القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ (٢٩) وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ (٣٠) مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا
مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فما بكَت على هؤلاء الذين غرَّقهم اللَّهُ في البحرِ، وهم فرعونُ وقومُه، السماءُ والأرضُ. وقيل: إن بكاءَ السماءِ حمرةُ أطرافِها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ إسماعيلَ الأحمَسيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ أبي حمادٍ، عن الحكمِ بن ظُهيرٍ، عن السديِّ، قال: لما قُتل الحسينُ بنُ عليٍّ رضوانُ اللَّهِ عليهم بكَتِ السماءُ عليه، وبكاؤُها حمرتُها.
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾.
ءُ عليه، وبكاؤُها حمرتُها.
حدَّثني عليٌّ بنُ سهلٍ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن عطاءٍ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بكاؤُها حمرةُ أطرافِها.
وقيل: إنما قيل: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾؛ لأن المؤمنَ إذا مات بكَت عليه السماءُ والأرضُ أربعين صباحًا، ولم يبكيا على فرعونَ وقومِه؛ لأنه لم يكنْ لهم عملٌ يصعَدُ إلى اللَّهِ صالحٌ فتبكيَ عليهمُ السماءُ، ولا مسجِدٌ في الأرضِ فتبكيَ عليهمُ الأرضُ.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا طلقُ بْنُ غَنَّامٍ، عن زائدةَ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: أتَى ابنَ عباسٍ رجلٌ، فقال: يا أبا عباسٍ، أرأَيتَ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. فهل تبكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟
يا أبا عباسٍ، أرأَيتَ قولَ اللَّهِ ﵎: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. فهل تبكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ قال: نعم، إنه ليس أحدٌ مِن الخلائقِ إلا له بابٌ في السماءِ، منه ينزلُ رزقُه، وفيه يصعَدُ عملُه، فإذا مات المؤمنُ فأُغلِق بابُه مِن السماءِ الذي كان يصعدُ عملُه وينزلُ منه رزقُه، بكَى عليه، وإذا فقَده مُصلَّاهُ مِن الأرضِ التي كان يُصلِّى فيها ويذكرُ اللَّهِ فيها، بكَت عليه، وإنّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ آثارٌ صالحةٌ، ولم يكنْ يصعدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، قال: فلم تَبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ ويحيى، قالا: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يقالُ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن
بدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي يحيى القَتَّاتِ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ بمثلِه.
حدَّثني يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا فُضيلُ بنُ عياضٍ، عن منصورٍ، عن
مجاهدٍ، قال: حدَّثتُ أنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعينَ صباحًا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا يعقوبُ بنُ إسحاقَ الحضرميُّ، قال: ثنا بُكَيْرُ بنُ أَبي السَّميطِ، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بن جبيرٍ أنه كان يقولُ: إن بقاعَ الأرضِ التي كان يصعَدُ عملُه منها إلى السماءِ، تَبْكى عليه بعدَ موتِه، يعنى المؤمنَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حكامٌ، عن عمرٍو، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: إنه ليس أحدٌ إلا له بابٌ في السماءِ ينزلُ فيه رزقُه، ويصعَدُ فيه عملُه، فإذا فُقِد بكَت عليه مواضعُه التي كان يسجُدُ عليها، وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ عملٌ صالحٌ يُقْبَلُ منهم فيصعَدَ إلى اللَّهِ ﷿.
يه عملُه، فإذا فُقِد بكَت عليه مواضعُه التي كان يسجُدُ عليها، وإنَّ قومَ فرعونَ لم يكنْ لهم في الأرضِ عملٌ صالحٌ يُقْبَلُ منهم فيصعَدَ إلى اللَّهِ ﷿. فقال مجاهدٌ: تَبْكى الأرضُ على المؤمنِ أربعين صباحًا.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ، قال: كان يُقالُ: إِنَّ المؤمنَ إذا مات بكَت عليه الأرضُ أربعين صباحًا.
حدَّثنا يحيى بنُ طلحةَ، قال: ثنا عيسى بنُ يونسَ، عن صفوانَ بن عمرٍو، عن شريحِ بن عُبيدٍ الحضرميِّ، قال: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "إِنَّ الإسلامَ بدَأ غريبًا، وسيعودُ غريبًا، أَلَا لا غُربة على المؤمنِ، ما مات مؤمنٌ في غُربةٍ غابت عنه فيها بَواكِيه، إلا بكَت عليه السماءُ والأرضُ". ثم قرَأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: " ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ ". ثم قال: "إنهما لا يَبْكيان على الكافرِ".
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية.
دَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن
أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾ الآية. قال: ذلك أنه ليس على الأرضِ مؤمنٌ يموتُ إلا بكَى عليه ما كان يُصلِّى فيه مِن المساجدِ حينَ يفقِدُه، وإلا بكَى عليه من السماءِ الموضعُ الذي كان يُرفَعُ منه كلامُه، فذلك قولُه لأهلِ معصيتِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾؛ لأنهما يبكيان على أولياءِ اللَّهِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾.
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾.
حدَّثتُ عن الحسينِ، قال: سمِعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عبيدٌ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. يقولُ: لا تَبْكى السماءُ والأرضُ على الكافرِ، وتَبْكى على المؤمنِ الصالحِ معالُمه مِن الأرضِ، ومقرُّ عملِه مِن السماءِ.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالْأَرْضُ﴾. قال: بِقاعُ المؤمنِ التي كان يُصلَّى عليها مِن الأرضِ تَبْكى عليه إذا مات، وبقاعُه من السماءِ التي كان يُرفعُ فيها عملُه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ: هل تَبْكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟
ُ فيها عملُه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن المنهالِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: سُئِل ابن عباسٍ: هل تَبْكى السماءُ والأرضُ على أحدٍ؟ فقال: نعم، إنه
ليس أحدٌ مِن الخَلْقِ إلا له بابٌ في السماءُ يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، فإذا مات بكَى عليه مكانُه مِن الأرضِ الذي كان يذكُرُ اللَّهِ فيه ويُصلِّى فيه، وبكَى عليه بابُه الذي كان يصعَدُ فيه عملُه وينزِلُ منه رزقُه، وأما قومُ فرعونَ فلم يكنْ لهم آثارٌ صالحةٌ، ولم يصعَدُ إلى السماءِ منهم خيرٌ، فلم تبْكِ عليهم السماءُ والأرضُ.
وقولُه: ﴿وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ﴾. يقولُ: وما كانوا مؤخَّرين بالعقوبةِ التي حلَّت بهم، ولكنهم عُوجِلوا بها إذ أسْخَطوا ربَّهم ﷿ عليهم.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
خَّرين بالعقوبةِ التي حلَّت بهم، ولكنهم عُوجِلوا بها إذ أسْخَطوا ربَّهم ﷿ عليهم.
﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ مِن العذابِ الذي كان فرعونُ وقومُه يعذِّبونهم به ﴿الْمُهِينِ﴾.
يعني: المذلِّ لهم.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾: يُقَتَّلُ أبناءَهم، ويستحيى نساءَهم.
وقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ولقد نجَّيْنا بني إسرائيلَ من العذابِ مِن فرعونَ.
فقولُه: ﴿مِنْ فِرْعَوْنَ﴾. مكرَّرةٌ على قولِه: ﴿مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ﴾.
مُبْدَلَةٌ مِن ﴿مِنَ﴾ الأولى.
ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: إنه كان جبَّارًا مستعليًّا
مستكبرًا على ربِّه، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾.
مِن ﴿مِنَ﴾ الأولى.
ويعنى بقولِه: ﴿إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾: إنه كان جبَّارًا مستعليًّا
مستكبرًا على ربِّه، ﴿مِنَ الْمُسْرِفِينَ﴾. يعنى: مِن المتجاوِزين ما ليس لهم تجاوزُه. وإنما يعنى جلَّ ثناؤُه أنه كان ذا اعتداءِ في كفرِه، واستكبارٍ على ربِّه جلَّ ثناؤُه.
يًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ (٣١) وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ (٣٢) وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ (٣٣)﴾
وقوله: (وَأَنْ لا تَعْلُوا عَلَى اللَّهِ) أي: لا تستكبروا على اتباع آياته، والانقياد لحججه والإيمان ببراهينه، كقوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ دَاخِرِينَ﴾ [غافر: ٦٠].
(إِنِّي آتِيكُمْ بِسُلْطَانٍ [مُبِينٍ]) أي: بحجة ظاهرة واضحة، وهي ما أرسله الله به من الآيات البينات والأدلة القاطعة.
(وَإِنِّي عُذْتُ بِرَبِّي وَرَبِّكُمْ أَنْ تَرْجُمُونِ) قال ابن عباس، وأبو صالح: هو الرجم باللسان وهو الشتم.
وقال قتادة: [هو] الرجم بالحجارة.
أي أعوذ بالله الذي خلقني وخلقكم [من] أن تصلوا إليَّ بسوء من قول أو فعل.
(وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) أي: فلا تتعرضوا إليَّ، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا.
ا إليَّ بسوء من قول أو فعل.
(وَإِنْ لَمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ) أي: فلا تتعرضوا إليَّ، ودعوا الأمر بيني وبينكم مسالمة إلى أن يقضي الله بيننا. فلما طال مقامه بين أظهرهم، وأقام حجج الله عليهم، كل ذلك وما زادهم ذلك إلا كفرًا وعنادًا، دعا ربه عليهم دعوة نفذت فيهم، كما قال تعالى: ﴿وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩].
ْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الأَلِيمَ * قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا﴾ [يونس: ٨٨، ٨٩]. وهكذا قال هاهنا: (فَدَعَا رَبَّهُ أَنَّ هَؤُلاءِ قَوْمٌ مُجْرِمُونَ) فعند ذلك أمره الله تعالى أن يخرج ببني إسرائيل من بين أظهرهم من غير أمر فرعون ومشاورته واستئذانه؛ ولهذا قال: (فَأَسْرِ بِعِبَادِي لَيْلا إِنَّكُمْ مُتَّبَعُونَ) كما قال: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لا تَخَافُ دَرَكًا وَلا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].
وقوله هاهنا: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا إِنَّهُمْ جُنْدٌ مُغْرَقُونَ) وذلك أن موسى، ﵇، لما جاوز هو وبنو إسرائيل البحر، أراد موسى أن يضربه بعصاه حتى يعود كما كان، ليصير حائلا بينهم وبين فرعون، فلا يصل إليهم. فأمره الله أن يتركه على حاله ساكنًا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه، وأنه لا يخاف دركًا ولا يخشى.
قال ابن عباس: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) كهيئته وامضِهْ.
ه الله أن يتركه على حاله ساكنًا، وبشره بأنهم جند مغرقون فيه، وأنه لا يخاف دركًا ولا يخشى.
قال ابن عباس: (وَاتْرُكِ الْبَحْرَ رَهْوًا) كهيئته وامضِهْ. وقال مجاهد (رهوا) طريقًا يبسًا كهيئته، يقول: لا تأمره يرجع، اتركه حتى يرجع آخرهم. وكذا قال عكرمة، والربيع بن أنس، والضحاك، وقتادة، وابن زيد وكعب الأحبار وسِمَاك بن حرب، وغير واحد.
ثم قال تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ) وهي البساتين (وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ) والمراد بها الأنهار والآبار، (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) وهي المساكن الكريمة الأنيقة والأماكن الحسنة.
وقال مجاهد، وسعيد بن جبير: (وَمَقَامٍ كَرِيمٍ) المنابر.
وقال ابن لَهِيعة، عن وهب بن عبد الله المعافري، عن عبد الله بن عمرو قال: نيل مصر سيد الأنهار، سخر الله له كل نهر بين المشرق والمغرب، وذلَّلَهُ له، فإذا أراد الله أن يجري نيل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
يل مصر أمر كل نهر أن يمده، فأمدته الأنهار بمائها، وفجر الله له الأرض عيونًا، فإذا انتهى جريه إلى ما أراد الله، أوحى الله إلى كل ماء أن يرجع إلى عنصره.
وقال في قوله تعالى: (كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ * وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ * وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) قال: كانت الجنان بحافتي هذا النيل من أوله إلى آخره في الشقين جميعًا، ما بين أسوان إلى رشيد، وكان له تسعة خلج: خليج الإسكندرية، وخليج دمياط، وخليج سردوس، وخليج منف، وخليج الفيوم، وخليج المنهى، متصلة لا ينقطع منها شيء عن شيء، وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعًا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها.
يء، وزروع ما بين الجبلين كله من أول مصر إلى آخر ما يبلغه الماء، وكانت جميع أرض مصر تروى من ستة عشر ذراعًا، لما قدروا ودبروا من قناطرها وجسورها وخلجها.
(وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ) أي: عيشة كانوا يتفكهون فيها فيأكلون ما شاؤوا ويلبسون ما أحبوا مع الأموال والجاهات والحكم في البلاد، فسلبوا ذلك جميعه في صبيحة واحدة، وفارقوا الدنيا وصاروا إلى جهنم وبئس المصير، واستولى على البلاد المصرية وتلك الحواصل الفرعونية والممالك القبطية بنو إسرائيل، كما قال تعالى: ﴿كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٩] وقال في موضع آخر: ﴿وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧].
َ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ﴾ [الأعراف: ١٣٧]. وقال هاهنا: (كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ) وهم بنو إسرائيل، كما تقدم.
وقوله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ) أي: لم تكن لهم أعمال صالحة تصعد في أبواب السماء فتبكي على فقدهم، ولا لهم في الأرض بقاع عبدوا الله فيها فقدتهم؛ فلهذا استحقوا ألا ينظروا ولا يؤخروا لكفرهم وإجرامهم، وعتوهم وعنادهم.
قال الحافظ أبو يعلى الموصلي في مسنده: حدثنا أحمد بن إسحاق البصري، حدثنا مكي بن إبراهيم، حدثنا موسى بن عبيدة، حدثني يزيد الرقاشي، حدثني أنس بن مالك، عن النبي ﷺ قال: "ما من عبد إلا وله في السماء بابان: باب يخرج منه رزقه، وباب يدخل منه عمله وكلامه، فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا هذه الآية: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ) وذُكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم.
فإذا مات فقداه وبكيا عليه" وتلا هذه الآية: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ) وذُكر أنهم لم يكونوا عملوا على الأرض عملا صالحا يبكي عليهم. ولم يصعد لهم إلى السماء من كلامهم ولا من عملهم كلام طيب، ولا عمل صالح فتفقدهم فتبكي عليهم.
ورواه ابن أبي حاتم من حديث موسى بن عبيدة وهو الربذي.
وقال ابن جرير: حدثني يحيى بن طلحة، حدثني عيسى بن يونس، عن صفوان بن عمرو، عن شريح بن عبيد الحضرمي قال: قال رسول الله ﷺ إن الإسلام بدأ غريبًا وسيعود غريبًا. ألا لا غربة على مؤمن ما مات مؤمن في غربة غابت عنه فيها بواكيه إلا بكت عليه السماء والأرض". ثم
قرأ رسول الله ﷺ: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ) ثم قال: "إنهما لا يبكيان على الكافر".
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا أحمد بن عصام حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليًّا ﵁: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟
عصام حدثنا أبو أحمد -يعني الزبيري-حدثنا العلاء بن صالح، عن المنهال بن عمرو، عن عباد بن عبد الله قال: سأل رجل عليًّا ﵁: هل تبكي السماء والأرض على أحد؟ فقال له: لقد سألتني عن شيء ما سألني عنه أحد قبلك، إنه ليس [من] عبد إلا له مصلى في الأرض، ومصعد عمله من السماء. وإن آل فرعون لم يكن لهم عمل صالح في الأرض، ولا عمل يصعد في السماء، ثم قرأ علي، ﵁ (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ)
وقال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا طلق بن غَنَّام، عن زائدة، عن منصور، عن منهال، عن سعيد بن جبير قال: أتى ابنَ عباس رجلٌ فقال: يا أبا عباس أرأيت قول الله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟
عباس رجلٌ فقال: يا أبا عباس أرأيت قول الله: (فَمَا بَكَتْ عَلَيْهِمُ السَّمَاءُ وَالأرْضُ وَمَا كَانُوا مُنْظَرِينَ) فهل تبكي السماء والأرض على أحد؟ قال: نعم إنه ليس أحد من الخلائق إلا وله باب في السماء منه ينزل رزقه، وفيه يصعد عمله، فإذا مات المؤمن فأغلق بابه من السماء الذي كان يصعد فيه عمله وينزل منه رزقه بكى عليه، وإذا فقد مصلاه من الأرض التي كان يصلي فيها ويذكر الله فيها بكت عليه، وإن قوم فرعون لم تكن لهم في الأرض آثار صالحة، ولم يكن يصعد إلى الله منهم خير، فلم تبك عليهم السماء والأرض.
وروى العوفي، عن ابن عباس، نحو هذا.
وقال سفيان الثوري، عن أبي يحيى القَتَّات، عن مجاهد، عن ابن عباس [﵄] قال: كان يقال: تبكي الأرض على المؤمن أربعين صباحًا. وكذا قال مجاهد، وسعيد بن جبير، وغير واحد.
وقال مجاهد أيضا: ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع والسجود؟
ما مات مؤمن إلا بكت عليه السماء والأرض أربعين صباحًا، قال: فقلت له: أتبكي الأرض؟ فقال: أتعجب؟ وما للأرض لا تبكي على عبد، كان يعمرها بالركوع والسجود؟ وما للسماء لا تبكي على عبد كان لتكبيره وتسبيحه فيها دوي كدوي النحل؟
وقال قتادة: كانوا أهون على الله من أن تبكي عليهم السماء والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد السلام بن عاصم، حدثنا إسحاق بن إسماعيل، حدثنا المستورد بن سابق، عن عبيد المكتب، عن إبراهيم قال: ما بكت السماء منذ كانت الدنيا إلا على اثنين قلت لعبيد: أليس السماء والأرض تبكي على المؤمن؟ قال: ذاك مقامه حيث يصعد عمله. قال: وتدري ما بكاء السماء؟ قلت لا قال: تحمر وتصير وردة كالدهان، إن يحيى
بن زكريا لما قتل احمرت السماء وقطرت دمًا. وإن حسين بن علي لما قتل احمرت السماء.
وحدثنا علي بن الحسين، حدثنا أبو غسان محمد بن عمرو -زُنَيج-حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل حسين بن علي، ﵄، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها.
أبو غسان محمد بن عمرو -زُنَيج-حدثنا جرير، عن يزيد بن أبي زياد قال: لما قتل حسين بن علي، ﵄، احمرت آفاق السماء أربعة أشهر. قال يزيد: واحمرارها بكاؤها. وهكذا قال السدي الكبير.
وقال عطاء الخراساني: بكاؤها: أن تحمر أطرافها.
وذكروا أيضًا في مقتل الحسين أنه ما قلب حجر يومئذ إلا وجد تحته دم عَبِيط، وأنه كسفت الشمس، واحمر الأفق، وسقطت حجارة. وفي كل من ذلك نظر، والظاهر أنه من سُخْف الشيعة وكذبهم، ليعظموا الأمر -ولا شك أنه عظيم-ولكن لم يقع هذا الذي اختلقوه وكذبوه، وقد وقع ما هو أعظم من [ذلك] -قتل الحسين ﵁-ولم يقع شيء مما ذكروه، فإنه قد قتل أبوه علي بن أبي طالب، وهو أفضل منه بالإجماع ولم يقع [شيء من] ذلك، وعثمان بن عفان قتل محصورًا مظلومًا، ولم يكن شيء من ذلك. وعمر بن الخطاب، ﵁، قتل في المحراب في صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله ﷺ وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه.
صلاة الصبح، وكأن المسلمين لم تطرقهم مصيبة قبل ذلك، ولم يكن شيء من ذلك. وهذا رسول الله ﷺ وهو سيد البشر في الدنيا والآخرة يوم مات لم يكن شيء مما ذكروه. ويوم مات إبراهيم ابن النبي ﷺ خسفت الشمس فقال الناس: [الشمس] خسفت لموت إبراهيم، فصلى بهم رسول الله ﷺ صلاة الكسوف، وخطبهم وبين لهم أن الشمس والقمر لا ينخسفان لموت أحد ولا لحياته.
وقوله: (وَلَقَدْ نَجَّيْنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ مِنَ الْعَذَابِ الْمُهِينِ * مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا مِنَ الْمُسْرِفِينَ) يمتن عليهم تعالى بذلك، حيث أنقذهم مما كانوا فيه من إهانة فرعون وإذلاله لهم، وتسخيره إياهم في الأعمال المهينة الشاقة.
وقوله: (مِنْ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ كَانَ عَالِيًا [مِنَ الْمُسْرِفِينَ]) أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ [وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا]﴾ [القصص: ٤].
كَانَ عَالِيًا [مِنَ الْمُسْرِفِينَ]) أي: مستكبرًا جبارًا عنيدًا، كقوله: ﴿إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ [وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا]﴾ [القصص: ٤].
وقوله: ﴿فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا عَالِينَ﴾ [المؤمنون: ٤٦]، [وقوله ﴿فَاسْتَكْبَرُوا فِي الأَرْضِ وَمَا كَانُوا سَابِقِينَ﴾] [العنكبوت: ٣٩]، [فكان فرعون] سِرفًا في أمره، سخيف الرأي على نفسه.
وقوله: (وَلَقَدِ اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) قال مجاهد: (اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال: إن
لكل زمان عالما.
ل مجاهد: (اخْتَرْنَاهُمْ عَلَى عِلْمٍ عَلَى الْعَالَمِينَ) على من هم بين ظهريه. وقال قتادة: اختيروا على أهل زمانهم ذلك. وكان يقال: إن
لكل زمان عالما. وهذه كقوله تعالى: ﴿قَالَ يَا مُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ﴾ [الأعراف: ١٤٤] أي: أهل زمانه، وكقوله لمريم: ﴿وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ الْعَالَمِينَ﴾ [آل عمران: ٤٢] أي: في زمانها؛ فإن خديجة أفضل منها، وكذا آسية بنت مزاحم امرأة فرعون، أو مساوية لها في الفضل، وفضل عائشة على النساء كفضل الثريد على سائر الطعام.
وقوله: (وَآتَيْنَاهُمْ مِنَ الآيَاتِ) أي: [من] الحجج والبراهين وخوارق العادات (مَا فِيهِ بَلاءٌ مُبِينٌ) أي: اختبار ظاهر جلي لمن اهتدى به.