يزكي عبده ورسوله الملكي جبريل كما زكى عبده ورسوله البشري محمدا ﷺ بقوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)
قال الشعبي، وميمون بن مهران، وأبو صالح، ومن تقدم ذكرهم: المراد بقوله: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ) يعني: محمدا ﷺ.
وقوله تعالى: (وَلَقَدْ رَآهُ بِالأفُقِ الْمُبِينِ) يعني: ولقد رأى محمدٌ جبريل الذي يأتيه بالرسالة عن الله ﷿ على الصورة التي خلقه الله عليها له ستمائة جناح (بِالأفُقِ الْمُبِينِ) أي: البين، وهي الرؤية الأولى التي كانت بالبطحاء، وهي المذكورة في قوله: ﴿عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى * ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى * وَهُوَ بِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ - ١٠]، كما تقدم
ِالأُفُقِ الأَعْلَى * ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى * فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى * فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى﴾ [النجم: ٥ - ١٠]، كما تقدم تفسيرُ ذلك وتقريره. والدليلُ أن المرادَ بذلك جبريل، ﵇. والظاهر-والله أعلم-أن هذه السورة نزلت قبل ليلة الإسراء؛ لأنه لم يذكر فيها إلا هذه الرؤية وهي الأولى، وأما الثانية وهي المذكورة في قوله: ﴿وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى * عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى * عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى * إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى﴾ [النجم: ١٣ - ١٦]، فتلك إنما ذكرت في سورة "النجم"، وقد نزلت بعد [سورة] الإسراء.
وقوله: (وَمَا هُوَ عَلَى الْغَيْبِ بِضَنِينٍ) أي: وما محمد على ما أنزله الله إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد.
قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر.
له إليه بظنين، أي: بمتهم. ومنهم من قرأ ذلك بالضاد، أي: ببخيل، بل يبذله لكل أحد.
قال سفيان بن عُيَينة: ظنين وضنين سواء، أي: ما هو بكاذب، وما هو بفاجر. والظنين: المتهم، والضنين: البخيل.
وقال قتادة: كان القرآن غيبا، فأنزله الله على محمد، فما ضَنّ به على الناس، بل بَلَّغه ونشره وبذله لكل من أراده. وكذا قال عكرمة، وابن زيد، وغير واحد. واختار ابنُ جرير قراءة الضاد.
قلت: وكلاهما متواتر، ومعناه صحيح كما تقدم.
وقوله: (وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَيْطَانٍ رَجِيمٍ) أي: وما هذا القرآن بقول شيطان رجيم، أي: لا يقدر على حمله، ولا يريده، ولا ينبغي له. كما قال: ﴿وَمَا تَنَزَّلَتْ بِهِ الشَّيَاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟
َاطِينُ * وَمَا يَنْبَغِي لَهُمْ وَمَا يَسْتَطِيعُونَ * إِنَّهُمْ عَنِ السَّمْعِ لَمَعْزُولُونَ﴾ [الشعراء: ٢١٠ - ٢١٢].
وقوله: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ)؟ أي: فأين تذهب عقولكم في تكذيبكم بهذا القرآن، مع ظهوره ووضوحه، وبيان كونه جاء من عند الله ﷿، كما قال الصديق، ﵁، لوفد بني حنيفة حين قدموا مسلمين، وأمرهم فتلوا عليه شيئا من قرآن مسيلمة الذي هو في غاية الهذيان والركاكة، فقال: ويحكم، أين يُذهَب بعقولكم؟ والله إن هذا الكلام لم يخرج من إلٍّ، أي: من إله.
وقال قتادة: (فَأَيْنَ تَذْهَبُونَ) أي: عن كتاب الله وعن طاعته.
وقوله: (إِنْ هُوَ إِلا ذِكْرٌ لِلْعَالَمِينَ) أي: هذا القرآن ذكر لجميع الناس، يتذكرون به ويتعظون، (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) أي: من أراد الهداية فعليه بهذا القرآن، فإنه منجاةٌ له وهداية، ولا هداية فيما سواه، (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله ﷿ رب العالمين.
ونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ) أي: ليست المشيئة موكولة إليكم، فمن شاء اهتدى ومن شاء ضل، بل ذلك كله تابع لمشيئة الله ﷿ رب العالمين.
قال سفيان الثوري، عن سعيد بن عبد العزيز، عن سليمان بن موسى: لما نزلت هذه الآية: (لِمَنْ شَاءَ مِنْكُمْ أَنْ يَسْتَقِيمَ) قال أبو جهل: الأمر إلينا، إن شئنا استقمنا، وإن شئنا لم نستقم. فأنزل الله: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ).
آخر تفسير سورة "التكوير" ولله الحمد [والمنة].
تفسير سورة الانفطار
وهي مكية.
قال النسائي: أخبرنا محمد بن قدامة، حدثنا جرير عن الأعمش، عن محارب بن دثَار، عن جابر قال: قام معاذ فصلى العشاء الآخرة فطوّل، فقال النبي ﷺ: "أفتان يا معاذ؟! [أفتان يا معاذ؟!] أين كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟! ".
وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذُكَر " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ "في أفراد النسائي.
كنت عن سبح اسم ربك الأعلى، والضحى، وإذا السماء انفطرت؟! ".
وأصل الحديث مخرج في الصحيحين ولكن ذُكَر " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ "في أفراد النسائي. وتقدم من رواية عبد الله بن عمر، عن النبي ﷺ قال: "من سَرَّه أن يَنْظُرَ إلى القيامة رأي عين فليقرأ: " إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ "و " إِذَا السَّمَاءُ انْفَطَرَتْ "و " إِذَا السَّمَاءُ انْشَقَّتْ "".
﷽