(dan terhadap tiga orang382) yang ditinggalkan. Hingga ketika bumi terasa sempit bagi mereka, padahal bumi itu luas dan jiwa mereka pun telah (pula terasa) sempit bagi mereka, serta mereka telah mengetahui bahwa tidak ada tempat lari dari (siksaan) Allah, melainkan kepada-Nya saja, kemudian Allah menerima tobat mereka agar mereka tetap dalam tobatnya. Sesungguhnya Allah Maha Penerima tobat, Maha Penyayang
القولُ في تأويل قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلَّا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: لقد تاب الله على النبيِّ والمهاجرين والأنصار وعلى الثلاثةِ الذين خُلِّفوا. وهؤلاء الثلاثةُ الذين وَصَفَهم الله في هذه الآية بما وَصَفَهم به، فيما قيل، هم الآخرون الذين قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦].
ين قال جلّ ثناؤُه: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة: ١٠٦]. فتاب عليهم، عزّ ذكرُه، وتَفضَّلَ عليهم.
وقد مَضَى ذكرُ مَن قال ذلك مِن أهل التأويل بما أغْنَى عن إعادته في هذا الموضع.
فتأويلُ الكلامِ إِذًا: ولقد تابَ اللهُ على الثلاثة الذين خَلَّفهم الله عن التوبة، فأَرْجَأَهم عمَّن تابَ عليه ممن تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عمَّن سَمِعَ عكرمة في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: خُلِّفُوا عن التوبة.
حدَّثنا بشْرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قولُه: ﴿خُلِّفُوا﴾. فخُلِّفوا عن التوبة.
﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾.
قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: أما قولُه: ﴿خُلِّفُوا﴾. فخُلِّفوا عن التوبة.
﴿حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ﴾. يقولُ: بِسَعتِها، غَمًّا وندمًا على تَخلُّفِهم عن الجهادِ مع رسول الله ﷺ ﴿وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ﴾، بما نالهم من الوَجْدِ والكَرْبِ بذلك، ﴿وَظَنُّوا أَنْ لَا مَلْجَأَ﴾. يقولُ: وأَيْقَنُوا بقلوبهم أن لا شيء لهم يَلْجَئُون إليه مما نَزَلَ بهم مِن أمرِ اللهِ مِن البَلاءِ بتَخَلُّفِهم خلافَ رسولِ الله ﷺ، يُنجِّيهم مِن كَرْبِه، ولا مما يَحْذَرون من عذابِ اللهِ - إلا الله، ثم رَزَقَهم الإنابة إلى طاعته، والرجوع إلى ما يُرْضيه عنهم، ليُنيبوا إليه، ويَرْجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونَهْيِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾.
إلى طاعته، والرجوع إلى ما يُرْضيه عنهم، ليُنيبوا إليه، ويَرْجعوا إلى طاعته، والانتهاء إلى أمره ونَهْيِه، ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾. يقولُ: إن الله هو الوَهَّابُ لعباده الإنابةَ إلى طاعتِه، الموفِّقُ مَن أحبَّ توفيقه منهم لما يُرْضِيه عنه، ﴿الرَّحِيمُ﴾ بهم، أن يُعاقبهم بعد التوبة، أو يَخْذُلَ مَن أراد منهم التوبة والإنابة ولا يتوبَ عليه. وبنحو ما قُلنا في تأويل ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاوية، عن الأعمشِ، عن أبي سفيانَ، عن جابر في قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بن أميةَ، ومُرَارةُ بنُ ربيعةَ، وكُلُّهم مِن الأنصارِ.
حدَّثني عُبَيدُ بنُ محمد الورَّاقُ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعْمش، عن أبي سُفيان، عن جابرٍ بنحوه، إلا أنه قال: ومُرارةُ بنُ الربيع، أو ابن ربيعة.
ِ.
حدَّثني عُبَيدُ بنُ محمد الورَّاقُ، قال: ثنا أبو أسامة، عن الأعْمش، عن أبي سُفيان، عن جابرٍ بنحوه، إلا أنه قال: ومُرارةُ بنُ الربيع، أو ابن ربيعة. شَكَّ أبو أسامة.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمة وعامرٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: أرجئوا في أوسط "براءة".
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: الذين أُرْجِئُوا في أوسط "براءة"؛ قوله: ﴿وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٠٦]. هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع، وكعبُ بنُ مالكٍ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: الذين أُرْجِئوا في وسط "براءة".
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.
لِّفُوا﴾: الذين أُرْجِئوا في وسط "براءة".
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبيه، عن لَيْثٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ
ربيعة، وكعبُ بنُ مالكٍ.
قال: ثنا ابن نُمَيرٍ، عن ورقاءَ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: الذين أُرْجِئوا.
قال: ثنا جريرٌ، عن يعقوبَ، عن جعفرٍ، عن سعيدٍ، قال: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: كعبُ بنُ مالكٍ وكان شاعرًا، ومُرارةُ بنُ الربيع، وهلالُ بنُ أمية، وكلُّهم أنصاريٌّ.
قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ والمُحاربيُّ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ، قال: كلُّهم من الأنصارِ؛ هلالُ بنُ أميةَ، ومُرارةُ بنُ الرَّبيع، وكعبُ بنُ مالكِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.
لكِ.
حدَّثني المُثَنَّى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَونٍ، قال: أخبرنا هُشَيمٌ، عن جُوَيبرٍ، عن الضَّحَّاكِ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بن مالكٍ، ومُرارةُ بنُ الربيع، كلُّهم من الأنصارِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قوله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. إلى قوله: ﴿ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ﴾: كعبُ بنُ مالكٍ، وهلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ بنُ ربيعةَ، تَخَلَّفوا في غزوة تبوك؛ ذُكر لنا أن كعب بن مالكٍ أوثق نفسه إلى ساريةٍ، فقال: لا أُطْلِقُها - أو لا أُطْلِقُ نفسى - حتى يُطلِقنى رسول الله ﷺ. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "والله لا أُطْلِقُه حتى يُطْلِقَه ربُّه إن شاءَ". وأما الآخَرُ فكان تَخَلَّفَ على حائطٍ له كان أَدْرَكَ، فَجَعَله
صدقةً في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمُه.
لا أُطْلِقُه حتى يُطْلِقَه ربُّه إن شاءَ". وأما الآخَرُ فكان تَخَلَّفَ على حائطٍ له كان أَدْرَكَ، فَجَعَله
صدقةً في سبيل الله، وقال: والله لا أطعمُه. وأما الآخرُ، فرَكِبَ المفاوز يَتْبَعُ رسول الله ﷺ، ترفَعُه أَرضٌ وتضَعُه أخرى، وقَدَماه تَشَلْشَلان دمًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عُبيد الله، عن إسرائيل، عن السُّدِّيِّ، عن أبي مالكٍ، قال: ﴿الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾: هلالُ بنُ أمية، وكعبُ بنُ مالكٍ، ومرُارةُ بنُ ربيعةَ.
قال: ثنا أبو داودَ الحَفَرِيُّ، عن سلامٍ أبي الأحْوصِ، عن سعيد بن مسروقٍ، عن عكرمة: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. قال: هلالُ بنُ أمية، ومُرارةُ، وكعبُ بنُ مالكٍ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن عمر بن كثيرِ بن أفلحَ، قال: قال كعبُ بنُ مالكٍ: ما كنتُ في غَزاةٍ أَيسرَ للظَّهرِ والنفقة مني في تلك الغزاة.
ن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا ابن عَوْنٍ، عن عمر بن كثيرِ بن أفلحَ، قال: قال كعبُ بنُ مالكٍ: ما كنتُ في غَزاةٍ أَيسرَ للظَّهرِ والنفقة مني في تلك الغزاة. قال كعبُ بنُ مالكٍ: لمَّا خرج رسولُ اللهِ ﷺ قلتُ: أَتَجَهَّزُ غدًا ثم أَلْحَقُه، فأَخَذتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ، فلما كان اليومُ الثالثُ أَخَذْتُ في جهازى، فأمسَيتُ ولم أفرُغْ، فقلتُ: هَيْهَات، سارَ الناسُ ثلاثا، فأقمتُ، فلما قَدِمَ رسول الله ﷺ، جعل الناسُ يَعْتَذِرون إليه، فجئتُ حتى قُمْتُ بينَ يَدَيه، فقلتُ: ما كنتُ في غَزاةٍ أيسر للظهر والنفقة منى في هذه الغزاة. فأعرض عنى رسول الله ﷺ، فأمَر الناس أن لا يُكَلِّمونا، وأُمِرَتْ نِساؤنا أن يَتَحَوَّلُن عنَّا. قال: فتَسَوَّرت حائطًا ذاتَ يومٍ، فإذا أنا بجابر بن عبدِ اللهِ، فقلتُ: أَيْ جابرُ، نَشَدْتُك باللهِ، هل عَلِمْتَنى غَشَشْتُ الله ورسولَه يومًا قَطُّ؟ فسكت عنى، فجعل لا
يُكَلِّمُني، فبَينا أنا ذاتَ يومٍ، إذ سمعتُ رجلًا على الثَّنيَّةِ يقولُ: [كعبُ كعبُ].
عَلِمْتَنى غَشَشْتُ الله ورسولَه يومًا قَطُّ؟ فسكت عنى، فجعل لا
يُكَلِّمُني، فبَينا أنا ذاتَ يومٍ، إذ سمعتُ رجلًا على الثَّنيَّةِ يقولُ: [كعبُ كعبُ]. حتى دنا مني، فقال: بَشِّروا كعبًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وَهْبٍ، قال: أخبَرني يونسُ، عن ابن شهابٍ، قال: غَزا رسول الله ﷺ عزوة تبوكَ، وهو يريدُ الرومَ ونصارى العرب بالشام، حتى إذا بلغ تبوك، أقامَ بها بضعَ عَشرةَ ليلةً، ولَقِيَه بها وفد أذْرُحَ ووفدُ أيْلةَ، فصالحهم رسولُ اللهِ ﷺ على الجزية، ثم قَفَلَ رسولُ اللهِ ﷺ مِن تبوك ولم يُجاوِزْها، وأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية.
يُجاوِزْها، وأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ﴾ الآية. والثلاثةُ الذين خُلِّفُوا رَهْطُ منهم؛ كعبُ بنُ مالكٍ، وهو أحدُ بنى سَلِمةَ، ومُرارةُ بنُ ربيعة، وهو أحدُ بني عمرو بن عوفٍ، وهلالُ بنُ أميةَ، وهو من بنى واقفٍ، وكانوا تَخَلَّفوا عن رسول الله ﷺ في تلك الغزوة، في بضعةٍ وثمانين رجلًا، فلما رجع رسول الله ﷺ إلى المدينة، صَدَقَه أولئك حديثَهم، واعتَرَفوا بذنوبهم، وكَذَبَ، سائرُهم، فحَلَفوا لرسولِ اللهِ ﷺ ما حبَسهم إلا العُذْرُ، فقَبِلَ منهم رسولُ اللهِ وبايَعَهم، ووَكَلَهم في سرائرهم إلى اللهِ، ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حينَ حَدَّثوه حديثهم، واعْتَرَفوا بذنوبهم: "قد صَدَقْتُم فقوموا حتى يَقْضِيَ اللهُ فيكم".
ى اللهِ، ونهى رسولُ الله ﷺ عن كلام الذين خُلِّفوا، وقال لهم حينَ حَدَّثوه حديثهم، واعْتَرَفوا بذنوبهم: "قد صَدَقْتُم فقوموا حتى يَقْضِيَ اللهُ فيكم". فلما أنزل الله
القرآن تاب على الثلاثة، وقال للآخرين: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ﴾، حتى بلغ: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥ - ٩٦].
قال ابن شهابٍ: وأخبرنى عبدُ الرحمن بنُ عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ أن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنيه حينَ عَمِيَ - قال: سمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسولِ اللهِ ﷺ في غزوة تبوك، قال كعبٌ: لم أَتَخلَّفْ عن رسول الله ﷺ في غزوة غزاها قَطُّ، إلا في غزوة تبوك، غير أنِّى قد تَخَلَّفْتُ في غزوة بدرٍ، ولم يُعاتَبْ أَحدٌ تَخَلَّفَ عنها، إنما خرَج رسول الله ﷺ والمسلمون يُريدون عير قريشٍ، حتى جمع الله بينهم وبينَ عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، ليلة العقبة، حينَ
ج رسول الله ﷺ والمسلمون يُريدون عير قريشٍ، حتى جمع الله بينهم وبينَ عدوِّهم على غير ميعادٍ، ولقد شَهِدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة، ليلة العقبة، حينَ تَواثَقْنا على الإسلام، وما أُحِبُّ أن لى بها مشهدَ بدرٍ، وإن كانت بدرٌ أذكرَ في الناس منها.
فكان من خبرى حينَ تَخلَّفتُ عن النبيِّ ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكُنْ قَطُّ أقوَى ولا أيسرَ منى حينَ تَخلَّفْتُ عنه في تلك الغزوة، والله ما جمعتُ قبلها راحلتين قَطُّ، حتى جمَعتُهما في تلك الغزوةِ، فَغَزاها رسولُ اللهِ ﷺ في حَرٍّ شديدٍ، واسْتقبل سفرًا بعيدًا ومَفاوِزَ، واستقبل عدوًّا كثيرًا، فجَلَّى للمسلمين أمرَهم، ليتأهَّبُوا أُهْبَةَ غَزْوهم، فأخبَرهم بوجههم الذي يريدُ، والمسلمون مع النبيِّ ﷺ كثيرٌ، ولا يجمعُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أن يَتَغيَّبَ إلا يَظُنُّ أن ذلك سَيَخْفى، ما لم ينزل فيه وَحْىٌ من الله، وغَزا رسولُ
ُهم كتابٌ حافظٌ - يريدُ بذلك الديوانَ - قال كعبٌ: فما رجلٌ يريدُ أن يَتَغيَّبَ إلا يَظُنُّ أن ذلك سَيَخْفى، ما لم ينزل فيه وَحْىٌ من الله، وغَزا رسولُ
الله ﷺ تلك الغزوة حينَ طابَت الثمارُ والظِّلالُ، وأنا إليهما أصْعَرُ، فَتَجهَّز رسول الله ﷺ والمسلمون معه، وطَفِقْتُ أغْدو لكى أتَجهَّز معهم، فلم أقض مِن جَهازى شيئًا، ثم غَدوتُ فرَجَعتُ ولم أقض شيئًا، فلم يَزَلْ ذلك يَتَمادَى حتى أسْرَعوا وتفارَطَ الغَزْوُ، وهَمَمْتُ أن أرْتَحِلَ فَأُدْرِكَهم، فيا ليتني فعَلتُ، فلم يُقَدَّرْ ذلك لي، فَطَفِقْتُ إِذا خَرَجْتُ في الناس بعد خروج النبيِّ ﷺ يُحْزِنُنِى أَن لا أَرَى لى أُسوةً إلا رجلًا مَغْموصًا عليه في النفاقِ، أو رجلًا ممن عَذَرَ اللهُ مِن الضعفاء، ولم يَذْكُرْنى رسول الله ﷺ حتى بَلَغَ تبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كعبُ بن مالكٍ؟ ". فقال رجلٌ مِن بنى سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرْداه، والنظرُ في عِطْفَيْه.
تبوكَ، فقال وهو جالسٌ في القوم بتبوك: "ما فَعَلَ كعبُ بن مالكٍ؟ ". فقال رجلٌ مِن بنى سَلِمةَ: يا رسولَ اللهِ، حَبَسَه بُرْداه، والنظرُ في عِطْفَيْه. فسَكَتَ رسول الله ﷺ، فبَيْنا هو على ذلك، رأى رجلًا مُبَيِّضًا يزولُ به السرابُ، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "كُنْ أبا خَيْثمةَ". فإذا هو أبو خَيْثمةَ الأنصاريُّ، وهو الذي تَصَدَّقَ بصاع التمرِ، فَلَمَزَه المنافقون. قال كعبٌ: فلما بلغنى أن رسول الله ﷺ. [قد توجَّه] قافِلًا من تبوك، حَضَرَني بَثِّي، فَطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقولُ: بم أخرُجُ مِن سَخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذى رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أَظَلَّ قادِمًا.
فَطَفِقْتُ أتذكَّرُ الكذب، وأقولُ: بم أخرُجُ مِن سَخَطِه غدًا؟ وأستعينُ على ذلك بكلِّ ذى رأي من أهلي، فلما قيل لي: إن رسول الله ﷺ قد أَظَلَّ قادِمًا. زاحَ عنى الباطلُ، حتى
عَرَفْتُ أني لن أنجوَ منه بشيءٍ أبدًا، فأجمَعتُ صدقه، وصبَّحَ رسول الله ﷺ قادمًا، وكان إذا قَدِم من سفر بدَأ بالمسجدِ فركَع فيه ركعتَين، ثم جلَس للناسِ، فلما فعَل ذلك جاءه المُخَلَّفُون، فطَفِقُوا يَعْتَذِرون إليه ويَحْلِفون له، وكانوا بضعةً وثمانين رجلًا، فقيل منهم رسول الله ﷺ علانيتَهم، وبايَعَهم واستغفر لهم، ووَكُل سرائرَهم إلى الله، حتى جئتُ، فلما سَلَّمْتُ تَبسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: "تعالَ". فجئتُ أمشى حتى جلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: "ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ ".
َّمْتُ تَبسَّمَ تَبَسُّمَ المُغْضَبِ، ثم قال: "تعالَ". فجئتُ أمشى حتى جلَستُ بينَ يَدَيه، فقال لي: "ما خَلَّفَكَ؟ ألم تكُنْ قد ابْتَعْتَ ظَهْرَكَ؟ ". قال: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِنّى والله لو جلَستُ عندَ غيرك مِن أهل الدنيا، لرأيتُ أنى سأخرُجُ مِن سَخَطِه بعُذرٍ، لقد أُعطيتُ جَدَلًا، ولكنى واللَّهِ لقد علمتُ لئن حَدَّثْتُك اليوم حديث كَذِبٍ تَرْضَى به عنى، لَيُوشِكُنَّ اللهُ أَن يُسْخِطَك عليَّ، ولئن حَدَّثْتُك حديثَ صِدقٍ تَجِدُ عليَّ فيه، إِنِّي لأرجو فيه عَفْوَ الله، والله ما كان لى عُذْرٌ، والله ما كنتُ قَطُّ أقوى ولا أيسر منى حينَ تَخَلَّفْتُ عنك. فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "أمَّا هذا فقد صَدَقَ، قُمْ حَتى يَقْضِيَ اللهُ فيك". فقُمْتُ، وثارَ رجالٌ مِن بنى سَلِمةَ، فاتَّبَعونى وقالوا: واللَّهِ مَا عَلِمْناكَ أَذْنَبْتَ ذَنْبًا قبلَ هذا، لقد عَجَزْتَ في أن لا تكونَ اعْتَذَرتَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بما اعْتَذَرَ به المُخَلَّفون! فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسولِ الله ﷺ لك.
نْبًا قبلَ هذا، لقد عَجَزْتَ في أن لا تكونَ اعْتَذَرتَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ بما اعْتَذَرَ به المُخَلَّفون! فقد كان كافيك ذنبَك استغفارُ رسولِ الله ﷺ لك. قال: فوالله ما زالوا يُؤَنِّبُوننى، حتى أردتُ أن أرجِعَ إلى رسولِ اللهِ ﷺ فأُكَذِّبَ نفسى. قال: ثم قلتُ لهم: هل لَقِى هذا معى أحدٌ؟ قالوا: نعم، لقيه معك رجلان قالا مثل ما قلت، وقيل لهما مثلُ ما قيل لك. قال: قلتُ: من هما؟ قالوا: مُرارةُ بنُ ربيع العامريُّ
وهلالُ بنُ أميةَ الواقفيُّ. قال: فذَكَروا لي رجلَين صالحَين قد شَهِدا بدرًا فيهما أُسْوةٌ. قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لى، ونَهَى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيُّها الثلاثةُ، مِن بين مَن تَخَلَّفَ عنه.
ن قد شَهِدا بدرًا فيهما أُسْوةٌ. قال: فمَضَيتُ حينَ ذَكَروهما لى، ونَهَى رسولُ الله ﷺ المسلمين عن كلامنا، أيُّها الثلاثةُ، مِن بين مَن تَخَلَّفَ عنه. قال: فاجْتَنَبَنا الناسُ وتَغَيَّروا لنا حتى تَنَكَّرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي أعرِفُ، فَلَبِثْنا على ذلك خمسين ليلةً، فأما صاحباي، فاسْتَكَانا وقَعَدا في بُيوتهما يَبْكِيان، وأما أنا، فكنتُ أشَبَّ القومِ وأجلَدَهم، فكنتُ أخرُجُ وأشهَدُ الصلاة، وأطوفُ في الأسواق، ولا يُكَلِّمُني أحدٌ، وأتى رسول الله ﷺ، فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّكَ شفتَيه بردِّ السلام أم لا؟
طوفُ في الأسواق، ولا يُكَلِّمُني أحدٌ، وأتى رسول الله ﷺ، فأسلِّمُ عليه وهو في مجلسه بعد الصلاة، فأقولُ في نفسي: هل حَرَّكَ شفتَيه بردِّ السلام أم لا؟ ثم أُصَلِّى معه، وأَسارِقُه النظر، فإذا أقبلتُ على صلاتى نَظَرَ إليَّ، وإذا التفَتُّ نحوه أعرَضَ عنى، حتى إذا طال ذلك عليَّ مِن جفوة المسلمين، مشَيتُ حتى تَسَوَّرتُ جدارَ حائطِ أبي قتادة، وهو ابن عمِّى وأحبُّ الناس إليَّ، فسَلَّمْتُ عليه، فوالله ما رَدَّ عليَّ السلام، فقلتُ: يا أبا قتادةَ، أَنْشُدُك بالله، هل تعلَمُ أنى أحِبُّ الله ورسوله؟ فسكَتَ. قال: فعُدْتُ فناشَدتُه، فسكَت، فعُدْتُ فناشَدتُه، فقال: الله ورسوله أعلمُ. فَفَاضَتْ عَيْناى، وتَوَلَّيتُ حتى تَسَوَّرتُ الجدار، فبَيْنا أنا أمشى في سوق المدينة، إذا نبَطِيٌّ مِن نَبَطِ أهل الشام ممن قَدِمَ بالطعامِ يَبيعُه بالمدينة، يقولُ: مَن يدُلُّ على كعب بن مالكٍ؟
الجدار، فبَيْنا أنا أمشى في سوق المدينة، إذا نبَطِيٌّ مِن نَبَطِ أهل الشام ممن قَدِمَ بالطعامِ يَبيعُه بالمدينة، يقولُ: مَن يدُلُّ على كعب بن مالكٍ؟ قال: فطَفِقَ الناسُ يُشيرون له حتى جاءني، فدفع إليَّ كتابًا مِن مَلكِ غَسَّانَ، وكنتُ كاتبًا، فقرأتُه، فإذا فيه: أمَّا بعدُ، فإنه قد بلَغَنا أن صاحبَك قد جَفاكَ، ولم يجعَلْك الله بدارِ هَوَانٍ ولا مَضْيَعةٍ، فالحقْ بِنا نُواسِكَ.
قال: فقلتُ حين [قرأتُها: وهذه] أيضًا من البلاء، [فتأمَّمتُ به]
التَّنُّورَ [فَسَجَرتُه به]، حتى إذا مَضَتْ أربعون من الخمسين، واسْتَلْبَث الوحيُ، إذا رسولُ رسول الله ﷺ يأتينى، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمُرُك أن تَعْتزلَ امرأتَك. قال: فقلتُ: أُطَلِّقُها أم ماذا أفعَلُ؟ قال: لا، بل اعْتَزِلُها فلا تَقْرَبَنَّها. قال: وأرسَل إلى صاحِبَيَّ بذلك. قال: فقلتُ لامرأتى: الحَقِى بأهلِك فكونى عندَهم، حتى يقضىَ الله في هذا الأمر.
: لا، بل اعْتَزِلُها فلا تَقْرَبَنَّها. قال: وأرسَل إلى صاحِبَيَّ بذلك. قال: فقلتُ لامرأتى: الحَقِى بأهلِك فكونى عندَهم، حتى يقضىَ الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأةُ هلالٍ رسول الله ﷺ فقالت: يا رسولَ اللهِ، إن هلال بن أمية شيخٌ ضائعٌ ليس له خادمٌ، فهل تَكْرَهُ أن أخدُمَه؟ فقال: "لا، ولكنْ لا يَقْرَبَنَّكِ". قالت: فقلتُ: إنه والله ما به حركةٌ إلى شيءٍ، ووالله ما زالَ يَبْكى منذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لى بعضُ أهلى: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلالٍ أن تَخْدُمَه.
لله ما زالَ يَبْكى منذُ كان من أمره ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لى بعضُ أهلى: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك؟ فقد أذن لامرأة هلالٍ أن تَخْدُمَه. قال: فقلتُ: لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما يُدْرِيني ماذا يقول لى إذا اسْتأذنتُه فيها، وأنا رجلٌ شابٌّ.
فلَبِثْتُ بعد ذلك عشر ليالٍ، فَكَمَلَ لنا خمسون ليلةً مِن حين نهى رسولُ اللهِ ﷺ عن كلامنا، قال: ثم صلَّيتُ صلاة الفجرِ صباح خمسين ليلةً على ظهر بيتٍ من بُيُوتِنا، فبَيْنا أنا جالسٌ على الحالِ التي ذَكَرَ اللهُ مِنَّا، قد ضاقَت عليَّ نفسى، وضاقَت عليَّ الأرضُ بما رَحُبَتْ، سَمِعتُ صوت صارخٍ [أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ] يقولُ بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشرْ. قال: فَخَرَرْتُ ساجدًا، وعَرَفْتُ أَنْ
قد جاء فرجٌ.
رَحُبَتْ، سَمِعتُ صوت صارخٍ [أَوْفَى على جبلِ سَلْعٍ] يقولُ بأعلى صوته: يا كعبُ بنَ مالكٍ، أبشرْ. قال: فَخَرَرْتُ ساجدًا، وعَرَفْتُ أَنْ
قد جاء فرجٌ. قال: وآذَنَ رسولُ الله ﷺ بتوبة الله علينا حينَ صَلَّى صلاة الفجرِ، فذهَب الناسُ يُبَشِّرُونَنا، فذهَب قِبَلَ صاحِبَيَّ مُبَشِّرُون، وركَض رجلٌ إليَّ فرسًا، وسعَى ساعٍ مِن أسلمَ قِبَلى، وأَوْفَى الجبلَ، وكان الصوتُ أسرع من الفرس، فلما جاءنى الذي سَمِعتُ صوتَه يُبَشِّرُنى، نَزَعْتُ له ثَوْبَيَّ، فكَسَوتُهما إياه بِبَشارته، والله ما أَمْلِكُ غيرَهما يومَئذٍ، واسْتَعَرْتُ ثوبَين فلبستُهما، وانطلقتُ أتأمَّمُ رسولَ اللهِ ﷺ، فَتَلقَّانى الناسُ فوجًا فوجًا يُهَنِّئُونى بالتوبة، ويقولون: لِتَهْنِكَ توبة الله عليك حتى دخَلتُ المسجدَ، فإذا رسول الله ﷺ جالسٌ في المسجدِ حوله الناسُ، فقامَ إليَّ طلحةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَرْولُ حتى صافَحَنى وهَنَّأَنى، واللَّهِ ما قامَ رجلٌ مِن المهاجرين غيرُه - قال: فكان كعبٌ لا يَنْساها لطلحةَ - قال كعبٌ: فلما
ةُ بنُ عُبَيدِ اللهِ يُهَرْولُ حتى صافَحَنى وهَنَّأَنى، واللَّهِ ما قامَ رجلٌ مِن المهاجرين غيرُه - قال: فكان كعبٌ لا يَنْساها لطلحةَ - قال كعبٌ: فلما سَلَّمْتُ على رسول الله ﷺ قال وهو يَبْرُقُ وجهُه من السرور: "أبْشرْ بخير يومٍ مَرَّ عليك منذُ وَلَدَتْك أمُّكَ". فقلتُ: أمِن عندِك يا رسولَ اللهِ، أم من عندِ اللهِ؟ قال: "لا، بَلْ مِن عِنْدِ الله". وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنارَ وجهُه، حتى كأن وجهه قطعةُ قمرٍ، وكُنَّا نعرِفُ ذلك منه.
قال: فلما جلَستُ بينَ يَدَيه قلتُ: يا رسولَ اللهِ، إِن مِن تَوْبَتى أن أنْخلِعَ مِن مالى صدقةً إلى اللهِ وإلى رسوله. فقال رسولُ الله ﷺ: "أَمْسِكْ بعضَ مالك، فهو خيرٌ لك". قال: فقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمىَ الذي بخيبرَ. وقلتُ: يا رسول اللهِ، إن الله إنما أنْجانى بالصدقِ، وإن مِن تَوْبتى أن لا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بَقِيتُ.
ل: فقلتُ: فإني أُمْسِكُ سَهْمىَ الذي بخيبرَ. وقلتُ: يا رسول اللهِ، إن الله إنما أنْجانى بالصدقِ، وإن مِن تَوْبتى أن لا أُحدِّثَ إلا صدقًا ما بَقِيتُ. قال: فوالله ما علمتُ أحدًا من المسلمين أَبْلاه الله في صِدْقِ الحديث، منذ ذكَرتُ
ذلك لرسول الله ﷺ، أحسن مما ابْتَلاني، والله ما تَعمَّدتُ كذبةً مُذْ قلتُ ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومى هذا، وإنى أرجو [أن يَحْفَظَني] الله فيما بقي. قال: فأنزل الله: ﴿لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ حتى بَلَغَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾.
ْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ﴾ حتى بَلَغَ: ﴿اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ﴾. قال كعبٌ: والله ما أنعم الله عليَّ من نعمةٍ قَطُّ بعد أن هَدانى للإسلام أعظمَ في نفسى مِن صِدْقى رسولَ اللهِ ﷺ أن لا أكونَ كَذَبْتُه فأَهْلِكَ كما هلَك الذين كذبوا، فإِنَّ الله قال للذين كَذَبوا حينَ أَنزَل الوحى شَرَّ ما قال لأحدٍ: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ إلى قوله: ﴿لَا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٦].
قال كعبٌ: كُنَّا خُلِّفْنا، أَيُّها الثلاثةُ، عن أمر أولئك الذين قَبِلَ رسولُ اللهِ ﷺ توبتَهم حينَ حَلَفُوا له، فبايَعَهم واسْتغفَر لهم، وأَرْجَأَ رسولُ الله ﷺ ما أمرنا حتى قَضَى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾.
حَلَفُوا له، فبايَعَهم واسْتغفَر لهم، وأَرْجَأَ رسولُ الله ﷺ ما أمرنا حتى قَضَى الله فيه، فبذلك قال الله: ﴿وَعَلَى الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا﴾. وليس الذي ذكر الله مما خُلِّفْنا عن الغزو، إنما هو تَخْليفُه إيَّانا وإرْجاؤُه أَمْرَنا عمن حلف له واعْتَذَرَ إليه، فقبل منه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن عَقِيلٍ، عن ابن شهابٍ، قال: أخبَرني عبدُ الرحمن بن عبد الله بن كعبِ بن مالكٍ، أن عبد الله بن كعب بن مالك - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِيَ - قال: سَمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك.
لله بن كعب بن مالك - وكان قائدَ كعبٍ مِن بَنِيه حينَ عَمِيَ - قال: سَمِعتُ كعبَ بنَ مالكٍ يُحدِّثُ حديثَه حينَ تَخَلَّفَ عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك. فذكر نحوَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأَعْلَى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثَوْرٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن كعبٍ، عن أبيه، قال: لم أتخَلَّفْ عن النبيِّ ﷺ في غزاةٍ غزاها إلا بدرًا، ولم يُعاتب النبيُّ ﷺ أحدًا تَخَلَّفَ عن بدرٍ، ثم ذَكَرَ نحوَه.
حدَّثنا ابن حُمَيدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، عن ابن إسحاق، عن ابن شهابٍ الزهريِّ، عن عبد الرحمن بن عبدِ اللهِ بن كعب بن مالكٍ الأنصاريِّ، ثم السُّلميِّ، عن أبيه، أن أباه عبد الله بن كعبٍ - وكان قائدَ أبيه كعب حينَ أُصِيبَ بصرُه - قال: سَمِعتُ أبي كعبَ بنَ مالكٍ يُحَدِّثُ حديثَه حين تخلَّف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، وحديث صاحبيه، قال: ما تخلَّفتُ عن رسول الله ﷺ في غزوة غَزاها، غير أني كنتُ تَخَلَّفْتُ عنه في غزوة بدر. ثم ذَكَر نحوَه.
﴿وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا حَتَّى إِذَا ضَاقَتْ عَلَيْهِمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ وَضَاقَتْ عَلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ وَظَنُّوا أَنْ لا مَلْجَأَ مِنَ اللَّهِ إِلا إِلَيْهِ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ لِيَتُوبُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (١١٨) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ (١١٩)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله، عن عمه محمد بن مسلم الزهري، أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك، أن عبد الله بن كعب بن مالك -وكان قائد كعب من بنيه حين عَمِيَ -قال: سمعت كعب بن مالك يحدّث حديثه حين تخلف عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك، فقال كعب بن مالك: لم أتخلف عن رسول الله ﷺ في غزاة غيرها قط إلا في غزوة تبوك، غير أني كنت تخلفت في غزاة بدر، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة
، ولم يعاتَب أحدٌ تخلف عنها، وإنما خرج رسول الله ﷺ يريد عِير قريش، حتى جمع الله بينهم وبين عدوّهم على غير ميعاد، ولقد شهدتُ مع رسول الله ﷺ ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام، وما أحب أن لي بها مشهد بدر، وإن كانت بدر أذْكَر في الناس منها وأشهر، وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله ﷺ في غزوة تبوك أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلّفت عنه في تلك الغزاة، والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة، وكان رسول الله ﷺ قَلَّما يريد غزوة يغزوها إلا وَرّى بغيرها، حتى كانت تلك الغزوة فغزاها رسول الله ﷺ في حَرٍّ شديد، واستقبل سفرا بعيدا ومفازًا، واستقبل عدوا كثيرًا فَجَلَّى للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة عدوهم، فأخبرهم وَجْهَه
الذي يريد، والمسلمون مع رسول الله ﷺ كثير، لا يجمعهم كتاب حافظ -يريد الديوان -فقال كعب: فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصعر.
ب: فَقَلّ رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله، ﷿، وغزا رسول الله ﷺ تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل، وأنا إليها أصعر. فتجهز إليها رسول الله ﷺ والمؤمنون معه، وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم، فأرجع ولم أقض من جهازي شيئا، فأقول لنفسي: أنا قادر على ذلك إذا أردت، فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى شمَّر بالناس الجد، فأصبح رسول الله ﷺ غاديا والمسلمون معه، ولم أقض من جهازي شيئا، وقلت: الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقه فغدوت بعدما فصلوا لأتجهز، فرجعت ولم أقض شيئا من جهازي. ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا، فلم يزل [ذلك] يَتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو، فهممت أن أرتحل فأدركهم -وليت أنّي فعلتُ -ثم لم يقدر ذلك لي، فطفقت إذا خرجتُ في الناس بعد [خروج] رسول الله ﷺ [فَطُفتُ فيهم] يحزنني ألا أرى إلا رجلا مَغْموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله، ﷿، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟
ى إلا رجلا مَغْموصا عليه في النفاق، أو رجلا ممن عذره الله، ﷿، ولم يذكرني رسول الله ﷺ حتى بلغ تبوك، فقال وهو جالس في القوم بتبوك: "ما فعل كعب بن مالك؟ " قال رجل من بني سَلمة: حبسه يا رسول الله بُرْداه، والنظر في عَطْفيه. فقال له معاذ بن جبل: بئسما قلت! والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرا! فسكت رسول الله ﷺ، قال كعب بن مالك: فلما بلغني أن رسول الله ﷺ قد تَوجَّه قافلا من تبوك حضرني بَثّي فطفقت أتذكر الكَذب، وأقول: بماذا أخرج من سخطه غدا؟ أستعين على ذلك كلّ ذي رأي من أهلي. فلما قيل: إن رسول الله ﷺ قد أظلّ قادما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا. فأجمعتُ صدقه، وصَبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس.
دما، زاح عني الباطل وعرفت أني لم أنج منه بشيء أبدا. فأجمعتُ صدقه، وصَبَّح رسول الله ﷺ، وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين، ثم جلس للناس. فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له -وكانوا بضعة وثمانين رجلا -فقبل منهم رسول الله ﷺ علانيتهم ويستغفر لهم، ويكل سرائرهم إلى الله تعالى، حتى جئت، فلما سلَّمت عليه تبسم تبسم المغضب، ثم قال لي: "تعال"، فجئت أمشي حتى جلستُ بين يديه، فقال لي: "ما خلَّفك، ألم تك قد اشتريت ظهرك"؟ قال: فقلت: يا رسول الله، إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أن أخرج من سَخَطه بعذر، لقد أعطيتُ جَدَلا ولكنه والله لقد علمتُ لئن حَدّثتك اليوم حديث كَذب ترضى به عني، ليوشكن الله يُسْخطك علي، ولئن حدثتك بصدق تَجدُ عَليّ فيه، إني لأرجو أقرب عقبى ذلك [عفوًا] من الله، ﷿ والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال: فقال رسول الله ﷺ: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك".
وًا] من الله، ﷿ والله ما كان لي عذر، والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال: فقال رسول الله ﷺ: "أما هذا فقد صدق، فقم حتى يقضي الله فيك". فقمت وبادرني رجال من بني سلمة واتبعوني، فقالوا لي: والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبا قبل هذا، ولقد عَجَزت ألا تكون اعتذرت إلى رسول الله ﷺ بما اعتذر به المتخلفون فقد كان كافيك [من ذنبك] استغفار رسول الله ﷺ لك. قال: فوالله
ما زالوا يؤنّبوني حتى أردت أن أرجع فأُكذِّب نفسي: قال: ثم قلت لهم: هل لقي هذا معي أحد؟ قالوا: نعم، [لقيه معك] رجلان، قالا ما قلتَ، وقيل لهما مثل ما قيل لك. قلت: فمن هما؟ قالوا: مُرَارة بن الربيع العامري، وهلال بن أمية الواقفي. فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا لي فيهما أسوة. قال: فمضيت حين ذكروهما لي -قال: ونهى رسول الله ﷺ المسلمين عن كلامنا -أيها الثلاثة -من بين من تخلف عنه، فاجتنَبنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة.
ها الثلاثة -من بين من تخلف عنه، فاجتنَبنَا الناس وتغيّروا لنا، حتى تنكرَتْ لي في نفسي الأرضُ، فما هي بالأرض التي كنت أعرف، فلبثنا على ذلك خمسين ليلة. فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان، وأما أنا فكنت أشَب القوم وأجلَدهم، فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين، وأطوف بالأسواق فلا يكلمني أحد، وآتي رسول الله ﷺ وهو في مجلسه بعد الصلاة فأسلم، وأقول في نفسي: حَرّك شفتيه برد السلام عليّ أم لا؟ ثم أصلي قريبا منه، وأسارقه النظر، فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي، فإذا التفت نحوه أعرَض، حتى إذا طال علي ذلك من هجر المسلمين مَشَيت حتى تسورت حائط أبي قتادة -وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي -فسلمت عليه، فوالله ما رد علي السلام، فقلت له: يا أبا قتادة، أنشدُك الله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدتُ فنشدته [فسكت، فعدت فنشدته] فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار.
لله: هل تعلم أني أحب الله ورسوله؟ قال: فسكت. قال: فعدتُ فنشدته [فسكت، فعدت فنشدته] فقال: الله ورسوله أعلم. قال: ففاضت عيناي وتوليت حتى تسوّرت الجدار. فبينا أنا أمشي بسوق المدينة إذا نَبَطِيٌّ من أنباط الشام، ممن قَدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول: من يدل على كعب بن مالك؟ قال: فطفِقَ الناس يشيرون له إليّ، حتى جاء فدفع إلي كتابا من ملك غسان، وكنت كاتبا فإذا فيه: أما بعد، فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هَوان ولا مَضْيَعة، فالحق بنا نُواسكَ. قال: فقلت حين قرأتها: وهذا أيضًا من البلاء. قال: فتيممت به التنور فَسَجرته حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين، إذا برسول رسول الله ﷺ يأتيني، فقال: إن رسول الله ﷺ يأمرك أن تعتزل امرأتك. قال: فقلت: أطلقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر.
لقها أم ماذا أفعل؟ قال: بل اعتزلها ولا تقربها. قال: وأرسل إلى صاحبيّ بمثل ذلك قال: فقلت لامرأتي: الحقي بأهلك، فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر. قال: فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله ﷺ فقالت له: يا رسول الله، إن هلالا شيخ ضائع ليس له خادم، فهل تكره أن أخدمه؟ قال: "لا ولكن لا يقربَنَّك" قالت: وإنه والله ما به حركة إلى شيء، والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه هذا. قال: فقال لي بعض أهلي: لو استأذنت رسول الله ﷺ في امرأتك، فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه. قال: فقلت: والله لا أستأذن فيها رسول الله ﷺ، وما أدري ما يقول رسول الله ﷺ إذا استأذنته وأنا رجل شاب؟ قال: فلبثنا [بعد ذلك] عشر ليال، فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا قال: ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا، فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت علي نفسي،
وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر.
لس على الحال التي ذكر الله تعالى منا: قد ضاقت علي نفسي،
وضاقت علي الأرض بما رحبت سمعت صارخا أوفى على جبل سَلْع يقول بأعلى صوته: يا كعب بن مالك، أبشر. قال: فخررت ساجدا، وعرفت أن قد جاء فرج، فآذن رسول الله ﷺ بتوبة الله علينا حين صلى الفجر، فذهب الناس يبشروننا، وذهب قِبَل صاحبيّ مبشرون، وركض إلي رجُل فرسًا، وسعى ساع من أسلم وأوفى على الجبل، فكان الصوت أسرع من الفرس. فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني، فنزعت ثوبي، فكسوتهما إياه ببشارته، والله ما أملك غيرهما يومئذ، واستعرت ثوبين فلبستهما، وانطلقت أؤم رسول الله ﷺ، يلقاني الناس فوجا فوجا يهنئوني بالتوبة، يقولون: لِيَهْنك توبة الله عليك. حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله ﷺ جالس في المسجد حوله الناس، فقام إليّ طلحة بن عبيد الله يُهرول، حتى صافحني وهَنَّأني، والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرُق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمّك".
هاجرين غيره قال: فكان كعب لا ينساها لطلحة. قال كعب: فلما سلمت على رسول الله ﷺ قال وهو يبرُق وجهه من السرور: "أبشر بخير يوم مَرّ عليك منذ ولدتك أمّك". قال: قلت: أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله؟ قال: "لا بل من عند الله". قال: وكان رسول الله ﷺ إذا سُرَّ استنار وجهه حتى كأنه قطعة قمر، حتى يعرف ذلك منه. فلما جلست بين يديه قلت: يا رسول الله، إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله. قال: "أمسك عليك بعض مالك، فهو خير لك". قال: فقلت: فإني أمسك سهمي الذي بخيبر. وقلت: يا رسول الله، إنما نجاني الله بالصدق، وإن من توبتي ألا أحدث إلا صدقا ما بقيت. قال: فوالله ما أعلم أحدا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي.
ذ ذكرت ذلك لرسول الله ﷺ أحسن مما أبلاني الله تعالى، والله ما تعمدت كَذبَةً منذ قلت ذلك لرسول الله ﷺ إلى يومي هذا، وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي. قال: وأنزل الله تعالى: (لَقَدْ تَابَ اللَّهُ عَلَى النَّبِيِّ وَالْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فِي سَاعَةِ الْعُسْرَةِ مِنْ بَعْدِ مَا كَادَ تَزِيغُ قُلُوبُ فَرِيقٍ مِنْهُمْ ثُمَّ تَابَ عَلَيْهِمْ إِنَّهُ بِهِمْ رَءُوفٌ رَحِيمٌ) قال كعب: فوالله ما أنعم الله علي من نعمة قط بعد أن هداني للإسلام أعظمَ في نفسي من صدقي رسولَ الله ﷺ يومئذ ألا أكون كَذَبْتُه فأهلك كما هلك الذين كَذَبوه [حين كَذَبُوه]؛ فإن الله تعالى قال للذين كَذَبوه حين أنزل الوحي شر ما قال لأحد، قال الله تعالى: ﴿سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَكُمْ إِذَا انْقَلَبْتُمْ إِلَيْهِمْ لِتُعْرِضُوا عَنْهُمْ فَأَعْرِضُوا عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ
َنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ * يَحْلِفُونَ لَكُمْ لِتَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنْ تَرْضَوْا عَنْهُمْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يَرْضَى عَنِ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ﴾ [التوبة: ٩٥، ٩٦]. قال: وكنا خُلّفنا -أيها الثلاثة -عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله ﷺ حين حلفوا، فبايعهم واستغفر لهم، وأرجأ رسولُ الله أمرَنا، حتى قضى الله فيه، فبذلك قال الله تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) وليس تخليفه إيانا وإرجاؤه أمرنا الذي
ذكر مما خُلِّفنا بتخلفنا عن الغزو، وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه، فقبل منه.
هذا حديث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري، بنحوه.
فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها.
يث صحيح ثابت متفق على صحته، رواه صاحبا الصحيح: البخاري ومسلم من حديث الزهري، بنحوه.
فقد تضمن هذا الحديث تفسير هذه الآية الكريمة بأحسن الوجوه وأبسطها. وكذا رُوي عن غير واحد من السلف في تفسيرها، كما رواه الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر بن عبد الله في قوله تعالى: (وَعَلَى الثَّلاثَةِ الَّذِينَ خُلِّفُوا) قال: هم كعب بن مالك، وهلال بن أمية، ومُرارة بن ربيعة وكلهم من الأنصار.
وكذا قال مجاهد، والضحاك، وقتادة، والسدي وغير واحد -وكلهم قال: مُرارة بن ربيعة.
[وكذا في مسلم: مرارة بن ربيعة في بعض نسخه، وفي بعضها: مرارة بن الربيع].
وفي رواية عن سعيد بن جُبَير: ربيع بن مرارة.
وقال الحسن البصري: ربيع بن مرارة أو مرارة بن ربيع.
وفي رواية عن الضحاك: مُرارة بن الربيع، كما وقع في الصحيحين، وهو الصواب.
وقوله: "فسموا رجلين شهدا بدرا"، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يُعْرَف شُهودُ واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم.
ما وقع في الصحيحين، وهو الصواب.
وقوله: "فسموا رجلين شهدا بدرا"، قيل: إنه خطأ من الزهري، فإنه لا يُعْرَف شُهودُ واحد من هؤلاء الثلاثة بدرا، والله أعلم.
ولما ذكر تعالى ما فرّج به عن هؤلاء الثلاثة من الضيق والكرب، من هجر المسلمين إياهم نحوا من خمسين ليلة بأيامها، وضاقت عليهم أنفسهم، وضاقت عليهم الأرض بما رَحُبت، أي: مع سعتها، فسدّدت عليهم المسالك والمذاهب، فلا يهتدون ما يصنعون، فصبروا لأمر الله، واستكانوا لأمر الله، وثبتوا حتى فرج الله عنهم بسبب صدقهم رسول الله ﷺ في تخلفهم، وأنه كان عن غير عذر، فعوقبوا على ذلك هذه المدة، ثم تاب الله عليهم، فكان عاقبة صدقهم خيرا لهم وتوبة عليهم؛ ولهذا قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) أي: اصدُقوا والزموا الصدق تكونوا مع أهله وتنجوا من المهالك ويجعل لكم فرجا من أموركم، ومخرجا، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق؛ عن عبد الله، هو ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بالصدق؛ فإن
من أموركم، ومخرجا، وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا الأعمش عن شقيق؛ عن عبد الله، هو ابن مسعود، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "عليكم بالصدق؛ فإن الصدق يهدي إلى البر وإن البر يهدي إلى الجنة، وما يزال الرجل يصدق ويتحرّى الصدق حتى يكتب عند الله صديقا، وإياكم والكذب، فإن الكذب يهدي إلى الفجور، وإن الفجور يهدي إلى النار، وما يزال الرجل يكذب ويتحرى الكذب، حتى
يكتب عند الله كذابا".
أخرجاه في الصحيحين.
وقال شعبة، عن عمرو بن مُرّة، سمع أبا عبيدة يحدث عن عبد الله بن مسعود، ﵁، أنه قال: [إن] الكذب لا يصلح منه جد ولا هزل، اقرءوا إن شئتم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مِنَ الصَّادِقِينَ) -هكذا قرأها -ثم قال: فهل تجدون لأحد فيه رخصة.
وعن عبد الله بن عمر: (اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ) مع محمد ﷺ وأصحابه.
وقال الضحاك: مع أبي بكر وعمر وأصحابهما.
وقال الحسن البصري: إن أردت أن تكون مع الصادقين، فعليك بالزهد في الدنيا، والكف عن أهل الملة.