Janganlah kamu jadikan panggilan Rasul (Muhammad) di antara kamu seperti panggilan sebagian kamu kepada sebagian (yang lain). Sungguh, Allah mengetahui orang-orang yang keluar (secara) sembunyi-sembunyi di antara kamu dengan berlindung (kepada kawannya), maka hendaklah orang-orang yang menyalahi perintah Rasul-Nya takut akan mendapat cobaan atau ditimpa azab yang pedih
َه [عليكم، بأن تفعَلوا ما يُسْخِطُه، فيَدعُوَ لذلك عليكم فتَهْلِكوا، فلا تجعَلوا دعاءَه كدعاءِ غيرِه مِن الناسِ؛ فإن دعاءَه] موجِبةٌ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾: دعوةُ الرسولِ عليكم مُوجِبةٌ، فاحْذَروها.
وقال آخرون: بل ذلك نَهْىٌ مِن اللهِ أن يَدْعُوا رسولَ اللَّهِ ﷺ بِغَلَظٍ وجَفاءٍ، وأمَرهم أن يَدْعُوه بلِينٍ وتواضعٍ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قال: أمَرهم أن يَدْعوا: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ، ولا يقولوا: يا محمدُ.
، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قال: أمَرهم أن يَدْعوا: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ، ولا يقولوا: يا محمدُ. في تَجهُّمٍ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.
قال: أمَرهم أن يَدْعوه: يا رسولَ اللهِ. في لِينٍ وتواضعٍ.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.
ُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾. قال: أمَرهم أن يُفَحِّموه ويُشَرِّفوه.
وأولى التأويلَين في ذلك بالصوابِ عندى التأويلُ الذي قاله ابن عباسٍ؛ وذلك أن الذي قبلَ قولِه: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ - نَهْيٌ مِن اللهِ المؤمنين أن يأتُوا مِن الانصرافِ عنه، في الأمرِ الذي يجمعُ
جميعَهم، ما يكرَهُه، والذي بعدَه وعيدٌ للمُنصرفِين [عنه بغيرِ إذْنِه]، فالذي بينَهما بأن يكونَ تحذيرًا لهم سُخْطَه، أن يَضْطرَّه إلى الدعاءِ عليهم، أشبهُ مِن أن يكونَ أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.
وقولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾.
أمرًا لهم بما لم يَجْرِ له ذكرٌ؛ من تَعْظيمِه وتوقيرِه بالقولِ والدعاءِ.
وقولُه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إنكم أيُّها المُنصرِفون عن نبيِّكم بغيرِ إِذْنِهِ، تَسَتُّرًا وخُفْيَةً منه، وإن خَفِي أمرُ مَن يفعلُ ذلك منكم على رسولِ اللهِ ﷺ، فإن الله يعلمُ ذلك ولا يخفَى عليه، فليَتَّقِ مَن يفعلُ ذلك منكم، الذين يُخالفِون أمرَ اللهِ في الانْصرافِ عن رسولِ اللهِ ﷺ إلا بإذْنِه - أن تُصِيبَهم فتنةٌ مِن اللهِ، أو يُصِيبَهم عذابٌ أَلِيمٌ، فيُطْبَعَ على قلوبِهم، فيكفَّروا باللهِ.
وبنحوِ الذي قُلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا الحكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾.
حكمُ بنُ بشيرٍ، قال: ثنا عمرُو بنُ قيسٍ، عن جُوَيبرٍ، عن الضحاكِ في قولِ اللَّهِ: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: [كانوا يَستتِرُ] بعضُهم ببعضٍ، فيقومون، فقال: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾. قال: يُطبَعُ على قلبِه، فلا يُؤْمَنُ أن يُظهِرَ
الكفرَ بلسانِه، فتُضْرَبَ عُنُقُه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: خِلافًا.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: هؤلاء المُنافقون الذين يرجِعون بغيرِ إذنِ رسولِ اللهِ ﷺ.
ابن زيدٍ في قولِه: ﴿قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا﴾. قال: هؤلاء المُنافقون الذين يرجِعون بغيرِ إذنِ رسولِ اللهِ ﷺ. قال: اللِّواذُ: يلوذُ عنه ويروغُ ويذهبُ بغيرِ إذنِ النبيِّ ﷺ ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ﴾: الذين يصنَعون هذا، ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. الفتنةُ هاهنا الكفرُ.
واللِّواذُ مصدرُ: لَاوَذْتُ بفلانٍ مُلَاوَذةٌ ولِوَاذًا. ولذلك ظهَرت الواوُ. ولو كان مصدرًا لـ "لُذْتُ" لقيل: لِيَاذًا. كما يقالُ: قُمْتُ قِيامًا. وإذا قيل: قَاوَمْتُك. قيل: قِوامًا طويلًا.
واللِّوَاذُ هو أن يلوذَ القومُ بعضُهم ببعضٍ؛ يستترُ هذا بهذا، وهذا بهذا، كما قال الضحاكُ.
وقولُه: ﴿أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾. يقولُ: أو يصيبَهم في عاجلِ الدنيا عذابٌ مِن اللهِ موجِعٌ، على صنيعِهم ذلك، وخلافِهم أمرَ رسولِ اللهِ ﷺ.
وقولُه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ﴾.
َهم في عاجلِ الدنيا عذابٌ مِن اللهِ موجِعٌ، على صنيعِهم ذلك، وخلافِهم أمرَ رسولِ اللهِ ﷺ.
وقولُه: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمرِهِ﴾. وأُدخلت ﴿عَنْ﴾ لأن معنى الكلامِ: فليَحْذَرِ الذين يَلوذُون عن أمرِه، ويُدْبِرون عنه مُعرضِين.
﴿لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.
قال الضحاك، عن ابن عباس: كانوا يقولون: يا محمد، يا أبا القاسم، فنهاهم الله ﷿، عن ذلك، إعظامًا لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه قال: فقالوا: يا رسول الله، يا نبي الله. وهكذا قال مجاهد، وسعيد بن جُبَير.
وقال قتادة: أمر الله أن يهاب نبيه ﷺ، وأن يُبَجَّل وأن يعظَّم وأن يسود.
وقال مقاتل [بن حَيَّان] في قوله: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) يقول: لا تُسَمّوه إذا دَعَوتموه: يا محمد، ولا تقولوا: يا بن عبد الله، ولكن شَرّفوه فقولوا: يا نبي الله، يا رسول الله.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه.
هذا قول.
.
وقال مالك، عن زيد بن أسلم في قوله: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) قال: أمرهم الله أن يشرِّفوه.
هذا قول. وهو الظاهر من السياق، كما قال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾ [البقرة: ١٠٤]، وقال ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ * وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]
فهذا كله من باب الأدب [في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته]
جَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ [الحجرات: ٢ - ٥]
فهذا كله من باب الأدب [في مخاطبة النبي ﷺ والكلام معه وعنده كما أمروا بتقديم الصدقة قبل مناجاته]
والقول الثاني في ذلك أن المعنى في: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا) أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العَوفي، والله أعلم.
وقوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) قال مقاتل بن حَيَّان: هم المنافقون، كان يثقل عليهم الحديث في يوم الجمعة -ويعني بالحديث الخطبة -فيلوذون ببعض الصحابة -أصحاب محمد ﷺ -حتى يخرجوا من المسجد، وكان لا يصلح للرجل أن يخرج من المسجد إلا بإذن من النبيّ ﷺ في يوم الجمعة، بعدما يأخذ في الخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروجَ أشارَ بإصبعه إلى النبي ﷺ، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي ﷺ -يخطب، بطلتْ جُمعته.
لخطبة، وكان إذا أراد أحدهم الخروجَ أشارَ بإصبعه إلى النبي ﷺ، فيأذن له من غير أن يتكلم الرجل؛ لأن الرجل منهم كان إذا تكلم والنبي ﷺ -يخطب، بطلتْ جُمعته.
قال السُّدِّي كانوا إذا كانوا معه في جماعة، لاذ بعضهم ببعض، حتى يتغيبوا عنه، فلا يراهم.
وقال قتادة في قوله: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا)، يعني: لواذا [عن نبي الله وعن كتابه.
وقال سفيان: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) قال: من الصف.
مِنْكُمْ لِوَاذًا)، يعني: لواذا [عن نبي الله وعن كتابه.
وقال سفيان: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا) قال: من الصف. وقال مجاهد في الآية: (قَدْ يَعْلَمُ اللَّهُ الَّذِينَ يَتَسَلَّلُونَ مِنْكُمْ لِوَاذًا)] قال: خلافًا.
وقوله: (فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ) أي: عن أمر رسول الله ﷺ، سبيله هو
ومنهاجه وطريقته [وسنته] وشريعته، فتوزن الأقوال والأعمال بأقواله وأعماله، فما وافق ذلك قُبِل، وما خالفه فهو مَرْدُود على قائله وفاعله، كائنا ما كان، كما ثبت في الصحيحين وغيرهما، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "من عمل عَمَلا ليس عليه أمرنا فهو رَدّ".
أي: فليحذر وليخْشَ من خالف شريعة الرسول باطنًا أو ظاهرًا (أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك.
(أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ) أي: في قلوبهم، من كفر أو نفاق أو بدعة، (أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ) أي: في الدنيا، بقتل، أو حَد، أو حبس، أو نحو ذلك.
قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، حدثنا مَعْمَر، عن همام بن مُنَبِّه قال: هذا ما حدَّثنا أبو هُرَيرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مثلي ومثلكم كمثل رجل استوقد نارًا، فلما أضاءت ما حولها. جعل الفراش وهذه الدواب اللاتي [يقعن في النار] يقعن فيها، وجعل يحجزهن ويغلبنه ويتقحَّمن فيها". قال: "فذلك مثلي ومثلكم، أنا آخذ بحجزِكم عن النار هلم عن النار، فتغلبوني وتقتحمون فيها". أخرجاه من حديث عبد الرزاق
قوله تعالى: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾.
لأهل العلم في هذه الآية أقوال راجعة إلى قولين:
أحدهما: أن المصدر الذي هو دعاء مضاف إلى مفعوله، وهو الرسول ﷺ ، وعلى هذا فالرسول مدعو.
الثاني: أن المصدر المذكور مضاف إلى فاعله، وهو الرسول ﷺ ، وعلى هذا فالرسول داع.
وإيضاح معنى قول من قال: إن المصدر مضاف إلى مفعوله، أن المعنى: لا تجعلوا دعاءكم الرسول إذا دعوتموه كدعاء بعضكم بعضكم بعضًا، فلا تقولوا له: يا محمد مصرّحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل قولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع خفض الصوت احترامًا له ﷺ .
تقولوا له: يا محمد مصرّحين باسمه، ولا ترفعوا أصواتكم عنده كما يفعل بعضكم مع بعض، بل قولوا له: يا نبي الله، يا رسول الله، مع خفض الصوت احترامًا له ﷺ .
وهذا القول هو الذي تشهد له آيات من كتاب الله تعالى، كقوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلَا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُونَ (٢) إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ (٤) وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية. وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة.
خَيْرًا لَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ الآية. وهذا القول في الآية مروي عن سعيد بن جبير، ومجاهد، وقتادة. كما ذكره عنهم القرطبي، وذكره ابن كثير عن الضحاك، عن ابن عباس، وذكره أيضًا عن سعيد بن جبير، ومجاهد، ومقاتل، ونقله أيضًا عن مالك عن زيد بن أسلم، ثم قال: إن هذا القول هو الظاهر، واستدل له بالآيات التي ذكرنا.
وأما على القول الثاني: وهو أن المصدر مضاف إلى فاعله ففي المعنى وجهان:
الأول: ما ذكره الزمخشري في الكشاف، قال: إذا احتاج رسول الله ﷺ إلى اجتماعكم عنده لأمر فدعاكم، فلا تتفرقوا عنه إلَّا بإذنه، ولا تقيسوا دعاءه إياكم على دعاء بعضكم بعضًا، ورجوعكم عن المجمع بغير إذن الداعي.
والوجه الثاني: هو ما ذكره ابن كثير في تفسيره قال: والقول الثاني في ذلك أن المعنى في: ﴿لَا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا.
ءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ أي: لا تعتقدوا أن دعاءه على غيره كدعاء غيره، فإن دعاءه مستجاب، فاحذروا أن يدعو عليكم، فتهلكوا. حكاه ابن أبي حاتم، عن ابن عباس، والحسن البصري، وعطية العوفي. واللَّه أعلم. انتهى كلام ابن كثير.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: هذا الوجه الأخير يأباه ظاهر القرآن؛ لأن قوله تعالى: ﴿كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا﴾ يدل على خلافه، ولو أراد دعاء بعضهم على بعض لقال: لا تجعلوا دعاء الرسول عليكم كدعاء بعضكم على بعض، فدعاء بعضهم بعضًا، ودعاء بعضهم على بعض متغايران كما لا يخفى. والظاهر أن قوله: (لا تجعلوا) مِنْ جعل التي بمعنى اعتقد، كما ذكرنا عن ابن كثير آنفًا.
•
قوله تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (٦٣)﴾.
الضمير في قوله: (عن أمره) راجع إلى الرسول، أو إلى الله، والمعنى واحد؛ لأن الأمر من الله والرسول مبلغ عنه، والعرب تقول: خالف أمره وخالف عن أمره. وقال بعضهم: (يخالفون) مضمن معنى يصدون، أي: يصدون عن أمره.
وهذه الآية الكريمة قد استدل بها الأصوليون على أن الأمر المجرد عن القرائن يقتضي الوجوب؛ لأنه جلَّ وعلا توعد المخالفين عن أمره بالفتنة، أو العذاب الأليم وحذرهم من مخالفة الأمر. وكل ذلك يقتضي أن الأمر للوجوب ما لم يصرف عنه صارف؛ لأن غير الواجب لا يستوجب تركه الوعيد الشديد والتحذير.
وهذا المعنى الذي دلت عليه هذه الآية الكريمة من اقتضاء الأمر المطلق الوجوب دلت عليه آيات أخر من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ فإن قوله: (اركعوا) أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: (لا يركعون) يدل على أن امتثاله واجب.
ذَا قِيلَ لَهُمُ ارْكَعُوا لَا يَرْكَعُونَ (٤٨)﴾ فإن قوله: (اركعوا) أمر مطلق، وذمه تعالى للذين لم يمتثلوه بقوله: (لا يركعون) يدل على أن امتثاله واجب. وكقوله تعالى لإِبليس: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ فإنكاره تعالى على إبليس موبخًا له بقوله: ما منعك ألا تسجد إذ أمرتك، يدل على أنه تارك واجبًا، وأن امتثال الأمر واجب، مع أن الأمر المذكور مطلق، وهو قوله تعالى: ﴿اسْجُدُوا لِآدَمَ﴾ وكقوله تعالى عن موسى: ﴿أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي (٩٣)﴾ فسمى مخالفة الأمر معصية، وأمره المذكور مطلق، وهو قوله: ﴿اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (١٤٢)﴾ وكقوله تعالى: ﴿لَا يَعْصُونَ اللَّهَ مَا أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيًا إلَّا بترك واجب، أو ارتكاب محرم.
رَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ (٦)﴾ وإطلاق اسم المعصية على مخالفة الأمر يدل على أن مخالفه عاص، ولا يكون عاصيًا إلَّا بترك واجب، أو ارتكاب محرم. وكقوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ فإنه يدل على أن أمر الله، وأمر رسوله مانع من الاختيار، موجب للامتثال، وذلك يدل على اقتضائه الوجوب كما ترى. وأشار إلى أن مخالفته معصية بقوله بعده: ﴿وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُبِينًا (٣٦)﴾.
واعلم أن اللغة تدل على اقتضاء الأمر المطلق الوجوب، بدليل أن السيد لو قال لعبده: إسقني ماء مثلًا، ولم يمتثل العبد أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول: عقابك لي ظلم، لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب عليَّ الامتثال، فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني.
د أمر سيده فعاقبه السيد فليس للعبد أن يقول: عقابك لي ظلم، لأن صيغة الأمر في قولك: اسقني ماء لم توجب عليَّ الامتثال، فقد عاقبتني على ترك ما لا يلزمني. بل يفهم من نفس الصيغة أن الامتثال يلزمه، وأن العقاب على عدم الامتثال واقع موقعه.
والفتنة في قوله: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ قيل: هي القتل، وهو مروي عن ابن عباس، وقيل: الزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء. وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ .
لزلازل والأهوال، وهو مروي عن عطاء. وقيل: السلطان الجائر، وهو مروي عن جعفر بن محمد. قال بعضهم: هي الطبع على القلوب بسبب شؤم مخالفة أمر الله ورسوله ﷺ . وقال بعض العلماء: فتنة: محنة في الدنيا، أو يصيبهم عذاب أليم في الآخرة.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: قد دل استقراء القرآن العظيم أن الفتنة فيه أطلقت على أربعة معان:
الأول: أن يراد بها الإحراق بالنار كقوله تعالى: ﴿يَوْمَ هُمْ عَلَى النَّارِ يُفْتَنُونَ (١٣)﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ﴾ الآية، أي: أحرقهم بنار الأخدود، على القول بذلك.
الثاني وهو أشهرها: إطلاق الفتنة على الاختبار، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الآية.
حرقهم بنار الأخدود، على القول بذلك.
الثاني وهو أشهرها: إطلاق الفتنة على الاختبار، كقوله تعالى: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَلَّوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا (١٦) لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ﴾.
والثالث: إطلاق الفتنة على نتيجة الاختيار إن كانت سيئة كقوله تعالى: ﴿وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ وفي الأنفال:
﴿وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ﴾ فقوله: ﴿حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ﴾ أي: حتى لا يبقى شرك، على أصح التفسيرين، ويدل على صحته قوله بعده: ﴿وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ﴾ لأن الدين لا يكون كله للَّه حتى لا يبقى شرك كما ترى، ويوضح ذلك قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله" كما لا يخفى.
دِّينُ لِلَّهِ﴾ لأن الدين لا يكون كله للَّه حتى لا يبقى شرك كما ترى، ويوضح ذلك قوله ﷺ: "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلَّا الله" كما لا يخفى.
والرابع: إطلاق الفتن على الحجة في قوله تعالى: ﴿ثُمَّ لَمْ تَكُنْ فِتْنَتُهُمْ إِلَّا أَنْ قَالُوا وَاللَّهِ رَبِّنَا مَا كُنَّا مُشْرِكِينَ (٢٣)﴾ أي: لم تكن حجتهم، كما قال له بعض أهل العلم.
والأظهر عندي: أن الفتنة في قوله هنا: ﴿أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ﴾ أنه من النوع الثالث من الأنواع المذكورة.
وأن معناه: أن يفتنهم الله، أي: يزيدهم ضلالًا بسبب مخالفتهم عن أمره، وأمر وسوله ﷺ.
وهذا المعنى تدل عليه آيات كثيرة من كتاب الله تعالى، كقوله جلَّ وعلا: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (١٤)﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ﴾ وقوله تعالى: ﴿فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا﴾ الآية. وقوله تعالى: ﴿وَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إِلَى رِجْسِهِمْ﴾ الآية.