Dan mereka menetapkan bagi Allah apa yang mereka sendiri membencinya, dan lidah mereka mengucapkan kebohongan, bahwa sesungguhnya (segala) yang baik-baik untuk mereka. Tidaklah diragukan bahwa nerakalah bagi mereka, dan sesungguhnya mereka segera akan dimasukkan (ke dalamnya)
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ويجعَلُ هؤلاء المشركون للهِ ما يكرَهونه لأنفسِهم [مِن البناتِ]، ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. يقولُ: وتقولُ ألسنتُهم الكذبَ وتفتريه؛ ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. و ﴿أَنَّ﴾ في موضعِ نصبٍ؛ لأنها ترجمةٌ عن الكذبِ. وتأويلُ الكلامِ: ويجعَلون للهِ ما يكرهونه لأنفسِهم، ويزعُمون أن لهم الحسنى، الذي يكرهونه لأنفسِهم البناتُ يجعَلونهن للهِ تعالى، وزعَموا أن الملائكةَ بناتُ اللهِ. وأما ﴿الْحُسْنَى﴾ التي جعَلوها لأنفسِهم، فالذكورُ من الأولادِ، وذلك أنهم كانوا يَئِدون الإناثَ من أولادِهم، ويستبْقون الذكورَ منهم، ويقولون: لنا الذكورُ وللهِ البناتُ.
التي جعَلوها لأنفسِهم، فالذكورُ من الأولادِ، وذلك أنهم كانوا يَئِدون الإناثَ من أولادِهم، ويستبْقون الذكورَ منهم، ويقولون: لنا الذكورُ وللهِ البناتُ. وهو نحوُ قولِه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ سُبْحَانَهُ وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ﴾ [النحل: ٥٧].
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاء، وحدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنة المثنى، قال: أخبَرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ قال: قولُ قريشٍ: لنا البنونَ، وللهِ البناتُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن [ابن جريجٍ]، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: قولُ كفارِ قريشٍ.
ريشٍ: لنا البنونَ، وللهِ البناتُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن [ابن جريجٍ]، عن مجاهدٍ مثلَه، إلا أنه قال: قولُ كفارِ قريشٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ﴾. أي: يتكلَّمون بأن لهم الُحسنى. أي: الغِلْمانَ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾. قال: الغِلمانَ.
وقولُه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: حقًّا واجبًا أن لهؤلاء القائلين: للهِ البناتُ. الجاعلين له ما يكرَهونه لأنفسِهم، ولأنفسِهم الحسنى - عندَ اللهِ يومَ القيامةِ النارَ.
وقد بيَّنَّا تأويلَ قولِ اللهِ: ﴿لَا جَرَم﴾.
لين: للهِ البناتُ. الجاعلين له ما يكرَهونه لأنفسِهم، ولأنفسِهم الحسنى - عندَ اللهِ يومَ القيامةِ النارَ.
وقد بيَّنَّا تأويلَ قولِ اللهِ: ﴿لَا جَرَم﴾. في غيرِ موضعٍ من كتابِنا هذا
بشواهِده، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضعِ.
ورُوى، عن ابن عباس في ذلك ما حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالح، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا جَرَم﴾. يقولُ: بلى.
وقولُه: ﴿لَا جَرَم﴾. كان بعضُ أهلِ العربيةِ يقولُ: لم تُنصَبْ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، كما نُصِبتِ الميمُ من قولِه: لا غلامَ لك. قال: ولكنها نُصِبت لأنها فعلٌ ماضٍ، مثلُ قولِ القائلِ: قعَد فلانٌ وجلَس. والكلامُ: ﴿لَا﴾ [ردٌّ لكلامِهم، أي]: ليس الأمرُ هكذا ﴿جَرَمَ﴾ الله: كسَب، مثلُ قولِه: ﴿لَا أُقْسِمُ﴾ [القيامة: ١]. ونحوُ ذلك.
وكان بعضُهم يقولُ: نصبُ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، وإنما هو بمعنى: لابدَّ، ولا محالةَ. ولكنها كثُرت في الكلامِ حتى صارت بمنزلِة "حقًّا".
وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
ولُ: نصبُ ﴿جَرَمَ﴾ بـ ﴿لَا﴾، وإنما هو بمعنى: لابدَّ، ولا محالةَ. ولكنها كثُرت في الكلامِ حتى صارت بمنزلِة "حقًّا".
وقولُه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: وأنهم مُخَلَّفون متروكون في النارِ، مَنْسِيُّون فيها.
واختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك؛ فقال أكثرُهم بنحوِ ما قلنا في ذلك.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ
مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون مُضَيَّعون.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: أخبرنا سعيدٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن حمُيدٍ، قال: ثنا بَهْرُ بنُ أسدٍ، عن شعبةَ، قال: أخبرني أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبير مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
مثلَه.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا أبو بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ في قولِه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متْروكون في النارِ، مَنسيُّون فيها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال حصينٌ: أخبَرنا عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثِله.
حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا الحجَّاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا هشيمٌ، عن حُصينٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنسيُّون.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، وحدثنى المثنى، قال: أخبَرنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، وحدثنى المثنى، قال: أخبرَنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ، عن ورقاءَ، جميعًا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾.
ا عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا عَبْدةُ وأبو معاويةَ وأبو خالدٍ، عن جويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: متروكون في النارِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن القاسمِ، عن، عن مجاهدٍ: ﴿مُفْرَطُونَ﴾. قال: مَنْسِيُّون.
حدَّثني عبدُ الوارثِ بنُ عبدِ الصمدِ، قال: ثنى أبى، عن الحسينِ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. يقولُ: مضاعون.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا بَدَلٌ، قال: ثنا عبَّادُ بنُ راشدٍ، قال: سمعتُ داودَ ابنَ أبى هندٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: منسيُّون في النارِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: أنهم مُعَجَّلون إلى النارِ، مقدَّمون إليها. وذهَبوا في ذلك إلى قولِ العربِ: أَفْرَطْنَا فلانًا في طلبِ الماءِ. إذا قدَّموه لإصلاحِ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، وتسويةِ ما يحتاجون إليه عندَ ورودِهم عليه، فهو مُفْرَطٌ.
قولِ العربِ: أَفْرَطْنَا فلانًا في طلبِ الماءِ. إذا قدَّموه لإصلاحِ الدِّلاءِ والأرْشِيَةِ، وتسويةِ ما يحتاجون إليه عندَ ورودِهم عليه، فهو مُفْرَطٌ. فأما المتقدَّمُ نفسُه فهو فارِطٌ، يقالُ: قد فرَط فلانٌ أصحابَه يَفْرُطُهم فَرْطًا وفُروطًا. إذا تقدَّمهم. وجمعُ فارطٍ فُرَّاطٌ، ومنه قولُ القُطَاميِّ.
واسْتَعْجَلونا وكانوا مِن صحابتِنا … كما تَعَجَّل فُرَّاطٌ لوُرَّادِ
ومنه قولُ النبيِّ ﷺ: "أنا فرَطُكم على الحوضِ" - أي: متقدِّمُكم إليه وسابقُكم - "حتى ترِدوه".
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ يقولُ: مُعَجَّلون إلى النارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النارِ.
َّلون إلى النارِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: قد أُفرِطوا في النارِ. أي: مُعجِّلون.
وقال آخرون: معنى ذلك: مُبْعَدون في النارِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيع، قال: ثنا أبى، عن أشْعَثَ السَّمَّانِ، عن الربيعِ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدٍ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾. قال: مُخْسَئون مُبْعَدون.
وأولى الأقوالِ في ذلك بالصوابِ القولُ الذي اخترناه؛ وذلك أن الإفراطَ الذي هو بمعنى التقديمِ، إنما يقالُ في من قُدِّم مُقَدَّمًا لإصلاحِ ما يُقَدَّمُ إليه، إلى وقتِ ورودِ من قَدَّمه عليه، وليس بمُقَدَّمٍ من قُدِّم إلى النارِ مِن أهلِها، لإصلاحِ شيءٍ فيها، لواردٍ يردُ عليها فيها، فيوافِقَه مُصْلَحًا، وإنما يُقَدَّمَ مَن قُدِّم إليها لعذابٍ يعجَّلُ له. فإذ كان [ذلك معنى] الإفراطِ، الذي هو تأويلُ التعجيلِ، ففسَد أن يكونَ له وجهٌ في الصحةِ صحَّ المعنى الآخرُ، وهو الإفراطُ الذي بمعنى التخليفِ والتركِ.
فإذ كان [ذلك معنى] الإفراطِ، الذي هو تأويلُ التعجيلِ، ففسَد أن يكونَ له وجهٌ في الصحةِ صحَّ المعنى الآخرُ، وهو الإفراطُ الذي بمعنى التخليفِ والتركِ. وذلك أنه يُحْكَى عن العربِ: ما أفْرَطتُ ورائى أحدًا. أي: ما خلَّفتُه، وما فرَّطتُه. أي: لم أُخَلِّفْه.
واختلفتِ القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامةُ قرأةِ الِمصْرين الكوفِة والبصرةِ: ﴿وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ﴾ بتخفيفِ الراءِ وفتحِها، على معنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه، من: أفْرَط فهو مُفْرَطٌ. وقد بيَّنتُ اختلافَ قرأةِ ذلك كذلك في التأويلِ.
وقرَأه أبو جعفرٍ القارئُ: (وأنهم مُفَرِّطون). بكسرِ الراءِ وتشديدِها، بتأويلِ: أنهم مفرِّطون في أداءِ الواجبِ كان للهِ عليهم في الدنيا، من طاعتِه وحقوقِه، مضيِّعو ذلك، من قولِ اللهِ تعالى: ﴿يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
وقرأ نافعُ بنُ أبى نُعيمٍ: (وأنهم مُفْرِطون). بكسرِ الراءِ وتخفيفِها.
حدَّثني بذلك يونس، عن ورْشٍ، عنه.
َا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ [الزمر: ٥٦].
وقرأ نافعُ بنُ أبى نُعيمٍ: (وأنهم مُفْرِطون). بكسرِ الراءِ وتخفيفِها.
حدَّثني بذلك يونس، عن ورْشٍ، عنه. بتأويلِ: أنهم مُفْرِطون في الذنوبِ والمعاصى، مُسْرِفون على أنفسِهم، مُكْثِرون منها. من قولِهم: أفْرَط فلانٌ في القولِ. إذا تجاوَز حدَّه وأسْرَف فيه.
والذي هو أولى القراءاتِ في ذلك بالصوابِ قراءةُ الذي ذكَرنا قراءتَهم من أهلِ العراقِ، لموافقتِها تأويلَ أهلِ التأويلِ الذي ذكَرنا قبلُ، وخروجِ القراءاتِ الأُخَرِ عن تأويلِهم.
﴿وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ وَلَكِنْ يُؤَخِّرُهُمْ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ (٦١) وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى لا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾
يخبر تعالى عن حلمه بخلقه مع ظلمهم، وأنه لو يؤاخذهم بما كسبوا ما ترك على ظهر الأرض من دابة، أي: لأهلك جميع دواب الأرض تبعًا لإهلاك بني آدم، ولكن الرب، ﷻ، يحلم ويستر، وينظر (إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى) أي: لا يعاجلهم بالعقوبة؛ إذ لو فعل ذلك بهم لما أبقى أحدًا.
قال سفيان الثوري، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجُعَل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ).
ق، عن أبي الأحوص أنه قال: كاد الجُعَل أن يعذب بذنب بني آدم، وقرأ: (وَلَوْ يُؤَاخِذُ اللَّهُ النَّاسَ بِظُلْمِهِمْ مَا تَرَكَ عَلَيْهَا مِنْ دَابَّةٍ).
وكذا رَوَى الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيدة قال: قال عبد الله: كاد الجُعَل أن يهلك في جحره بخطيئة بني آدم.
وقال ابن جرير: حدثني محمد بن المثنى، حدثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه.
ثنا إسماعيل بن حكيم الخزاعي، حدثنا محمد بن جابر الحنفي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: سمع أبو هريرة رجلا وهو يقول: إن الظالم لا يضر إلا نفسه. قال: فالتفت إليه فقال: بلى والله، حتى إن الحبارى لتموت في وكرها [هُزالا] بظلم الظالم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، أنبأنا الوليد بن عبد الملك بن عبيد الله بن مسرح، حدثنا سليمان بن عطاء، عن مسْلَمة بن عبد الله، عن عمه أبي مَشْجَعة بن رِبْعي، عن أبي الدرداء، ﵁، قال: ذكرنا عند رسول الله ﷺ فقال: "إن الله لا يؤخر شيئا إذا جاء أجله، وإنما زيادة العمر بالذرية الصالحة، يرزقها الله العبد فيدعون له من بعده، فيلحقه دعاؤهم في قبره، فذلك زيادة العمر".
وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ) أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.
دة العمر".
وقوله: (وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ) أي: من البنات ومن الشركاء الذين هم [من] عبيده، وهم يأنفون أن يكون عند أحدهم شريك له في ماله.
وقوله: (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى) إنكار عليهم في دعواهم مع ذلك أن لهم الحسنى في الدنيا، وإن كان ثمَّ معاد ففيه أيضا لهم الحسنى، وإخبار عن قيل من قال منهم، كقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَا الإِنْسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ﴾ [هود: ٩، ١٠]، وكقوله: ﴿وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ رَحْمَةً مِنَّا مِنْ بَعْدِ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ هَذَا لِي وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى فَلَنُنَبِّئَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِمَا عَمِلُوا وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [فصلت: ٥٠]، وقوله:
حسنا وهذا مستحيل، كما ذكر ابن إسحاق: أنه وُجد حجر في أساس الكعبة حين نقضوها ليجددوها مكتوب عليه حِكَم ومواعظ، فمن ذلك: تعملون السيئات ويجزون الحسنات؟ أجل كما يجتنى من الشوك العنب.
وقال مجاهد، وقتادة: (وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى) أي الغلمان.
وقال ابن جرير: (أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى) أي: يوم القيامة، كما قدمنا بيانه، وهو الصواب، ولله الحمد.
ولهذا قال الله تعالى رادا عليهم في تمنيهم [ذلك] (لا جَرَمَ) أي: حقا لا بد منه (أَنَّ لَهُمُ النَّارَ) أي: يوم القيامة، (وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ)
قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير، وقتادة وغيرهم: منسيون فيها مضيعون.
وهذا كقوله تعالى: ﴿فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا﴾ [الأعراف: ٥١].
وعن قتادة أيضا: (مُفْرَطُونَ) أي: معجلون إلى النار، من الفَرَط وهو السابق إلى الوِرْد ولا منافاة لأنهم يعجل بهم يوم القيامة إلى النار، وينسون فيها، أي: يخلدون.
قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ مَا يَكْرَهُونَ﴾ أبهم جل وعلا في هذه الآية الكريمة هذا الذي يجعلونه لله ويكرهونه؛ لأنه عبر عنه بـ ﴿مَا﴾ الموصولة، وهي اسم مبهم، وصلة الموصول لم تُبيِّن مِن وَصفِ هذا المبهم إلا أنهم يكرهونه. ولكنه بين في مواضع أخر: أنه البنات والشركاء وجعل المال الذي خلق لغيره. قال في البنات: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِلَّهِ الْبَنَاتِ﴾ ثم بين كراهيتهم لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية. وقال في الشركاء: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات.
م لها في آيات كثيرة، كقوله: ﴿وَإِذَا بُشِّرَ أَحَدُهُمْ بِالْأُنْثَى﴾ الآية. وقال في الشركاء: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ﴾ الآية، ونحوها من الآيات. وبين كراهيتهم للشركاء في
رزقهم بقوله: ﴿ضَرَبَ لَكُمْ مَثَلًا مِنْ أَنْفُسِكُمْ هَلْ لَكُمْ مِنْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ مِنْ شُرَكَاءَ فِي مَا رَزَقْنَاكُمْ فَأَنْتُمْ فِيهِ سَوَاءٌ تَخَافُونَهُمْ كَخِيفَتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (٢٨)﴾ أي: إذا كان الواحد منكم لا يرضي أن يكون المملوك شريكًا له مثل نفسه في جميع ما عنده، فكيف تجعلون الأوثان شركاء لله في عبادته التي هي حقه على عباده! وبين جعلهم بعض ما خلق الله من الرزق للأوثان في قوله: ﴿وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا -إلى قوله- سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ (١٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَيَجْعَلُونَ لِمَا لَا يَعْلَمُونَ نَصِيبًا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ﴾ كما تقدم.
•
قوله تعالى: ﴿وَتَصِفُ أَلْسِنَتُهُمُ الْكَذِبَ أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ ذكر جل وعلا في هذه الآية الكريمة: أن الكفار يقولون بألسنتهم الكذب، فيزعمون أن لهم الحسنى، والحسنى تأنيث الأحسن، قيل: المراد بها الذكور، كما تقدم في قوله: ﴿وَلَهُمْ مَا يَشْتَهُونَ (٥٧)﴾ والحق الذي لا شك فيه: أن المراد بالحسني: هو زعمهم أنه إن كانت الآخرة حقًا فسيكون لهم فيها أحسن نصيب كما كان لهم في الدنيا. ويدل على صحة هذا القول الأخير دليلان:
أحدهما: كثرة الآيات القرآنية المبينة لهذا المعنى، كقوله تعالى عن الكافر: ﴿وَلَئِنْ رُجِعْتُ إِلَى رَبِّي إِنَّ لِي عِنْدَهُ لَلْحُسْنَى﴾ وقوله: ﴿وَلَئِنْ رُدِدْتُ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِنْهَا مُنْقَلَبًا (٣٦)﴾ وقوله: ﴿وَقَالَ لَأُوتَيَنَّ مَالًا وَوَلَدًا (٧٧)﴾ وقوله: ﴿وَقَالُوا نَحْنُ أَكْثَرُ أَمْوَالًا وَأَوْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾
ْلَادًا وَمَا نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ (٣٥)﴾ وقوله: ﴿أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ (٥٥) نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ﴾ الآية، إلى غير ذلك من الآيات.
والدليل الثاني: أن الله أتبع قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ بقوله: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ﴾ الآية، فدل ذلك دلالة واضحة على ما ذكرنا، والعلم عند الله.
والمصدر المنسبك من ﴿أَنَّ﴾ وصلتها في قوله: ﴿أَنَّ لَهُمُ الْحُسْنَى﴾ في محل نصب، بدل من قوله: ﴿الْكَذِبَ﴾ ومعنى وصف ألسنتهم الكذب قولها للكذب صريحًا لا خفاء فيه.
وقال الزمخشري في الكشاف في تفسير قوله تعالى: ﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ﴾ الآية. ما نصه:
فإن قلت: ما معنى وصف ألسنتهم الكذب؟
قلت: هو من فصيح الكلام وبليغه، جعل قولهم كأنه عين الكذب ومحضه؛ فإذا نطقت به ألسنتهم فقد حلت الكذب بحليته، وصورته بصورته، كقولهم: ووجهها يصف الجمال، وعينها تصف السحر اهـ.
•
قوله تعالى: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّارَ وَأَنَّهُمْ مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ في هذا الحرف قراءتان سبعيتان، وقراءة ثالثة غير سبعية. قرأه عامة السبعة ما عدا نافعًا: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بسكون الفاء وفتح الراء بصيغة اسم المفعول، من أفرطه. وقرأ نافع بكسر الراء بصيغة اسم الفاعل، من أفرط. والقراءة ليست بسبعية بفتح الفاء وكسر الراء المشددة بصيغة اسم الفاعل من فرط المضعف، وتروي هذه القراءة عن أبي جعفر. وكل هذه القراءات له مصداق في كتاب الله.
أما قراءة الجمهور ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ بصيغة المفعول فهو اسم
مفعول أفرطه: إذا نسيه وتركه غير ملتفت إليه، فقوله: ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ أي: متروكون منسيون في النار.
نْسَى (٥٢)﴾.
وممن قال بأن معنى ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ منسيُّون متروكون في النار: مجاهد، وسعيد بن جبير، وقتادة، وابن الأعرابي، وأبو عبيدة، والفراء، وغيرهم.
وقال بعض العلماء: معنى قوله ﴿مُفْرَطُونَ (٦٢)﴾ على قراءة الجمهور، أي: مقدمون إلى النار معجلون؛ من أفرطت فلانًا وفرطته في طلب الماء: إذا قدمته، ومنه حديث: "أنا فرطكم على الحوض" أي: متقدمكم. ومنه قول القطامي:
فاستعجلونا وكانوا من صحابتنا ... كما تقدم فراط لوراد
وقول الشنفري:
هممتُ وهمتْ فابتدرنا وأسبلت ... وشمَّر مني فارط متمهِّل
أي: متقدم إلى الماء. وعلى قراءة نافع فهو اسم فاعل أفرط في الأمر: إذا أسرف فيه وجاوز الحد.
ويشهد لهذه القراءة قوله: ﴿وَأَنَّ الْمُسْرِفِينَ هُمْ أَصْحَابُ النَّارِ (٤٣)﴾ ونحوها من الآيات. وعلى قراءة أبي جعفر، فهو اسم فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية.
فاعل، فرط في الأمر: إذا ضيعه وقصر فيه، ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿أَنْ تَقُولَ نَفْسٌ يَاحَسْرَتَا عَلَى مَا فَرَّطْتُ فِي جَنْبِ اللَّهِ﴾ الآية. فقد عرفت أوجه القراءات في الآية، وما يشهد له القرآن منها.
وقوله: ﴿لَا جَرَمَ﴾ أي: حقًا أن لهم النار.
وقال القرطبي في تفسيره: (لا) ردٌّ لكلامهم (وتم الكلام)، أي: ليس كما تزعمون! جَرَمَ أن لهم النار: حقًا أن لهم النار. وقال بعض العلماء: ﴿لَا﴾ صلة، و ﴿جَرَمَ﴾ بمعنى كسب، أي: كسب لهم عملهم أن لهم النار.
•