Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 217

QS 2:217

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 217

2:217
يَسۡـَٔلُونَكَ عَنِ ٱلشَّهۡرِ ٱلۡحَرَامِ قِتَالٖ فِيهِۖ قُلۡ قِتَالٞ فِيهِ كَبِيرٞۚ وَصَدٌّ عَن سَبِيلِ ٱللَّهِ وَكُفۡرُۢ بِهِۦ وَٱلۡمَسۡجِدِ ٱلۡحَرَامِ وَإِخۡرَاجُ أَهۡلِهِۦ مِنۡهُ أَكۡبَرُ عِندَ ٱللَّهِۚ وَٱلۡفِتۡنَةُ أَكۡبَرُ مِنَ ٱلۡقَتۡلِۗ وَلَا يَزَالُونَ يُقَٰتِلُونَكُمۡ حَتَّىٰ يَرُدُّوكُمۡ عَن دِينِكُمۡ إِنِ ٱسۡتَطَٰعُواْۚ وَمَن يَرۡتَدِدۡ مِنكُمۡ عَن دِينِهِۦ فَيَمُتۡ وَهُوَ كَافِرٞ فَأُوْلَـٰٓئِكَ حَبِطَتۡ أَعۡمَٰلُهُمۡ فِي ٱلدُّنۡيَا وَٱلۡأٓخِرَةِۖ وَأُوْلَـٰٓئِكَ أَصۡحَٰبُ ٱلنَّارِۖ هُمۡ فِيهَا خَٰلِدُونَ
Mereka bertanya kepadamu (Muhammad) tentang berperang pada bulan haram. Katakanlah, "Berperang dalam bulan itu adalah (dosa) besar. Tetapi menghalangi (orang) dari jalan Allah, ingkar kepada-Nya, (menghalangi orang masuk) Masjidilharam, dan mengusir penduduk dari sekitarnya, lebih besar (dosanya) dalam pandangan Allah. Sedangkan fitnah74) lebih kejam daripada pembunuhan. Mereka tidak akan berhenti memerangi kamu sampai kamu murtad (keluar) dari agamamu, jika mereka sanggup. Barang siapa yang murtad di antara kamu dari agamanya, lalu dia mati dalam kekafiran, maka mereka itu sia-sia amalnya di dunia dan di akhirat, dan mereka itulah penghuni neraka, mereka kekal di dalamnya
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 216Ayat 218 →

Tafsir dalam korpus (124 potongan)

QS 2:217 (jilid 3 hlm. 647) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 647 · #53716
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعنى بذلك جل ثناؤُه: يسألُك يا محمدُ أصحابُك عن الشهرِ الحرامِ -وذلك رجبٌ- عن قتالٍ فيه. وخفضُ "القتالِ" على معنى تَكْريرِ "عن" عليه. وكذلك كانت قراءةُ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ فيما ذُكِرَ لنا. وقد حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال: يقولُ: يسألونك عن قتالٍ فيه.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 648) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 648 · #53717
لحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال: يقولُ: يسألونك عن قتالٍ فيه. قال: وكذلك كان يقرؤُها: (عن قتالٍ فيه). قال أبو جعفرٍ: ﴿قُلْ﴾ يا محمدُ: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾ يعنى: فى الشهرِ الحرامِ، ﴿كَبِيرٌ﴾ أى: عظيمٌ عندَ اللهِ استحلالُه، وسفكُ الدماءِ فيه. ومعنى قولِه: ﴿قِتَالٌ فِيهِ﴾: قُل: القِتالُ فيه كبيرٌ. وإنما قال: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾؛ لأن العربَ كانت لا تَقْرعُ فيه الأسِنَّةَ، فيَلْقَى الرجلُ قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فلا يَهِيجُه؛ تعظيمًا له، وتُسَمِّيه مُضَرُ الأصمَّ، لسُكوتِ أصواتِ السلاحِ وقَعْقَعتِه فيه. وقد حدَّثنى محمدُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ عبدِ الحكمِ المصْرىُّ، قال: ثنا شعيبُ بنُ الليثِ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنا أبو الزبيرِ، عن جابرٍ، قال: لم يَكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَغْزو فى الشهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى، أو يَغْزوَ حتى إذا حضَر ذلك أقام حتى يَنْسَلِخَ. وقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 648) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 648 · #53718
لُ اللهِ ﷺ يَغْزو فى الشهرِ الحرامِ إلا أنْ يُغْزَى، أو يَغْزوَ حتى إذا حضَر ذلك أقام حتى يَنْسَلِخَ. وقولُه جل ثناؤُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. ومعنى الصدِّ عن الشئِ: المنعُ منه والدَّفْعُ عنه. ومنه قيل: صدَّ فلانٌ بوجهه عن فلانٍ. إذا أَعْرَض عنه فمنَعه من النظرِ إليه. وقولُه: ﴿وَكُفْرٌ بِهِ﴾. يعنى: وكفرٌ باللهِ. والباءُ فى ﴿بِهِ﴾ عائدةٌ على اسمِ اللهِ الذى فى ﴿سَبِيلِ اللهِ﴾. وتأويلُ الكلامِ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ به، وعن المسجدِ الحرامِ، وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ -وهم أهلُه وولاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ. فـ "الصدُّ عن سبيلِ اللهِ" مرفوعٌ بقولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وقولُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ عطفٌ على "الصدِّ". ثم ابْتَدأ الخبرَ عن الفِتْنةِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعنى: الشركُ أعظمُ وأكبرُ مِن القتلِ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 649) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 649 · #53719
هْلِهِ مِنْهُ﴾ عطفٌ على "الصدِّ". ثم ابْتَدأ الخبرَ عن الفِتْنةِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. يعنى: الشركُ أعظمُ وأكبرُ مِن القتلِ. يعنى: مِن قتلِ ابنِ الحَضْرَمىِّ الذى اسْتَنْكرتم قتلَه فى الشهرِ الحرامِ. وقد كان بعضُ أهلِ العربيةِ يَزْعُمُ أن قولَه: ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. معطوفٌ على "القتالِ"، وأن معناه: يَسْألونك عن الشهرِ الحرامِ، عن قتالٍ فيه، وعن المسجدِ الحرامِ. فقال اللهُ جل ثناؤُه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتالِ فى الشهرِ الحرامِ. وهذا القولُ مع خروجِه مِن أقوالِ أهلِ العلمِ، قولٌ لا وجهَ له؛ لأن القومَ لم يكونوا فى شكٍّ مِن عظيمِ ما أتَى المشركون إلى المسلمين فى إخراجِهم إياهم مِن منازلِهم بمكةَ، فيحتاجوا إلى أن يسألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن إخراجِ المشركين إياهم مِن منازلِهم، وهل ذلك كان لهم، بل لم يَدَّعِ ذلك عليهم أحدٌ مِن المسلمين، ولا أنهم سألوا رسولَ ﷺ عن ذلك.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 650) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 650 · #53720
سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن إخراجِ المشركين إياهم مِن منازلِهم، وهل ذلك كان لهم، بل لم يَدَّعِ ذلك عليهم أحدٌ مِن المسلمين، ولا أنهم سألوا رسولَ ﷺ عن ذلك. وإذا كان ذلك كذلك، فلم يكنِ القومُ سألوا رسولَ الله ﷺ إلا عما ارتابوا بحُكْمِه، كارتيابِهم فى أمرِ قتلِ ابنِ الحَضْرَمِىِّ، إذ ادَّعَوا أن قاتلَه مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ قتلَه فى الشهرِ الحرامِ، فسألوا عن أمرِه لارتيابِهم فى حُكْمِه، فأما إخراجُ المشركين أهلَ الإسلامِ مِن المسجدِ الحرامِ، فلم يكنْ فيهم أحدٌ شاكًّا أنه كان ظلمًا منهم لهم فيسألوا عنه. ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ جميعًا أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ فى سببِ قتلِ ابنِ الحَضْرمىِّ وقاتِلِه. ذِكْرُ الرِّوايةِ عمَّن قال ذلك
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 650) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 650 · #53721
عنه. ولا خلافَ بينَ أهلِ التأويلِ جميعًا أن هذه الآيةَ نزلَت على رسولِ اللهِ ﷺ فى سببِ قتلِ ابنِ الحَضْرمىِّ وقاتِلِه. ذِكْرُ الرِّوايةِ عمَّن قال ذلك حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن ابنِ إسحاقَ، قال: ثنى الزُّهرىُّ ويزيدُ بن رُومانَ، عن عُروةَ بنِ الزبيرِ، قال: بعَثَ رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ ابنَ جَحْشٍ فى رَجَبٍ مَقْفَلَه مِن بدرٍ الأُولى، وبعَث معه بثمانيةِ رَهْطٍ مِن المهاجرين، ليس فيهم مِن الأنصارِ أحدٌ، وكتَب له كتابًا، وأمرَه ألا يَنْظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومين، ثم يَنْظُرَ فيه فيَمْضِىَ لما أمَره، ولا يَسْتكرِهَ مِن أصحابِه أحدًا.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 650) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 650 · #53722
مِن الأنصارِ أحدٌ، وكتَب له كتابًا، وأمرَه ألا يَنْظُرَ فيه حتى يَسِيرَ يومين، ثم يَنْظُرَ فيه فيَمْضِىَ لما أمَره، ولا يَسْتكرِهَ مِن أصحابِه أحدًا. وكان أصحابُ عبدِ اللهِ ابنِ جحشٍ مِن المهاجرينِ؛ مِن بنى عبدِ شمس: أبو حُذَيفَةَ بنُ [عُتْبَةَ بنِ] ربيعةَ بنِ عبدِ شمسٍ، ثم مِن حلفائِهم: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشِ بنِ ريابٍ، وهو أميرُ القومِ، وعُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنِ بنِ حُرْثانَ، أحدُ بنى أسدِ بنِ خُزَيمَةَ، ومِن بنى نوفلِ بنِ عبدِ منافٍ: عُتْبةُ بنُ غَزْوانَ، حليفٌ لهم، ومِن بنى زُهْرةَ بنِ كلابٍ: سعدُ بنُ أبى وَقاصٍ، ومِن بنى عدىِّ بنِ كعبٍ: عامرُ بنُ ربيعةَ، حليفٌ لهم، ووَاقِدُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ [منافِ بن عَرِينِ] بنِ ثَعْلَبةَ بنِ يَرْبوعِ بنِ حنظلةَ، وخالدُ بنُ البكيرِ أحدُ بنى سعدِ بن ليثٍ، حليفٌ لهم، ومِن بنى الحارثِ بنِ فهرٍ: سُهَيلُ ابنُ بيضاءَ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 651) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 651 · #53723
عَرِينِ] بنِ ثَعْلَبةَ بنِ يَرْبوعِ بنِ حنظلةَ، وخالدُ بنُ البكيرِ أحدُ بنى سعدِ بن ليثٍ، حليفٌ لهم، ومِن بنى الحارثِ بنِ فهرٍ: سُهَيلُ ابنُ بيضاءَ. فلما سار عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ يومين فتَح الكتابَ ونظَر فيه، فإذا فيه: "إذا نظَرت فى كتابى هذا، فَسِرْ حتى تنزِلَ نَخْلَةَ بينَ مكةَ والطائفِ، فتَرصُدَ بها قريشًا، وتَعلَمَ لنا مِن أخبارِهم". فلما نظَر عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ فى الكتابِ قال: سمعًا وطاعةً. ثم قال لأصحابِه: قد أمَرنى رسولُ اللهِ ﷺ أن أمْضِىَ إلى نَخْلةَ فأرْصُدَ بها قريشًا، حتى آتيَه منهم بخَبرٍ، وقد نهانى أن أسْتَكرِهَ أحدًا منكم، فمَن كان منكم يُريدُ الشَّهادةَ ويَرغبُ فيها فلْيَنْطلِقْ، ومَن كَرِه ذلك فلْيَرجِعْ، فأما أنا فماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ. فمضَى ومضَى أصحابُه معه، فلم يتخلَّفْ عنه أحدٌ، وسلَك على الحجازِ، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوقَ الفُرْعِ، يقالُ له: بُحْرانُ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 651) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 651 · #53724
ماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ. فمضَى ومضَى أصحابُه معه، فلم يتخلَّفْ عنه أحدٌ، وسلَك على الحجازِ، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوقَ الفُرْعِ، يقالُ له: بُحْرانُ. أضلَّ سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعتبةُ بنُ غَزْوانَ بعيرًا لهما كانا عليه يَعْتَقِبانه، فتخلَّفا عليه فى طلبِه، ومضَى عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وبقيةُ أصحابِه حتى نزَل بنَخْلةَ، فمرَّت به عِيرٌ لقريشٍ تَحمِلُ زبيبًا وأدَمًا وتجارةً مِن تجارةِ قريشٍ، فيها منهم: عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ، وعثمانُ ابنُ عبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، وأخوه نَوفلُ بنُ عبدِ اللهِ بنِ المغيرةِ، المَخْزوميان، والحكمُ بنُ كَيْسانَ مولى هشامِ بنِ المُغيرةِ. فلما رآهم القومُ هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشْرَف لهم عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، وقد كان حلَق رأْسَه، فلما رأَوه أمِنوا وقالوا: عُمَّارٌ، فلا بأسَ علينا منهم.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 652) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 652 · #53725
قومُ هابوهم، وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشْرَف لهم عُكَّاشةُ بنُ مِحْصَنٍ، وقد كان حلَق رأْسَه، فلما رأَوه أمِنوا وقالوا: عُمَّارٌ، فلا بأسَ علينا منهم. وتشَاور القومُ فيهم، وذلك فى آخرِ يومٍ مِن جُمادَى، فقال القومُ: واللهِ لئن تَركْتُم القومَ هذه الليلةَ ليَدْخُلُنَّ الحَرَمَ فليَمْتنعُنَّ به منكم، ولئن قَتلتُموهم لتَقْتُلُنَّهم فى الشهرِ الحرامِ. فتَردَّد القومُ فهابوا الإقدامَ عليهم، ثم شجّعوا عليهم، وأجْمَعوا على قتلِ مَن قَدَروا عليه منهم، وأخْذِ ما معهم، فرمَى واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيمىُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ بسهمٍ فقَتَله، واسْتَأْسَر عثمانَ بنَ عبدِ اللهِ والحكمَ ابنَ كيسانَ، وأفْلَت نَوْفلُ بنُ عبدِ اللهِ فأعْجَزَهم، وقَدِم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ وأصحابُه بالعِيرِ والأسيرَيْنِ حتى قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ. وقد ذَكَر بعضُ آلِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ قال لأصحابِه: إن لرسولِ اللهِ ﷺ مما غَنِمْتم الخُمُسَ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 652) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 652 · #53726
لى رسولِ اللهِ ﷺ بالمدينةِ. وقد ذَكَر بعضُ آلِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ أَن عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ قال لأصحابِه: إن لرسولِ اللهِ ﷺ مما غَنِمْتم الخُمُسَ. وذلك قبلَ أن يُفْرَضَ الخُمُسُ مِن الغَنائِمِ، فعزَل لرسولِ اللهِ ﷺ خُمُسَ العِيرِ، وقسَم سائرَها بينَ أصحابِه، فلما قَدِموا على رسولِ اللهِ ﷺ قال: "ما أَمَرْتُكم بقِتالٍ فى الشهرِ الحرامِ". فوقَف العِيرَ والأسِيرَيْن، وأَبَى أَن يَأْخُذَ مِن ذلك شيئًا، فلما قال رسولُ اللهِ ﷺ ذلك، سُقِط فى أَيْدِى القومِ، وظَنُّوا أنهم قد هلَكوا، وعَنَّفَهم المُسْلِمون فيما صَنَعوا، وقالوا لهم: صَنَعتم ما لم تُؤْمروا به، وقاتَلْتم فى الشهرِ الحرامِ ولم تُؤمروا بقتالٍ. وقالت قريشٌ: قد استحلَّ محمدٌ وأصحابُه الشهرَ الحرامَ، فسَفَكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموالَ، وأسَروا. فقال مَن يَرُدُّ ذلك عليهم مِن المسلمين ممن كان بمكةَ: إنما أصابوا ما أصابوا فى جُمادَى.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 653) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 653 · #53727
َ الحرامَ، فسَفَكوا فيه الدمَ، وأخذوا فيه الأموالَ، وأسَروا. فقال مَن يَرُدُّ ذلك عليهم مِن المسلمين ممن كان بمكةَ: إنما أصابوا ما أصابوا فى جُمادَى. وقالت يهودُ -تَتَفاءلُ بذلك على رسولِ اللهِ ﷺ-: عمرُو بنُ الحَضْرَمىِّ قتَله وَاقِدُ بنُ عبدِ اللهِ؛ عمرٌو: عَمَرتِ الحربُ، والحَضْرَمِىُّ: حَضَرت الحربُ، وواقدُ بنُ عبدِ اللهِ: وَقَدتِ الحربُ. فجعَل اللهُ عليهم ذلك [وبهم]. فلما أَكْثَر الناسُ فى ذلك، أنزَل اللهُ جل وعز على رسولِه ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ أى: عن قتالٍ فيه، ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: إن كنتم قتَلتم فى الشهرِ الحرامِ فقد صَدُّوكم عن سبيلِ اللهِ، مع الكفرِ به، وعن المسجدِ الحرامِ. وإخراجُكم عنه -إذ أنتم أهلُه ووُلاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مَن قَتَلتُم منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 653) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 653 · #53728
به، وعن المسجدِ الحرامِ. وإخراجُكم عنه -إذ أنتم أهلُه ووُلاتُه- أكبرُ عندَ اللهِ مِن قتلِ مَن قَتَلتُم منهم، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: قد كانوا يَفْتِنون المسلمَ عن دينِه حتى يَردُّوه إلى الكفرِ بعدَ إِيمانِه، وذلك أكبرُ عندَ اللهِ مِن القتلِ، ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه، غيرَ تائبين ولا نازِعِين. فلما نزَل القرآنُ بهذا مِن الأمرِ، وفَرَّج اللهُ عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَقِ، قَبَض رسولُ اللهِ ﷺ العِيرَ والأسِيرَيْن.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 653) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 653 · #53729
تائبين ولا نازِعِين. فلما نزَل القرآنُ بهذا مِن الأمرِ، وفَرَّج اللهُ عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَقِ، قَبَض رسولُ اللهِ ﷺ العِيرَ والأسِيرَيْن. حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن رسولَ اللهِ ﷺ بعَث سَرِيَّهً وكانوا سبعةَ نَفَرٍ، عليهم عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ الأسَدِىُّ، وفيهم عَمارُ بنُ ياسرٍ، وأبو حُذَيفةَ بنُ عُتْبةَ بنِ رَبيعةَ، وسعدُ بنُ أبى وقاصٍ، وعُتْبةُ ابنُ غَزْوانَ السُّلَمِىُّ، حَليفٌ لبنى نَوْفلٍ، وسُهَيلُ ابنُ بَيْضَاءَ، وعامرُ بنُ فُهَيرةَ، ووَاقدُ ابنُ عبدِ اللهِ اليَرْبوعِىُّ، حليفٌ لعمرَ بنِ الخطابِ. وكتَب مع ابنِ جَحْشٍ كتابًا، وأمَره ألا يَقْرأَه حتى ينزِلَ بطنَ مَلَلٍ، فلما نزَل ببَطنِ مَلَلٍ فتَح الكتابَ، فإذا فيه: "أَنْ سِرْ حتى تَنزِلَ بَطْنَ نَخْلةَ".
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 654) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 654 · #53730
نِ جَحْشٍ كتابًا، وأمَره ألا يَقْرأَه حتى ينزِلَ بطنَ مَلَلٍ، فلما نزَل ببَطنِ مَلَلٍ فتَح الكتابَ، فإذا فيه: "أَنْ سِرْ حتى تَنزِلَ بَطْنَ نَخْلةَ". فقال لأصحابِه: مَن كان يُريدُ الموتَ فلْيَمضِ ولْيُوصِ، فإنى مُوصٍ وماضٍ لأمرِ رسولِ اللهِ ﷺ. فسار، وتَخلَّف عنه سعدُ بنُ أبى وقاصٍ وعُتبةُ بنُ غَزْوانَ، أضلَّا رَاحلةً لهما، فأَتَيا بُحْرانَ يَطْلُبانها، وسار ابنُ جَحْشٍ إِلى بَطْنِ نَخْلَةَ، فإذا هم بالحكمِ بنِ كَيْسانَ، وعبدِ اللهِ بنِ المُغيرةِ، والمُغيرةِ بنِ عثمانَ، وعمرِو بنِ الحَضْرمىِّ، فاقْتَتَلوا، فأَسَروا الحَكَمَ بنَ كَيْسانَ وعبدَ اللهِ بنَ المُغيرةِ، وانْفَلَت المُغيرةُ، وقُتِلَ عمرُو بنُ الحَضْرمىِّ؛ قتَله واقدُ بنُ عبدِ اللهِ، فكانت أوَّلَ غَنيمةٍ غَنِمها أصحابُ محمدٍ ﷺ. فلما رجَعوا إلى المدينةِ بالأسيرَيْن وما غَنِموا مِن الأموالِ، أراد أهلُ مكةَ أن يُفَادوا بالأسيرَيْن، فقال النبيُّ ﷺ: "حتى نَنْظُرَ ما فعَل صاحبانا".
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 654) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 654 · #53731
لما رجَعوا إلى المدينةِ بالأسيرَيْن وما غَنِموا مِن الأموالِ، أراد أهلُ مكةَ أن يُفَادوا بالأسيرَيْن، فقال النبيُّ ﷺ: "حتى نَنْظُرَ ما فعَل صاحبانا". فلما رجَع سعدٌ وصاحبُه فادَى بالأسيرين، ففَجَر عليه المشركون وقالوا: محمدٌ يَزْعُمُ أنه يَتَّبعُ طاعةَ اللهِ، وهو أوَّلُ مَن اسْتحلَّ الشهرَ الحرامَ، وقَتَل صاحبَنا في رجبٍ. فقال المسلمون: إنما قَتَلناه في جُمادَى -وقيلَ: في أوَّل ليلةٍ من رَجَبٍ، وآخرِ ليلةٍ مِن جُمَادَى- وغَمَد المسلمون سُيوفَهم حينَ دخَل رَجَبٌ، فأنزَل اللهُ جلَّ وعز يُعَيِّرُ أهلَ مكةَ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لا يَحِلُّ، وما صَنَعتم -أنتم يا معشرَ المشركين- أكبرُ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ، حين كفَرتم باللهِ، وصَدَدْتم عنه محمدًا وأصحابَه. وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ منه -حينَ أخْرجوا محمدًا- أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ. والفِتْنَةُ -هى الشركُ- أعظمُ عندَ اللهِ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 655) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 655 · #53732
جُ أهلِ المسجدِ الحرامِ منه -حينَ أخْرجوا محمدًا- أكبرُ مِن القتلِ عندَ اللهِ. والفِتْنَةُ -هى الشركُ- أعظمُ عندَ اللهِ مِن القتلِ في الشهرِ الحرامِ. فذلك قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى الصَّنْعانيُّ، قال: ثنا المُعتَمِرُ بنُ سُليمانَ التَّيْمِيُّ، عن أبيه، أنه حدَّثه رجلٌ، عن أبي السَّوَّارِ، يُحدِّثُه عن جُنْدَبِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه بعَث رَهْطًا، فبعَث عليهم أبا عُبَيدةَ، فلما أخَذ لينْطلِقَ بكَى صَبابةً إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فبعَث رجلًا مكانَه يُقالُ له: عبدُ اللهِ بنُ جَحْشٍ. وكتَب له كتابًا، وأمَره ألَّا يَقْرأَ الكتابَ حتى يَبْلُغَ كذا وكذا، "ولا تُكْرِهَنَّ أحدًا مِن أصحابِك على السيرِ معك". فلما قرَأ الكتابَ اسْتَرْجَع وقال: سمعًا وطاعةً لأمرِ اللهِ ورسولِه.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 655) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 655 · #53733
كتابَ حتى يَبْلُغَ كذا وكذا، "ولا تُكْرِهَنَّ أحدًا مِن أصحابِك على السيرِ معك". فلما قرَأ الكتابَ اسْتَرْجَع وقال: سمعًا وطاعةً لأمرِ اللهِ ورسولِه. فخَبَّرهم الخبرَ، وقرَأ عليهم الكتابَ، فرجَع رجلان ومضَى بقيتُهم، فلَقُوا ابنَ الحَضْرمىِّ فقَتَلوه، ولم يَدْروا ذلك اليومُ من رجبٍ أو مِن جُمادَى، فقال المشركون للمسلمين: فَعلتم كذا وكذا في الشهرِ الحرامِ. فأَتَوا النبيَّ ﷺ فحدَّثوه الحديثَ، فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ والفتنةُ هى الشركُ. وقال بعضُ الذين -أظُنُّه قال-: كانوا في السَّرِيَّةِ: واللهِ ما قتَله إلا واحدٌ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 656) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 656 · #53734
ْدَ اللهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾ والفتنةُ هى الشركُ. وقال بعضُ الذين -أظُنُّه قال-: كانوا في السَّرِيَّةِ: واللهِ ما قتَله إلا واحدٌ. فقال: إن يَكُنْ خيرًا فقد وَلِيتُ، وإن يَكُنْ ذنبًا فقد عَمِلْتُ. حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾. قال: إن رجلًا من بنى تميمٍ أرسَله النبيُّ ﷺ في سَرِيَّةٍ، فمرّ بابنِ الحَضْرميِّ يَحْمِلُ خَمْرًا مِن الطائفِ إلى مكةَ، فرَماه بسَهْمٍ فقَتله، وكان بينَ قريشٍ ومحمدٍ عَقْدٌ، فقتَله في آخرِ يومٍ من جُمادَى الآخرةِ، وأولِ يومٍ من رجبٍ، فقالت قريشٌ: في الشهرِ الحرامِ، ولنا عهدٌ؟!
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 656) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 656 · #53735
سَهْمٍ فقَتله، وكان بينَ قريشٍ ومحمدٍ عَقْدٌ، فقتَله في آخرِ يومٍ من جُمادَى الآخرةِ، وأولِ يومٍ من رجبٍ، فقالت قريشٌ: في الشهرِ الحرامِ، ولنا عهدٌ؟! فأنزَل اللهُ ﷿: ﴿قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ﴾، وصدٌّ عن ﴿الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ، أكبرُ مِن هذا كلِّه. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهرىِّ وعثمانَ الجَزَرِيِّ، عن مِقْسَمٍ مَوْلَى ابنِ عباسٍ، قال: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ عمرَو بنَ الحَضْرَميِّ في أوَّل ليلةٍ من رجبٍ، وهو يَرَى أنه مِن جُمادَى، فقَتَله، وهو أوَّلُ قتيلٍ مِن المشركين، فعَيَّر المشركون المسلمين فقالوا: أتَقْتلون في الشهرِ الحرامِ؟
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 657) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 657 · #53736
وَّل ليلةٍ من رجبٍ، وهو يَرَى أنه مِن جُمادَى، فقَتَله، وهو أوَّلُ قتيلٍ مِن المشركين، فعَيَّر المشركون المسلمين فقالوا: أتَقْتلون في الشهرِ الحرامِ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. يقولُ: وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكُفْرٌ باللهِ ﴿وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾: وصدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من قتلِ عمرِو بنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾. يقولُ: الشركُ الذى أنتم فيه أكبرُ مِن ذلك أيضًا.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 657) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 657 · #53737
﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من قتلِ عمرِو بنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾. يقولُ: الشركُ الذى أنتم فيه أكبرُ مِن ذلك أيضًا. قال الزهرىُّ: وكان النبيُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ ثم أُحِلَّ بَعْدُ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: وذلك أن المشركين صدُّوا رسولَ اللهِ ﷺ وردُّوه عن المسجدِ الحرامِ في شهرٍ حرامٍ، ففتَح اللهُ على نبيِّه في شهرٍ حرامٍ مِن العامِ المقبلِ، فعابَ المشرِكون على رسولِ اللهِ ﷺ القِتالَ في شهرٍ حرامٍ، فقال اللهُ جل وعز: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتلِ فيه.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 657) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 657 · #53738
ال اللهُ جل وعز: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن القتلِ فيه. وإن محمدًا بعَث سَرِيَّةً، فلَقُوا عمرَو بنَ الحَضْرميِّ وهو مُقْبِلٌ مِن الطائفِ آخرَ ليلةٍ مِن جُمادَى، وأوَّلَ ليلةٍ مِن رَجبٍ، وإنَّ أصحابَ محمدٍ ﷺ كانوا يَظُنون أن تلك الليلةَ مِن جُمادَى، وكانت أوَّلَ رجبٍ ولم يَشْعُروا، فقَتَله رجلٌ منهم واحدٌ، وإن المشركين أرْسَلوا يُعَيِّرونه بذلك، فقال اللهُ جل وعز: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ أكبرُ مِن الذى أصاب أصحابُ محمدٍ، والشِّرْكُ باللهِ أشَدُّ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 658) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 658 · #53739
ْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ﴾ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ أكبرُ مِن الذى أصاب أصحابُ محمدٍ، والشِّرْكُ باللهِ أشَدُّ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ، قال: لما نزَلت: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. إلى قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. استكبَروه، فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾: الشِّرْكُ الذى أنتم عليه مُقِيمون ﴿أَكْبَرُ﴾ مما اسْتكبرتم. حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن حُصَينٍ، عن أبي مالكٍ الغفاريِّ، قال: بعَث رسولُ اللهِ ﷺ عبدَ اللهِ بنَ جَحْشٍ في جيشٍ، فلَقِىَ ناسًا مِن المشركين ببَطْنِ نَخْلةَ، والمسلمون يَحْسَبون أنه آخرُ يومٍ مِن جُمادَى، وهو أولُ يومٍ مِن رجبٍ، فقَتَلَ المسلمون ابنَ الحَضْرميِّ، فقال المشركون:
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 658) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 658 · #53740
مِن المشركين ببَطْنِ نَخْلةَ، والمسلمون يَحْسَبون أنه آخرُ يومٍ مِن جُمادَى، وهو أولُ يومٍ مِن رجبٍ، فقَتَلَ المسلمون ابنَ الحَضْرميِّ، فقال المشركون: ألستم تَزْعُمون أنكم تُحَرِّمون الشهرَ الحرامَ والبلدَ الحرامَ، وقد قَتَلتم في الشهرِ الحرامِ؟ فأنزَل اللهُ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ إلى قولِه: ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ من الذى اسْتَكْبرتم مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ﴾ التى أنتم عليها مُقِيمون، يعنى الشركَ، ﴿أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن قتادةَ، قال -وكان يُسَمِّيهما - يقولُ: لَقِىَ واقدُ بنُ عبدِ اللهِ التَّمِيميُّ عمرَو بنَ الحَضْرمىِّ ببَطْنِ نَخْلَةَ فقتَله. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ في مَن نزَلت؟ قال: لا أدْرِى.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 659) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 659 · #53741
سينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: قولُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ في مَن نزَلت؟ قال: لا أدْرِى. قال ابنُ جُرَيجٍ: وقال عِكْرمةُ ومجاهدٌ: في عمرِو بنِ الحَضْرَمِيِّ. قال ابنُ جُرَيجٍ: وأخْبَرنا ابنُ أبي حُسينٍ، عن الزُّهْرِيِّ ذلك أَيضًا. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال مُجاهدٌ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 659) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 659 · #53742
ُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال مُجاهدٌ: ﴿قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾. قال: يقولُ: صدٌّ عن المسجدِ الحرامِ، وإخْراجُ أهلِه منه، فكلُّ هذا أكبرُ مِن قتلِ ابنِ الحَضْرميِّ، ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾، كفرٌ باللهِ وعبادةُ الأوثانِ أكبرُ مِن هذا كلِّه. حُدِّثْتُ عن الحسيِن بنِ الفرجِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ الفَضْلَ بنَ خالدٍ، قال: أخْبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ الباهليُّ، قال: سمِعتُ الضحاكَ بنَ مُزاحمٍ يقولُ في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾: كان أصحابُ محمدٍ ﷺ قَتَلوا ابنَ الحَضْرمىِّ في الشهرِ الحرامِ، فعَيَّرَ المشركون المسلمين بذلك، فقال اللهُ: قتالٌ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكفرٌ به وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 660) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 660 · #53743
لمسلمين بذلك، فقال اللهُ: قتالٌ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وأكبرُ مِن ذلك صدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكفرٌ به وإخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ. وهذان الخبران اللذان ذَكَرناهما عن مجاهدٍ والضحاكِ يُنْبِئان عن صِحَّةِ ما قُلْنا في رفعِ "الصدّ" به، وأن رافِعَه ﴿أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وهما يُؤكِّدان صحةَ ما روَينا في ذلك عن ابنِ عباسٍ، ويَدُلَّان على خطأِ من زعَم أنه مرفوعٌ على العطفِ على "الكبير". وقولِ مَن زعَم أن معناه: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. وزعَم أن قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. خَبرٌ مُنْقطِعٌ عما قبلَه مبتدأٌ. حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال. ثنا هُشَيمٌ، قال: أخْبَرنا إسماعيلُ بنُ سالمٍ، عن الشَّعْبيِّ في قولِه: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. قال: يعنى به الكُفْرَ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ذلك.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 660) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 660 · #53744
ال: يعنى به الكُفْرَ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ مِن ذلك. ثم عَيَّر المشركين بأعمالِهم أعمالِ السُّوءِ فقال: ﴿وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ﴾. أى: الشركُ باللهِ أكبرُ مِن القتلِ. وبمثلِ الذى قُلْنا مِن التأويلِ في ذلك رُوِىَ عن ابنِ عباسٍ. حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: لما قتَلَ أصحابُ رسولِ اللهِ ﷺ عمرَو بنَ الحَضْرميِّ في آخرِ ليلةٍ مِن جُمادَى وأوَّلِ ليلةٍ مِن رجبٍ، أرسَل المشركون إلى رسولِ اللهِ ﷺ يُعَيِّرونه بذلك، فقال: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ وغيرُ ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ محمدٍ ﷺ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 661) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 661 · #53745
ذلك أكبرُ منه، ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ مِن الذى أصابَ أصحابُ محمدٍ ﷺ. وأما أهلُ العربيةِ فإنهم اخْتَلفوا في الذى ارْتَفَع به قولُه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ﴾. فقال بعضُ نَحْويِّي الكوفيين: في رفعِه وجهان: أحدُهما، أن يكونَ "الصدّ" مَرْدودًا على "الكبير"، تُريدُ: قل: القتالُ فيه كبيرٌ وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ وكُفْرٌ به. وإن شِئْتَ جعَلت الصدَّ كبيرًا، تُريدُ به: قُل: القتالُ فيه كبيرٌ، وكبيرٌ الصدُّ عن سبيلِ اللهِ والكفرُ به. قال: فأخطأ -يعنى الفَرَّاءَ- في كلا تَأْويليه، وذلك أنه إذا رفَع "الصدّ" عطفًا به على ﴿كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ باللهِ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 661) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 661 · #53746
ه، وذلك أنه إذا رفَع "الصدّ" عطفًا به على ﴿كَبِيرٌ﴾، يَصيرُ تأويلُ الكلامِ: قُل: القتالُ في الشهرِ الحرامِ كبيرٌ، وصدٌّ عن سبيلِ اللهِ، وكفرٌ باللهِ. وذلك مِن التأويلِ خلافُ ما عليه أهلُ الإسلامِ جميعًا؛ لأنه لم يدَّعِ أحدٌ أن اللهَ ﵎ جعَل القتالَ في الأشهرِ الحرمِ كُفرًا باللهِ، بل ذلك غيرُ جائزٍ أن يُتَوهَّمَ على عاقلٍ يَعْقِلُ ما يقولُ أن يقولَه، وكيف يجوزُ أن يقولَه ذو فِطرةٍ صحيحةٍ، واللهُ جلَّ ثناؤُه يقولُ في أثرِ ذلك: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. فلو كان الكلامُ على ما رآه جائزًا في تأويلِه هذا، لوجَب أن يكونَ إخراجُ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ في أثَرِه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 661) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 661 · #53747
مسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، كان أعظمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، وذلك أنه يقولُ في أثَرِه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾. وفى قيامِ الحُجَّةِ بأن لا شيءَ أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ به، ما يُبِينُ عن خطأِ هذا القولِ. وأما إذا رفع "الصدّ" بمعنى ما زعَم أنه الوجهُ الآخرُ -وذلك رفعُه بمعنى: وكبيرٌ صدٌّ عن سبيلِ اللهِ. ثم قيل: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللهِ﴾ - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرامِ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 662) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 662 · #53748
اللهِ﴾ - صار المعنى إلى أن إخراجَ أهلِ المسجدِ الحرامِ مِن المسجدِ الحرامِ، أعظمُ عندَ اللهِ مِن الكفرِ باللهِ والصدِّ عن سبيلِه وعن المسجدِ الحرامِ. ومُتأوِّلُ ذلك كذلك داخَلَ مِن الخَطأِ مثلَ الذى دخَل فيه القائلُ القولَ الأوَّلَ؛ مِن تَصْييرِه بعضَ خِلالِ الكُفرِ أعظَمَ عندَ اللهِ مِن الكفرِ بعينِه، وذلك مما لا يُخِيلُ على أحدٍ خَطؤُه وفسادُه. وكان بعضُ أهلِ العربيةِ مِن أهلِ البصرةِ يقولُ القولَ الأوَّلَ في رفعِ "الصدّ"، ويَزْعُمُ أنه معطوفٌ به على "الكبير"، ويجعَلُ قولَه: ﴿وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ﴾. مرفوعًا على الابتداءِ. وقد بينَّا فسادَ ذلك وخطأَ تأويلِه. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكمِ؟
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 662) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 662 · #53749
يلِ في قولِه: ﴿وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ﴾ هل هو مَنسوخٌ أم ثابتُ الحكمِ؟ فقال بعضُهم: هو منسوخٌ بقولِ اللهِ جل وعز: ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾ [التوبة: ٣٦]، وبقولِه: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ﴾ [التوبة: ٥]. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، قال: قال عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أحَلَّ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ في "براءة" قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 663) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 663 · #53750
عطاءُ بنُ مَيْسرةَ: أحَلَّ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ في "براءة" قولُه: ﴿فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾. يقول: فيهن وفى غيرِهن. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ، قال: كان النبىُّ ﷺ فيما بَلَغنا يُحَرِّمُ القِتالَ في الشهرِ الحرامِ، ثم أُحِلَّ بعدُ. وقال آخرون: بل ذلك حكمٌ ثابتٌ لا يَحِلُّ القتالُ لأحدٍ في الأشهرِ الحُرُمِ بهذه الآيةِ؛ لأن اللهَ جعَل القتالَ فيه كبيرًا. ذِكرُ مَن من قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، [عن مجاهدِ]، قال: قُلْتُ لعطاءٍ: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. قُلْتُ: ما لهم! وإذ ذاك لا يَحِلُّ لهم أن يَغْزوا أهلَ الشركِ في الشهرِ الحرامِ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ: ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 663) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 663 · #53751
في الشهرِ الحرامِ، ثم غَزَوهم بعدُ فيه، فحلَف لى عطاءٌ باللهِ: ما يَحِلُّ للناسِ أن يَغْزوا في الشهرِ الحرامِ، ولا أن يُقَاتِلوا فيه، وما يُسْتَحبُّ. قال: ولا يُدْعَون إلى الإسلامِ قبلَ أن يُقَاتَلوا، ولا إلى الجِزيةِ، تركوا ذلك. والصوابُ مِن القولِ في ذلك ما قاله عطاءُ بنُ مَيْسرةَ، مِن أن النَّهْىَ عن قتالِ المشركين في الأشْهُرِ الحُرُمِ مَنْسوخٌ بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 663) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 663 · #53752
بقولِ اللهِ جل ثناؤُه: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلَا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً﴾ [التربة: ٣٦] وإنما قلنا: ذلك ناسخٌ لقولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ لتَظاهرِ الأخبارِ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه غَزا هوازنَ بحُنَينٍ، وثقيفًا بالطائفِ، وأرْسَل أبا عامرٍ إلى أوطاسٍ لحربِ مَن بها مِن المشركين في بعضِ الأشْهُرِ الحُرُمِ، وذلك في شوالٍ وبعضِ ذى القَعدةِ، وهما مِن الأشهرِ الحُرُمِ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ الناسِ مِن فعلِه ﷺ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 664) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 664 · #53753
لك في شوالٍ وبعضِ ذى القَعدةِ، وهما مِن الأشهرِ الحُرُمِ، فكان معلومًا بذلك أنه لو كان القتالُ فيهن حرامًا وفيه معصيةٌ، كان أبعدَ الناسِ مِن فعلِه ﷺ. وأُخْرَى، أن جميعَ أهلِ العلمِ بسِيَرِ رسولِ اللهِ ﷺ لا تَتدافعُ أن بيعةَ الرِّضْوانِ على قتالِ قريشٍ كانت في ذى القَعْدةِ، وأنه ﷺ إنما دعا أصحابَه إليها يومَئذٍ، لأَنه بلَغه أن عثمانَ بنَ عفانَ قتلَه المشركون إذ أرْسَله إليهم بما أرسلَه به مِن الرسالةِ، فبايَع ﷺ على أن يُناجِزَ القومَ الحربَ ويُحاربَهم، حتى رجَع عثمانُ بالرسالةِ، وجرَى بينَ النبيِّ ﷺ وقريشٍ الصُّلْحُ، فكفَّ عن حربهم حينئذٍ وقتالِهم، وكان ذلك في ذى القَعْدةِ، وهو مِن الأشْهُرِ الحُرُمِ. فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 664) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 664 · #53754
هُرِ الحُرُمِ. فإذا كان ذلك كذلك، فبَيِّنٌ صحةُ ما قلنا في قولِه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾. وأنه مَنْسوخٌ. فإن ظنَّ ظانٌّ أن النهىَ عن القتالِ في الأشهرِ الحرمِ كان بعدَ استحلالِ النبيِّ ﷺ إياهنَّ؛ لما وَصَفنا من حُروبِه، فقد ظنَّ جهلًا، وذلك أن هذه الآيةَ -أعْنِى قولَه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ - في أمرِ عبدِ اللهِ بنِ جَحْشٍ وأصحابِه، و ما كان مِن أمرِهم وأمرِ القَتيلِ الذى قتَلوه، فأنزَل اللهُ في أمرِه هذه الآيةَ في آخرِ جُمادَى الآخرةِ مِن السنةِ الثانيةِ مِن مَقْدَمِ رسولِ اللهِ ﷺ المدينةَ وهِجْرتِه إليها، وكانت وَقْعةُ حُنَينٍ والطائفِ في شوَّالٍ مِن سنةِ ثمانٍ مِن مَقْدَمِه المدينةَ وهجرتِه إليها، وبينهما مِن المدةِ ما لا يخْفَى على أحدٍ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 665) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 665 · #53755
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. يَعْنِى تعالى ذِكْرُه: ولا يَزالُ مُشْركو قريشٍ يُقاتلونكم حتى يَردُّوكم عن دينِكم إن قدَرُوا على ذلك. كما حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابنُ إسحاقَ، قال: ثنى الزهرىُّ ويزيدُ بنُ رومانَ، عن عُروةَ بنِ الزُّبيرِ: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. أى: هم مُقِيمون على أخبثِ ذلك وأعظمِه غيرَ تائبين ولا نازعين. يعنى: على أن يَفْتِنوا المسلمين عن دينِهم حتى يَرُدُّوهم إلى الكفرِ، كما كانوا يَفْعلون بمن قَدَروا عليه منهم قبلَ الهِجْرةِ. حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ ﷿: ﴿وَلَا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾. قال: كفارُ قريشٍ.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 665) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 665 · #53756
القولُ في تأويلِ قولِه عز ذِكْرُه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧)﴾. يعنى بقولِه جل ثناؤه: ﴿وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾: مَن يَرْجِعْ منكم عن دينِه، كما قال جل ثناؤُه: ﴿فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا﴾ [الكهف: ٦٤] يعنى بقولِه: ﴿فَارْتَدَّا﴾: رجَعا. ومِن ذلك قيل: اسْتَردَّ فلانٌ حقَّه مِن فلانٍ. إذا اسْتَرجعه منه. وإنما أظْهَر التَّضْعيفَ في قولِه: ﴿يَرْتَدِدْ﴾؛ لأن لامَ الفعلِ ساكنةٌ بالجزمِ، وإذا سُكِّنت فالقياسُ تركُ التَّضْعِيفِ، وقد تُضَعَّفُ وتُدْغَمُ وهى ساكنةٌ، بِناءً على التثنيةِ والجمع. وقولُه: ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾. يقولُ: مَن يرجعْ عن دينِه، دينِ الإسلامِ، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت.
QS 2:217 (jilid 3 hlm. 666) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 666 · #53757
لإسلامِ، ﴿فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ﴾، فيَمُتْ قبلَ أن يتوبَ مِن كفرِه، فهم الذين حَبِطَت أعمالُهم. يعنى بقولِه: ﴿حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ﴾: بطَلت وذهَبت. وبُطُولُها ذهابُ ثوابِها، وبُطُولُ الأجرِ عليها والجزاءِ في دارِ الدنيا والآخرةِ. وقولُه: ﴿وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. يعنى: الذين ارْتَدُّوا عن دينِهم فماتوا على كفرِهم، هم أهلُ النارِ المُخلَّدون فيها. وإنما جعَلهم أهلَها؛ لأنهم لا يَخْرجون منها، فهم سكانُها المُقيمون فيها، كما يقالُ: هؤلاء أهلُ مَحَلَّةِ كذا. يعنى: سكانُها المُقيمون فيها. ويعنى بقولِه: ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾: هم فيها لابِثون لُبثًا مِن غيرِ أمدٍ ولا نهايةٍ.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 573) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 573 · #82220
﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٢١٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 573) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 573 · #82221
٧) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢١٨)﴾ قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي، حدثنا المعتمر بن سليمان، عن أبيه، حدثني الحَضْرَمي، عن أبي السَّوار، عن جُنْدَب بن عبد الله، أن رسول الله ﷺ بَعَثَ رَهْطًا، وبعث عليهم أبا عبيدة بن الجَرّاح [أو عبيدة بن الحارث] فلما ذهب ينطلق، بَكَى صَبَابة إلى رسول الله ﷺ، فَجَلَس، فبعث عليهم مكانه عبد الله بن جحش، وكتب له كتابًا، وأمره ألا يقرأ الكتاب حتى يبلغ مكان كذا وكذا، وقال: لا تُكْرِهَنّ أحدًا على السير معك من أصحابك. فلما قرأ الكتابَ استرجع، وقال: سمعًا وطاعة لله ولرسوله. فخبَّرهم الخبر، وقرأ عليهم الكتاب، فرجع رجلان، وبقي بقيَّتُهم، فلقوا ابن الحَضْرَمي فقتلوه، ولم يَدْرُوا أن ذلك اليوم من رجب أو من جُمَادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام!
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 574) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 574 · #82222
جع رجلان، وبقي بقيَّتُهم، فلقوا ابن الحَضْرَمي فقتلوه، ولم يَدْرُوا أن ذلك اليوم من رجب أو من جُمَادى. فقال المشركون للمسلمين: قتلتم في الشهر الحرام! فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) الآية. وقال السدي، عن أبي مالك، وعن أبي صالح، عن ابن عباس -وعن مُرّة، عن ابن مسعود: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وذلك أن رسول الله ﷺ بعث سَرِيَّة، وكانوا سَبْعَة نفر، عليهم عبد الله بن جَحْش الأسدي، وفيهم عَمَّار بن ياسر، وأبو حذيفة بن عُتْبَة بن ربيعة، وسعد بن أبي وَقَّاص، وعتبة بن غَزْوان السُّلمي -حليف لبني نَوْفل -وسُهَيل بن بيضاء، وعامر بن فُهيرة، وواقد بن عبد الله اليَرْبوعي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابًا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن مَلَل فلما نزل بطن مَلَل فتح الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 574) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 574 · #82223
ي، حليف لعمر بن الخطاب. وكتب لابن جحش كتابًا، وأمره ألا يقرأه حتى ينزل بطن مَلَل فلما نزل بطن مَلَل فتح الكتاب، فإذا فيه: أنْ سِرْ حتى تنزل بطن نخلة. فقال لأصحابه: مَنْ كان يريد الموت فَلْيمض ولْيوص، فإنني مُوص وماض لأمر رسول الله ﷺ. فسار، فتخلف عنه سعد بن أبي وقَّاص، وعتبة، وأضلا راحلة لهما فَأتيا بُحْران يطلبانها، وسار ابنُ جحش إلى بطن نخلة، فإذا هو بالحكم بن كيسان، والمغيرة بن عثمان، وعمرو بن الحضرمي، وعبد الله بن المغيرة. وانفلت [ابن] المغيرة، [فأسروا الحكم بن كيسان والمغيرة] وقُتِل عَمْرو، قتله واقد بن عبد الله. فكانت أوّل غنيمة غنمها أصحاب النبي ﷺ. فلما رجعوا إلى المدينة بالأسيرين وما أصابوا المال، أراد أهل مكة أن يفادوا الأسيرين، فقال النبي ﷺ: "حتى ننظر ما فعل صاحبانا" فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 574) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 574 · #82224
فلما رجع سعد وصاحبه، فادى بالأسيرين، ففجر عليه المشركون وقالوا: إن محمدًا يزعم أنه يتبع طاعة الله، وهو أول من استحل الشهر الحرام، وقتل صاحبنا في رجب. فقال المسلمون: إنما قتلناه في جمادى -وقيل: في أول رجب، وآخر ليلة من جمادى -وغمد المسلمون سيوفهم حين دخل شهر رجب. فأنزل الله يُعَيِّر أهل مكة: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) لا يحل، وما صنعتم أنتم يا معشر المشركين أكبر من القتل في الشهر الحرام، حين كفرتم بالله، وصدَدْتم عنه محمدًا ﷺ وأصحابَه، وإخراجُ أهل المسجد الحرام منه، حين أخرجوا محمدًا ﷺ أكبر من القتل عند الله. وقال العوفي، عن ابن عباس: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وذلك أنّ المشركين صَدّوا رسول الله ﷺ، وَرَدوه عن المسجد [الحرام] في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حَرَام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله ﷺ القتالَ في شهر حرام.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 574) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 574 · #82225
الله ﷺ، وَرَدوه عن المسجد [الحرام] في شهر حرام، ففتح الله على نبيه في شهر حَرَام من العام المقبل. فعاب المشركون على رسول الله ﷺ القتالَ في شهر حرام. فقال الله: (وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ) من القتال فيه. وأنّ محمدًا ﷺ بعث سرية فلقوا عَمْرو بن الحضرمي، وهو مقبل من الطائف في آخر ليلة من جمادى، وأوّل ليلة من رجب. وأنّ أصحاب محمد ﷺ كانوا يظنون أن تلك الليلة من جمادى، وكانت أول رجب ولم يشعروا، فقتله رجل منهم وأخذوا ما كان معه. وأنّ المشركين أرسلوا يعيرونه بذلك. فقال الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ) وغير ذلك أكبر منه: صَدّ عن سبيل الله، وكفر به والمسجد الحرام، وإخراجُ أهله منه، إخراج أهل المسجد الحرام أكبر من الذي أصابَ أصحابُ محمد ﷺ، والشرك أشد منه. وهكذا روى أبو سَعد البقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباس أنها أنزلت في سَريَّة عبد الله بن جحش، وقتْل عمرو بن الحضرمي.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 575) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 575 · #82226
أصابَ أصحابُ محمد ﷺ، والشرك أشد منه. وهكذا روى أبو سَعد البقَّال، عن عكرمة، عن ابن عباس أنها أنزلت في سَريَّة عبد الله بن جحش، وقتْل عمرو بن الحضرمي. وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن السائب الكلبي، عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: نزل فيما كان من مصاب عَمْرو بن الحضرمي: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ) إلى آخر الآية. وقال عبد الملك بن هشام راوي السيرة، عن زياد بن عبد الله البكائي، عن محمد بن إسحاق بن يسار المدني، ﵀، في كتاب السيرة له، أنَّه قال: وبعث -يعني رسول الله ﷺ -عبد الله بن جَحش بن رئاب الأسدي في رجب، مَقْفَله من بدر الأولى، وبعث معه ثمانية رهط من المهاجرين، ليس فيهم من الأنصار أحد، وكتب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يَسْتكره من أصحابه أحدًا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 575) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 575 · #82227
ب له كتابًا، وأمره ألا ينظر فيه حتى يسير يومين ثم ينظر فيه، فيمضي لما أمره به، ولا يَسْتكره من أصحابه أحدًا. وكان أصحاب عبد الله بن جحش من المهاجرين. ثم من بني عبد شمس بن عبد مناف: أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بن عبد مناف، ومن حلفائهم: عبد الله بن جحش، وهو أمير القوم، وعُكَّاشة بن محْصن بن حُرْثان، أحد بني أسد بن خزيمة، حليف لهم. ومن بني نَوفل بن عبد مناف: عتبة بن غَزْوَان بن جابر، حليف لهم. ومن بني زُهرة بن كلاب: سعد بن أبي وقاص. ومن بني عدي بن كعب: عامر بن ربيعة، حليف لهم من عَنز بن وائل، وواقد بن عبد الله بن عبد مناف بن عَرِين بن ثعلبة بن يربوع، أحد بني تميم، حليف لهم. وخالد بن البُكَير أحد بني سعد بن ليث، حليف لهم. ومن بني الحارث بن فِهْر: سُهَيل بن بيضاء. فلما سار عبد الله بن جحش يومين فتح الكتاب فنظر فيه فإذا فيه: "إذا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 575) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 575 · #82228
ا نظرت في كتابي هذا فامض حتى تنزل نخلة، بين مكة والطائف، ترصد بها قريشًا، وتعلم لنا من أخبارهم". فلما نظر عبد الله بن جحش في الكتاب قال: سمعًا وطاعة. ثم قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله ﷺ أن أمضي إلى نخلة، أرصد بها قريشًا، حتى آتيه منهم بخبر، وقد نهاني أن أستكره أحدًا منكم. فمن كان منكم يريد الشهادةَ ويرغب فيها فَلْيَنطلق، ومن كره ذلك فليرجع، فأما أنا فماض لأمر رسول الله ﷺ، فمضى ومضى معه أصحابه لم يتخلف عنه منهم أحد. فسلك على الحجاز، حتى إذا كان بِمَعْدن، فوق الفُرْع، يقال له: بُحْران أضلّ سعد بن أبي وقاص وعُتبة بن غزوان بعيرًا لهما، كانا يَتعقبانه، فتخلفا عليه في طلبه، ومضى عبد الله بن جحش وبقية أصحابه حتى نزل بنخلة، فمرت به عير لقريش تحمل زبيبًا وأدمًا وتجارة من تجارة قريش، فيها: عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كَيسان، مولى هشام بن المغيرة.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 576) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 576 · #82229
وتجارة من تجارة قريش، فيها: عمرو بن الحضرمي، وعثمان بن عبد الله بن المغيرة، وأخوه نوفل بن عبد الله المخزوميان، والحكم بن كَيسان، مولى هشام بن المغيرة. فلما رآهم القوم هابوهم وقد نزلوا قريبًا منهم، فأشرف لهم عكاشة بن محصن، وكان قد حلق رأسه، فلما رأوه أمنُوا وقالوا: عُمَّار، لا بأس عليكم منهم. وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر يوم من رجب، فقال القوم: والله لئن تركتم القوم هذه الليلةَ ليدخلن الحرم، فليمتنعنّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقْتُلنَّهم في الشهر الحرام. فتردد القوم، وهابوا الإقدام عليهم، ثم شجعوا أنفسهم عليهم، وأجمعوا على قتل من قَدروا عليه منهم، وأخْذ ما معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمانَ بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفلُ بن عبد الله فأعجزهم.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 576) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 576 · #82230
معهم. فرمى واقدُ بن عبد الله التميمي عمرَو بن الحضرمي بسهم فقتله، واستأسر عثمانَ بن عبد الله والحكم بن كيسان، وأفلت القوم نوفلُ بن عبد الله فأعجزهم. وأقبل عبد الله بن جحش وأصحابه بالعير والأسيرين، حتى قدموا على رسول الله ﷺ المدينة. قال ابن إسحاق: وقد ذكر بعض آل عبد الله بن جحش: أن عبد الله قال لأصحابه: إن لرسول الله ﷺ مما غنمنا الخمس، وذلك قبل أن يَفْرض الله الخمس من المغانم، فعزل لرسول الله ﷺ خمس العير، وقسم سائرها بين أصحابه. قال ابن إسحاق: فلما قدموا على رسول الله قال: "ما أمرتكم بقتال في الشهر الحرام". فوقَّف العير والأسيرين، وأبى أن يأخذ من ذلك شيئًا، فلما قال ذلك رسول الله ﷺ أسقط في أيدي القوم، وظنوا أنهم قد هلكوا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهرَ الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 576) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 576 · #82231
ا، وعنَّفهم إخوانهم من المسلمين فيما صنعوا. وقالت قريش: قد استحلّ محمد وأصحابه الشهرَ الحرام، وسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه الأموال، وأسروا فيه الرجال. فقال من يَرُدّ عليهم من المسلمين ممن كان بمكة: إنما أصابوا ما أصابوا في شعبان. وقالت: يهودُ تَفَاءلُ بذلك على رسول الله ﷺ: عمرو بن الحضرمي قتله واقد بن عبد الله: عمرو: عمرت الحرب، والحضرمي: حضرت الحرب، وواقد بن عبد الله: وقدت الحرب. فجعل الله عليهم ذلك لا لهم. فلما أكثر الناس في ذلك أنزل الله على رسوله ﷺ: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: إن كنتم قتلتم في الشهر الحرام فقد صدوكم عن سبيل الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: قد كانوا
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 576) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 576 · #82232
الله مع الكفر به، وعن المسجد الحرام، وإخراجكم منه وأنتم أهله أكبر عند الله من قتل من قتلتم منهم، (وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ) أي: قد كانوا يفتنون المسلم في دينه، حتى يردوه إلى الكفر بعد إيمانه فذلك أكبر عند الله من القتل: (وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا) أي: ثم هم مقيمون على أخبث ذلك وأعظمه، غير تائبين ولا نازعين. قال ابن إسحاق: فلما نزل القرآن بهذا من الأمر، وفرج الله عن المسلمين ما كانوا فيه من الشَّفَق قبض رسول الله ﷺ العير والأسيرين، وبعثت إليه قريش في فداء عثمان بن عبد الله، والحكم بن كيسان، فقال رسول الله ﷺ: لا نُفْديكموهما حتى يقدم صاحبانا -يعني سعد بن أبي وقاص وعتبة بن غَزْوان -فإنا نخشاكم عليهما، فإن تقتلوهما نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله ﷺ منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 577) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 577 · #82233
نقتل صاحبيكم. فقدم سعد وعتبة، فأفداهما رسول الله ﷺ منهم. فأما الحكم بن كيسان فأسلم وحسُن إسلامه، وأقام عند رسول الله ﷺ حتى قتل يوم بئر معونة شهيدًا. وأما عثمان بن عبد الله فلحق بمكة، فمات بها كافرًا. قال ابن إسحاق: فلما تجلى عن عبد الله بن جحش وأصحابه ما كانوا فيه حين نزل القرآن، طَمعُوا في الأجر، فقالوا: يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة نُعطَى فيها أجر المجاهدين [المهاجرين]؟ فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ) فوضعهم الله من ذلك على أعظم الرجاء. قال ابن إسحاق: والحديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رُومان، عن عروة. وقد روى يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 577) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 577 · #82234
حديث في هذا عن الزهري، ويزيد بن رُومان، عن عروة. وقد روى يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن يزيد بن رومان، عن عروة بن الزبير قريبًا من هذا السياق. وروى موسى بن عقبة عن الزهري نفسه، نحو ذلك. وروى شعيب بن أبي حَمزة، عن الزهري، عن عروة بن الزبير نحوا من هذا أيضًا، وفيه: فكان ابن الحضرمي أول قتيل قتل بين المسلمين والمشركين، فركب وفد من كفار قريش حتى قدموا على رسول الله ﷺ بالمدينة فقالوا: أيحلّ القتالُ في الشهر الحرام؟ فأنزل الله: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ [قِتَالٍ فِيهِ]) الآية. وقد استقصى ذلك الحافظ أبو بكر البيهقي في كتاب "دلائل النبوة". ثم قال ابن هشام عن زياد، عن ابن إسحاق: وقد ذكر عن بعض آل عبد الله [بن جحش] أن الله قسم الفيء حين أحلَّه، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه، وخمسًا إلى الله ورسوله. فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون.
QS 2:217-218 (jilid 1 hlm. 577) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 577 · #82235
َه، فجعل أربعة أخماس لمن أفاءه، وخمسًا إلى الله ورسوله. فوقع على ما كان عبد الله بن جحش صنع في تلك العير. قال ابن هشام: وهي أول غنيمة غنمها المسلمون. وعمرو بن الحضرمي أول من قتل المسلمون، وعثمان بن عبد الله، والحكم بن كَيْسان أول من أسر المسلمون. قال ابن إسحاق: فقال أبو بكر الصديق، ﵁، في غزوة عبد الله بن جحش، ويقال: بل عبد الله بن جحش قالها، حين قالت قريش: قد أحلّ محمد وأصحابه الشهر الحرام، فسفكوا فيه الدم، وأخذوا فيه المال، وأسروا فيه الرجال. قال ابن هشام: هي لعبد الله بن جحش: تَعُدّون قَتْلا في الحرام عظيمةً … وأعظم منه لو يَرى الرشد راشد صدودُكمُ عما يقول محمد … وكفر به والله راءٍ وشاهدُ وإخراجُكمْ من مسجد الله أهلَه … لئلا يُرَى لله في البيت ساجدُ فإنَّا وإن عَيَّرْتمونا بقتله … وأرجف بالإسلام باغٍ وحاسدُ سَقَيَنْا من ابن الحضرميّ رماحَنَا … بنخلةٍ لمَّا أوقَدَ الحربَ واقدُ دما وابنُ عبد الله عثمانُ بيننا … ينازعه غُلٌّ من القدّ عاندُ
QS 2:217 (jilid 1 hlm. 168) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 1 · hlm. 168 · #96162
قوله تعالى: ﴿وَلا يَزَالُونَ يُقَاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطَاعُوا﴾: لم يبين هنا هل استطاعوا ذلك، أو لا؟ ولكنه بين في موضع آخر أنهم لم يستطيعوا، وأنهم حصل لهم اليأس من رد المؤمنين عن دينهم، وهو قوله تعالى: ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ﴾ الآية ... وبين في مواضع أخر أنه مظهر دين الإسلام على كل دين، كقوله في براءة، والصف، والفتح: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ﴾. •
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 323 · #111976
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١٧] يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ (٢١٧) يَسْئَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرامِ قِتالٍ فِيهِ قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ. مِنْ أَهَمِّ تَفَاصِيلِ الْأَحْوَالِ فِي الْقِتَالِ الَّذِي كُتِبَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ فِي الْآيَةِ قَبْلَ هَذِهِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا إِذَا صَادَفَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ إِذْ كَانَ مَحْجَرًا فِي الْعَرَبِ مِنْ عَهْدٍ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 323 · #111977
ِ أَنْ يَعْلَمُوا مَا إِذَا صَادَفَ الْقِتَالُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُشْرِكِينَ الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ إِذْ كَانَ مَحْجَرًا فِي الْعَرَبِ مِنْ عَهْدٍ قَدِيمٍ، وَلَمْ يَذْكُرِ الْإِسْلَامُ إِبْطَالَ ذَلِكَ الْحَجْرِ لِأَنَّهُ مِنَ الْمَصَالِحِ قَالَ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ [الْمَائِدَة: ٩٧] فَكَانَ الْحَالُ يَبْعَثُ عَلَى السُّؤَالِ عَنِ اسْتِمْرَارِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 324 · #111978
َّهْرَ الْحَرامَ [الْمَائِدَة: ٩٧] فَكَانَ الْحَالُ يَبْعَثُ عَلَى السُّؤَالِ عَنِ اسْتِمْرَارِ حُرْمَةِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ فِي نَظَرِ الْإِسْلَامِ. رَوَى الْوَاحِدِيُّ فِي «أَسْبَابِ النُّزُولِ» عَنِ الزُّهْرِيِّ مُرْسَلًا وَرَوَى الطَّبَرِيُّ عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ مُرْسَلًا وَمُطَوَّلًا، أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَأْنِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ، فَإِنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَرْسَلَهُ فِي ثَمَانِيَةٍ مِنْ أَصْحَابِهِ يَتَلَقَّى عِيرًا لِقُرَيْشٍ بِبَطْنِ نَخْلَةَ فِي جُمَادَى الْآخِرَةِ فِي السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنِ الْهِجْرَةِ، فَلَقِيَ الْمُسْلِمُونَ الْعِيرَ فِيهَا تِجَارَةٌ مَنِ الطَّائِفِ وَعَلَى الْعِيرِ عَمْرُو بْنُ الْحَضْرَمِيِّ، فَقَتَلَ رَجُلٌ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَمْرًا وَأَسَرَ اثْنَيْنِ مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ وَفَرَّ مِنْهُمْ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 324 · #111979
مِنْ أَصْحَابِهِ وَهُمَا عُثْمَانُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَالْحَكَمُ بْنُ كَيْسَانَ وَفَرَّ مِنْهُمْ نَوْفَلُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ وَغَنِمَ الْمُسْلِمُونَ غَنِيمَةً، وَذَلِكَ أَوَّلُ يَوْمٍ مِنْ رَجَبٍ وَهُمْ يَظُنُّونَهُ مِنْ جُمَادَى الْآخِرَةِ، فَعَظُمَ ذَلِكَ عَلَى قُرَيْشٍ وَقَالُوا: اسْتَحَلَّ مُحَمَّدٌ الشَّهْرَ الْحَرَامَ وَشَنَّعُوا ذَلِكَ فَنَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِمُ الْغَنِيمَةَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَقِيلَ: رَدَّ الْأَسِيرَيْنِ وَأَخَذَ الْغَنِيمَةَ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 324 · #111980
لَتْ هَذِهِ الْآيَةُ. فَقِيلَ: إِنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَدَّ عَلَيْهِمُ الْغَنِيمَةَ وَالْأَسِيرَيْنِ، وَقِيلَ: رَدَّ الْأَسِيرَيْنِ وَأَخَذَ الْغَنِيمَةَ. فَإِذَا صَحَّ ذَلِكَ كَانَ نُزُولُ هَذِهِ الْآيَةِ قَبْلَ نُزُولِ آيَةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ [الْبَقَرَة: ٢١٦] وَآيَةِ وَقاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقاتِلُونَكُمْ [الْبَقَرَة: ١٩٠] بِمُدَّةٍ طَوِيلَةٍ فَلَمَّا نَزَلَتِ الْآيَتَانِ بَعْدَ هَذِهِ، كَانَ وَضْعُهُمَا فِي التِّلَاوَةِ قَبْلَهَا بِتَوْقِيفٍ خَاصٍّ لِتَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ إِكْمَالًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَتَانِ الْأُخْرَيَانِ، وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ بِاعْتِبَارِ النُّزُولِ وَالتِّلَاوَةِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 324 · #111981
الًا لِمَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ الْآيَتَانِ الْأُخْرَيَانِ، وَهَذَا لَهُ نَظَائِرُ فِي كَثِيرٍ مِنَ الْآيَاتِ بِاعْتِبَارِ النُّزُولِ وَالتِّلَاوَةِ. وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بَعْدَ الْآيَةِ الَّتِي قَبْلَهَا وَأَنَّهَا تَكْمِلَةٌ وَتَأْكِيدٌ لِآيَةِ الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩٤] . وَالسُّؤَالُ الْمَذْكُورُ هُنَا هُوَ سُؤَالُ الْمُشْركين النبيء ﵊ يَوْمَ الْحُدَيْبِيَةِ، هَلْ يُقَاتَلُ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ. وَهَذَا هُوَ الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ هُنَا وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَخْ وَقِيلَ: سُؤَالُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ قِتَالِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 324 · #111982
الْمُنَاسِبُ لِقَوْلِهِ هُنَا وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِلَخْ وَقِيلَ: سُؤَالُ الْمُشْرِكِينَ عَنْ قِتَالِ سَرِيَّةِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ جَحْشٍ. فَالْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ، وَرَدَّتْ عَلَى سُؤَالِ النَّاسِ عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَمُنَاسَبَةُ مَوْقِعِهَا عَقِبَ آيَةِ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ [الْبَقَرَة: ٢١٦] ظَاهِرَةٌ. وَالتَّعْرِيفُ فِي (الشَّهْرِ الْحَرَامِ) تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، وَلِذَلِكَ أُحْسِنَ إِبْدَالُ النَّكِرَةِ مِنْهُ فِي قَوْلِهِ: قِتالٍ فِيهِ، وَهُوَ بَدَلُ اشْتِمَالٍ فَيَجُوزُ فِيهِ إِبْدَالُ النَّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، بِخِلَافِ بَدَلِ الْبَعْضِ عَلَى أَنَّ وَصْفَ النَّكِرَةِ هُنَا بِقَوْلِهِ (فِيهِ) يَجْعَلُهَا فِي قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 325 · #111983
ّكِرَةِ مِنَ الْمَعْرِفَةِ، بِخِلَافِ بَدَلِ الْبَعْضِ عَلَى أَنَّ وَصْفَ النَّكِرَةِ هُنَا بِقَوْلِهِ (فِيهِ) يَجْعَلُهَا فِي قُوَّةِ الْمَعْرِفَةِ. فَالْمُرَادُ بَيَانُ أَيِّ شَهْرٍ كَانَ مِنَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَأَيِّ قِتَالٍ، فَإِنْ كَانَ السُّؤَالُ إِنْكَارِيًّا مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَكَوْنُ الْمُرَادِ جِنْسَ هَذِهِ الْأَشْهُرِ ظَاهِرٌ، وَإِنْ كَانَ اسْتِفْسَارًا مِنَ الْمُسْلِمِينَ فَكَذَلِكَ، وَمُجَرَّدُ كَوْنِ الْوَاقِعَةِ الَّتِي تَسَبَّبَ عَلَيْهَا السُّؤَالُ وَقَعَتْ فِي شَهْرٍ مُعَيَّنٍ لَا يَقْتَضِي تَخْصِيصَ السُّؤَالِ بِذَلِكَ الشَّهْرِ، إِذْ لَا يَخْطُرُ بِبَالِ السَّائِلِ بَلِ الْمَقْصُودُ السُّؤَالُ عَنْ دَوَامِ هَذَا الْحُكْمِ الْمُتَقَرِّرِ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِشَهْرٍ دُونَ شَهْرٍ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 325 · #111984
لِ بَلِ الْمَقْصُودُ السُّؤَالُ عَنْ دَوَامِ هَذَا الْحُكْمِ الْمُتَقَرِّرِ عِنْدَهُمْ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ لَا يَخْتَصُّ بِشَهْرٍ دُونَ شَهْرٍ. وَإِنَّمَا اخْتِيرَ طَرِيقُ الْإِبْدَالِ هُنَا- وَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ- لِأَجَلِ الِاهْتِمَامِ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ السُّؤَالَ لِأَجْلِ الشَّهْرِ أَيَقَعُ فِيهِ قِتَالٌ؟ لَا لِأَجْلِ الْقِتَالِ هَلْ يَقَعُ فِي الشَّهْرِ وَهُمَا مُتَآيِلَانِ، لَكِنَّ التَّقْدِيمَ لِقَضَاءِ حَقِّ الِاهْتِمَامِ، وَهَذِهِ نُكْتَةٌ لِإِبْدَالِ عَطْفِ الْبَيَانِ تَنْفَعُ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ، عَلَى أَنَّ فِي طَرِيقِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ تَشْوِيقًا بِارْتِكَابِ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 325 · #111985
ْفِ الْبَيَانِ تَنْفَعُ فِي مَوَاقِعَ كَثِيرَةٍ، عَلَى أَنَّ فِي طَرِيقِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ تَشْوِيقًا بِارْتِكَابِ الْإِجْمَالِ ثُمَّ التَّفْصِيلِ. وَتَنْكِيرُ (قِتَالٍ) مُرَادٌ بِهِ الْعُمُومُ، إِذْ لَيْسَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ قِتَالًا مُعَيَّنًا وَلَا فِي شَهْرٍ مُعَيَّنٍ، بَلِ الْمُرَادُ هَذَا الْجِنْسُ فِي هَذَا الْجِنْسِ. وَ (فِيهِ) ظَرْفُ صِفَةٍ لِقِتَالٍ مُخَصَّصَةٍ لَهُ. وَقَوْلُهُ: قُلْ قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ إِظْهَارُ لَفْظِ الْقِتَالِ فِي مَقَامِ الْإِضْمَارِ لِيَكُونَ الْجَوَابُ صَرِيحًا حَتَّى لَا يُتَوَهَّمَ أَنَّ الشَّهْرَ الْحَرَامَ هُوَ الْكَبِيرُ، وَلِيَكُونَ الْجَوَابُ عَلَى طَبَقِ السُّؤَالِ فِي اللَّفْظِ، وَإِنَّمَا لَمْ يُعَرِّفْ لَفْظَ الْقِتَالِ ثَانِيًا بِاللَّامِ مَعَ تَقَدُّمِ ذِكْرِهِ فِي السُّؤَالِ، لِأَنَّهُ قَدِ اسْتَغْنَى عَنْ تَعْرِيفِهِ بِاتِّحَادِ الْوَصْفَيْنِ فِي لَفْظِ السُّؤَالِ وَلَفْظِ الْجَوَابِ وَهُوَ ظَرْفُ (فِيهِ) ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 325 · #111986
قَدِ اسْتَغْنَى عَنْ تَعْرِيفِهِ بِاتِّحَادِ الْوَصْفَيْنِ فِي لَفْظِ السُّؤَالِ وَلَفْظِ الْجَوَابِ وَهُوَ ظَرْفُ (فِيهِ) ، إِذْ لَيْسَ الْمَقْصُودُ مِنْ تَعْرِيفِ النَّكِرَةِ بِاللَّامِ إِذَا أُعِيدَ ذِكْرُهَا إِلَّا التَّنْصِيصُ عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِهَا تِلْكَ الْأُولَى لَا غَيْرُهَا، وَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ بِالْوَصْفِ الْمُتَّحِدِ، قَالَ التَّفْتَازَانِيّ: فالمسؤول عَنْهُ هُوَ الْمُجَابُ عَنْهُ وَلَيْسَ غَيْرُهُ كَمَا تُوُهِّمَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ النَّكِرَةَ إِذَا أُعِيدَتْ نَكِرَةً كَانَتْ غَيْرَ الْأُولَى، لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ بِضَرْبَةِ لَازِمٍ يُرِيدُ أَنَّ ذَلِكَ يَتْبَعُ الْقَرَائِنَ. وَالْجَوَابُ تَشْرِيعٌ إِنْ كَانَ السُّؤَالُ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، وَاعْتِرَافٌ وَإِبْكَاتٌ إِنْ كَانَ السُّؤَالُ إِنْكَارًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُمْ تَوَقَّعُوا أَنْ يُجِيبَهُمْ بِإِبَاحَةِ الْقِتَالِ فَيُثَوِّرُوا بِذَلِكَ الْعَرَبَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 325 · #111987
ارًا مِنَ الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّهُمْ تَوَقَّعُوا أَنْ يُجِيبَهُمْ بِإِبَاحَةِ الْقِتَالِ فَيُثَوِّرُوا بِذَلِكَ الْعَرَبَ وَمَنْ فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ. وَالْكَبِيرُ فِي الْأَصْلِ هُوَ عَظِيمُ الْجُثَّةِ مِنْ نَوْعِهِ، وَهُوَ مَجَازٌ فِي الْقَوِيِّ وَالْكَثِيرِ وَالْمُسِنِّ وَالْفَاحِشِ، وَهُوَ اسْتِعَارَةٌ مَبْنِيَّةٌ عَلَى تَشْبِيهِ الْمَعْقُولِ بِالْمَحْسُوسِ، شَبَّهَ الْقَوِيَّ فِي نَوْعِهِ بِعَظِيمِ الْجُثَّةِ فِي الْأَفْرَادِ، لِأَنَّهُ مَأْلُوفٌ فِي أَنَّهُ قَوِيٌّ، وَهُوَ هُنَا بِمَعْنَى الْعَظِيمِ فِي الْمَآثِمِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، مِثْلَ تَسْمِيَةِ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ» الْحَدِيثَ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111988
بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، مِثْلَ تَسْمِيَةِ الذَّنْبِ كَبِيرَةً، وَقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ «وَمَا يُعَذَّبَانِ فِي كَبِيرٍ وَإِنَّهُ لَكَبِيرٌ» الْحَدِيثَ. وَالْمَعْنَى أَنَّ الْقِتَالَ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ إِثْمٌ كَبِيرٌ، فَالنَّكِرَةُ هُنَا لِلْعُمُومِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ، إِذْ لَا خُصُوصِيَّةَ لِقِتَالِ قَوْمٍ دُونَ آخَرِينَ، وَلَا لِقَتْلٍ فِي شَهْرٍ دُونَ غَيْرِهِ، لَا سِيَّمَا وَمُطَابَقَةُ الْجَوَابِ لِلسُّؤَالِ قَدْ أَكَّدَتِ الْعُمُومَ، لِأَنَّ الْمَسْئُولَ عَنْهُ حُكْمُ هَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ الْقِتَالُ فِي هَذَا الْجِنْسِ وَهُوَ الشَّهْرُ الْحَرَامُ مِنْ غَيْرِ تَفْصِيلٍ، فَإِنَّ أَجْدَرَ أَفْرَادِ الْقِتَالِ بِأَنْ يَكُونَ مُبَاحًا هُوَ قِتَالُنَا الْمُشْرِكِينَ وَمَعَ ذَلِكَ فَهُوَ الْمَسْئُولُ عَنْهُ وَهُوَ الَّذِي وَقَعَ التَّحَرُّجُ مِنْهُ، أَمَّا تَقَاتُلُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْتَصُّ إِثْمُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا قِتَالُ الْأُمَمِ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111989
وَقَعَ التَّحَرُّجُ مِنْهُ، أَمَّا تَقَاتُلُ الْمُسْلِمِينَ فَلَا يَخْتَصُّ إِثْمُهُ بِوُقُوعِهِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَأَمَّا قِتَالُ الْأُمَمِ الْآخَرِينَ فَلَا يَخْطُرُ بِالْبَالِ حِينَئِذٍ. وَالْآيَةُ دَلِيلٌ عَلَى تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ وَتَقْرِيرٌ لِمَا لِتِلْكَ الْأَشْهَرِ مِنَ الْحُرْمَةِ الَّتِي جَعَلَهَا اللَّهُ لَهَا مُنْذُ زَمَنٍ قَدِيمٍ، لَعَلَّهُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّ حُرْمَةَ الزَّمَانِ تَقْتَضِي تَرْكَ الْإِثْمِ فِي مُدَّتِهِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111990
َلَهَا اللَّهُ لَهَا مُنْذُ زَمَنٍ قَدِيمٍ، لَعَلَّهُ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ فَإِنَّ حُرْمَةَ الزَّمَانِ تَقْتَضِي تَرْكَ الْإِثْمِ فِي مُدَّتِهِ. وَهَذِهِ الْأَشْهُرُ هِيَ زَمَنٌ لِلْحَجِّ وَمُقَدِّمَاتِهِ وَخَوَاتِمِهِ وَلِلْعُمْرَةِ كَذَلِكَ فَلَوْ لَمْ يَحْرُمِ الْقِتَالُ فِي خِلَالِهَا لِتَعَطَّلَ الْحَجُّ وَالْعُمْرَةُ، وَلِذَلِكَ أَقَرَّهَا الْإِسْلَامُ أَيَّامَ كَانَ فِي بِلَادِ الْعَرَبِ مُشْرِكُونَ لِفَائِدَةِ الْمُسْلِمِينَ وَفَائِدَةِ الْحَجِّ، قَالَ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ [الْمَائِدَة: ٩٧] الْآيَةَ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111991
فَائِدَةِ الْحَجِّ، قَالَ تَعَالَى: جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرامَ قِياماً لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرامَ [الْمَائِدَة: ٩٧] الْآيَةَ. وَتَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ قَدْ خُصِّصَ بَعْدَ هَذِهِ الْآيَةِ ثُمَّ نُسِخَ، فَأَمَّا تَخْصِيصُهُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [الْبَقَرَة: ١٩١، ١٩٤] .
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111992
مَسْجِدِ الْحَرامِ حَتَّى يُقاتِلُوكُمْ فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ: الشَّهْرُ الْحَرامُ بِالشَّهْرِ الْحَرامِ وَالْحُرُماتُ قِصاصٌ [الْبَقَرَة: ١٩١، ١٩٤] . وَأَمَّا نَسْخُهُ فَبِقَوْلِهِ تَعَالَى: بَراءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ، فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ إِلَى قَوْلِهِ فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ [التَّوْبَة: ١، ٥] فَإِنَّهَا صَرَّحَتْ بِإِبْطَالِ الْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ الْمُسْلِمُونَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْهُدْنَةِ، وَهُوَ الْعَهْدُ الْوَاقِعُ فِي صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ عَهْدًا مُؤَقَّتًا بِزَمَنٍ مُعَيَّنٍ وَلَا بِالْأَبَدِ، وَلِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [التَّوْبَة: ١٣] .
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 326) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 326 · #111993
كَثُوا أَيْمَانَهُمْ كَمَا فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى: أَلا تُقاتِلُونَ قَوْماً نَكَثُوا أَيْمانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْراجِ الرَّسُولِ [التَّوْبَة: ١٣] . ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى أَجَّلَهُمْ أَجَلًا وَهُوَ انْقِضَاءُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنْ ذَلِكَ الْعَامِ وَهُوَ تِسْعَةٍ مِنِ الْهِجْرَةِ فِي حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ، لِأَنَّ تِلْكَ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي شَهْرِ شَوَّالٍ وَقَدْ خرج الْمُشْركُونَ لِلْحَجِّ فَقَالَ لَهُمْ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ فَأَخَّرَهَا آخِرَ الْمُحَرَّمِ مِنْ عَامِ عَشَرَةٍ مِنِ الْهِجْرَةِ، ثُمَّ قَالَ: فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ أَيْ تِلْكَ الْأَشْهُرُ الْأَرْبَعَةُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ فَنَسَخَ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 327) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 327 · #111994
ُمِ، لِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ جَمْعٌ مُعَرَّفٌ بِلَامِ الْجِنْسِ وَهُوَ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ وَعُمُومُ الْأَشْخَاصِ يَسْتَلْزِمُ عُمُومَ الْأَزْمِنَةِ وَالْأَمْكِنَةِ عَلَى التَّحْقِيقِ، وَلِذَلِكَ قَاتَلَ النَّبِيءُ ﷺ ثَقِيفًا فِي شَهْرِ ذِي الْقِعْدَةِ عَقِبَ فَتْحِ مَكَّةَ كَمَا فِي كُتُبِ الصَّحِيحِ. وَأَغْزَى أَبَا عَامِرٍ إِلَى أَوْطَاسَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ، وَقَدْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى مَشْرُوعِيَّةِ الْغَزْوِ فِي جَمِيعِ أَشْهُرِ السَّنَةِ يَغْزُونَ أَهْلَ الْكِتَابِ وَهُمْ أَوْلَى بِالْحُرْمَةِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. فَإِنْ قُلْتَ: إِذَا نُسِخَ تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فَمَا مَعْنَى قَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ فِي خُطْبَةِ الْوَدَاعِ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا»
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 327) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 327 · #111995
لْوَدَاعِ «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَعْرَاضَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ كَحُرْمَةِ يَوْمِكُمْ هَذَا فِي شَهْرِكُمْ هَذَا فِي بَلَدِكُمْ هَذَا» فَإِنَّ التَّشْبِيهَ يَقْتَضِي تَقْرِيرَ حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ. قُلْتُ: إِنْ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِيهَا تَبَعٌ لِتَعْظِيمِهَا وَحُرْمَتِهَا وَتَنْزِيهِهَا عَنْ وُقُوعِ الْجَرَائِمِ وَالْمَظَالِمِ فِيهَا فَالْجَرِيمَةُ فِيهَا تُعَدُّ أَعْظَمَ مِنْهَا لَوْ كَانَتْ فِي غَيْرِهَا. وَالْقِتَالُ الظُّلْمُ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ وَقْتٍ، وَالْقِتَالُ لِأَجْلِ الْحَقِّ عِبَادَةٌ فَنُسِخَ تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهَا لِذَلِكَ وَبَقِيَتْ حُرْمَةُ الْأَشْهُرِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْجَرَائِمِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 327) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 327 · #111996
َالُ لِأَجْلِ الْحَقِّ عِبَادَةٌ فَنُسِخَ تَحْرِيمُ الْقِتَالِ فِيهَا لِذَلِكَ وَبَقِيَتْ حُرْمَةُ الْأَشْهُرِ بِالنِّسْبَةِ لِبَقِيَّةِ الْجَرَائِمِ. وَأَحْسَنُ مِنْ هَذَا أَنَّ الْآيَةَ قَرَّرَتْ حُرْمَةَ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِحِكْمَةِ تَأْمِينِ سُبُلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ، إِذِ الْعُمْرَةُ أَكْثَرُهَا فِي رَجَبٍ وَلِذَلِكَ قَالَ: قِتالٌ فِيهِ كَبِيرٌ وَاسْتَمَرَّ ذَلِكَ إِلَى أَنْ أَبْطَلَ النَّبِيءُ ﷺ الْحَجَّ عَلَى الْمُشْرِكِينَ فِي عَامِ حَجَّةِ أَبِي بَكْرٍ بِالنَّاسِ إِذْ قَدْ صَارَتْ مَكَّةُ بِيَدِ الْمُسْلِمِينَ وَدَخَلَ فِي الْإِسْلَامِ قُرَيْشٌ وَمُعْظَمُ قَبَائِلِ الْعَرَبِ وَالْبَقِيَّةُ مُنِعُوا مِنْ زِيَارَةِ مَكَّةَ، وَأَنَّ ذَلِكَ كَانَ يَقْتَضِي إِبْطَالَ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ فِيهَا لِأَجْلِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 327) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 327 · #111997
َانَ يَقْتَضِي إِبْطَالَ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِأَنَّ تَحْرِيمَهُ فِيهَا لِأَجْلِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ. وَقَدْ تَعَطَّلَ ذَلِكَ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَلَمْ يَبْقَ الْحَجُّ إِلَّا لِلْمُسْلِمِينَ وَهُمْ لَا قِتَالَ بَيْنَهُمْ، إِذْ قِتَالُ الظُّلْمِ مُحَرَّمٌ فِي كُلِّ زَمَانٍ وَقِتَالُ الْحَقِّ يَقَعُ فِي كُلِّ وَقْتٍ مَا لَمْ يَشْغَلْ عَنْهُ شَاغِلٌ مِثْلُ الْحَجِّ، فَتَسْمِيَتُهُ نَسْخًا تَسَامُحٌ، وَإِنَّمَا هُوَ انْتِهَاءُ مَوْرِدِ الْحُكْمِ، وَمِثْلُ هَذَا التَّسَامُحِ فِي الْأَسْمَاءِ مَعْرُوفٌ فِي كَلَامِ الْمُتَقَدِّمِينَ، ثُمَّ أَسْلَمَ جَمِيعُ الْمُشْرِكِينَ قَبْلَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ وَذَكَرَ النَّبِيءُ ﷺ حُرْمَةَ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ فِي خُطْبَتِهِ، وَقَدْ تَعَطَّلَ حِينَئِذٍ الْعَمَلُ بِحُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، إِذْ لَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ يَقْصِدُ الْحَجَّ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 328) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 328 · #111998
مِ فِي خُطْبَتِهِ، وَقَدْ تَعَطَّلَ حِينَئِذٍ الْعَمَلُ بِحُرْمَةِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ، إِذْ لَمْ يَبْقَ مُشْرِكٌ يَقْصِدُ الْحَجَّ. فَمَعْنَى نَسْخِ تَحْرِيمِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ أَنَّ الْحَاجَةَ إِلَيْهِ قَدِ انْقَضَتْ كَمَا انْتَهَى مَصْرِفُ الْمُؤَلَّفَةِ قُلُوبُهُمْ مِنْ مَصَارِفِ الزَّكَاةِ بِالْإِجْمَاعِ لِانْقِرَاضِهِمْ. وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 328) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 328 · #111999
ّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرامِ وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ. إِنْحَاءٌ عَلَى الْمُشْرِكِينَ وَإِظْهَارٌ لِظُلْمِهِمْ بَعْدَ أَنْ بَكَّتَهُمْ بِتَقْرِيرِ حُرْمَةِ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ الدَّالِّ عَلَى أَنَّ مَا وَقَعَ مِنْ أَهْلِ السَّرِيَّةِ مِنْ قَتْلِ رَجُلٍ فِيهِ كَانَ عَنْ خَطَأٍ فِي الشَّهْرِ أَوْ ظَنِّ سُقُوطِ الْحُرْمَةِ بِالنِّسْبَةِ لِقِتَالِ الْعَدُوِّ، فَإِنَّ الْمُشْرِكِينَ اسْتَعْظَمُوا فِعْلًا وَاسْتَنْكَرُوهُ وَهُمْ يَأْتُونَ مَا هُوَ أَفْظَعُ مِنْهُ، ذَلِكَ أَنَّ تَحْرِيمَ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ لَيْسَ لِذَاتِ الْأَشْهُرِ، لِأَنَّ الزَّمَانَ لَا حُرْمَةَ لَهُ فِي ذَاتِهِ وَإِنَّمَا حُرْمَتُهُ تَحْصُلُ بِجَعْلِ اللَّهِ إِيَّاهُ ذَا حُرْمَةٍ، فَحُرْمَتُهُ تَبَعٌ لِحَوَادِثَ تَحْصُلُ فِيهِ، وَحُرْمَةُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِمُرَاعَاةِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الْحَجِّ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 328) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 328 · #112000
للَّهِ إِيَّاهُ ذَا حُرْمَةٍ، فَحُرْمَتُهُ تَبَعٌ لِحَوَادِثَ تَحْصُلُ فِيهِ، وَحُرْمَةُ الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لِمُرَاعَاةِ تَأْمِينِ سَبِيلِ الْحَجِّ وَالْعُمْرَةِ وَمُقَدِّمَاتِهِمَا وَلَوَاحِقِهِمَا فِيهَا، فَلَا جَرَمَ أَنَّ الَّذِينَ استعظموا حُصُول الْقَتْل فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَاسْتَبَاحُوا حُرُمَاتٍ ذَاتِيَّةً بِصَدِّ الْمُسْلِمِينَ، وَكَفَرُوا بِاللَّهِ الَّذِي جَعَلَ الْكَعْبَةَ حَرَامًا وَحَرَّمَ لِأَجْلِ حَجِّهَا الْأَشْهُرَ الْحُرُمَ، وَأَخْرَجُوا أَهْلَ الْحَرَمِ مِنْهُ، وَآذَوْهُمْ، لَأَحْرِيَاءُ بِالتَّحْمِيقِ وَالْمَذَمَّةِ، لِأَنَّ هَاتِهِ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ لِذَاتِهَا لَا تَبَعًا لِغَيْرِهَا.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 328) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 328 · #112001
مْ، لَأَحْرِيَاءُ بِالتَّحْمِيقِ وَالْمَذَمَّةِ، لِأَنَّ هَاتِهِ الْأَشْيَاءَ الْمَذْكُورَةَ كُلُّهَا مُحَرَّمَةٌ لِذَاتِهَا لَا تَبَعًا لِغَيْرِهَا. وَقَدْ قَالَ الْحَسَنُ الْبَصْرِيُّ لِرَجُلٍ مِنْ أَهْلِ الْعِرَاقِ جَاءَ يَسْأَلُهُ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ إِذَا أَصَابَ الثَّوْبَ هَلْ يُنَجِّسُهُ، وَكَانَ ذَلِكَ عَقِبَ مَقْتَلِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ ﵄ «عَجَبًا لَكُمْ يَا أَهْلَ الْعِرَاقِ تَسْتَحِلُّونَ دَمَ الْحُسَيْنِ وَتَسْأَلُونَ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ» . وَيَحِقُّ التَّمَثُّلُ هُنَا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: أَتَغْضَبُ إِنْ أُذُنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا ...
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 328) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 328 · #112002
لْحُسَيْنِ وَتَسْأَلُونَ عَنْ دَمِ الْبَعُوضِ» . وَيَحِقُّ التَّمَثُّلُ هُنَا بِقَوْلِ الْفَرَزْدَقِ: أَتَغْضَبُ إِنْ أُذُنَا قُتَيْبَةَ حُزَّتَا ... جَهَارًا وَلَمْ تَغْضَبْ لِقَتْلِ ابْنِ خَازِمِِِ وَالْمَعْنَى أَنَّ الصَّدَّ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهِ مِنْ أَفْعَالِ الْمُشْرِكِينَ أَكْبَرُ إِثْمًا عِنْدَ اللَّهِ مِنْ إِثْمِ الْقِتَالِ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ. وَالْعِنْدِيَّةُ فِي قَوْلِهِ: عِنْدَ اللَّهِ عِنْدِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ وَهِيَ عِنْدِيَّةُ الْعِلْمِ وَالْحُكْمِ. وَالتَّفْضِيلُ فِي قَوْلِهِ: أَكْبَرُ: تَفْضِيل فِي الْإِثْمِ أَيْ كُلُّ وَاحِدٍ مِنْ تِلْكَ الْمَذْكُورَاتِ أَعْظَمُ إِثْمًا. وَالْمُرَادُ بِالصَّدِّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ: مَنْعُ مَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ مِنْهُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ [الْأَعْرَاف: ٨٦] .
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 329) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 329 · #112003
َنْعُ مَنْ يُرِيدُ الْإِسْلَامَ مِنْهُ وَنَظِيرُهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ [الْأَعْرَاف: ٨٦] . وَالْكُفْرُ بِاللَّهِ: الْإِشْرَاكُ بِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلْمُشْرِكِينَ وَهُمْ أَكْثَرُ الْعَرَبِ، وَكَذَلِكَ إِنْكَارُ وَجُودِهِ بِالنِّسْبَةِ لِلدَّهْرِيِّينَ مِنْهُمْ، وَتَقَدَّمَ الْكَلَامُ عَنِ الْكُفْرِ وَضَابِطِهِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ [الْبَقَرَة: ٦] إِلَخْ. وَقَوْلُهُ: بِهِ الْبَاءُ فِيهِ لِتَعْدِيَةِ كُفْرٌ وَلَيْسَتْ لِلظَّرْفِيَّةِ وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِالْبَاءِ عَائِدٌ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ. وكُفْرٌ مَعْطُوفٌ عَلَى صَدٌّ أَيْ صَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِاللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ قِتَالِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ وَإِنْ كَانَ الْقِتَالُ كَبِيرًا. وَ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) مَعْطُوفٌ عَلَى (سَبِيلِ اللَّهِ) فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ (صَدَّ) تَبَعًا لِتَعَلُّقِ متبوعه بِهِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 329) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 329 · #112004
َانَ الْقِتَالُ كَبِيرًا. وَ (الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) مَعْطُوفٌ عَلَى (سَبِيلِ اللَّهِ) فَهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِ (صَدَّ) تَبَعًا لِتَعَلُّقِ متبوعه بِهِ. وَعلم أَنَّ مُقْتَضَى ظَاهِرِ تَرْتِيبِ نَظْمِ الْكَلَامِ أَنْ يُقَالَ: وَصَدٌّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَكُفْرٌ بِهِ وَصَدٌّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَإِخْرَاجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَكْبَرُ عِنْدَ اللَّهِ، فَخُولِفَ مُقْتَضَى هَذَا النَّظْمِ إِلَى الصُّورَةِ الَّتِي جَاءَتِ الْآيَةُ عَلَيْهَا، بِأَنْ قُدِّمَ قَوْلُهُ (وَكُفْرٌ بِهِ) فَجُعِلَ مَعْطُوفًا عَلَى (صَدٍّ) قَبْلَ أَنْ يَسْتَوْفِيَ صَدٌّ مَا تَعَلَّقَ بِهِ وَهُوَ (وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ) فَإِنَّهُ مَعْطُوفٌ عَلَى (سَبِيلِ اللَّهِ) الْمُتَعَلِّقِ بِ (صَدٌّ) إِذِ الْمَعْطُوفُ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ مُتَعَلِّقٌ فَهُوَ أَوْلَى بِالتَّقْدِيمِ مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَى الِاسْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ،
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 329) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 329 · #112005
َّقْدِيمِ مِنَ الْمَعْطُوفِ عَلَى الِاسْمِ الْمُتَعَلِّقِ بِهِ، لِأَنَّ الْمَعْطُوفَ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ بِهِ أَجْنَبِيٌّ عَنِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَأَمَّا الْمَعْطُوفُ عَلَى الْمُتَعَلِّقِ فَهُوَ مِنْ صِلَةِ الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ، وَالدَّاعِي إِلَى هَذَا التَّرْتِيبِ هُوَ أَنْ يَكُونَ نَظْمُ الْكَلَامِ عَلَى أُسْلُوبٍ أَدَقَّ مِنْ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ وَهُوَ الِاهْتِمَامُ بِتَقْدِيمِ مَا هُوَ أَفْظَعُ مِنْ جَرَائِمِهِمْ، فَإِنَّ الْكُفْرَ بِاللَّهِ أَفْظَعُ مِنَ الصَّدِّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، فَكَانَ تَرْتِيبُ النَّظْمِ عَلَى تَقْدِيمِ الْأَهَمِّ فَالْأَهَمِّ، فَإِنَّ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ الْإِسْلَامِ يَجْمَعُ مَظَالِمَ كَثِيرَةً لِأَنَّهُ اعْتِدَاءٌ عَلَى النَّاسِ فِي مَا يَخْتَارُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَجَحْدٌ لِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ انْتِصَارُهُمْ لِأَصْنَامِهِمْ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 329) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 329 · #112006
ارُونَهُ لِأَنْفُسِهِمْ، وَجَحْدٌ لِرِسَالَةِ رَسُولِ اللَّهِ، وَالْبَاعِثُ عَلَيْهِ انْتِصَارُهُمْ لِأَصْنَامِهِمْ أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلهاً واحِداً إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجابٌ [ص: ٥] فَلَيْسَ الْكُفْرُ بِاللَّهِ إِلَّا رُكْنًا مِنْ أَرْكَانِ الصَّدِّ عَنِ الْإِسْلَامِ فَلِذَلِكَ قَدَّمَ الصَّدَّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ثَنَّى بِالْكُفْرِ بِاللَّهِ لِيُفَادَ بِدَلَالَةِ الْمُطَابَقَةِ بَعْدَ أَنْ دَلَّ عَلَيْهِ الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ، ثُمَّ عَدَّ عَلَيْهِمُ الصَّدَّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ إِخْرَاجَ أَهْلِهِ مِنْهُ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 330) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 330 · #112007
الصَّدُّ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ بِدَلَالَةِ التَّضَمُّنِ، ثُمَّ عَدَّ عَلَيْهِمُ الصَّدَّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ ثُمَّ إِخْرَاجَ أَهْلِهِ مِنْهُ. وَلَا يَصِحُّ أَنْ يَكُونَ «وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ» عَطْفًا عَلَى الضَّمِيرِ فِي قَوْلِهِ (بِهِ) لِأَنَّهُ لَا مَعْنَى لِلْكُفْرِ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَإِنَّ الْكُفْرَ يَتَعَدَّى إِلَى مَا يُعْبَدُ وَمَا هُوَ دِينٌ وَمَا يَتَضَمَّنُ دِينًا، عَلَى أَنَّهُمْ يُعَظِّمُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُتَكَلَّفَ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 330) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 330 · #112008
ِّمُونَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَلَا يَعْتَقِدُونَ فِيهِ مَا يُسَوِّغُ أَنْ يُتَكَلَّفَ بِإِطْلَاقِ لَفْظِ الْكُفْرِ عَلَيْهِ عَلَى وَجْهِ الْمَجَازِ. وَقَوْلُهُ: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ أَيْ إِخْرَاجُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ فَإِنَّهُمْ كَانُوا حَوْلَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّ فِي إِخْرَاجِهِمْ مَظَالِمَ كَثِيرَةً فَقَدْ مَرِضَ الْمُهَاجِرُونَ فِي خُرُوجِهِمْ إِلَى الْمَدِينَةِ وَمِنْهُمْ كَثِيرٌ مَنْ أَصَابَتْهُ الْحُمَّى حَتَّى رُفِعَتْ مِنَ الْمَدِينَةِ بِبَرَكَةِ دُعَاءِ الرَّسُولِ ﷺ، عَلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِوُقُوعِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لَا بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمًا يَخُصُّهُ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 330) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 330 · #112009
ِ ﷺ، عَلَى أَنَّ التَّفْضِيلَ إِنَّمَا تَعَلَّقَ بِوُقُوعِ الْقِتَالِ فِي الْأَشْهُرِ الْحُرُمِ لَا بِنَفْسِ الْقَتْلِ فَإِنَّ لَهُ حُكْمًا يَخُصُّهُ. وَالْأَهْلُ: الْفَرِيقُ الَّذِينَ لَهُمْ مَزِيدُ اخْتِصَاصٍ بِمَا يُضَافُ إِلَيْهِ اللَّفْظُ، فَمِنْهُ أَهْلُ الرَّجُلِ عَشِيرَتُهُ، وَأَهْلُ الْبَلَدِ الْمُسْتَوْطِنُونَ بِهِ، وَأَهْلُ الْكَرَمِ الْمُتَّصِفُونَ بِهِ، أَرَادَ بِهِ هُنَا الْمُسْتَوْطِنِينَ بِمَكَّةَ وَهُمُ الْمُسْلِمُونَ، وَفِيهِ إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّهُمْ أَحَقُّ بِالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، لِأَنَّهُمُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا مِلَّةَ مَنْ بَنَى الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ قَالَ تَعَالَى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الْأَنْفَال: ٣٤] وَقَوْلُهُ: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ تَذْيِيلٌ مَسُوقٌ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ، لِقَوْلِهِ: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وَإِذْ قَدْ كَانَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْهُ أَكْبَرَ مِنَ الْقَتْلِ كَانَ مَا
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 330) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 330 · #112010
وقٌ مَسَاقَ التَّعْلِيلِ، لِقَوْلِهِ: وَإِخْراجُ أَهْلِهِ مِنْهُ وَإِذْ قَدْ كَانَ إِخْرَاجُ أَهْلِ الْحَرَمِ مِنْهُ أَكْبَرَ مِنَ الْقَتْلِ كَانَ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الصَّدِّ عَنِ الدِّينِ وَالْكُفْرِ بِاللَّهِ وَالصَّدِّ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَكْبَرَ بِدَلَالَةِ الْفَحْوَى، لِأَنَّ تِلْكَ أَعْظَمُ جُرْمًا مِنْ جَرِيمَةِ إِخْرَاجِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ مَكَّةَ. وَالْفِتْنَةُ: التَّشْغِيبُ وَالْإِيقَاعُ فِي الْحِيرَةِ وَاضْطِرَابُ الْعَيْشِ فَهِيَ اسْمٌ شَامِلٌ لِمَا يُعَظِّمُ مِنَ الْأَذَى الدَّاخِلِ عَلَى أَحَدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنْ غَيْرِهِمْ، وَأُرِيدَ بِهَا هُنَا مَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْمَصَائِبِ فِي الدِّينِ بِالتَّعَرُّضِ لَهُمْ بِالْأَذَى بِالْقَوْلِ وَالْفِعْلِ، وَمَنْعِهِمْ مِنْ إِظْهَارِ عِبَادَتِهِمْ، وَقَطِيعَتِهِمْ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالسُّخْرِيَةِ بِهِمْ وَالضَّرْبِ الْمُدْمِي وَالتَّمَالُؤِ عَلَى قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 330) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 330 · #112011
نْ إِظْهَارِ عِبَادَتِهِمْ، وَقَطِيعَتِهِمْ فِي الْمُعَامَلَةِ، وَالسُّخْرِيَةِ بِهِمْ وَالضَّرْبِ الْمُدْمِي وَالتَّمَالُؤِ عَلَى قَتْلِ الرَّسُولِ ﷺ وَالْإِخْرَاجِ مِنْ مَكَّةَ وَمَنْعٍ مِنْ أَمْوَالِهِمْ وَنِسَائِهِمْ وَصَدِّهِمْ عَنِ الْبَيْتِ، وَلَا يَخْفَى أَنَّ مَجْمُوعَ ذَلِكَ أَكْبَرُ مِنْ قَتْلِ الْمُسْلِمِينَ وَاحِدًا مِنْ رِجَالِ الْمُشْرِكِينَ وَهُوَ عَمْرٌو الْحَضْرَمِيُّ وَأَسْرِهِمْ رَجُلَيْنِ مِنْهُمْ. وَ (أَكْبَرُ) أَيْ أَشَدُّ كِبَرًا أَيْ قُوَّةً فِي الْمَحَارِمِ، أَيْ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَبِيرٌ. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112012
بَرُ مِنَ الْقَتْلِ الَّذِي هُوَ فِي الشَّهْرِ الْحَرَامِ كَبِيرٌ. وَلا يَزالُونَ يُقاتِلُونَكُمْ حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ إِنِ اسْتَطاعُوا. جُمْلَةٌ مُعْتَرِضَةٌ دَعَا إِلَى الِاعْتِرَاضِ بِهَا مُنَاسَبَةُ قَوْلِهِ: وَالْفِتْنَةُ أَكْبَرُ مِنَ الْقَتْلِ لِمَا تَضَمَّنَتْهُ مِنْ صُدُورِ الْفِتْنَةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَا تَتَضَمَّنُهُ الْفِتْنَةُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ الَّتِي تَدَاوَلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112013
ةِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى الْمُسْلِمِينَ وَمَا تَتَضَمَّنُهُ الْفِتْنَةُ مِنَ الْمُقَاتَلَةِ الَّتِي تَدَاوَلَهَا الْمُسْلِمُونَ وَالْمُشْرِكُونَ. إِذِ الْقِتَالُ يَشْتَمِلُ عَلَى أَنْوَاعِ الْأَذَى وَلَيْسَ الْقَتْلُ إِلَّا بَعْضَ أَحْوَالِ الْقِتَالِ أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِهِ تَعَالَى: أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا [الْحَج: ٣٩] فَسَمَّى فِعْلَ الْكُفَّارِ مَعَ الْمُسْلِمِينَ مُقَاتَلَةً وَسَمَّى الْمُسْلِمِينَ مُقَاتَلِينَ بِفَتْحِ التَّاءِ، وَفِيهِ إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُضْمِرُونَ غَزْوَ الْمُسْلِمِينَ وَمُسْتَعِدُّونَ لَهُ وَإِنَّمَا تَأَخَّرُوا عَنْهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لِأَنَّهُمْ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112014
إِعْلَامٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ مُضْمِرُونَ غَزْوَ الْمُسْلِمِينَ وَمُسْتَعِدُّونَ لَهُ وَإِنَّمَا تَأَخَّرُوا عَنْهُ بَعْدَ الْهِجْرَةِ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يُقَاسُونَ آثَارَ سِنِي جَدْبٍ فَقَوْلُهُ لَا يَزالُونَ وَإِنْ أَشْعَرَ أَنَّ قِتَالَهُمْ مَوْجُودٌ فَالْمُرَادُ بِهِ أَسْبَابُ الْقِتَالِ، وَهُوَ الْأَذَى وَإِضْمَارُ الْقِتَالِ كَذَلِكَ، وَأَنَّهُمْ إِنْ شَرَعُوا فِيهِ لَا يَنْقَطِعُونَ عَنْهُ، عَلَى أَنَّ صَرِيحَ لَا يَزَالُ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا يَدُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَ (حَتَّى) لِلْغَايَةِ وَهِيَ هُنَا غَايَةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112015
َى أَنَّ صَرِيحَ لَا يَزَالُ الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّ هَذَا يَدُومُ فِي الْمُسْتَقْبَلِ، وَ (حَتَّى) لِلْغَايَةِ وَهِيَ هُنَا غَايَةٌ تَعْلِيلِيَّةٌ. وَالْمَعْنَى: أَنَّ فِتْنَتَهُمْ وَقِتَالَهُمْ يَدُومُ إِلَى أَنْ يَحْصُلَ غَرَضُهُمْ وَهُوَ أَنْ يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ. وَقَوْلُهُ: إِنِ اسْتَطاعُوا تَعْرِيضٌ بِأَنَّهُمْ لَا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ، فَمَوْقِعُ هَذَا الشَّرْطِ مَوْقِعُ الِاحْتِرَاسِ مِمَّا قَدْ تُوهِمُهُ الْغَايَةُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَلِهَذَا جَاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (إِنْ) الْمُشْعِرِ بِأَنَّ شَرْطَهُ مَرْجُوٌّ عَدَمُ وُقُوعِهِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112016
ةُ فِي قَوْلِهِ: حَتَّى يَرُدُّوكُمْ عَنْ دِينِكُمْ وَلِهَذَا جَاءَ الشَّرْطُ بِحَرْفِ (إِنْ) الْمُشْعِرِ بِأَنَّ شَرْطَهُ مَرْجُوٌّ عَدَمُ وُقُوعِهِ. وَالرَّدُّ: الصَّرْفُ عَنْ شَيْءٍ وَالْإِرْجَاعُ إِلَى مَا كَانَ قَبْلَ ذَلِكَ، فَهُوَ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وَإِلَى مَا زَادَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِإِلَى وَعَنْ، وَقَدْ حُذِفَ هُنَا أَحَدُ الْمُتَعَلِّقَيْنِ وَهُوَ الْمُتَعَلِّقُ بِوَاسِطَةِ إِلَى لِظُهُورِ أَنَّهُمْ يُقَاتِلُونَهُمْ لِيَرُدُّوهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى الشِّرْكِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، لِأَنَّ أَهْلَ كُلِّ دِينٍ إِذَا اعْتَقَدُوا صِحَّةَ دِينِهِمْ حَرَصُوا عَلَى إِدْخَالِ النَّاسِ فِيهِ قَالَ تَعَالَى: وَلَنْ تَرْضى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [الْبَقَرَة: ١٢٠] ، وَقَالَ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا [النِّسَاء: ٨٩] .
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 331) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 331 · #112017
ى عَنْكَ الْيَهُودُ وَلَا النَّصارى حَتَّى تَتَّبِعَ مِلَّتَهُمْ [الْبَقَرَة: ١٢٠] ، وَقَالَ: وَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ كَما كَفَرُوا [النِّسَاء: ٨٩] . وَتَعْلِيقُ الشَّرْطِ بِإِنَّ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ اسْتِطَاعَتَهُمْ ذَلِكَ وَلَوْ فِي آحَادِ الْمُسْلِمِينَ أَمْرٌ مُسْتَبْعَدُ الْحُصُولِ لِقُوَّةِ إِيمَانِ الْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ مُحَاوَلَةُ الْمُشْرِكِينَ رَدَّ وَاحِدٍ مِنَ الْمُسْلِمِينَ عَنَاءً بَاطِلًا. وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 332) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 332 · #112018
دِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها. اعْتِرَاضٌ ثَانٍ، أَوْ عَطْفٌ عَلَى الِاعْتِرَاضِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَالْمَقْصِدُ مِنْهُ التَّحْذِيرُ، لِأَنَّهُ لَمَّا ذَكَرَ حِرْصَ الْمُشْرِكِينَ عَلَى رَدِّ الْمُسْلِمِينَ عَنِ الْإِسْلَامِ وَعَقَّبَهُ بِاسْتِبْعَادِ أَنْ يَصْدُرَ ذَلِكَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ، أَعْقَبَهُ بِالتَّحْذِيرِ مِنْهُ، وَجِيءَ بِصِيغَةِ يَرْتَدِدْ وَهِيَ صِيغَةُ مُطَاوَعَةٍ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ رُجُوعَهُمْ عَنِ الْإِسْلَامِ إِنْ قُدِّرَ حُصُولُهُ لَا يَكُونُ إِلَّا عَنْ مُحَاوَلَةٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَإِنَّ مَنْ ذَاقَ حَلَاوَةَ الْإِيمَانِ لَا يَسْهُلُ عَلَيْهِ رُجُوعُهُ عَنْهُ وَمَنْ عَرَفَ الْحَقَّ لَا يَرْجِعُ عَنْهُ إِلَّا بِعَنَاءٍ، وَلَمْ يُلَاحَظِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِالدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا نِيطَ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 332) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 332 · #112019
يَرْجِعُ عَنْهُ إِلَّا بِعَنَاءٍ، وَلَمْ يُلَاحَظِ الْمَفْعُولُ الثَّانِي هُنَا إِذْ لَا اعْتِبَارَ بِالدِّينِ الْمَرْجُوعِ إِلَيْهِ وَإِنَّمَا نِيطَ الْحُكْمُ بِالِارْتِدَادِ عَنِ الْإِسْلَامِ إِلَى أَيِّ دِينٍ وَمِنْ يَوْمِئِذٍ صَارَ اسْمُ الرِّدَّةِ لَقَبًا شَرْعِيًّا عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ دِينِ الْإِسْلَامِ وَإِنْ لَمْ يَكُنْ فِي هَذَا الْخُرُوجِ رُجُوعٌ إِلَى دِينٍ كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الْخَارِجُ. وَقَوْلُهُ (فَيَمُتْ) مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَهُوَ كَشَرْطٍ ثَانٍ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 332) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 332 · #112020
َكُنْ فِي هَذَا الْخُرُوجِ رُجُوعٌ إِلَى دِينٍ كَانَ عَلَيْهِ هَذَا الْخَارِجُ. وَقَوْلُهُ (فَيَمُتْ) مَعْطُوفٌ عَلَى الشَّرْطِ فَهُوَ كَشَرْطٍ ثَانٍ. وَفِعْلُ حَبِطَ مِنْ بَابِ سَمِعَ وَيَتَعَدَّى بِالْهَمْزَةِ، قَالَ اللُّغَوِيُّونَ أَصْلُهُ مِنَ الْحَبَطِ بِفَتْحِ الْبَاءِ وَهُوَ انْتِفَاخٌ فِي بُطُونِ الْإِبِلِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ فَتَمُوتُ مِنْ ذَلِكَ، فَإِطْلَاقُهُ عَلَى إِبْطَالِ الْأَعْمَالِ تَمْثِيلٌ لِأَنَّ الْإِبِلَ تَأْكُلُ الْخَضِرَ شَهْوَةً لِلشِّبَعِ فَيَئُولُ عَلَيْهَا بِالْمَوْتِ، فَشَبَّهَ حَالَ مَنْ عَمِلَ الْأَعْمَالَ الصَّالِحَةَ لِنَفْعِهَا فِي الْآخِرَةِ فَلَمْ يَجِدْ لَهَا أَثَرًا بِالْمَاشِيَةِ الَّتِي أَكَلَتْ حَتَّى أَصَابَهَا الْحَبَطُ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقَيَّدِ الْأَعْمَالُ بِالصَّالِحَاتِ لِظُهُورِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 332) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 332 · #112021
رًا بِالْمَاشِيَةِ الَّتِي أَكَلَتْ حَتَّى أَصَابَهَا الْحَبَطُ، وَلِذَلِكَ لَمْ تُقَيَّدِ الْأَعْمَالُ بِالصَّالِحَاتِ لِظُهُورِ ذَلِكَ التَّمْثِيلِ. وَحَبَطُ الْأَعْمَالِ: زَوَالِ آثَارِهَا الْمَجْعُولَةِ مُرَتَّبَةً عَلَيْهَا شَرْعًا، فَيَشْمَلُ آثَارَهَا فِي الدُّنْيَا وَالثَّوَابَ فِي الْآخِرَةِ وَهُوَ سِرُّ قَوْلِهِ: فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ. فَالْآثَارُ الَّتِي فِي الدُّنْيَا هِيَ مَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْإِسْلَامِ مِنْ خَصَائِصِ الْمُسْلِمِينَ وَأَوَّلُهَا آثَارُ كَلِمَةِ الشَّهَادَةِ مِنْ حُرْمَةِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 332) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 332 · #112022
الشَّهَادَةِ مِنْ حُرْمَةِ الْأَنْفُسِ وَالْأَمْوَالِ وَالْأَعْرَاضِ وَالصَّلَاةِ عَلَيْهِ بَعْدَ الْمَوْتِ وَالدَّفْنِ فِي مَقَابِرِ الْمُسْلِمِينَ. وَآثَارُ الْعِبَادَاتِ وَفَضَائِلُ الْمُسْلِمِينَ بِالْهِجْرَةِ وَالْأُخُوَّةِ الَّتِي بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَوَلَاءُ الْإِسْلَامِ وَآثَارُ الْحُقُوقِ مثل حق الْمُسلمين فِي بَيْتِ الْمَالِ وَالْعَطَاءِ وَحُقُوقِ التَّوَارُثِ وَالتَّزْوِيجِ فَالْوِلَايَاتِ وَالْعَدَالَةِ وَمَا ضَمِنَهُ اللَّهُ لِلْمُسْلِمِينَ مِثْلَ قَوْلِهِ: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً [النَّحْل: ٩٧] . وَأَمَّا الْآثَارُ فِي الْآخِرَةِ فَهِيَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 333) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 333 · #112023
فِي الْآخِرَةِ فَهِيَ النَّجَاةُ مِنَ النَّارِ بِسَبَبِ الْإِسْلَامِ وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَى الْأَعْمَالِ الصَّالِحَاتِ مِنَ الثَّوَابِ وَالنَّعِيمِ. وَالْمُرَادُ بِالْأَعْمَالِ: الْأَعْمَالُ الَّتِي يَتَقَرَّبُونَ بِهَا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى وَيَرْجُونَ ثَوَابَهَا بِقَرِينَةِ أَصْلِ الْمَادَّةِ وَمَقَامِ التَّحْذِيرِ لِأَنَّهُ لَوْ بَطَلَتِ الْأَعْمَالُ الْمَذْمُومَةُ لَصَارَ الْكَلَامُ تَحْرِيضًا، وَمَا ذُكِرَتِ الْأَعْمَالُ فِي الْقُرْآنِ مَعَ حَبِطَتْ إِلَّا غَيْرَ مُقَيَّدَةٍ بِالصَّالِحَاتِ اكْتِفَاءً بِالْقَرِينَةِ. وَقَوْلُهُ: وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ الْجَزَاءِ عَلَى الْكُفْرِ، إِذِ الْأُمُورُ بِخَوَاتِمِهَا، فَقَدَ تَرَتَّبَ عَلَى الْكُفْرِ أَمْرَانِ: بُطْلَانُ فَضْلِ الْأَعْمَالِ السَّالِفَةِ، وَالْعُقُوبَةُ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَلِكَوْنِ الْخُلُودِ عُقُوبَةً أُخْرَى أُعِيدَ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ:
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 333) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 333 · #112024
الْأَعْمَالِ السَّالِفَةِ، وَالْعُقُوبَةُ بِالْخُلُودِ فِي النَّارِ، وَلِكَوْنِ الْخُلُودِ عُقُوبَةً أُخْرَى أُعِيدَ اسْمُ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ. وَفِي الْإِتْيَانِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي الْمَوْضِعَيْنِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّهُمْ أَحْرِيَاءُ بِمَا ذُكِرَ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ مَا ذُكِرَ قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ. هَذَا وَقَدْ رَتَّبَ حَبَطَ الْأَعْمَالِ عَلَى مَجْمُوعِ أَمْرَيْنِ الِارْتِدَادِ وَالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ، وَلَمْ يُقَيِّدِ الِارْتِدَادَ بِالْمَوْتِ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخاسِرِينَ [الْمَائِدَة: ٥] وَقَوْلِهِ تَعَالَى: لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] وَقَوْلِهِ: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [الْأَنْعَام: ٨٨] .
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 333) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 333 · #112025
طَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخاسِرِينَ [الزمر: ٦٥] وَقَوْلِهِ: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [الْأَنْعَام: ٨٨] . وَقَدِ اخْتَلَفَ الْعُلَمَاءُ فِي الْمُرْتَدِّ عَنِ الْإِسْلَامِ إِذَا تَابَ مِنْ رِدَّتِهِ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ، فَعِنْدَ مَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ أَنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ وَتَابَ لَمْ تَرْجِعْ إِلَيْهِ أَعْمَالُهُ الَّتِي عَمِلَهَا قَبْلَ الِارْتِدَادِ فَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ نُذُورٌ أَوْ أَيْمَانٌ لَمْ يَكُنْ عَلَيْهِ شَيْءٌ مِنْهَا بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ، وَإِنْ كَانَ حَجَّ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ ثُمَّ عَادَ إِلَى الْإِسْلَامِ اسْتَأْنَفَ الْحَجَّ وَلَا يُؤْخَذُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ زَمَنَ الِارْتِدَادِ إلّا مَا لَو فَعَلَهُ فِي الْكُفْرِ أُخِذَ بِهِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 333) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 333 · #112026
ادَ إِلَى الْإِسْلَامِ اسْتَأْنَفَ الْحَجَّ وَلَا يُؤْخَذُ بِمَا كَانَ عَلَيْهِ زَمَنَ الِارْتِدَادِ إلّا مَا لَو فَعَلَهُ فِي الْكُفْرِ أُخِذَ بِهِ. وَقَالَ الشَّافِعِيُّ إِذَا عَادَ الْمُرْتَدُّ إِلَى الْإِسْلَامِ عَادَتْ إِلَيْهِ أَعْمَالُهُ كُلُّهَا مَا لَهُ وَمَا عَلَيْهِ. فَأَمَّا حُجَّةُ مَالِكٍ فَقَالَ ابْنُ الْعَرَبِيِّ قَالَ عُلَمَاؤُنَا إِنَّمَا ذَكَرَ اللَّهُ الموافاة (١) شرطا هَاهُنَا، لِأَنَّهُ عَلَّقَ الْخُلُودَ فِي النَّارِ عَلَيْهَا فَمَنْ أَوْفَى عَلَى الْكُفْرِ خَلَّدَهُ اللَّهُ فِي النَّارِ بِهَذِهِ الْآيَةِ، وَمَنْ أَشْرَكَ حَبِطَ عَمَلُهُ بِالْآيَةِ الْأُخْرَى فَهُمَا آيَتَانِ مُفِيدَتَانِ لِمَعْنَيَيْنِ وَحُكْمَيْنِ مُتَغَايِرَيْنِ اهـ يُرِيدُ أَنَّ بَيْنَ الشَّرْطَيْنِ وَالْجَوَابَيْنِ هُنَا تَوْزِيعًا فَقَوْلُهُ: فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 334) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 334 · #112027
هُنَا تَوْزِيعًا فَقَوْلُهُ: فَأُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالْآخِرَةِ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ. وَقَوْلُهُ: وَأُولئِكَ أَصْحابُ النَّارِ هُمْ فِيها خالِدُونَ جَوَابٌ لِقَوْلِهِ: فَيَمُتْ وَهُوَ كافِرٌ، وَلَعَلَّ فِي إِعَادَةِ وَأُولئِكَ إِيذَانًا بِأَنَّهُ جَوَابٌ ثَانٍ، وَفِي إِطْلَاقِ الْآيِ الْأُخْرَى عَنِ التَّقْيِيدِ بِالْمَوْتِ عَلَى الْكُفْرِ قَرِينَةٌ عَلَى قَصْدِ هَذَا الْمَعْنَى مِنْ هَذَا الْقَيْدِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ. وَفِي هَذَا الِاسْتِدْلَالِ إِلْغَاءٌ لِقَاعِدَةِ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ، وَلَعَلَّ نَظَرَ مَالِكٍ فِي إِلْغَاءِ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ تَرْجِعُ إِلَى أُصُولِ الدِّينِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 334) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 334 · #112028
مَالِكٍ فِي إِلْغَاءِ ذَلِكَ أَنَّ هَذِهِ أَحْكَامٌ تَرْجِعُ إِلَى أُصُولِ الدِّينِ وَلَا يُكْتَفَى فِيهَا بِالْأَدِلَّةِ الظَّنِّيَّةِ، فَإِذَا كَانَ الدَّلِيلُ الْمُطْلَقُ يُحْمَلُ عَلَى الْمُقَيَّدِ فِي فُرُوعِ الشَّرِيعَةِ فَلِأَنَّهُ دَلِيلٌ ظَنِّيٌّ، وَغَالِبُ أَدِلَّةِ الْفُرُوعِ ظَنِّيَّةٌ، فَأَمَّا فِي أُصُولِ الِاعْتِقَادِ فَأُخِذَ مِنْ كُلِّ آيَةٍ صَرِيحُ حُكْمِهَا، وَلِلنَّظَرِ فِي هَذَا مَجَالٌ، لِأَنَّ بَعْضَ مَا ذُكِرَ مِنَ الْأَعْمَالِ رَاجِعٌ إِلَى شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ وَفُرُوعِهِ كَالْحَجِّ. وَالْحُجَّةُ لِلشَّافِعِيِّ إِعْمَالُ حَمْلِ الْمُطْلَقِ عَلَى الْمُقَيَّدِ كَمَا ذَكَرَهُ الْفَخْرُ وَصَوَّبَهُ ابْنُ الْفَرَسِ مِنَ الْمَالِكِيَّةِ. فَإِنْ قُلْتَ فَالْعَمَلُ الصَّالِحُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ يُقَرِّرُهُ الْإِسْلَامُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «أَسَلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَمْتَ عَلَيْهِ مَنْ خَيْرٍ»
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 334) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 334 · #112029
الْجَاهِلِيَّةِ يُقَرِّرُهُ الْإِسْلَامُ فَقَدْ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ لِحَكِيمِ بْنِ حِزَامٍ «أَسَلَمْتَ عَلَى مَا أَسْلَمْتَ عَلَيْهِ مَنْ خَيْرٍ» ، فَهَلْ يَكُونُ الْمُرْتَدُّ عَنِ الْإِسْلَامِ أَقَلَّ حَالًا مَنْ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ؟ فَالْجَوَابُ أَنَّ حَالَةَ الْجَاهِلِيَّةِ قَبْلَ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ حَالَةُ خُلُوٍّ عَنِ الشَّرِيعَةِ فَكَانَ مِنْ فَضَائِلِ الْإِسْلَامِ تَقْرِيرُهَا. وَقَدْ بُنِيَ عَلَى هَذَا خِلَافٌ فِي بَقَاءِ حُكْمِ الصُّحْبَةِ لِلَّذِينَ ارْتَدُّوا بَعْدَ النَّبِيءِ ﷺ ثُمَّ رَجَعُوا إِلَى الْإِسْلَامِ مِثْلَ قُرَّةَ بْنِ هُبَيْرَةَ الْعَامِرِيِّ، وَعَلْقَمَةَ بْنِ عُلَاثَةَ، وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَعَمْرو بن معديكرب، وَفِي «شَرْحِ الْقَاضِي زَكَرِيَّا عَلَى أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ» :
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 334) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 334 · #112030
اثَةَ، وَالْأَشْعَثِ بْنِ قَيْسٍ، وَعُيَيْنَةَ بْنِ حِصْنٍ، وَعَمْرو بن معديكرب، وَفِي «شَرْحِ الْقَاضِي زَكَرِيَّا عَلَى أَلْفِيَّةِ الْعِرَاقِيِّ» : وَفِي دُخُولِ مَنْ لَقِيَ النَّبِيءَ ﷺ مُسْلِمًا ثُمَّ ارْتَدَّ ثُمَّ أَسْلَمَ بَعْدَ وَفَاةِ الرَّسُولِ فِي الصَّحَابَةِ نَظَرٌ كَبِيرٌ اهـ قَالَ حُلولو فِي «شَرْحِ جَمْعِ الْجَوَامِعِ» وَلَوِ ارْتَدَّ الصَّحَابِيُّ فِي حَيَاةِ الرَّسُولِ ﷺ وَرَجَعَ إِلَى الْإِيمَانِ بَعْدَ وَفَاتِهِ جَرَى ذَلِكَ عَلَى الْخِلَافِ فِي الرِّدَّةِ، هَلْ تُحْبِطُ الْعَمَلَ بِنَفْسِ وُقُوعِهَا أَوْ إِنَّمَا تُحْبِطُهُ بِشَرْطِ الْوَفَاةِ عَلَيْهَا، لِأَنَّ صُحْبَةَ الرَّسُولِ ﷺ فَضِيلَةٌ عَظِيمَةٌ، أَمَّا قَبُولُ رِوَايَتِهِ بَعْدَ عَوْدَتِهِ إِلَى الْإِسْلَامِ فَفِيهَا نَظَرٌ، أَمَّا مَنِ ارْتَدَّ فِي حَيَاةِ النَّبِيءِ ﷺ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ وَصَحِبَهُ فَفَضْلُ الصُّحْبَةِ حَاصِلٌ لَهُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 335) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 335 · #112031
نَّبِيءِ ﷺ وَرَجَعَ إِلَى الْإِسْلَامِ فِي حَيَاتِهِ وَصَحِبَهُ فَفَضْلُ الصُّحْبَةِ حَاصِلٌ لَهُ مِثْلُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سَعْدِ بْنِ أَبِي سَرْحٍ. فَإِنْ قُلْتَ: مَا السِّرُّ فِي اقْتِرَانِ هَذَيْنِ الشَّرْطَيْنِ فِي هَذِهِ الْآيَةِ مَعَ خُلُوِّ بَقِيَّةِ نَظَائِرِهَا عَنْ ثَانِي الشَّرْطَيْنِ، قُلْتُ: تِلْكَ الْآيُ الْأُخَرُ جَاءَتْ لِتَهْوِيلِ أَمْرِ الشِّرْكِ عَلَى فَرْضِ وُقُوعِهِ مِنْ غَيْرِ مُعَيَّنٍ كَمَا فِي آيَةِ وَمَنْ يَكْفُرْ بِالْإِيمانِ [الْمَائِدَة: ٥] أَوْ وُقُوعِهِ مِمَّنْ يَسْتَحِيلُ وُقُوعُهُ مِنْهُ كَمَا فِي آيَةِ: وَلَوْ أَشْرَكُوا لَحَبِطَ عَنْهُمْ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [الْأَنْعَام: ٨٨] وَآيَةِ لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ [الزمر: ٦٥] فَاقْتَصَرَ فِيهَا عَلَى مَا يَنْشَأُ عَنِ الشِّرْكِ بَعْدَ الْإِيمَانِ مِنْ حَبَطِ الْأَعْمَالِ، وَمِنَ الْخَسَارَةِ بِإِجْمَالٍ، أَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَقَدْ وَرَدَتْ عَقِبَ ذِكْرِ مُحَاوَلَةِ الْمُشْرِكِينَ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 335) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 335 · #112032
الْإِيمَانِ مِنْ حَبَطِ الْأَعْمَالِ، وَمِنَ الْخَسَارَةِ بِإِجْمَالٍ، أَمَّا هَذِهِ الْآيَةُ فَقَدْ وَرَدَتْ عَقِبَ ذِكْرِ مُحَاوَلَةِ الْمُشْرِكِينَ وَمُعَالَجَتِهِمُ ارْتِدَادَ الْمُسْلِمِينَ الْمُخَاطَبِينَ بِالْآيَةِ، فَكَانَ فَرْضُ وُقُوعِ الشِّرْكِ وَالِارْتِدَادِ مِنْهُمْ أَقْرَبَ، لِمُحَاوَلَةِ الْمُشْرِكِينَ ذَلِكَ بِقِتَالِ الْمُسْلِمِينَ، فَذُكِرَ فِيهَا زِيَادَةَ تَهْوِيلٍ وَهُوَ الْخُلُودُ فِي النَّارِ. وَكَانَتْ هَذِهِ الْآيَةُ مِنْ دَلَائِل النُّبُوَّة، إِذا وَقَعَ فِي عَامِ الرِّدَّةِ، أَنَّ مَنْ بَقِيَ فِي قَلْبِهِمْ أَثَرُ الشِّرْكِ حَاوَلُوا مِنَ الْمُسْلِمِينَ الِارْتِدَادَ وَقَاتَلُوهُمْ عَلَى ذَلِكَ فَارْتَدَّ فَرِيقٌ عَظِيمٌ وَقَامَ لَهَا الصِّدِّيقُ ﵁ بِعَزْمِهِ وَيَقِينِهِ فَقَاتَلَهُمْ فَرَجَعَ مِنْهُمْ مَنْ بَقِيَ حَيًّا، فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَأَيِسُوا مِنْ فَائِدَةِ الرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ فَائِدَةُ عَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 335) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 335 · #112033
مَنْ بَقِيَ حَيًّا، فَلَوْلَا هَذِهِ الْآيَةُ لَأَيِسُوا مِنْ فَائِدَةِ الرُّجُوعِ إِلَى الْإِسْلَامِ وَهِيَ فَائِدَةُ عَدَمِ الْخُلُودِ فِي النَّارِ. وَقَدْ أَشَارَ الْعَطْفُ فِي قَوْلِهِ: فَيَمُتْ بِالْفَاءِ الْمُفِيدَةِ لِلتَّعْقِيبِ إِلَى أَنَّ الْمَوْتَ يَعْقُبُ الِارْتِدَادَ وَقَدْ عَلِمَ كُلُّ أَحَدٍ أَنَّ مُعْظَمَ الْمُرْتَدِّينَ لَا تَحْضُرُ آجَالُهُمْ عَقِبَ الِارْتِدَادِ فَيَعْلَمُ السَّامِعُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُعَاقَبُ بِالْمَوْتِ عُقُوبَةً شَرْعِيَّةً، فَتَكُونُ الْآيَةُ بِهَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 335) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 335 · #112034
َّامِعُ حِينَئِذٍ أَنَّ الْمُرْتَدَّ يُعَاقَبُ بِالْمَوْتِ عُقُوبَةً شَرْعِيَّةً، فَتَكُونُ الْآيَةُ بِهَا دَلِيلًا عَلَى وُجُوبِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ. وَقَدِ اخْتَلَفَ فِي ذَلِكَ عُلَمَاءُ الْأُمَّةِ فَقَالَ الْجُمْهُورُ يُسْتَتَابُ الْمُرْتَدُّ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ وَيُسْجَنُ لِذَلِكَ فَإِنْ تَابَ قُبِلَتْ تَوْبَتُهُ وَإِنْ لَمْ يَتُبْ قُتِلَ كَافِرًا وَهَذَا قَوْلُ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ وَعُثْمَانَ بْنِ عَفَّانَ وَبِهِ قَالَ مَالِكٌ وَأَحْمَدُ بْنُ حَنْبَلٍ وَإِسْحَاقُ بْنُ رَاهَوَيْهِ سَوَاءٌ كَانَ رَجُلًا أَوِ امْرَأَةً، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ فِي الرَّجُلِ مِثْلَ قَوْلِهِمْ، وَلَمْ يَرَ قَتْلَ الْمُرْتَدَّةِ بَلْ قَالَ تُسْتَرَقُّ، وَقَالَ أَصْحَابُهُ تُحْبَسُ حَتَّى تُسْلِمَ، وَقَالَ أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ وَمُعَاذُ بن جبل وطاووس وَعُبَيْدُ الله بن عَمْرو وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجشون وَالشَّافِعِيّ يقتل الْمُرْتَدِّ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَقِيلَ يُسْتَتَابُ شَهْرًا.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 335) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 335 · #112035
وطاووس وَعُبَيْدُ الله بن عَمْرو وَعَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ الْمَاجشون وَالشَّافِعِيّ يقتل الْمُرْتَدِّ وَلَا يُسْتَتَابُ، وَقِيلَ يُسْتَتَابُ شَهْرًا. وَحُجَّةُ الْجَمِيعِ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ فَاقْتُلُوهُ» وَفِعْلُ الصَّحَابَةِ فقد قَاتل أبوبكر الْمُرْتَدِّينَ وَأَحْرَقَ عَلِيٌّ السَّبَائِيَّةَ الَّذِينَ ادَّعَوْا أُلُوهِيَّةَ عَلِيٍّ، وَأَجْمَعُوا عَلَى أَنَّ الْمُرَادَ بِالْحَدِيثِ مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ الَّذِي هُوَ الْإِسْلَامُ، وَاتَّفَقَ الْجُمْهُورُ عَلَى أَنَّ (مَنْ) شَامِلَةٌ لِلذَّكَرِ وَالْأُنْثَى إِلَّا مَنْ شَذَّ مِنْهُمْ وَهُوَ أَبُو حَنِيفَةَ وَابْنُ شُبْرُمَةَ وَالثَّوْرِيُّ وَعَطَاءٌ وَالْحَسَنُ الْقَائِلُونَ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ وَاحْتَجُّوا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فَخَصُّوا بِهِ عُمُومَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ»
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 336) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 336 · #112036
َ لَا تُقْتَلُ الْمَرْأَةُ الْمُرْتَدَّةُ وَاحْتَجُّوا بِنَهْيِ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ عَنْ قَتْلِ النِّسَاءِ فَخَصُّوا بِهِ عُمُومَ «مَنْ بَدَّلَ دِينَهُ» ، وَهُوَ احْتِجَاجٌ عَجِيبٌ، لِأَنَّ هَذَا النَّهْيَ وَارِدٌ فِي أَحْكَامِ الْجِهَادِ، وَالْمَرْأَةُ مِنْ شَأْنِهَا أَلَّا تُقَاتِلَ، فَإِنَّهُ نَهَى أَيْضًا عَنْ قَتْلِ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ أَفَيَقُولُ هَؤُلَاءِ: إِنَّ مَنِ ارْتَدَّ مِنَ الرُّهْبَانِ وَالْأَحْبَارِ بَعْدَ إِسْلَامِهِ لَا يُقْتَلُ؟ وَقَدْ شَدَّدَ مَالِكٌ وَأَبُو حَنِيفَةَ فِي الْمُرْتَدِّ بِالزَّنْدَقَةِ أَيْ إِظْهَار الْإِسْلَام وَإِبْطَال الْكُفْرِ فَقَالَا: يُقْتَلُ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ إِذَا أُخِذَ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ تَائِبًا. وَمَنْ سَبَّ النَّبِيءَ ﷺ قُتِلَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّدَّةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 336) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 336 · #112037
بِيءَ ﷺ قُتِلَ وَلَا تُقْبَلُ تَوْبَتُهُ. هَذَا، وَاعْلَمْ أَنَّ الرِّدَّةَ فِي الْأَصْلِ هِيَ الْخُرُوجُ مِنْ عَقِيدَةِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ جُمْهُورِ الْمُسْلِمِينَ وَالْخُرُوجُ مِنَ الْعَقِيدَةِ وَتَرْكُ أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ عِنْدَ الْخَوَارِجِ وَبَعْضِ الْمُعْتَزِلَةِ الْقَائِلِينَ بِكُفْرِ مُرْتَكِبِ الْكَبِيرَةِ، وَيَدُلُّ عَلَى خُرُوجِ الْمُسْلِمِ مِنِ الْإِسْلَامِ تَصْرِيحُهُ بِهِ بِإِقْرَارِهِ نَصًّا أَوْ ضِمْنًا فَالنَّصُّ ظَاهِرٌ، وَالضِّمْنُ أَنْ يَأْتِيَ أَحَدٌ بِلَفْظٍ أَوْ فِعْلٍ يَتَضَمَّنُ ذَلِكَ لَا يَحْتَمِلُ غَيْرَهُ بِحَيْثُ يَكُونُ قَدْ نَصَّ اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَوْ أَجْمَعَ الْمُسْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ كَافِرٍ مِثْلَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْكَنَائِسِ بِحَالَةِ أَصْحَابِ دِينِهَا.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 336) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 336 · #112038
ْلِمُونَ عَلَى أَنَّهُ لَا يَصْدُرُ إِلَّا عَنْ كَافِرٍ مِثْلَ السُّجُودِ لِلصَّنَمِ، وَالتَّرَدُّدِ إِلَى الْكَنَائِسِ بِحَالَةِ أَصْحَابِ دِينِهَا. وَأَلْحَقُوا بِذَلِكَ إِنْكَارَ مَا عُلِمَ بِالضَّرُورَةِ مَجِيءُ الرَّسُولِ بِهِ، أَيْ مَا كَانَ الْعِلْمُ بِهِ ضَرُورِيًّا قَالَ ابْنُ رَاشِدٍ فِي «الْفَائِقِ» «فِي التَّكْفِيرِ بِإِنْكَارِ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةً خِلَافٌ» . وَفِي ضَبْطِ حَقِيقَتِهِ أَنْظَارٌ لِلْفُقَهَاءِ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْخِلَافِ.
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 336) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 336 · #112039
التَّكْفِيرِ بِإِنْكَارِ الْمَعْلُومِ ضَرُورَةً خِلَافٌ» . وَفِي ضَبْطِ حَقِيقَتِهِ أَنْظَارٌ لِلْفُقَهَاءِ مَحَلُّهَا كُتُبُ الْفِقْهِ وَالْخِلَافِ. وَحِكْمَةُ تَشْرِيعِ قَتْلِ الْمُرْتَدِّ- مَعَ أَنَّ الْكَافِرَ بِالْأَصَالَةِ لَا يُقْتَلُ- أَنَّ الِارْتِدَادَ خُرُوجُ فَرْدٍ أَوْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْجَامِعَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ فَهُوَ بِخُرُوجِهِ مِنِ الْإِسْلَامِ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ يُنَادِي عَلَى أَنَّهُ لَمَّا خَالَطَ هَذَا الدِّينَ وَجَدَهُ غَيْرَ صَالِحٍ وَوَجَدَ مَا كَانَ عَلَيْهِ قَبْلَ ذَلِكَ أَصْلَحَ فَهَذَا تَعْرِيضٌ بِالدِّينِ وَاسْتِخْفَافٌ بِهِ، وَفِيهِ أَيْضًا تَمْهِيدُ طَرِيقٍ لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَنْسَلَّ مِنْ هَذَا الدِّينِ وَذَلِكَ يُفْضِي إِلَى انْحِلَالِ الْجَامِعَةِ، فَلَوْ لَمْ يُجْعَلْ لِذَلِكَ زَاجِرٌ مَا انْزَجَرَ النَّاسُ وَلَا نَجِدُ شَيْئًا زَاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ الْمَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْمَوْتُ هُوَ الْعُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتَّى لَا يَدْخُلَ
QS 2:217 (jilid 2 hlm. 336) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 336 · #112040
َرَ النَّاسُ وَلَا نَجِدُ شَيْئًا زَاجِرًا مِثْلَ تَوَقُّعِ الْمَوْتِ، فَلِذَلِكَ جُعِلَ الْمَوْتُ هُوَ الْعُقُوبَةَ لِلْمُرْتَدِّ حَتَّى لَا يَدْخُلَ أَحَدٌ فِي الدِّينِ إِلَّا عَلَى بَصِيرَةٍ، وَحَتَّى لَا يَخْرُجَ مِنْهُ أَحَدٌ بَعْدَ الدُّخُولِ فِيهِ، وَلَيْسَ هَذَا مِنِ الْإِكْرَاهِ فِي الدِّينِ الْمَنْفِيِّ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: لَا إِكْراهَ فِي الدِّينِ [الْبَقَرَة: ٢٥٦] عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّهَا غَيْرُ مَنْسُوخَةٍ، لِأَنَّ الْإِكْرَاهَ فِي الدِّينِ هُوَ إِكْرَاهُ النَّاسِ عَلَى الْخُرُوجِ مِنْ أَدْيَانِهِمْ وَالدُّخُولِ فِي الْإِسْلَامِ وَأَمَّا هَذَا فَهُوَ مِنِ الْإِكْرَاهِ عَلَى الْبَقَاءِ فِي الْإِسْلَام. [٢١٨]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 9:36QS 2:194QS 9:123

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:108QS 8:34-35QS 22:25