(Wahai orang-orang yang beriman! Janganlah kamu melanggar syiar-syiar kesucian Allah,253) dan jangan (melanggar kehormatan) bulan-bulan haram,254) jangan (mengganggu) hadyu (hewan-hewan kurban)255) dan qalāid (hewan-hewan kurban yang diberi tanda),256) dan jangan (pula) mengganggu orang-orang yang mengunjungi Baitulharam; mereka mencari karunia dan keridaan Tuhannya.257) Tetapi apabila kamu telah menyelesaikan ihram, maka bolehlah kamu berburu. Jangan sampai kebencian (mu) kepada suatu kaum karena mereka menghalang-halangimu dari Masjidilharam, mendorongmu berbuat melampaui batas (kepada mereka). Dan tolong-menolonglah kamu dalam (mengerjakan) kebajikan dan takwa, dan jangan tolong-menolong dalam berbuat dosa dan permusuhan. Bertakwalah kepada Allah, sungguh, Allah sangat berat siksa-Nya
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: اخْتَلف أهلُ التأويلِ في معنى قولِ اللِه جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾؛ فقال بعضُهم: معناه: [لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ ولا تَتَعدَّوا حدودَه.
كأنهم وجَّهوا الشعائرَ إلى المعالِم، وتأوَّلوا]: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: معالمَ حدودِ اللهِ وأمرِه ونهيِه وفرائضِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الوهابِ الثَّقفيُّ، قال: ثنا حبيبٌ المعلِّمُ، عن
عطاءٍ أنه سُئِل عن شعائرِ اللهِ، فقال: حُرُماتُ اللهِ؛ اجتنابُ سَخَطِ الله، واتباعُ طاعتِه، فذلك شعائرُ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تُحِلُّوا حَرَمَ اللهِ. فكأنهم وجَّهوا معنى قولِه: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾.
نابُ سَخَطِ الله، واتباعُ طاعتِه، فذلك شعائرُ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تُحِلُّوا حَرَمَ اللهِ. فكأنهم وجَّهوا معنى قولِه: ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾. إلى معالمِ حَرَمِ اللهِ من البلادِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدىِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: أما ﴿شَعَائِرِ اللَّهِ﴾ فحَرَمُ اللهِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحِلُّوا مناسكَ الحجِّ فتَضيِّعوها. وكأنهم وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حدَّها لكم في حَجَّكم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجَّاجٌ، قال: قال ابنُ جُريجٍ: قال ابنُ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ.
حدَّثنى المثنى، قال: أخبرنا أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
أبو صالحٍ، قال: ثنا معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال:
كان المشركون يحُجُّون البيتَ الحرامَ، ويُهدون الهدايا، ويعظِّمون حُرمةَ المشاعرِ، ويَتَّجِرون في حَجِّهم، فأراد المسلمون أن يُغِيروا عليهم، فقال اللهُ ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: الصفا والمروةُ، والهَدْىُ، والبُدْنُ، كلُّ هذا من شعائرِ اللهِ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تحلُّوا ما حرَّم الله عليكم في حالِ إحرامِكم.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
م.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. قال: شعائرُ اللهِ ما نهَى اللهُ عنه أن تصيبَه وأنت مُحْرِمٌ.
قال أبو جعفرٍ: وكأن الذين قالوا هذه المقالةَ وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى: لا تُحِلُّوا معالمَ حدودِ اللهِ التي حرَّمها عليكم في إحرامِكم.
وأَوْلَى التأويلاتِ بقولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ قولُ عطاءٍ الذي ذكَرناه من توجيهِه معنى ذلك إلى: لا تُحِلُّوا حُرُماتِ اللهِ، ولا تضيِّعوا فرائضَه؛ لأن الشعائرَ جمعُ شعيرةٍ، والشعيرةُ فعيلةٌ، من قولِ القائلِ: قد شعَر فلانٌ بهذا الأمرِ. إذا علِم به، فالشعائرُ المعالمُ من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: لا تَسْتَحِلُّوا، أيها الذين آمنوا، معالَم اللهِ.
عَر فلانٌ بهذا الأمرِ. إذا علِم به، فالشعائرُ المعالمُ من ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، كان معنى الكلامِ: لا تَسْتَحِلُّوا، أيها الذين آمنوا، معالَم اللهِ. فيدخُلُ فى ذلك معالُم الله كلُّها في مناسكِ الحجِّ، من تحريمِ ما حرَّم الله إصابتَه فيها على المُحْرِمِ، وتضييعِ ما نهَى عن تضييعِه فيها، وفيما حرَّم من استحلالِ حُرُماتِ حَرَمِه، وغيرِ ذلك من حدودِه وفرائضِه، وحلالِه وحرامِه؛ لأن كلَّ ذلك من معالمِه وشعائرِه التي جعَلها أماراتٍ بينَ الحقِّ والباطلِ، يُعْلِمُ بها حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بتأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾.
بينَ الحقِّ والباطلِ، يُعْلِمُ بها حلالَه وحرامَه، وأمرَه ونهيَه.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بتأويلِ قولِه تعالى: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾. لأن اللهَ جل ثناؤه نهَى عن استحلالِ شعائرِه ومعالِم حدودِه وإحلالِها نهيًا عامًّا من غيرِ اختصاصِ شيءٍ من ذلك دونَ شيءٍ، [فلم يَجُزْ] لأحدٍ أن يوجِّهَ معنى ذلك إلى الخصوصِ إلا بحجةٍ يجبُ التسليمُ لها، ولا حجةَ بذلك كذلك.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾: ولا تستحِلُّوا الشهرَ الحرامَ بقتالِكم فيه أعداءَكم من المشركين، وهو
كقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧].
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال ابن عباسٍ وغيرُه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.
ل ابن عباسٍ وغيرُه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. يعنى: لا تستحلُّوا قتالًا فيه.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان المشركُ يومَئِذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في [الشهرِ الحرامِ] ولا عندَ البيتِ
قال أبو جعفرٍ: وأما "الشهرُ الحرامُ" الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ فرجبُ مُضَرَ. وهو شهرٌ كانت مضرُ تُحرِّمُ فيه القتالَ.
وقد قيل: هو في هذا الموضعِ ذو القَعْدةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجَّاجٌ، عن ابن جُريجٍ، عن عكرمةَ، قال: هو ذو القَعْدةِ.
قال أبو جعفر: وقد بيَّنا الدَّلالةَ على صحةِ ما قلنا في ذلك فيما مضى. وذلك في تأويلِ قوله: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: أما الهَدْى، فهو ما أهداه [المرءُ من بعيرٍ] أو بقرةٍ أو شاةٍ أو غيرِ ذلك إلى بيتِ اللهِ؛ تقرُّبا به إلى اللهِ جل ثناؤه وطلبَ ثوابِه.
يقولُ اللهُ ﷿: فلا تستحلُّوا ذلك فتَغصِبوه أهلَه عليه، ولا تَحُولوا بينَهم وبينَ ما أَهْدَوا من ذلك أن [يُبَلِّغوه مَحِلَّه من الحَرَمِ، ولكن خلُّوهم وإياه حتى] يَبْلُغوا به المَحِلَّ الذي جعَله اللهُ مَحِلَّه من كعبتِه.
وقد رُوى عن ابن عباسٍ أن الهَدْيَ إنما يكونُ هديًا ما لم يقلَّدْ.
حدَّثني بذلك محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. قال: الهَدْىُ ما لم يقلَّدْ، وقد جعَل على نفسِه أن يُهْديَه ويقلِّدَه.
وأما قولُه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. قال: الهَدْىُ ما لم يقلَّدْ، وقد جعَل على نفسِه أن يُهْديَه ويقلِّدَه.
وأما قولُه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. فإنه يعنى: ولا تُحِلُّوا أيضًا القلائدَ.
ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في "القلائدِ" التي نهَى اللهُ جل ثناؤه عن إحلالِها؛ فقال بعضُهم: عنَى بالقلائِد قلائدَ الهدى. وقالوا: إنما أراد اللهُ بقولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ
وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: ولا تُحِلُّوا الهدايا المقلَّداتِ منها وغيرَ المقلَّداتِ. فقولُه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. ما لم يقلَّدْ من الهدايا، ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ المقلَّد منها. قالوا: ودلَّ بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
غيرَ المقلَّداتِ. فقولُه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ﴾. ما لم يقلَّدْ من الهدايا، ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ المقلَّد منها. قالوا: ودلَّ بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. على معنى ما أراد من النهيِ عن استحلالِ الهدايا المقلَّدةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: القلائدُ مقلَّداتُ الهديِ، وإذا قلَّد الرجلُ هديَه فقد أَحْرَم، فإن فعَل ذلك وعليه قميصُه فلْيخلَعْه.
وقال آخرون: يعنى بذلك القلائدَ التي كان المشركون يتقلَّدونها إذا أرادوا الحجَّ مُقْبِلين إلى مكةَ، من لحاءِ السَّمُرِ، وإذا خرَجوا منها إلى منازلِهم منصرفين منها، من الشَّعَرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾.
ال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾. قال: كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَجَ من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد من السَّمُرِ فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضُ له أحدٌ.
وقال آخرون: بل كان الرجلُ منهم يتقلَّدُ إذا أراد الخروجَ من الحَرَمِ أو خرَج، من لِحاءِ شجَرِ الحَرَمِ، فيأمَنُ بذلك من سائرِ قبائلِ العربِ أن يعرِضوا له بسوءٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مغْولٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
بذلك من سائرِ قبائلِ العربِ أن يعرِضوا له بسوءٍ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن مالكِ بن مغْولٍ، عن عطاءٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كانوا يتقلَّدون من لحِاءِ شجرِ الحرَمِ، يأمَنون بذلك إذا خرَجوا من الحرَمِ، فنزَلت: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية - ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾ قال: القلائدُ اللِّحاء في رِقابِ الناسِ والبهائمِ أمنٌ لهم.
حدثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
ٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ قولَه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: إن العربَ كانوا يقلِّدون من لِحاءِ شجرِ مكةَ، فيقيمُ الرجلُ بمكانِه، حتى إذا انقضتِ الأشهرُ الحرُمُ فأراد أن يرجِعَ إلى أهلِه قلَّد نفسَه وناقتَه من لحِاءِ الشجرِ، فيأمنُ حتى يأتىَ أهلَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا
الْقَلَائِدَ﴾. قال: القلائدُ، كان الرجلُ يأخُذُ لِحَاءَ شجرةٍ من شجرِ الحَرَمِ فيُقلَّدُها، ثم يذهَبُ حيث شاء، فيأمنُ بذلك، فذلك القلائدُ.
وقال آخرون: إنما نهَى الله المؤمنين بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
شجرةٍ من شجرِ الحَرَمِ فيُقلَّدُها، ثم يذهَبُ حيث شاء، فيأمنُ بذلك، فذلك القلائدُ.
وقال آخرون: إنما نهَى الله المؤمنين بقولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. أن ينزِعوا شيئًا من شجرِ الحرَمِ فيتقلَّدوه، كما كان المشركون يفعَلونه في جاهليتِهم.
ذكرُ من قال ذلك
أخبرنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لِحاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها من الناسِ، فنهَى اللهُ أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتَقلَّدَ،
أخبرنا ابن وكيعٍ، قال: أخبرنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّير وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: كان المشركون يأخُذون من شجرِ مكةَ من لحِاءِ السَّمُرِ فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها في الناسِ، فنهَى اللهُ عزَّ ذكرُه أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتقلَّدَ (٢).
والذي هو أولى بتأويلِ قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
ِ فيتقلَّدونها، فيأمَنون بها في الناسِ، فنهَى اللهُ عزَّ ذكرُه أَن يُنْزَعَ شجرُها فيُتقلَّدَ (٢).
والذي هو أولى بتأويلِ قولِه: ﴿وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. إذ كانت معطوفةً على أولِ الكلامِ، ولم يكنْ في الكلامِ ما يدلُّ على انقطاعِها عن أولِه، ولا أنه عنَى بها النهىَ
عن التقلُّد أو اتخاذِ القلائدِ من شيءٍ - أن يكونَ معناه: ولا تُحِلُّوا القلائدَ. فإذ كان ذلك بتأويِله أولى، فمعلومٌ أنه نهىٌ من اللهِ جلَّ ذكُره عن استحلالِ حُرمةِ المقلَّدِ، هديًا كان ذلك أو إنسانًا، دونَ حرمةِ القِلادةِ، وأن الله تعالى ذكرُه إنما دلَّ بتحريمِه حرمةَ القِلادةِ على ما ذكَرنا من حرمةِ المقلَّدِ، فاجتَزأ بذكرِه القلائدَ من ذكرِ المقلَّدِ؛ إذ كان مفهومًا عندَ المخاطَبين بذلك معنى ما أُرِيد به.
فمعنى الآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْىَ، ولا المقلِّدَ نفسَه بقلائدِ الحرَمِ.
لآيةِ إذ كان الأمرُ على ما وصَفنا: يا أيها الذين آمنوا لا تُحِلُّوا شعائرَ اللهِ ولا الشهرَ الحرامَ ولا الهَدْىَ، ولا المقلِّدَ نفسَه بقلائدِ الحرَمِ.
وقد ذكَر بعضُ الشعراءِ في شِعرِه ما ذكَرنا عمن تأول القلائدَ أنها قلائدُ لِحاءِ شجرِ الحرَمِ الذي كان أهلُ الجاهليةِ يتقلَّدونه، فقال وهو يعيبُ رجلين قتَلا رجلين كانا تقلَّدا ذلك:
أَلَمْ تَقْتُلا الحِرْجَينِ إِذ أَعْوَرَاكُمَا … يُمرَّانِ بالأيدى اللِّحاءَ المُضَفَّرَا
والحِرْجانِ: المقتولان كذلك. ومعنى قولِه: أعوراكما: أَمكَناكما من عورتِهما.
بمكةَ.
وقد بيَّنتُ فيما مضَى لمَ قيل له: الحرامُ.
﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ﴾، يعني: يلتمِسون أرباحًا في تجاراتِهم من اللهِ، ﴿وَرِضْوَانًا﴾. يقولُ: وأَن يَرْضَى اللهُ عنهم بنُسُكِهم.
وقد قيل: إن هذه الآيةَ نزلت في رجلٍ من ربيعة يقالُ له: الحُطَمُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ، قال: أَقْبَل الحُطَمُ بنُ هندٍ البكريُّ، ثم أحدُ بنى قيسِ بن ثعلبةَ، حتى أتَى النبيَّ ﷺ وحدَه، وخلَّف خيلَه خارجًا من المدينةِ، فدعاه فقال: إلامَ تَدْعُو؟ فأَخْبَره - وقد كان النبيُّ ﷺ قال لأصحابِه: "يدخُلُ اليومَ عليكم رجلٌ من ربيعةَ،
يتكلَّمُ بلسانِ شيطانٍ" - فلما أَخْبَره النبيُّ ﷺ قال: انْظُروا لعلِّي أُسْلِمُ، ولى من أُشاورُه. فخرَج من عندِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لقد دخَل بوجهِ كافرٍ، وخرَج بعَقِبِ غادرٍ".
ا أَخْبَره النبيُّ ﷺ قال: انْظُروا لعلِّي أُسْلِمُ، ولى من أُشاورُه. فخرَج من عندِه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لقد دخَل بوجهِ كافرٍ، وخرَج بعَقِبِ غادرٍ". فمرَّ بسَرْحٍ من سَرْحِ المدينةِ، فساقه، فانطلق به وهو يرتجزُ:
قَدْ لفَّها الليلُ بسوَّاقٍ حُطَمْ
ليس براعى إبلٍ ولا غَنَمْ
ولا بجزَّارٍ على ظَهْرِ الوَضَمُ
باتوا نيامًا وابنُ هندٍ لم يَنَمْ
بات يقاسيها غلامٌ كالزُّلَمْ
خَدَلَّجُ الساقين ممسوحُ القَدَمْ
ثم أَقْبَل من عامِ قابلٍ حاجًّا، قد قلَّد الهَدْىَ، فأراد رسولُ اللهِ ﷺ أن يبعَثَ إليه، فنزَلت هذه الآيةُ، حتى بلَغ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال له ناسٌ من
أصحابِه: يا رسولَ اللهِ، خلِّ بينَنا وبينَه، فإنه صاحبُنا، قال: "إنه قد قلَّد". قالوا: إنما هو شيءٌ كنا نصنَعُه في الجاهليةِ.
َرَامَ﴾. قال له ناسٌ من
أصحابِه: يا رسولَ اللهِ، خلِّ بينَنا وبينَه، فإنه صاحبُنا، قال: "إنه قد قلَّد". قالوا: إنما هو شيءٌ كنا نصنَعُه في الجاهليةِ. فأبى عليهم، فنزَلت هذه الآيةُ فيه.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجَّاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عكرمةَ، قال: قدِم الحُطَمُ أخو بنى ضُبيَعةَ بن ثعلبةَ البكريُّ المدينةَ في عِيرٍ له تحمِلُ طعامًا، فباعه، ثم دخَل على النبيِّ ﷺ، فبايعه وأَسْلَم، فلما ولَّى خارجًا نظَر إليه، فقال لمن عندَه: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ فاجرٍ، وولَّى بقَفَا غادرٍ". فلما قدِم اليمامةَ ارتدَّ عن الإسلامِ، وخرَج في عيرٍ له تحملُ الطعامَ في ذي القَعدةِ يريدُ مكة، فلما سمِع به أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ، تهيَّأ للخروجِ إليه نفرٌ من المهاجرين والأنصارِ ليقتَطِعوه في عيرِه، فَأَنْزَلَ اللهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. فانتهى القومُ.
قال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
هُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية. فانتهى القومُ.
قال ابن جريجٍ: قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: يَنْهَى عن الحُجَّاجِ أن تُقْطَعَ سُبُلُهم. قال: وذلك أن الحُطَمَ قدِم على النبيِّ ﷺ ليرتادَ وينظُرَ، فقال: إنى داعيةُ قومى، [وسيدُ قومى]، فاعرِضْ عليَّ ما تقولُ. فقال له: "أَدْعُوك إلى اللهِ أن تعبُدَه ولا تشرِكَ به شيئًا، وتقيمَ الصلاةَ، وتؤتىَ الزكاةَ، وتصومَ رمضانَ، وتُحجَّ البيتَ". فقال الحُطَمُ: في أمرِك هذا غِلظةٌ، أرجِعُ إلى قومى
فأذكُرُ لهم ما ذكَرتَ، فإن قبِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم. قال له: "ارجِعْ". فلما خرَج، قال: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ كافرٍ، وخرَج من عندى بقفا غادرٍ، وما الرجلُ مسلمٍ".
ِلوه أقْبَلت معهم، وإن أدْبَروا كنت معهم. قال له: "ارجِعْ". فلما خرَج، قال: "لقد دخَل عليَّ بوجهِ كافرٍ، وخرَج من عندى بقفا غادرٍ، وما الرجلُ مسلمٍ". فمرَّ على سَرْحٍ لأهلِ المدينةِ فانطَلق به، فطلَبه أصحابُ رسول اللهِ ﷺ ففاتهم، وقدِم اليمامةَ، وحضَر الحجُّ، فتَجهَّز خارجًا، وكان عظيمَ التجارةِ، فاستأذنوا أن يتلقَّوه ويأخُذوا ما معه، فَأَنْزَل اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ الآية.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾ الآية. قال: هذا يومَ الفتحِ، جاء ناسٌ يؤُمُّون البيتَ من المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم.
ء ناسٌ يؤُمُّون البيتَ من المشركين، يُهِلُّون بعمرةٍ، فقال المسلمون: يا رسولَ اللهِ، إنما هؤلاء مشركون، فمثلُ هؤلاء فلن ندَعَهم إلا أن نُغِيرَ عليهم. فنزَل القرآنُ: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾.
حدثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يقولُ: من توجَّه حاجًّا.
حدثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عَوْنٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، عن جُوَيبرٍ،
عن الضحَّاكِ في قولِه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. يعنى الحاجَّ.
حدثنا ابن وكيعٍ قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم فقال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾.
ى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم فقال: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَام﴾. قال: الذين يريدون البيتَ.
قال أبو جعفر: ثم اخْتَلف أهلُ العلمِ فيما نُسِخ من هذه الآيةِ، بعدَ إجماعهِم على أن منها منسوخًا؛ فقال بعضُهم: نُسِخ جميعُها.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن عامرٍ، قال: لم يُنْسَخْ من "المائدةِ": إلا هذه الآيةُ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾: نسَختها: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
يى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ. قال: كان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ عن البيتِ، فَأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو معاويةَ، عن جُويبرٍ، عن الضحَّاكِ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ قال: نسَختها "براءةُ": ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
حدثنا المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، [عن جُوَيْبِرٍ] عن الضحَّاكِ مثلَه.
حدثنا ابن حُميدِ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن حبيبِ بن أبى ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: هذا شيءٌ نُهِى عنه، فتُرِك كما هو.
ن أبى ثابتٍ: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ﴾. قال: هذا شيءٌ نُهِى عنه، فتُرِك كما هو. [وقال ابن حُميدٍ في حديثِه عن حبيبٍ: فقال: شيءٌ كان نُهى عنه فنزَلت].
حدثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. قال: هذا كلُّه منسوخٌ، نسَخ هذا ما أمَره بجهادِهم كافَّةً.
وقال آخرون: الذي نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
ن: الذي نُسِخ من هذه الآيةِ قولُه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعته من قتادةَ: نُسِخ من "المائدةِ": ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ نسَختها "براءةُ" قال اللهُ: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾. وقال: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ﴾ [التوبة: ١٧]. وقال: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلَا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة:٢٧]. وهو العامُ الذي حجَّ فيه أبو بكرٍ، فنادى عليٌّ فيه بالأَذانِ.
حدثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ بنُ المِنْهالِ، قال: ثنا همَّامُ بنُ يحيى، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ﴾ الآية.
الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال: منسوخٌ، كان الرجلُ في الجاهليةِ إذا خرَج من بيتِه يريدُ الحجَّ، تقلَّد من السَّمُرِ، فلم يعرِضُ له أحدٌ، وإذا رجَع تقلَّد قِلادةَ شَعَرٍ، فلم يعرِضْ له أحدٌ، وكان المشركُ يومَئذٍ لا يُصَدُّ
البيتِ، فأُمِروا ألا يقاتِلوا في الأشهرِ الحُرُمِ، ولا عندَ البيتِ، فنسَخها قولُه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾.
وقال آخرون: لم يُنْسَخُ من ذلك شيءٌ إلا القلائدُ التي كانت في الجاهليةِ يتقلَّدونها من لحاءِ الشجرِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية.
بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه ﷿: ﴿لَا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾ الآية. قال أصحابُ محمدٍ ﷺ: هذا كلُّه من عملِ الجاهليةِ، فعلُه وإقامتُه، فحرَّم اللهُ ذلك كلَّه بالإسلامِ إلا لِحاءَ القلائدِ، فتُرك ذلك، ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فحرَّم اللهُ على كلِّ أحدٍ إخافتَهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وأولى الأقوالِ في ذلك بالصحةِ قولُ من قال: نسَخ اللهُ من هذه الآيةِ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾.
صحةِ قولُ من قال: نسَخ اللهُ من هذه الآيةِ قولَه: ﴿وَلَا الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَلَا الْهَدْيَ وَلَا الْقَلَائِدَ وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. لإجماعِ الجميعِ على أن الله جل ثناؤه قد أَحَلَّ قتالَ أهلِ الشركِ في الأشهرِ الحرُمِ وغيرِها من شهورِ السنةِ كلِّها، وكذلك أَجْمعوا على أن المشركَ لو قلَّد
عنقَه أو ذراعيه لِحاءَ جميعِ أشجارِ الحرَمِ، لم يكنْ ذلك له أمانًا من القتلِ إذا لم يكنْ تقدَّم له عقدُ ذِمَّةٍ من المسلمين أو أمانٌ.
وقد بيَّنا فيما مضَى معنى "القلائِد" في غيرِ هذا الموضعِ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فإنه محتمِلٌ ظاهرُه: ولا تُحِلُّوا حرمةَ آمِّين البيتَ الحرامِ من أهلِ الشركِ والإسلامِ.
ا الموضعِ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾. فإنه محتمِلٌ ظاهرُه: ولا تُحِلُّوا حرمةَ آمِّين البيتَ الحرامِ من أهلِ الشركِ والإسلامِ. لعمومِه جميعَ من أمَّ البيتَ، وإذا احْتمل ذلك، فكان أهلُ الشركِ داخلين في جملتِهم، فلا شكَّ أن قولَه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ ناسخٌ له؛ لأنه غيرُ جائزٍ اجتماعُ الأمرِ بقتلِهم وتركُ قتلِهم في حالٍ واحدةٍ ووقتٍ واحدٍ، وفي إجماعِ الجميعِ على أن حكمَ اللهِ في أهلِ الحربِ من المشركين قتلُهم، أمُّوا البيتَ الحرامَ أو البيتَ المقدسَ، في أشهرِ الحُرُمِ وغيرِها - ما يُعْلِمُ أن المنعَ من قتلِهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ. ومحتمِلٌ أيضا: ولا أمِّين البيتَ الحرامَ من أهلِ الشركِ.
ي أشهرِ الحُرُمِ وغيرِها - ما يُعْلِمُ أن المنعَ من قتلِهم إذا أمُّوا البيتَ الحرامَ منسوخٌ. ومحتمِلٌ أيضا: ولا أمِّين البيتَ الحرامَ من أهلِ الشركِ. وأكثرُ أهلِ التأويلِ على ذلك، وإن كان عُنِى بذلك المشركون من أهلِ الحربِ، فهو أيضًا لا شكَّ منسوخٌ، وإذ كان ذلك كذلك، [وكان] لا اختلافَ في ذلك بينَهم ظاهرٌ، وكان ما كان [مستفيضًا فيهم ظاهرَ الحجةِ]، فالواجبُ - وإن احْتَمل ذلك معنًى غيرَ الذي قالوا - التسليمُ لما استفاض بصحتِه نقلُهم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى بقولِه: ﴿يَبْتَغُونَ﴾: يطلُبون ويلتمِسون. [والفضلُ الأرباحُ] في التجارةِ. والرضوانُ رضا اللهِ عنهم، فلا يُحِلُّ بهم من العقوبةِ في الدنيا ما أحلَّ بغَيرِهم من الأممِ في عاجلِ دنياهم بحجِّهم بيتَه.
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويل.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.
من قال ذلك
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: [هي للمشْرِكين]؛ يلتمسون فضلَ اللهِ ورضوانَه فيما يُصْلِحُ لهم دنياهم.
أخبرنا ابن وكيعٍ قال: أخبرنا عَبْدةُ بنُ سليمانَ، قال: قرأتُ على ابن أبي عَرُوبةَ، فقال: هكذا سمِعتُه من قتادةَ في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: والفضلُ والرِّضوانُ اللذان يَبْتَغون أن يُصْلِحَ معايشَهم في الدنيا، [وألا] يعجِّلَ لهم العقوبةَ فيها.
حدثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: يعنى أنهم يترضَّوْن الله بحجِّهم.
، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾: يعنى أنهم يترضَّوْن الله بحجِّهم.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بن الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ، فحدَّثهم في قولِه: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: التجارةُ في الحجِّ، والرضوانُ في الحجِّ.
أخبرنا محمدُ بنُ المثنى، قال: أخبرنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي أُمَيمةَ، قال: قال ابن عمرَ في الرجلِ يحُجُّ، ويحمِلُ معه متاعًا، قال: لا بأسَ به. وتلا هذه الآية: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا﴾. قال: يبتغون الأجرَ والتجارةَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ: يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: وإذا حَلَلتم [مِن إحرامِكم] فاصطادُوا الصيدَ الذي نهيتُكم أن تُحِلُّوه وأنتم حُرُمٌ. يقولُ: فلا حرَجَ عليكم في اصطيادِه، فاصطادُوا إن شئتم حينَئذٍ؛ لأن المعنى الذي من أجلِه كنت
حرَّمته عليكم في حالِ إحرامكم قد زال.
وبما قلنا في ذلك قال جميعُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبرنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن مجاهدٍ أنه قال: هي رخصةٌ. يعنى قولَه: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
أخبرنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجَّاجٍ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ، قال: خمسٌ في كتابِ اللهِ رخصةٌ، وليست بعَزمةٍ. فذكَر: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾.
ل: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجَّاجٍ، عن القاسمِ، عن مجاهدٍ، قال: خمسٌ في كتابِ اللهِ رخصةٌ، وليست بعَزمةٍ. فذكَر: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: من شاء فعَل، ومن شاء لم يفعَلْ.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن حجاجِ، عن عطاءٍ مثلَه.
حدثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن حُصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾. قال: إذا حلَّ، فإن شاء اصْطَاد، وإن شاء لم يصطَدْ (١).
أخبرنا ابن وكيعٍ قال: حدثنا ابن إدريسَ، عن ابن جريجٍ، عن رجلٍ، مجاهدٍ أنه كان لا يرى الأكلَ من هَدْى المتعةِ واجبًا، وكان يتأوَّلُ هذه الآيةَ: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ - ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾ [الجمعة: ١٠].
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَحْمِلَنَّكم.
كما حدثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. يقولُ: لا يَحْمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ.
حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. أي: لا يحمِلَنَّكم.
وأما أهلُ المعرفةِ باللغةِ فإنهم اخْتَلفوا في تأويلِها؛ فقال بعضُ البصريِّين: معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ لكم؛ لأن قولَه: ﴿لَا جَرَمَ أَنَّ لَهُمُ النَّار﴾ [النحل: ٦٢] هو: حقٌّ أن لهم النارَ.
[وقال آخرُ منهم: معناه: لا يحمِلَنَّكم ولا يُعْدِيَنَّكم].
وقال بعضُ الكوفيين: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم. وقال: يقالُ: جرَمنى فلانٌ على أن صنَعْتُ كذا وكذا.
آخرُ منهم: معناه: لا يحمِلَنَّكم ولا يُعْدِيَنَّكم].
وقال بعضُ الكوفيين: معناه: لا يَحْمِلَنَّكم. وقال: يقالُ: جرَمنى فلانٌ على أن صنَعْتُ كذا وكذا. أي: حمَلنى عليه.
واحتجَّ جميعُهم ببيتِ الشاعرِ:
ولقد طعَنْتَ أبا عُيينةَ طعنةً … جرَمَتْ فَزارةَ بعدَها أن يَغْضَبوا
فتأوَّل ذلك كلُّ فريقٍ منهم على المعنى الذي تأوَّله من القرآنِ، فقال الذين قالوا: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يُحِقَّنَّ لكم: معنى قولِ الشاعرِ: جرَمَت فَزارةَ: أَحَقَّت الطعنةُ لفزارةَ الغضبَ.
وقال الذين قالوا معناه: لا يَحْمِلَنَّكُم: معناه في البيتِ: جرَمَت فزارةَ أن يَغْضَبوا: حمَلَت فزارةَ على أن يَغْضَبوا.
وقال آخرُ من الكوفيين: معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾: لا يَكْسِبَنَّكم شنآنُ قومٍ [أن تعتدوا]. [وتأويلُ قائلِ] هذا القولِ قولَ الشاعرِ في البيتِ: جرَمَت فزارةَ: كسَبَت فزارةَ أن يَغْضَبوا. قال: وسمِعتُ العربَ تقولُ: فلانٌ جريمةُ أَهلِه. بمعنى: كاسبُهم.
قائلِ] هذا القولِ قولَ الشاعرِ في البيتِ: جرَمَت فزارةَ: كسَبَت فزارةَ أن يَغْضَبوا. قال: وسمِعتُ العربَ تقولُ: فلانٌ جريمةُ أَهلِه. بمعنى: كاسبُهم. وخرج يجرِمُهم: يكسِبُهم.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: وهذه الأقوالُ التي حكيناها عمَّن حكيناها عنه متقاربةُ المعنى. وذلك أن من حمَل رجلًا على بُغْضِ رجلٍ، فقد أَكْسَبه بغضَه، ومن أَكْسَبه بغضَه، فقد أَحَقَّه له.
إذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أحسنُ في الإبانةِ عن معنى الحَرْفِ ما قاله ابن عباس وقتادةُ، وذلك توجيهُهما معنى قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. إلى: ولا يحمِلَنَّكم شنآنُ قومٍ على العُدْوانِ.
واخْتَلفت القرأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرأةِ الأمصارِ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ، من: جرَمْتُه أَجْرِمُه.
وقرأ ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين، وهو يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ، ما حدثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (ولا يُجْرِمَنَّكم).
ذلك بعضُ قرأَةِ الكوفيين، وهو يحيى بنُ وثَّابٍ والأعمشُ، ما حدثنا ابن حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن الأعمشِ أنه قرَأ: (ولا يُجْرِمَنَّكم). مرتفعةَ الياء، من: أَجْرَمتُه أُجْرِمُه، وهو يُجْرِمُنى.
قال أبو جعفر ﵀: والذي هو أولى بالصوابِ من القراءتين قراءةُ من قرَأ ذلك: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ بفتحِ الياءِ؛ لاستفاضةِ القراءةِ بذلك في قرأَةِ الأمصارِ، وشذوذِ ما خالَفه، وأنها اللغةُ المعروفةُ السائرةُ في العربِ، وإن كان مسموعًا من بعضِها: أَجْرَمَ يُجْرِمُ. على شذوذِه، وقراءةُ القرآنِ بأفصحِ اللغاتِ أَوْلَى وأحقُّ منها بغيرِ ذلك. ومن لغةِ من قال: جَرَمْتُ. قولُ الشاعرِ:
يا أيها المُشْتَكِى عُكُلًا وما جَرمَتْ … إلى القبائلِ مِن قتلٍ وإِبْآسُ
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾.
اخْتَلفت القرأةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرأه بعضُهم: ﴿شَنَآنُ﴾ بتحريكِ الشينِ والنونِ إلى الفتحِ، بمعنى: بُغْضُ قومٍ. توجيهًا منهم ذلك إلى المصدرِ الذي يأتى على "فَعَلان"، نظيرُ الطَّيَرانِ، والنَّسَلانِ، والعَسَلانِ، والرَّمَلان.
وقرأ ذلك آخرون: (شَنْآنُ قَوْمٍ) بتسكين النونِ وفتحِ الشينِ، بمعنى الاسمِ، توجيهًا منهم معناه إلى: لا يَحْمِلَنَّكُم بَغِيضُ قومٍ. فيُخَرَّجُ (شَنْآنُ) على تقديرِ "فَعْلان"؛ لأن "فَعَل" منه على "فَعِل"، كما يقالُ: سَكْرانُ. من "سَكِر"، وعَطْشَانُ. من "عَطِش"، وما أَشْبَه ذلك من الأسماءِ.
والذي هو أولى القراءتين في ذلك بالصوابِ قراءةُ من قرأَ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بفتحِ النونِ محرَّكةً، لتتابعِ تأويلِ أهلِ التأويلِ على أن معناه: بُغْضُ قومٍ.
وتوجيهِهم ذلك إلى معنى المصدرِ دونَ معنى الاسمِ.
رأَ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾ بفتحِ النونِ محرَّكةً، لتتابعِ تأويلِ أهلِ التأويلِ على أن معناه: بُغْضُ قومٍ.
وتوجيهِهم ذلك إلى معنى المصدرِ دونَ معنى الاسمِ. وإذ كان ذلك موجَّهًا إلى معنى المصدرِ، فالفصيحُ من كلامِ الغربِ فيما جاء من المصادرِ على "الفَعَلانِ" بفتحِ الفاءِ، تحريكُ ثانيه دونَ تسكينِه، كما وصَفتُ من قولِهم: الدَّرَجانُ، والرَّمَلانُ. من درَج ورمَل، فكذلك الشَّنَآنُ من. شَنِئْتُه أَشْنُؤُه شَنَآنًا. ومن العربِ من يقولُ: شَنَانٌ. على تقديرِ "فَعَال"، ولا أعلَمُ قارئًا قرأ ذلك كذلك، ومن ذلك قولُ الشاعرِ:
وما العيشُ إلا ما يَلَذُّ ويُشْتَهَى … وإنْ لام فيه ذو الشَّنَانِ وفَنَّدَا
وهذا في لغةِ من ترَك الهمزَ من "الشَّنَآنِ"، فصار على تقدير "فَعَالٍ"، وهو في الأصلِ "فَعَلانٌ".
ذكرُ من قال من أهلِ التأويلِ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: بغضُ قومٍ
في لغةِ من ترَك الهمزَ من "الشَّنَآنِ"، فصار على تقدير "فَعَالٍ"، وهو في الأصلِ "فَعَلانٌ".
ذكرُ من قال من أهلِ التأويلِ: ﴿شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: بغضُ قومٍ
حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبى طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: [لا يَحْمِلَنَّكم] بغضُ قومٍ.
وحدَّثني به المثنى مرةً أُخرى بإسنادِه، عن ابن عباسٍ، فقال: لا تحمِلنَّكم عداوةُ قومٍ أن تَعْتَدُوا.
حدَّثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: أخبرنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾: لا يجرِمَنَّكُم بغضُ قومٍ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ﴾. قال: بَغْضاؤُهم أن تعتدُوا.
"إنْ"، بمعنى: ولا يجرمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن هم أَحْدَثوا لكم صدًّا عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا. [فزعموا أنها في]
[قراءةِ ابن مسعودٍ: (إن يَصُدُّوكم). فقرَءوا ذلك كذلك اعتبارًا بقراءتهِ].
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أنهما قراءتان معروفتان مشهورتان في قرأَةِ الأمصارِ، صحيحٌ معنى كلِّ واحدَةٍ منهما، وذلك أن النبيَّ ﷺ صُدَّ عن البيتِ هو وأصحابُه يومَ الحُديبيةِ، وأُنْزِلت عليه سورةُ "المائدةِ" بعدَ ذلك، فمن قرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتحِ [الألفِ من] ﴿أَنْ﴾. فمعناه: لا يَحْمِلَنَّكم بغضُ قومٍ أيُّها الناسُ من أجلِ أن صدوُّكم يومَ الحديبيةِ عن المسجدِ الحرامِ أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: (إنْ صَدُّوكُمْ) بكسرِ الألفِ، فمعناه: لا يجرِمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن صدُّوكم عن المسجد الحرامِ إذا أردتم دخولَه.
جدِ الحرامِ أن تعتدوا عليهم. ومن قرأ: (إنْ صَدُّوكُمْ) بكسرِ الألفِ، فمعناه: لا يجرِمَنَّكم شنآنُ قومٍ إن صدُّوكم عن المسجد الحرامِ إذا أردتم دخولَه. لأن الذين حارَبوا رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه من قريشٍ يومَ فتحِ مكةَ قد حاولوا صدَّهم عن المسجدِ الحرامِ، فتقدَّم اللهُ إلى المؤمنين في قولِ من قرأ ذلك بكسرِ "إنْ" بالنهيِ عن الاعتداءِ عليهم إن هم صدُّوهم عن المسجدِ الحرامِ قبلَ أن يكونَ ذلك من الصادِّين. غيرَ أن الأمرَ وإن كان كما وصَفْتُ، فإن قراءةَ ذلك بفتحِ الألفِ أبينُ معنًى؛ لأن هذه السورةَ لا تَدَافُعَ بينَ أهلِ العلمِ في أنها نزَلت بعد يومِ الحُدَيْبِيةِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالصَّدُّ قد كان تقَدَّم مِن المشركينِ، فنهَى اللهُ المؤمنين عن الاعْتِداءِ على الصادِّين.
مِ في أنها نزَلت بعد يومِ الحُدَيْبِيةِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالصَّدُّ قد كان تقَدَّم مِن المشركينِ، فنهَى اللهُ المؤمنين عن الاعْتِداءِ على الصادِّين. من أجلِ صدِّهم إيَّاهم عن المسجدِ الحرامِ.
وأما قولُه: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ فإنه يعنى: أن تُجاوِزوا الحدَّ الذي حدَّه اللهُ لكم في أمرِهم.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ولا يَحْمِلَنَّكم بُغْضُ قومٍ لأَنْ صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أيُّها المؤمنون أن تَعْتَدوا حكمَ اللهِ فيهم، فتُجاوِزوه إلى ما نهاكم عنه، ولكن الْزَموا طاعةَ اللهِ فيما أَحْبَبْتُم وكرِهْتُم.
وذُكر أنها نزلَت في النهيِ عن الطلبِ بذُحولِ الجاهليةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾: رجلٌ مؤمنٌ مِن حلفاءِ محمدٍ قَتل حَليفًا لأبي سفيانَ مِن هُذَيْلٍ يومَ الفتحِ بعرفةَ؛ لأنه كان يَقْتُلُ حلفاءَ محمدٍ، فقال محمدٌ ﷺ: "لعَن اللهُ مَن قتَل بذَحْلِ الجاهليةِ".
محمدٍ قَتل حَليفًا لأبي سفيانَ مِن هُذَيْلٍ يومَ الفتحِ بعرفةَ؛ لأنه كان يَقْتُلُ حلفاءَ محمدٍ، فقال محمدٌ ﷺ: "لعَن اللهُ مَن قتَل بذَحْلِ الجاهليةِ".
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون: هذا منسوخٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أَخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾. قال: بَغْضاؤُهم حتى تَأْتوا ما لا يَحِلُّ لكم. وقرَأ: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا وَتَعَاوَنُوا﴾. وقال: هذا كلُّه قد نُسِخ، نسَخه الجهادُ.
قال أبو جعفرٍ: وأولَى القولَين في ذلك بالصوابِ قولُ مجاهدٍ، [وأنه] غيرُ منسوخٍ؛ لاحتمالِه: أن تَعْتَدوا الحقَّ فيما أَمَرْتُكم به. وإذا احْتَمل ذلك، لم يَجُزْ أن يُقالَ: هو منسوخٌ. إلا بحجةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
أمَر اللهُ باتِّقائِه واجْتِنابِه مِن مَعاصِيه.
وقولُه: ﴿وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ﴾ يعنى: ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على الإثمِ. يعني: على تركِ ما أمَرَكم اللهُ بفعلِه ﴿وَالْعُدْوَانِ﴾، يقولُ: ولا على أن تَتَجاوزوا ما حدَّ اللهُ لكم في دينِكم، وفرَض لكم في أنفسِكم وفي غيرِكم.
وإنما معنى الكلامِ: ولا يَجْرِمَنَّكُم شَنَآنُ قومٍ أن صَدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ أن تَعْتَدوا، ولكن لِيُعنْ بعضُكم بعضًا بالأمرِ بالانتهاءِ إلى ما حدَّه اللهُ لكم في القومِ الذين صدُّوكم عن المسجدِ الحرامِ، وفى غيرِهم، والانتهاءِ عما نهاكم اللهُ أن تَأْتوا فيهم وفى غيرِهم، وفى سائرِ ما نهاكم عنه، ولا يُعِنْ بعضُكم بعضًا على خلافِ ذلك.
وبما قلْنا في "البرِّ والتقوَى" قال أهلُ التأويلِ.
حدَّثني المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾.
، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال:
البرُّ ما أُمِرْتَ به، والتَّقْوى ما نُهِيتَ عنه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾. قال: البِرُّ مَا أُمِرْتَ به، والتقْوَى ما نُهِيتَ عنه.
القولُ في تأويلِ قوله جل ثناؤه: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ (٢)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: وهذا وَعيدٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه، وتهددٌ لمَن اعْتَدَى حدَّه، وتجاوَز أمْرَه، يقولُ ﵎: ﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ﴾. يعنى: واحْذَرُوا الله أَيُّها المؤمنون أن تَلْقَوْه في مَعادِكم وقد اعْتَدَيْتُم حدَّه فيما حدَّ لكم، وخالَفْتُم أَمْرَه فيما أمرَكم به، أو نَهْيَه فيما نَهاكم عنه، فتَسْتَوْجِبوا عِقابَه، وتَسْتَحِقُّوا أليمَ عذابِه. ثم وصَف عقابَه بالشدةِ، فقال جل ثناؤه: إن الله شديدٌ عقابُه لمن عاقَبَه مِن خلقِه؛ لأنها نارٌ لا يَطْفَأُ حَرُّها، ولا يَخْمُدُ جَمْرُها، ولا يَسْكُنُ لَهَبُها، نَعوذُ باللهِ منها، ومِن عملٍ [يُقَرِّبُ إليها].
، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، حدثني مَعْن وعَوْف -أو: أحدهما-أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [﵁] فقال: اعهد إليَّ. فقال: إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْر يأمر به، أو شَر ينهى عنه.
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحيم-حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري قال: إذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
وحدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين".
مد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين".
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية -يعني: ابن هشام-عن عيسى بن راشد، عن علي بن بُذَيْمَة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبْ في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل.
إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل. وقوله: "ولم يبق أحد من الصحابة إلا
عوتب في القرآن إلا عليًا" إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوي، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا عليٌّ، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه.
﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: "إنه لم يعاتب في شيء من القرآن" فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عُمر بن الخطاب، ﵁، فعلم بهذا، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا اللَّيْث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كُتب لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى نَجْران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
زم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: هذا كتابُ رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يُفَقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عَهْدٌ من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره.
بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يعني بالعهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ﷺ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.
وقال زيد بن أسلم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
ِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "البَيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا" وفي لفْظ للبخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب.
بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من طريق مُجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نَوْف، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه". وقال الترمذي: حديث حسن.
[و] قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه".
يم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه". تفرد به أبو داود.
وقوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير.
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
والظاهر -والله أعلم-أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها.
أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال بعضهم: هذا منصوب على الحال. والمراد من الأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
لأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد [أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد، أي: كما] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
وقيل: شعائر الله محارمه [التي حرمها] أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال [تعالى] (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
ابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. [التوبة: ٣٦].
وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُم، ثلاث متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان".
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه.
يمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه. وكذا قال مُقَاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك الجزَريُّ، واختاره ابن جرير أيضًا، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالوا: والمراد أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره.
وقد حكى الإمام أبو جعفر [﵀] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم، وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو
ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا.
راعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا.
[و] قوله: (وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ) يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدْيٍ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ولهذا لما حَج رسول الله ﷺ بات بذي الحُلَيْفة، وهو وادي العَقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا، ثم اغتسل وتَطيَّب وصلَّى ركعتين، ثم أشعر هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيفُ على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
ما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
وقال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن
وقال مُقاتل بن حَيَّان: (وَلا الْقَلائِدَ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلَّدوا أنفسهم بالشَّعْر والوَبَر، وتقلد مشركو الحرم من لَحاء شجر الحرم، فيأمنون به.
رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا محمد بن عَمَّار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟
ضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.
وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مُطرِّف بن عبد الله.
وقوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد، وعطاء، وأبو العالية، ومُطَرِّف بن عبد الله، وعبد الله بن عُبَيد بن عُمير، والربيع
بن أنس، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان في قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ) يعني بذلك: التجارة.
وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
وقد ذكر عِكْرِمة، والسُّدِّي، وابن جُرَيْجٍ: أن هذه الآية نزلت في الحُطم بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله ﷿ (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم.
.
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال [تعالى] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان.
تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان.
وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
[التوبة: ١٧] وقال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقلَّد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شَعرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
ومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. .
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: (وَلا الْقَلائِدَ) يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر:
ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إذ أعورا لكم … يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا
وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح.
د الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة، يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) ومن القراء من قرأ: "أن صدوكم" بفتح الألف من "أن" ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد.
ل إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سَهْل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية.
والشنآن هو: البغض.
ليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية.
والشنآن هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنَأته أشنؤه شنآنا، بالتحريك، مثل قولهم: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، من جمز، ودرج، ورفل. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن، فيقول: شنان. قال: ولم أعلم أحدًا قرأ بها، ومنه قول الشاعر:
ومَا العيشُ إلا ما تُحبُّ وتَشْتَهي … وَإنْ لامَ فيه ذو الشنَّان وفَنَّدَا
وقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل.
والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
تعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قيل: يا رسول الله، هذا نَصَرْتُه مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: "تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره".
انفرد به البخاري من حديث هُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟
ُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يحيى بن وَثَّاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".
وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ، [قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ] أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به.
س ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فُضَيْل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "الدَّالُّ على الخير كفاعله". ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.
قلت: وله شاهد في الصحيح: "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا".
اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا".
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نِمْرَان بن مخُمر حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام".
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ يعني إن شئتم، فلا يدل هذا الأمر على إيجاب الاصطياد عند الإحلال، ويدل له الاستقراء في القرآن، فإن كل شيء كان جائزاً، ثم حرم لموجب، ثم أمر به بعد زوال ذلك الموجب، فإن ذلك الأمر كله في القرآن للجواز
نحو قوله هنا: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ وقوله: ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ﴾، وقوله: ﴿فَالْآنَ بَاشِرُوهُنَّ﴾ الآية، وقوله: ﴿فَإِذَا تَطَهَّرْنَ فَأْتُوهُنَّ﴾ الآية.
ولا ينقض هذا بقوله تعالى: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ الآية، لأن قتلهم كان واجباً قبل تحريمه العارض بسبب الأشهر الأربعة، سواء قلنا: إنها أشهر الإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
لإمهال المذكورة في قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ أو قلنا: إنها الأشهر الحرم المذكورة في قوله تعالى: ﴿مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ﴾.
وبهذا تعلم أن التحقيق الذي دل عليه الاستقراء التام في القرآن أن الأمر بالشيء بعد تحريمه يدل على رجوعه إلى ما كان عليه قبل التحريم من إباحة، أو وجوب، فالصيد قبل الإحرام كان جائزاً، فمنع للإحرام، ثم أمر به بعد الإحلال بقوله: ﴿وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾ فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الجواز، وقتل المشركين كان واجباً قبل دخول الأشهر الحرم، فمنع من أجلها، ثم أمر به بعد انسلاخها في قوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ﴾ الآية، فيرجع لما كان عليه قبل التحريم، وهو الوجوب، وهذا هو الحق في هذه المسألة الأصولية.
قال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح.
مر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السير أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجباً رده واجباً، وإن كان مستحباً فمستحب، أو مباحاً فمباح.
ومن قال: إنه للوجوب ينتقض عليه بآيات كثيرة؛ ومن قال:
إنه للإباحة يرد عليه بآيات أخرى، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم. انتهى منه بلفظه.
وفي هذه المسألة أقوال أخر عقدها في (مراقي السعود) بقوله:
والأمر للوجوب بعد الخطل ... وبعد سؤل قد أتى للأصل
أو يقتضي إباحة للأغلب ... إذا تعلق بمثل السبب
إلا فذي المذهب والكثير ... له إلى إيجابه مصير
وقد تقرر في الأصول أن الاستقراء التام حجة بلا خلاف، وغير التام المعروف بـ "إلحاق الفرد بالأغلب" حجة ظنية، كما عقده في مراقي السعود في كتاب (الاستدلال) بقوله:
ومنه الاستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم كلي
فإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب ...
د في كتاب (الاستدلال) بقوله:
ومنه الاستقراء بالجزئي ... على ثبوت الحكم كلي
فإن يعم غير ذي الشقاق ... فهو حجة بالاتفاق
وهو في البعض إلى الظن انتسب ... يسمى لحقوق الفرد بالذي غلب
فإذا عرفت ذلك، وعرفت أن الاستقراء التام في القرآن دل على ما اخترنا، واختاره ابن كثير، وهو قول الزركشي من أن الأمر بعد الحظر يدل على رجوع الحكم إلى ما كان عليه قبل التحريم، عرفت أن ذلك هو الحق. والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا﴾ الآية. نهى الله المسلمين في هذه الآية
الكريمة أن يحملهم بغض الكفار أن صدوهم عن المسجد الحرام في عمرة الحديبية أن يعتدوا على المشركين بما لا يحل لهم شرعاً. كما روى ابن أبي حاتم في سبب نزول هذه الآية عن زيد بن أسلم، قال: "كان رسول الله - ﷺ - وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي - ﷺ -: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية" اهـ.
اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي - ﷺ -: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم، فأنزل الله هذه الآية" اهـ. بلفظه من ابن كثير.
ويدل لهذا قوله قبل هذا: ﴿وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ﴾ وصرح بمثل هذه الآية في قوله: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا﴾ الآية، وقد ذكر تعالى في هذه الآية أنهم صدوهم عن المسجد الحرام بالفعل على قراءة الجمهور ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾ بفتح الهمزة، لأن معناها: لأجل أن صدوكم، ولم يبين هنا حكمة هذا الصد، ولم يذكر أنهم صدوا معهم الهدي معكوفاً أن يبلغ محله، وذكر في سورة الفتح أنهم صدوا معهم الهدى، وأن الحكمة في ذلك المحافظة على المؤمنين والمؤمنات، الذين لم يتميزوا عن الكفار في ذلك الوقت، بقوله: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ
ْجِدِ الْحَرَامِ وَالْهَدْيَ مَعْكُوفاً أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ وَلَوْلا رِجَالٌ مُؤْمِنُونَ وَنِسَاءٌ مُؤْمِنَاتٌ لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أَنْ تَطَئُوهُمْ فَتُصِيبَكُمْ مِنْهُمْ مَعَرَّةٌ بِغَيْرِ عِلْمٍ لِيُدْخِلَ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ لَوْ تَزَيَّلُوا لَعَذَّبْنَا الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ عَذَاباً أَلِيماً (٢٥)﴾، وفي هذه الآية دليل صريح على أن الإنسان عليه أن يعامل من عصى الله فيه؛ بأن يطيع الله فيه. وفي الحديث: "أد الأمانة إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك" وهذا دليل واضح على كمال دين الإسلام، وحسن
ما يدعو إليه من مكارم الأخلاق، مبين أنه دين سماوي لا شك فيه.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ...
في هذه الآية الكريمة: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ معناه: لا يحملنكم شنآن قوم على أن تعتدوا، ونظيره من كلام العرب قول الشاعر:
ولقد طعنت أبا عيينة طعنة ... جرمت فزارة بعدها أن يغضبوا
أي حملتم على أن يغضبوا.
وقال بعض العلماء: ﴿لا يَجْرِمَنَّكُمْ﴾ أي لا يكسبنكم، وعليه فلا تقدير لحرف الجر في قوله: ﴿أَنْ تَعْتَدُوا﴾ أي لا يكسبنكم بغضهم الاعتداء عليهم.
وقرأ بعض السبعة: ﴿شَنْآنُ﴾ بسكون النون، ومعنى الشنآن على القراءتين أي بفتح النون، وبسكونها: البغض. مصدر "شنأه" إذا أبغضه.
وقيل: على قراءة سكون النون يكون وصفاً كالغضبان، وعلى قراءة: ﴿إِنْ صَدُّوكُمْ﴾ بكسر الهمزة: المعنى إن وقع منهم صدهم لكم عن المسجد الحرام، فلا يحملنكم ذلك على أن تعتدوا عليهم بما لا يحل لكم.
وإبطال هذه القراءة -بأن الآية نزلت بعد صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه- مردود من وجهين:
الأول منهما: أن قراءة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾: بصيغة الشرط
د صد المشركين النبي - ﷺ - وأصحابه بالحديبية، وأنه لا وجه لاشتراط الصد بعد وقوعه- مردود من وجهين:
الأول منهما: أن قراءة: ﴿أَنْ صَدُّوكُمْ﴾: بصيغة الشرط
قراءة سبعية متواترة لا يمكن ردها، وبها قرأ ابن كثير، وأبو عمرو من السبعة.
الثاني: أنه لا مانع من أن يكون معنى هذه القراءة: إن صدوكم مرة أخرى على سبيل الفرض والتقدير، كما تدل عليه صيغة "إن" لأنها تدل على الشك في حصول الشرط، فلا يحملنكم تكرر الفعل السيء على الاعتداء عليهم بما لا يحل لكم، والعلم عند الله تعالى.
•