Sesungguhnya orang-orang yang kafir dan menghalang-halangi (orang lain) dari jalan Allah serta memusuhi rasul setelah ada petunjuk yang jelas bagi mereka, mereka tidak akan dapat memberi mudarat (bahaya) kepada Allah sedikit pun. Dan kelak Allah akan menghapus segala amal mereka
لِ الإيمانِ به من أصحابِ رسولِ اللَّهِ ﷺ: ولَنَبْلُوَنَّكم أيُّها المؤمنون بالقتلِ وجهادِ أعداءِ اللَّهِ، ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ﴾. يقولُ: حتى يَعْلَمَ حزبِى وأوليائى أهلَ الجهاد في اللَّهِ منكم، وأهلَ الصبرِ على قتالِ أعدائِه، فيَظْهَرَ ذلك لهم، ويُعْرَفَ ذوو البصائرِ منكم في دينِه من ذوى الشكِّ والحَيرةِ فيه،
وأهلُ الإيمانِ من أهلِ النفاقِ، ﴿وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾ فنَعْرِفَ الصادقَ منكم من الكاذبِ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. وقولَه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ﴾ [البقرة: ١٥٥]. ونحوَ هذا، قال: أخبَر اللَّهُ سبحانه المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبْتَلِيهم فيها، وأمَرهم بالصبرِ وبشَّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾.
ونحوَ هذا، قال: أخبَر اللَّهُ سبحانه المؤمنين أن الدنيا دارُ بلاءٍ، وأنه مُبْتَلِيهم فيها، وأمَرهم بالصبرِ وبشَّرهم، فقال: ﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾. ثم أخبَرهم أنه هكذا فعَل بأنبيائِه وصفوتِه؛ لتَطِيبَ أنفسُهم، فقال: ﴿مَسَّتْهُمُ الْبَأْسَاءُ وَالضَّرَّاءُ وَزُلْزِلُوا﴾ [البقرة: ٢١٤]. فالبأساءُ الفقرُ، والضراءُ السَّقَمُ، وزُلزلوا بالفتنِ وأذَى الناسِ إيَّاهم.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه ﷿: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ﴾. قال: نَخْتَبِرُكم. البلوى الاختبارُ. وقرَأ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢،١].
قال: نَخْتَبِرُكم. البلوى الاختبارُ. وقرَأ: ﴿الم (١) أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾ [العنكبوت:٢،١]. قال: لا يُختَبرون، ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾ الآية [العنكبوت: ٣].
واختلَفت القرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ حَتَّى نَعْلَمَ الْمُجَاهِدِينَ مِنْكُمْ وَالصَّابِرِينَ وَنَبْلُوَ أَخْبَارَكُمْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامةُ قرأةِ الأمصارِ بالنونِ "ونَبْلُو"
و ﴿نَعْلَمَ﴾، و ﴿وَنَبْلُوا﴾ على وجهِ الخبرِ من اللهِ ﷻ عن نفسِه، سوى عاصمٍ؛ فإنه قرَأ جميعَ ذلك بالياءِ. والنونُ هي القراءةُ عندَنا؛ لإجماعِ الحجةِ من القرَأةِ عليها، وإن كان للأخرى وجةٌ صحيحٌ.
وقولُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: إن الذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وصدُّوا الناسَ عن دينِه الذي ابتَعث به رسلَه، ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾.
رُه: إن الذين جحَدوا توحيدَ اللَّهِ، وصدُّوا الناسَ عن دينِه الذي ابتَعث به رسلَه، ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى﴾. يقولُ: وخالَفوا رسولَه محمدًا ﷺ، فحارَبوه وآذَوه من بعدِ ما علِموا أنه نبيٌّ مبعوثٌ، ورسولٌ مرسَلٌ، وعرَفوا الطريقَ الواضحَ بمعرفتِه، وأنه للَّهِ رسولٌ.
وقولهُ: ﴿لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا﴾. لأن اللَّهَ بالغُ أمرِه، وناصرُ رسولِه ومُظهِرُه على مَن عاداه وخالَفه، ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ﴾. يقولُ: وسيُذْهِبُ أعمالَهم التي عمِلوها في الدنيا فلا يَنْفَعُهم بها في الدنيا و الآخرةِ، ويُبْطِلُها إلا مما يَضُرُّهم.
﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيْئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالَهُمْ (٣٢) يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ (٣٣) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ (٣٤) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ (٣٥)﴾.
يخبر تعالى عمن كفر وصد عن سبيل الله، وخالف الرسول وشاقه، وارتد عن الإيمان من بعد ما تبين له الهدى: أنه لن يضر الله شيئًا، وإنما يضر نفسه ويخسرها يوم معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات.
معادها، وسيحبط الله عمله فلا يثيبه على سالف ما تقدم من عمله الذي عقبه بردته مثقال بعوضة من خير، بل يحبطه ويمحقه بالكلية، كما أن الحسنات يذهبن السيئات.
وقد قال الإمام محمد بن نصر المروزي في كتاب الصلاة: حدثنا أبو قدامة، حدثنا وكيع، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: كان أصحاب رسول الله ﷺ يظنون أنه لا يضر مع "لا إله إلا الله" ذنب، كما لا ينفع مع الشرك عمل، فنزلت: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) فخافوا أن يبطل الذنب العمل.
ثم روى من طريق عبد الله بن المبارك: أخبرني بكير بن معروف، عن مقاتل بن حيان، عن نافع، عن ابن عمر قال: كنا معشر أصحاب رسول الله ﷺ نرى أنه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟
نه ليس شيء من الحسنات إلا مقبول، حتى نزلت: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ)، فقلنا: ما هذا الذي يبطل أعمالنا؟ فقلنا: الكبائر الموجبات والفواحش، حتى نزلت: ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ [النساء: ٤٨]، فلما نزلت كففنا عن القول في ذلك، فكنا نخاف على من أصاب الكبائر والفواحش، ونرجو لمن لم يصيبها.
ثم أمر تعالى عباده المؤمنين بطاعته وطاعة رسوله التي هي سعادتهم في الدنيا والآخرة، ونهاهم عن الارتداد الذي هو مبطل للأعمال؛ ولهذا قال: (وَلا تُبْطِلُوا أَعْمَالَكُمْ) أي: بالردة؛ ولهذا قال بعدها: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ مَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.
َهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ)، كقوله ﴿إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ الآية.
ثم قال لعباده المؤمنين: (فَلا تَهِنُوا) أي: لا تضعفوا عن الأعداء، (وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ) أي: المهادنة والمسالمة، ووضع القتال بينكم وبين الكفار في حال قوتكم وكثرة عَدَدِكم وعُدَدِكُمْ؛ ولهذا قال: (فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الأعْلَوْنَ) أي: في حال علوكم على عدوكم، فأما إذا كان الكفار فيهم قوة وكثرة بالنسبة إلى جميع المسلمين، ورأى الإمام في المعاهدة والمهادنة مصلحة، فله أن يفعل ذلك، كما فعل رسول الله ﷺ حين صده كفار قريش عن مكة، ودعوه إلى الصلح ووضع الحرب بينهم وبينه عشر سنين، فأجابهم إلى ذلك.
وقوله: (وَاللَّهُ مَعَكُمْ) فيه بشارة عظيمة بالنصر والظفر على الأعداء، (وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ) أي: ولن يحبطها ويبطلها ويسلبكم إياها، بل يوفيكم ثوابها ولا ينقصكم منها شيئا.
قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَشَاقُّوا الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى لَنْ يَضُرُّوا اللَّهَ شَيئًا وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾.
الظاهر أن (صدوا) في هذه الآية متعدية، والمفعول محذوف، أي كفروا وصدوا غيرهم عن سبيل الله، فهم ضالون مضلون.
وقد قدمنا في سورة النحل في الكلام على قوله تعالى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ﴾ الآية، أن التأسيس مقدم على التوكيد كما هو مقرر في الأصول.
و (صدوا) هنا، إن قُدِّرَتْ لازمة فمعنى الصدود الكفر، فتكون كالتوكيد لقوله: (كفروا).
وإن قدرت متعدية كان ذلك تأسيسًا؛ لأن قوله: (كفروا) يدل على كفرهم في أنفسهم، وقوله: (وصدوا) على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق.
قدرت متعدية كان ذلك تأسيسًا؛ لأن قوله: (كفروا) يدل على كفرهم في أنفسهم، وقوله: (وصدوا) على أنه متعد يدل على أنهم حملوا غيرهم على الكفر وصدوه عن الحق. وهذا أرجح مما قبله.
وقوله تعالى في الآية الكريمة: ﴿وَشَاقُّوا الرَّسُولَ﴾ أي خالفوا محمدًا ﷺ مخالفة شديدة.
وقد دلت هذه الآية الكريمة على أمرين:
أحدهما: أن الذين كفروا وصدوا غيرهم عن الحق وخالفوه ﷺ لن يضروا الله بكفرهم شيئًا، لأنه غني لذاته الغنى المطلق.
والثاني: أنهم إنما يضرون بذلك أنفسهم، لأن ذلك الكفر سبب لإِحباط أعمالهم، كما قال تعالى: ﴿وَسَيُحْبِطُ أَعْمَالهُمْ (٣٢)﴾.
وهذان الأمران اللذان تضمنتهما هذه الآية الكريمة جاءا موضحين في آيات من كتاب الله.
فمن الآيات الدالة على الأول، الذي هو غنى الله عن خلقه، وعدم تضرره بمعصيتهم: قوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالمِينَ (٩٧)﴾.
وقوله تعالى: ﴿إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْكُمْ﴾.