Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-An'am › Ayat 76

QS 6:76

Surah Al-An'am (الأنعام) ayat 76

6:76
فَلَمَّا جَنَّ عَلَيۡهِ ٱلَّيۡلُ رَءَا كَوۡكَبٗاۖ قَالَ هَٰذَا رَبِّيۖ فَلَمَّآ أَفَلَ قَالَ لَآ أُحِبُّ ٱلۡأٓفِلِينَ
Ketika malam telah menjadi gelap, dia (Ibrahim) melihat sebuah bintang (lalu) dia berkata, "Inilah Tuhanku." Maka ketika bintang itu terbenam dia berkata, "Aku tidak suka kepada yang terbenam
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 75Ayat 77 →

Tafsir dalam korpus (70 potongan)

QS 6:76 (jilid 9 hlm. 354) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 354 · #61599
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦)﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: فلمَّا واراه الليلُ وغيَّبه. يقالُ منه: جنَّ عليه الليلُ، وجَنَّه الليلُ، وأجَنَّه، وأَجَنَّ عليه. وإذا أُلْقِيَت "على"، كان الكلامُ بالألفِ أَفْصَحَ منه بغيرِ الألفِ: أَجَنَّه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: أَجَنَّ عليه، و: جَنَّ عليه الليلُ، أَفْصَحُ مِن: جَنَّه. وكلُّ ذلك مقولٌ مسموعٌ مِن العربِ. وجَنَّه الليلُ في أَسَدٍ، وأجَنَّهُ وجَنَّه في تَميمٍ. والمصدرُ مِن: جَنَّ عليه، جَنًّا وجُنُونًا وجَنَانًا. ومِن: أجَنَّ، إِجْنانًا. ويقال: أَتَى فلانٌ في جِنِّ الليلِ. والجِنُّ مِن ذلك؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا عن أعينِ بني آدمَ فلا يُرَوْن، وكلُّ ما تَوارَى عن أبصارِ الناسِ فإن العربَ تقولُ فيه: قد جَنَّ.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 355) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 355 · #61600
ي جِنِّ الليلِ. والجِنُّ مِن ذلك؛ لأنهم اسْتَجَنُّوا عن أعينِ بني آدمَ فلا يُرَوْن، وكلُّ ما تَوارَى عن أبصارِ الناسِ فإن العربَ تقولُ فيه: قد جَنَّ. ومنه قولُ الهُذَليِّ: وماءٍ ورَدْتُ [قُبَيْلَ الكَرَى] … وقد جَنَّه السَّدَفُ الأَدْهَمُ وقال عَبيدٌ: وخَرْقٍ تَصِيحُ البُومُ فيه مع الصَّدَى … مَخُوفٍ إذا ما جنَّه الليلُ مَرْهْوبِ ومنه: أجْنَنْتُ الميتَ، إذا وارَيْتَه في اللَّحْدِ، وجنَنْتُه. وهو نظيرُ جُنونِ الليلِ، في معنى: غطَّيْتُه. ومنه قيل للتُّرْسِ: مِجَنٌّ. لأنه يُجِنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ به فيُغَطِّيه ويُوارِيه. وقولُه: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 355) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 355 · #61601
ظيرُ جُنونِ الليلِ، في معنى: غطَّيْتُه. ومنه قيل للتُّرْسِ: مِجَنٌّ. لأنه يُجِنُّ مَنِ اسْتَجَنَّ به فيُغَطِّيه ويُوارِيه. وقولُه: ﴿رَأَى كَوْكَبًا﴾. يقولُ: أَبْصَر كوكبًا حينَ طَلَع، ﴿قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. فرُوِي عن ابنِ عباسٍ في ذلك ما حدَّثني به المثنى، قال: ثنا أبو صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ﴾: يعني به الشمسَ والقمرَ والنجومَ، ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ فعبَده حتى غاب، فلمَّا غاب قال: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فعبَدها حتى غابَت، فلمَّا غابَت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 356) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 356 · #61602
الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾، ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فعبَدها حتى غابَت، فلمَّا غابَت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ﴾. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾: علِم أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ. فقرَأ حتى بلَغ: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾: [فرأى خلقًا] هو أكبرُ مِن الخلقَيْن الأوَّلَيْن وأنورُ. وكان سببَ قِيلِ إبراهيمَ ذلك ما حدَّثني به محمدُ بنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ ابنُ الفضلِ، قال: ثني محمدُ بنُ إسحاقَ: فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن آزرَ كان رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، من قريةٍ بالسَّوادِ، سوادِ الكوفةِ، وكان إذ ذاك مُلْكُ المشرقِ
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 356) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 356 · #61603
ني محمدُ بنُ إسحاقَ: فيما ذُكِر لنا - واللهُ أعلمُ - أن آزرَ كان رجلًا مِن أهلِ كُوثَى، من قريةٍ بالسَّوادِ، سوادِ الكوفةِ، وكان إذ ذاك مُلْكُ المشرقِ لنُمْرُودَ، فلمَّا أراد اللهُ أن يَبْعَثَ إبراهيمَ حُجَّةً على قومِه، ورسولًا إلى عبادِه، ولم يَكُنْ فيما بينَ نوحٍ وإبراهيمَ نبيٌّ إلا هودٌ وصالحٌ، فلمَّا تَقارَب زمانُ إبراهيمَ الذي أراد اللهُ ما أراد، أتَى أصحابُ النجومِ نُمْرودَ، فقالوا له: تَعَلَّمْ أَنا نَجِدُ فِي عِلْمِنا أن غلامًا يُولَدُ في قريتِك هذه، يقالُ له: إبراهيمُ. يُفارِقُ دينَكم، ويَكْسِرُ أوثانَكم، في شهرِ كذا وكذا، من سنةِ كذا وكذا.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 357) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 357 · #61604
َنا نَجِدُ فِي عِلْمِنا أن غلامًا يُولَدُ في قريتِك هذه، يقالُ له: إبراهيمُ. يُفارِقُ دينَكم، ويَكْسِرُ أوثانَكم، في شهرِ كذا وكذا، من سنةِ كذا وكذا. فلما دخَلَت السنةُ التي وصَف أصحابُ النجومِ لنُمْرودَ، بعَث نُمْرودُ إلى كلِّ امرأةٍ حُبْلَى بقريتِه، فحبَسَها عندَه - إلا ما كان مِن أمِّ إبراهيمَ امرأةِ آزرَ، فإنه لم يُعْلَمْ بحبَلِها، وذلك أنها كانت ١ مرأةً حَدَثَةً فيما يُذْكَرُ، لم يُعْرَفِ الحَبَلُ في بطنِها، ولِمَا أراد اللهُ أن يَبْلُغَ بولدِها - يُريدُ أن يَقْتُلَ كلَّ غلامٍ وُلِد في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ، حَذَرًا على مُلْكِه، فَجَعَل لَا تَلِدُ امرأةٌ غلامًا في ذلك الشهرِ مِن تلك السنةِ إلا أمَر به فذُبِح، فلمَّا وجَدَت أَمُّ إبراهيمَ الطَّلْقَ، خَرَجَت ليلًا إلى مغارةٍ كانت قريبًا منها، فولَدَت فيها إبراهيمَ، وأصْلَحَت مِن شأنِه ما يُصْنَعُ بالمولودِ، ثم سَدَّت عليه المغارةَ، ثم رجَعَت إلى بيتِها، ثم كانت تُطالِعُه في المغارةِ، فتَنْظُرُ ما فعَل، فتَجِدُه حيًّا يَمُصُّ
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 357) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 357 · #61605
ن شأنِه ما يُصْنَعُ بالمولودِ، ثم سَدَّت عليه المغارةَ، ثم رجَعَت إلى بيتِها، ثم كانت تُطالِعُه في المغارةِ، فتَنْظُرُ ما فعَل، فتَجِدُه حيًّا يَمُصُّ إبْهامَه، يَزْعُمون - واللهُ أعلمُ - أن اللهَ جعَل رزقَ إبراهيمَ فيها، [وما] يجِيئُه من مصِّه، وكان آزرُ فيما يَزْعُمون، سأَل أمَّ إبراهيمَ عن حمْلِها: ما فعَل؟ فقالت: ولَدْتُ غلامًا فمات. فصدَّقَها، فسكَت عنها، وكان اليومُ، فيما يَذْكُرون، على إبراهيمَ في الشَّبابِ كالشهرِ، والشهرُ كالسنةِ، فلم يَلْبَثْ إبراهيمُ في المغارةِ إلا [خمسةَ عشَرَ شهرًا]، حتى قال لأمِّه: أخْرِجِيني أَنْظُرْ. فأخرَجَته عِشاءً، فنظَر وتفَكَّر في خلقِ السماواتِ والأرضِ، وقال: إن الذي خلَقَني ورزَقَني وأطْعَمَني وسقاني لرَبي، مالي إلهٌ غيرُه. ثم نظَر في السماءِ فرأَى كوكبًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم اتَّبَعَه يَنْظُرُ إليه ببصرِه حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثم أطْلَع القمرُ فرآه بازغًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 358) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 358 · #61606
بِّي﴾. ثم اتَّبَعَه يَنْظُرُ إليه ببصرِه حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ﴾، ثم أطْلَع القمرُ فرآه بازغًا، قال: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. ثم أتْبَعَه بصرَه حتى غاب، ﴿فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ فلمَّا دخَل عليه النهارُ وطَلَعت الشمسُ، أعظَمَ الشمسَ، ورأَى شيئًا هو أعظمَ نورًا مِن كلِّ شيءٍ رآه قبلَ ذلك، فقال: ﴿هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ﴾ فلما أفلت قال: ﴿يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 358) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 358 · #61607
إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. ثم رجَع إبراهيمُ إلى أبيه آزرَ وقد اسْتَقامت وِجْهتُه، وعرَف ربَّه، وبرِئ مِن دينِ قومِه، إلا أنه لم يُبادِهم بذلك، وأخْبرَه أنه ابنُه، وأَخْبَرَته أمُّ إبراهيمَ أنه ابنُه، وأَخْبَرَته بما كانت صنَعَت في شأنِه، فسُرَّ بذلك آزرُ وفرِح فرحًا شديدًا، وكان آزرُ يَصْنَعُ أصنامَ قومِه التي يَعْبُدونها، ثم يُعْطِيها إبراهيمَ يَبِيعُها، فيَذْهَبُ بها إبراهيمُ فيما يَذْكُرون، فيقولُ: مَن يَشْتَرِى مَا يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه؟ فلا يَشْتَرِيها منه أحدٌ، وإذا بارَت عليه، ذهَب بها إلى نهرٍ، فصوَّب فيه رءوسَها، وقال: اشْرَبي.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 358) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 358 · #61608
ن، فيقولُ: مَن يَشْتَرِى مَا يَضُرُّه ولا يَنْفَعُه؟ فلا يَشْتَرِيها منه أحدٌ، وإذا بارَت عليه، ذهَب بها إلى نهرٍ، فصوَّب فيه رءوسَها، وقال: اشْرَبي. اسْتِهزاءً بقومِه، وما هم عليه من الضلالِة، حتى فشا عيبُه إياها واستهزاؤُه بها في قومِه وأهلِ قريتِه، مِن غيرِ أن يَكونَ ذلك بلَغ نُمْرودَ الملكَ. وأنْكَر قومٌ من غيرِ أهلِ الرِّوايةِ هذا القولَ الذي رُوِي عن ابنِ عباسٍ، وعمَّن رُوِي عنه، من أن إبراهيمَ قال للكوكبِ أو للقمرِ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. وقالوا: غيرُ جائزٍ أن يكونَ للهِ نبيٌّ ابْتَعَثه بالرسالةِ، أتَى عليه وقتٌ من الأوقاتِ وهو بالغٌ، إلا وهو للهِ مُوَحِّدٌ، وبه عارفٌ، ومِن كلِّ ما يُعْبَدُ مِن دونِه بَرِئٌ. قالوا: ولو جاز أن يكونَ قد أتَى عليه بعضُ الأوقاتِ وهو به كافرٌ، لم يَجُزْ أن يَخْتَصَّه بالرسالةِ؛ لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيرِه منِ أهلِ الكفر به مثلُه، وليس بينَ اللهِ وبينَ أحدٍ مِن خلقِه مُناسبةٌ فيُحابِيَه باخْتِصاصِه بالكرامةِ.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 359) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 359 · #61609
َه بالرسالةِ؛ لأنه لا معنى فيه إلا وفي غيرِه منِ أهلِ الكفر به مثلُه، وليس بينَ اللهِ وبينَ أحدٍ مِن خلقِه مُناسبةٌ فيُحابِيَه باخْتِصاصِه بالكرامةِ. قالوا: وإنما أَكْرَم مَن أَكْرَم منهم لفضلِه في نفسِه، فأثابه لاسْتِحقاقِه الثوابَ بما أثابه مِن الكرامةِ. وزعَموا أن خبرَ اللهِ عن قيلِ إبراهيمَ عندَ رؤيتِه الكوكبَ، أو القمرَ، أو الشمسَ: ﴿هَذَا رَبِّي﴾. لم يَكُن لجهلِه بأن ذلك غيرُ جائزٍ أن يَكونَ ربَّه، وإنما قال ذلك على وجهِ الإنكارِ منه أن يكونَ ذلك ربَّه، وعلى العيبِ لقومِه في عبادتِهم الأصنامَ، إذ كان الكوكبُ والقمرُ والشمسُ أضْوَأَ وأحسنَ وأبهجَ مِن الأصنامِ، ولم تكنْ مع ذلك معبودةً، وكانت آفِلةً زائلةً غيرَ دائمةٍ، والأصنامُ التي دونَها في الحسنِ، وأصغرُ منها في الجسمِ، أحقُّ ألا تَكونَ معبودةً ولا آلهةً.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 359) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 359 · #61610
ولم تكنْ مع ذلك معبودةً، وكانت آفِلةً زائلةً غيرَ دائمةٍ، والأصنامُ التي دونَها في الحسنِ، وأصغرُ منها في الجسمِ، أحقُّ ألا تَكونَ معبودةً ولا آلهةً. قالوا: وإنما قال ذلك لهم مُعارَضةً، كما يقولُ أحدُ المُتنَاظِرَيْن لصاحبِه، مُعارِضًا له في قولٍ باطلٍ قال به بباطلٍ مِن القولِ، على وجهِ مُطالَبتِه إياه بالفُرْقانِ بينَ القولين الفاسدَين عندَه، اللذين يُصَحِّحُ خَصْمُه أَحدَهما ويَدَّعِي فسادَ الآخرِ. وقال آخَرون منهم: بل ذلك كان منه في حالِ طُفُولتِه، وقبلَ قيامِ الحُجَّةِ عليه، وتلك حالٌ لا يكونُ فيها كفرٌ ولا إيمانٌ. وقال آخَرون منهم: إنما معنى الكلامِ: أهذا ربِّي؟ على وجهِ الإنكارِ والتَّوبيخِ؛ أي: ليس هذا ربِّي. وقالوا: قد تَفْعَلُ العربُ مثلَ ذلك، فتَحْذِفُ الألفَ التي تَدُلُّ على معنى الاستفهامِ. وزعَموا أن مِن ذلك قولَ الشاعرِ: رفَوْني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ … فقلتُ وأَنْكَرْتُ الوُجوهَ هُمُ هُمُ؟ يعني: أهم هم؟
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 360) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 360 · #61611
ُّ على معنى الاستفهامِ. وزعَموا أن مِن ذلك قولَ الشاعرِ: رفَوْني وقالوا يا خُوَيْلِدُ لا تُرَعْ … فقلتُ وأَنْكَرْتُ الوُجوهَ هُمُ هُمُ؟ يعني: أهم هم؟ قالوا: ومِن ذلك قولُ أوسٍ: لعَمْرُك ما أَدْرِى [وإن كنتُ دارِيًا] … شُعَيْثُ ابْنُ سَهْمٍ أم شُعَيْثُ ابن مِنْقَرِ؟ بمعنى: أشُعَيْثُ بنُ سهمٍ؟ فحذَف الألفَ. ونظائر ذلك. وأما تذكيرُ ﴿هَذَا﴾ في قولِه: ﴿فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾. فإنما هو على معنى: هذا الشيءُ الطالعُ ربِّي. وفي خبرِ اللهِ تعالى عن قيلِ إبراهيمَ حينَ أَفَلَ القمرُ: ﴿لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ﴾ الدليلُ على خطأِ هذه الأقوالِ التي قالها هؤلاء القومُ، وأن الصوابَ مِن القولِ في ذلك الإقرارُ بخبرِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي أخْبَر به عنه، والإعراضُ عما عداه. وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾.
QS 6:76 (jilid 9 hlm. 361) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 9 · hlm. 361 · #61612
ا هؤلاء القومُ، وأن الصوابَ مِن القولِ في ذلك الإقرارُ بخبرِ اللهِ تعالى ذكرُه الذي أخْبَر به عنه، والإعراضُ عما عداه. وأما قولُه: ﴿فَلَمَّا أَفَلَ﴾. فإن معناه: فلما غاب وذهَب. كما حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: الأُفولُ الذَّهابُ. يقالُ منه: أَفَلَ النجمُ يَأْفُلُ ويَأْفِلُ أُفُولًا [وأَفَلًا]، إذا غاب. ومنه قولُ ذي الرُّمَّةِ: مَصابيحُ ليست باللَّواتي يَقودُها … نُجومٌ ولا بالآفلاتِ الدَّوالِكِ ويقالُ: أين أفَلْتَ عنا؟ بمعنى: أين غِبْتَ عنا؟
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 288) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 288 · #85496
﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٧٤) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزرُ، إنما كان اسمه تارح.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 288) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 288 · #85497
السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩)﴾ قال الضحاك، عن ابن عباس: إن أبا إبراهيم لم يكن اسمه آزرُ، إنما كان اسمه تارح. رواه ابن أبي حاتم. وقال أيضا: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم النبيل، حدثنا أبي، حدثنا أبو عاصم شبيب، حدثنا عِكْرِمة، عن ابن عباس في قوله: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ) يعني بآزر: الصنم، وأبو إبراهيم اسمه تارح، وأمه اسمها مثاني، وامرأته اسمها سارة، وأم إسماعيل اسمها هاجر، وهي سرية إبراهيم. وهكذا قال غير واحد من علماء النسب: إن اسمه تارح. وقال مجاهد والسُّدِّي: آزر: اسم صنم. قلت: كأنه غلب عليه آزر لخدمته ذلك الصنم، فالله أعلم وقال ابن جرير: وقال آخرون: "هو سب وعيب بكلامهم، ومعناه: مُعْوَج" ولم يسنده ولا حكاه عن أحد. وقد قال ابن أبي حاتم: ذُكر عن مُعْتَمِر بن سليمان، سمعت أبي يقرأ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ) قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم، ﵇. ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 289) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 289 · #85498
أبي يقرأ: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ) قال: بلغني أنها أعوج، وأنها أشد كلمة قالها إبراهيم، ﵇. ثم قال ابن جرير: والصواب أن اسم أبيه آزر. ثم أورد على نفسه قول النسابين أن اسمه تارح، ثم أجاب بأنه قد يكون له اسمان، كما لكثير من الناس، أو يكون أحدهما لقبا وهذا الذي قاله جيد قوي، والله أعلم. واختلف القراء في أداء قوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ) فحكى ابن جرير عن الحسن البصري وأبي يزيد المدني أنهما كانا يقرآن: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) معناه: يا آزر، أتتخذ أصناما آلهة. وقرأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله: (لأبِيهِ) أو عطف بيان، وهو أشبه. وعلى قول من جعله نعتًا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 289) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 289 · #85499
رأ الجمهور بالفتح، إما على أنه علم أعجمي لا ينصرف، وهو بدل من قوله: (لأبِيهِ) أو عطف بيان، وهو أشبه. وعلى قول من جعله نعتًا لا ينصرف أيضا كأحمر وأسود. فأما من زعم أنه منصوب لكونه معمولا لقوله: (أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا) تقديره: يا أبت، أتتخذ آزر أصناما آلهة، فإنه قول بعيد في اللغة؛ لأن ما بعد حرف الاستفهام لا يعمل فيما قبله؛ لأن له صدر الكلام، كذا قرره ابن جرير وغيره. وهو مشهور في قواعد العربية العربية. والمقصود أن إبراهيم، ﵇، وعظ أباه في عبادة الأصنام، وزجره عنها، ونهاه فلم ينته، كما قال: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لأبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آلِهَةً) أي: أتتأله لصنم تعبده من دون الله، (إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ) أي: السالكين مسلكك (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل صحيح.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 289) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 289 · #85500
قَوْمَكَ) أي: السالكين مسلكك (فِي ضَلالٍ مُبِينٍ) أي: تائهين لا يهتدون أين يسلكون، بل في حيرة وجهل وأمركم في الجهالة والضلال بين واضح لكل ذي عقل صحيح. وقال تعالى: ﴿وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِبْرَاهِيمَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقًا نَبِيًّا * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ يَا أَبَتِ لِمَ تَعْبُدُ مَا لا يَسْمَعُ وَلا يُبْصِرُ وَلا يُغْنِي عَنْكَ شَيْئًا * يَا أَبَتِ إِنِّي قَدْ جَاءَنِي مِنَ الْعِلْمِ مَا لَمْ يَأْتِكَ فَاتَّبِعْنِي أَهْدِكَ صِرَاطًا سَوِيًّا * يَا أَبَتِ لا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَنِ عَصِيًّا * يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِنَ الرَّحْمَنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا * قَالَ أَرَاغِبٌ أَنْتَ عَنْ آلِهَتِي يَا إِبْرَاهِيمُ لَئِنْ لَمْ تَنْتَهِ لأَرْجُمَنَّكَ وَاهْجُرْنِي مَلِيًّا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 289) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 289 · #85501
ا * قَالَ سَلامٌ عَلَيْكَ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا * وَأَعْتَزِلُكُمْ وَمَا تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَأَدْعُو رَبِّي عَسَى أَلا أَكُونَ بِدُعَاءِ رَبِّي شَقِيًّا﴾ [مريم: ٤١ - ٤٨]، فكان إبراهيم، ﵇، يستغفر لأبيه مدة حياته، فلما مات على الشرك وتبين إبراهيم ذلك، رجع عن الاستغفار له، وتبرأ منه، كما قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاهِيمَ لأَبِيهِ إِلا عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَهَا إِيَّاهُ فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنْهُ إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لأَوَّاهٌ حَلِيمٌ﴾ [التوبة: ١١٤]. وثبت في الصحيح: أن إبراهيم يلقى أباه آزر يوم القيامة فيقول له أبوه: يا بني، اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزي من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 290) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 290 · #85502
ه أبوه: يا بني، اليوم لا أعصيك، فيقول إبراهيم: أي رب، ألم تعدني أنك لا تخزني يوم يبعثون وأي خزي أخزي من أبي الأبعد؟ فيقال: يا إبراهيم، انظر ما وراءك. فإذا هو بذيخ متلطخ فيؤخذ بقوائمه، فيلقى في النار وقوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ) أي: تبين له وجه الدلالة في نظره إلى خلقهما على وحدانية الله، ﷿، في ملكه وخلقه، وإنه لا إله غيره ولا رب سواه، كقوله ﴿قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [يونس: ١٠١]، وقال ﴿أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ﴾ [الأعراف: ١٨٥]، وقال ﴿أَفَلَمْ يَرَوْا إِلَى مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ مِنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩].
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 290) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 290 · #85503
أَرْضِ إِنْ نَشَأْ نَخْسِفْ بِهِمُ الأَرْضَ أَوْ نُسْقِطْ عَلَيْهِمْ كِسَفًا مِنَ السَّمَاءِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾ [سبأ: ٩]. فأما ما حكاه ابن جرير وغيره، عن مجاهد، وعَطاء، وسعيد بن جُبَيْر، والسُّدِّي، وغيرهم قالوا -واللفظ لمجاهد -: فرجت له السموات، فنظر إلى ما فيهن، حتى انتهى بصره إلى العرش، وفرجت له الأرضون السبع، فنظر إلى ما فيهن -وزاد غيره -: فجعل ينظر إلى العباد على المعاصي فيدعوا عليهم، فقال الله له: إني أرحم بعبادي منك، لعلهم أن يتوبوا وَيُرَاجِعُوا. وقد روى ابن مَرْدُوَيه في ذلك حديثين مرفوعين، عن معاذ، وعلي [بن أبي طالب] ولكن لا يصح إسنادهما، والله أعلم. وروى ابن أبي حاتم من طريق العَوْفي عن ابن عباس في قوله: (وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) فإنه تعالى جلا لَهُ الأمر؛ سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 290) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 290 · #85504
نَ الْمُوقِنِينَ) فإنه تعالى جلا لَهُ الأمر؛ سره وعلانيته، فلم يخف عليه شيء من أعمال الخلائق، فلما جعل يلعن أصحاب الذنوب قال الله: إنك لا تستطيع هذا. فرده [الله] -كما كان قبل ذلك -فيحتمل أن يكون كشف له عن بصره، حتى رأى ذلك عيانا، ويحتمل أن يكون عن بصيرته حتى شاهده بفؤاده وتحققه وعرفه، وعلم ما في ذلك من الحكم الباهرة والدلالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، عن معاذ بن جبل [﵁] في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 290) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 290 · #85505
لالات القاطعة، كما رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه، عن معاذ بن جبل [﵁] في حديث المنام: "أتاني ربي في أحسن صورة فقال: يا محمد، فيم يختصم الملأ الأعلى؟ فقلت: لا أدري يا رب، فوضع كفه بين كتفي، حتى وجدت برد أنامله بين ثديي، فتجلى لي كل شيء وعرفت … " وذكر الحديث وقوله: (وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ) قيل: "الواو" زائدة، تقديره: وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض ليكون من الموقنين، كقوله: ﴿[وَكَذَلِكَ] نُفَصِّلُ الآيَاتِ وَلِتَسْتَبِينَ سَبِيلُ الْمُجْرِمِينَ﴾ [الأنعام: ٥٥]. وقيل: بل هي على بابها، أي نريه ذلك ليكون عالما وموقنا. وقوله: (فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ) أي: تغشاه وستره (رَأَى كَوْكَبًا) أي: نجما، (قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ) أي: غاب. قال محمد بن إسحاق بن يسار: "الأفول" الذهاب. وقال ابن جرير: يقال: أفل النجم يأفلُ ويأفِل أفولا وأفْلا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة. مصابيح ليست باللواتي تَقُودُها … نُجُومٌ، ولا بالآفلات الدوالك ويقال: أين أفلت عنا؟
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 291) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 291 · #85506
: أفل النجم يأفلُ ويأفِل أفولا وأفْلا إذا غاب، ومنه قول ذي الرمة. مصابيح ليست باللواتي تَقُودُها … نُجُومٌ، ولا بالآفلات الدوالك ويقال: أين أفلت عنا؟ بمعنى: أين غبت عنا؟ قال: (قَالَ لا أُحِبُّ الآفِلِينَ) قال قتادة: علم أن ربه دائم لا يزول، (فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا) أي: طالعا (قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ * فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي) أي: هذا المنير الطالع ربي (هَذَا أَكْبَرُ) أي: جرمًا من النجم ومن القمر، وأكثر إضاءة.: (فَلَمَّا أَفَلَتْ) أي: غابت، (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 291) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 291 · #85507
تُشْرِكُونَ * إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ) أي أخلصت ديني وأفردت عبادتي (لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ) أي: خلقهما وابتدعهما على غير مثال سبق. (حَنِيفًا) أي في حال كوني حَنِيفًا، أي: مائلا عن الشرك إلى التوحيد؛ ولهذا قال: (وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) وقد اختلف المفسرون في هذا المقام، هل هو مقام نظر أو مناظرة؟ فروى ابن جرير من طريق علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس ما يقتضي أنه مقام نظر، واختاره ابن جرير مستدلا بقوله: (لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي [لأكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ]) وقال محمد بن إسحاق: قال ذلك حين خرج من السّرب الذي ولدته فيه أمه، حين تخوفت عليه النمرود بن كنعان، لما أنْ قد أخبر بوجود مولود يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذٍ. فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سَرَبٍ ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 291) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 291 · #85508
يكون ذهاب ملكك على يديه، فأمر بقتل الغلمان عامئذٍ. فلما حملت أم إبراهيم به وحان وضعها، ذهبت به إلى سَرَبٍ ظاهر البلد، فولدت فيه إبراهيم وتركته هناك. وذكر أشياء من خوارق العادات، كما ذكرها غيره من المفسرين من السلف والخلف. والحق أن إبراهيم، ﵊، كان في هذا المقام مناظرا لقومه، مبينا لهم بطلان ما كانوا عليه من عبادة الهياكل والأصنام، فبين في المقام الأول مع أبيه خطأهم في عبادة الأصنام الأرضية، التي هي على صورة الملائكة السماوية، ليشفعوا لهم إلى الخالق العظيم الذين هم عند أنفسهم أحقر من أن يعبدوه، وإنما يتوسلون إليه بعبادة ملائكته، ليشفعوا لهم عنده في الرزق والنصر، وغير ذلك مما يحتاجون إليه. وبين في هذا المقام خطأهم وضلالهم في عبادة الهياكل، وهي الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 292) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 292 · #85509
الكواكب السيارة السبعة المتحيرة، وهي: القمر، وعطارد، والزهرة، والشمس، والمريخ، والمشترى، وزحل، وأشدهن إضاءة وأشرقهن عندهم الشمس، ثم القمر، ثم الزهرة. فبين أولا أن هذه الزهرة لا تصلح للإلهية؛ لأنها مسخرة مقدرة بسير معين، لا تزيغ عنه يمينًا ولا شمالا ولا تملك لنفسها تصرفا، بل هي جرم من الأجرام خلقها الله منيرة، لما له في ذلك من الحكم العظيمة، وهي تطلع من المشرق، ثم تسير فيما بينه وبين المغرب حتى تغيب عن الأبصار فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر. فبين فيه مثل ما تقدم في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 292) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 292 · #85510
فيه، ثم تبدو في الليلة القابلة على هذا المنوال. ومثل هذه لا تصلح للإلهية. ثم انتقل إلى القمر. فبين فيه مثل ما تقدم في النجم. ثم انتقل إلى الشمس كذلك. فلما انتفت الإلهية عن هذه الأجرام الثلاثة التي هي أنور ما تقع عليه الأبصار، وتحقق ذلك بالدليل القاطع، (قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ) أي: أنا بريء من عبادتهن وموالاتهن، فإن كانت آلهة، فكيدوني بها جميعا ثم لا تنظرون، (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ) أي: إنما أعبد خالق هذه الأشياء ومخترعها ومسخرها ومقدرها ومدبرها، الذي بيده ملكوت كل شيء، وخالق كل شيء وربه ومليكه وإلهه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 292) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 292 · #85511
يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأعراف: ٥٤] وكيف يجوز أن يكون إبراهيم [الخليل] ناظرا في هذا المقام، وهو الذي قال الله في حقه: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ﴾ الآيات [الأنبياء: ٥١، ٥٢]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ * وَآتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَإِنَّهُ فِي الآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ * ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 292) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 292 · #85512
ْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠ - ١٢٣]، وقال تعالى: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [الأنعام: ١٦١]. وقد ثبت في الصحيحين، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "كل مولود يولد على الفطرة" وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار؛ أن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إني خلقت عبادي حنفاء" وقال الله في كتابه العزيز: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ﴾ [الروم: ٣٠]، وقال تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ومعناه على أحد القولين، كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه.
QS 6:74-79 (jilid 3 hlm. 293) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 3 · hlm. 293 · #85513
َلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى﴾ [الأعراف: ١٧٢] ومعناه على أحد القولين، كقوله: ﴿فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا﴾ كما سيأتي بيانه. فإذا كان هذا في حق سائر الخليقة، فكيف يكون إبراهيم الخليل -الذي جعله الله ﴿أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [النحل: ١٢٠] ناظرا في هذا المقام؟! بل هو أولى الناس بالفطرة السليمة، والسجية المستقيمة بعد رسول الله ﷺ بلا شك ولا ريب. ومما يؤيد أنه كان في هذا المقام مناظرًا لقومه فيما كانوا فيه من الشرك لا ناظرا قوله تعالى
QS 6:76 (jilid 2 hlm. 236) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 236 · #97351
قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ الآيات، قوله: ﴿هَذَا رَبِّي﴾ في المواضع الثلاثة محتمل لأنه كان يظن ذلك، كما روي عن ابن عباس وغيره، ومحتمل لأنه جازم بعدم ربوبية غير الله، ومراده هذا ربي في زعمكم الباطل، أو أنه حذف أداة استفهام الإنكار، والقرآن يبين بطلان الأول، وصحة الثاني. أما بطلان الأول فالله تعالى نفي كون الشرك الماضي عن إبراهيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما.
QS 6:76 (jilid 2 hlm. 237) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 237 · #97352
إبراهيم في قوله: ﴿وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ (١٣٥)﴾ في عدة آيات، ونفي الكون الماضي يستغرق جميع الزمن الماضي، فثبت أنه لم يتقدم عليه شرك يوماً ما. وأما كونه جازماً موقناً بعدم ربوبية غير الله فقد دل عليه ترتيب قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قَالَ هَذَا رَبِّي﴾ إلى آخره "بالفاء" على قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (٧٥)﴾ فدل على أنه قال ذلك موقناً مناظراً ومحاجاً لهم، كما دل عليه قوله تعالى: ﴿وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ﴾ الآية. والعلم عند الله تعالى. •
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 317 · #118934
[سُورَة الْأَنْعَام (٦) : الْآيَات ٧٦ إِلَى ٧٩] فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَباً قالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ (٧٦) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً قالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (٧٧) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً قالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (٧٨) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (٧٩) فَلَمَّا جَنَّ تَفْرِيعٌ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧٥] بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: رَأى كَوْكَباً فَإِنَّ الْكَوْكَبَ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَقَوْلِهِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧٥] .
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 317 · #118935
لْكَوْكَبَ مِنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ، وَقَوْلِهِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧٥] . فَهَذِهِ الرُّؤْيَةُ الْخَاصَّةُ الَّتِي اهْتَدَى بِهَا إِلَى طَرِيق عَجِيب فِيهِ إبكات لِقَوْمِهِ ملجىء إِيَّاهُمْ لِلِاعْتِرَافِ بِفَسَادِ مُعْتَقَدِهِمْ، هِيَ فَرْعٌ مِنْ تِلْكَ الْإِرَاءَةِ الَّتِي عَمَّتْ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، لِأَنَّ الْعَطْفَ بِالْفَاءِ يَسْتَدْعِي مَزِيدَ الِاتِّصَالِ بَيْنَ الْمَعْطُوفِ وَالْمَعْطُوفِ عَلَيْهِ لِمَا فِي مَعْنَى الْفَاءِ مِنَ التَّفْرِيعِ وَالتَّسَبُّبِ، وَلِذَلِكَ نَعُدُّ جَعْلَ الزَّمَخْشَرِيَّ فَلَمَّا جَنَّ عَطْفًا عَلَى قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ [الْأَنْعَام: ٧٤] ، وَجَعْلَهُ مَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 317) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 317 · #118936
َ الزَّمَخْشَرِيَّ فَلَمَّا جَنَّ عَطْفًا عَلَى قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ [الْأَنْعَام: ٧٤] ، وَجَعْلَهُ مَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضًا، غَيْرَ رَشِيقٍ. وَقَوْلُهُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ أَيْ أَظْلَمَ اللَّيْلُ إِظْلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ، أَيْ كَانَ إِبْرَاهِيمُ مَحُوطًا بِظُلْمَةِ اللَّيْلِ، وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّهُ كَانَ تَحْتَ السَّمَاءِ وَلَمْ يَكُنْ فِي بَيْتٍ. وَيُؤْخَذُ مِنْ قَوْلِهِ بَعْدَهُ قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ أَنَّهُ كَانَ سَائِرًا مَعَ فَرِيقٍ مِنْ قَوْمِهِ يُشَاهِدُونَ الْكَوَاكِبَ، وَقَدْ كَانَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ صَابِئِينَ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَيُصَوِّرُونَ لَهَا أَصْنَامًا. وَتِلْكَ دِيَانَةُ الْكِلْدَانِيِّينَ قَوْمِ إِبْرَاهِيمَ. يُقَالُ: جَنَّهُ اللَّيْلُ، أَيْ أَخْفَاهُ، وَجَنَانُ اللَّيْلِ- بِفَتْحِ الْجِيمِ-، وَجَنَّهُ: سَتْرُهُ الْأَشْيَاءَ الْمَرْئِيَّةَ بِظَلَامِهِ الشَّدِيدِ. يُقَالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وَهُوَ الْأَصْلُ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 318 · #118937
اللَّيْلِ- بِفَتْحِ الْجِيمِ-، وَجَنَّهُ: سَتْرُهُ الْأَشْيَاءَ الْمَرْئِيَّةَ بِظَلَامِهِ الشَّدِيدِ. يُقَالُ: جِنَّهُ اللَّيْلُ، وَهُوَ الْأَصْلُ. وَيُقَالُ: جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ، وَهَذَا يُقْصَدُ بِهِ الْمُبَالَغَةُ فِي السَّتْرِ بِالظُّلْمَةِ حَتَّى صَارَتْ كَأَنَّهَا غِطَاءٌ، وَمَعَ ذَلِكَ لَمْ يَسْمَعْ فِي كَلَامِهِمْ جَنَّ اللَّيْلُ قَاصِرًا بِمَعْنَى أَظْلَمَ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: رَأى كَوْكَباً أَنَّهُ حَصَلَتْ لَهُ رُؤْيَةُ الْكَوَاكِبِ عَرَضًا مِنْ غَيْرِ قَصْدٍ لِلتَّأَمُّلِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْأُفُقَ فِي اللَّيْلِ مَمْلُوءٌ كواكب، وأنّ الْكَوَاكِب كَانَ حِينَ رَآهُ وَاضِحًا فِي السَّمَاءِ مُشْرِقًا بِنُورِهِ، وَذَلِكَ أَنْوَرُ مَا يَكُونُ فِي وَسَطِ السَّمَاءِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى كَوْكَبًا مِنْ بَيْنِهَا شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ الْكَوْكَبَ هُوَ الزُّهَرَةُ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 318 · #118938
َطِ السَّمَاءِ. فَالظَّاهِرُ أَنَّهُ رَأَى كَوْكَبًا مِنْ بَيْنِهَا شَدِيدَ الضَّوْءِ. فَعَنْ زَيْدِ بْنِ عَلِيٍّ أَنَّ الْكَوْكَبَ هُوَ الزُّهَرَةُ. وَعَنِ السُّدِّيِّ أَنَّهُ الْمُشْتَرِي. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَظَرَ الْكَوَاكِبَ فَرَأَى كَوْكَبًا فَيَكُونُ فِي الْكَلَامِ إِيجَازُ حَذْفٍ مِثْلُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصاكَ الْبَحْرَ فَانْفَلَقَ [الشُّعَرَاء: ٦٣] ، أَيْ فَضَرَبَ فَانْفَلَقَ. وَجُمْلَةُ رَأى كَوْكَباً جَوَاب فَلَمَّا. وَالْكَوْكَبُ: النَّجْمُ. وَجُمْلَةُ: قالَ هَذَا رَبِّي مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا جَوَابًا لِسُؤَالٍ يَنْشَأُ عَنْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ رَأى كَوْكَباً وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ: فَمَاذَا كَانَ عِنْد مَا رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: قالَ هَذَا رَبِّي جوبا لِذَلِكَ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 318 · #118939
ْ مَضْمُونِ جُمْلَةِ رَأى كَوْكَباً وَهُوَ أَنْ يَسْأَلَ سَائِلٌ: فَمَاذَا كَانَ عِنْد مَا رَآهُ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: قالَ هَذَا رَبِّي جوبا لِذَلِكَ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ هُنَا لِقَصْدِ تَمْيِيزِ الْكَوْكَبِ مِنْ بَيْنِ الْكَوَاكِب وَلَكِن إجراؤه عَلَى نَظِيرَيْهِ فِي قَوْلِهِ حِينَ رَأَى الْقَمَرَ وَحِينَ رَأَى الشَّمْسَ هَذَا رَبِّي- هَذَا رَبِّي يُعَيِّنُ أَنْ يَكُونَ الْقَصْدُ الْأَصْلِيُّ مِنْهُ هُوَ الْكِنَايَةُ بِالْإِشَارَةِ عَنْ كَوْنِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ أَمْرًا مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ فَإِذَا عُثِرَ عَلَيْهِ أُشِيرَ إِلَيْهِ، وَذَلِكَ كَالْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتابِ اللَّهِ إِلى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [الرّوم: ٥٦] ، وَقَوْلِهِ: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يُوسُف: ٣٢] وَلَمْ يُقَلْ فَهُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 318 · #118940
َهذا يَوْمُ الْبَعْثِ [الرّوم: ٥٦] ، وَقَوْلِهِ: قالَتْ فَذلِكُنَّ الَّذِي لُمْتُنَّنِي فِيهِ [يُوسُف: ٣٢] وَلَمْ يُقَلْ فَهُوَ الَّذِي لُمْتُنَّنِي. وَلَعَلَّ مِنْهُ قَوْلَهُ: هذِهِ بِضاعَتُنا رُدَّتْ إِلَيْنا [يُوسُف: ٦٥] إِذْ لَمْ يَقْتَصِرُوا عَلَى «بِضَاعَتُنَا رُدَّتْ إِلَيْنَا» . وَفِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» قَالَ الْأَحْنَفُ بْنُ قَيْسٍ: «ذَهَبْتُ لِأَنْصُرَ هَذَا الرَّجُلَ» (يَعْنِي عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ) وَلَمْ يَتَقَدَّمْ لَهُ ذِكْرٌ، لِأَنَّ عَلِيًّا وَشَأْنُهُ هُوَ الْجَارِي فِي خَوَاطِرِ النَّاسِ أَيَّامَ صِفِّينَ، وَسَيَأْتِي قَوْلُهُ تَعَالَى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ [الْأَنْعَام: ٨٩] يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَفِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ: «فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 318) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 318 · #118941
لُهُ تَعَالَى: فَإِنْ يَكْفُرْ بِها هؤُلاءِ [الْأَنْعَام: ٨٩] يَعْنِي كُفَّارَ قُرَيْشٍ، وَفِي حَدِيثِ سُؤَالِ الْقَبْرِ: «فَيُقَالُ لَهُ مَا عِلْمُكَ بِهَذَا الرَّجُلِ» (يَعْنِي الرَّسُول ﷺ ، وَهَذَا مِنَ الْأَغْرَاضِ الدَّاعِيَةِ لِلتَّعْرِيفِ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ الَّتِي أَهْمَلَهَا عُلَمَاءُ الْبَلَاغَةِ فَيَصِحُّ هُنَا أَنْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ. وَتَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذَا رَبٌّ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 319 · #118942
ْ يُجْعَلَ مُسْتَعْمَلًا فِي مَعْنَيَيْهِ الصَّرِيحِ وَالْكِنَايَةِ. وَتَعْرِيفُ الْجُزْأَيْنِ مُفِيدٌ لِلْقَصْرِ لِأَنَّهُ لَمْ يَقُلْ: هَذَا رَبٌّ. فَدَلَّ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ ﵇ أَرَادَ اسْتِدْرَاجَ قَوْمِهِ فَابْتَدَأَ بِإِظْهَارِ أَنَّهُ لَا يَرَى تَعَدُّدَ الْآلِهَةِ لِيَصِلَ بهم إِلَى التوحد وَاسْتَبْقَى وَاحِدًا مِنْ مَعْبُودَاتِهِمْ فَفَرَضَ اسْتِحْقَاقَهُ الْإِلَهِيَّةَ كَيْلَا يَنْفِرُوا مِنَ الْإِصْغَاءِ إِلَى اسْتِدْلَالِهِ. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إِنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ حَقِيقَتُهُ الْكَلَامُ، وَإِنَّمَا يُسَاقُ الْكَلَامُ إِلَى مُخَاطَبٍ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 319 · #118943
. وَظَاهِرُ قَوْلِهِ قالَ إِنَّهُ خَاطَبَ بِذَلِكَ غَيْرَهُ، لِأَنَّ الْقَوْلَ حَقِيقَتُهُ الْكَلَامُ، وَإِنَّمَا يُسَاقُ الْكَلَامُ إِلَى مُخَاطَبٍ. وَلِذَلِكَ كَانَتْ حَقِيقَةُ الْقَوْلِ هِيَ ظَاهِرُ الْآيَةِ مِنْ لَفْظِهَا وَمِنْ تَرْتِيبِ نَظْمِهَا إِذْ رَتَّبَ قَوْلَهُ فَلَمَّا جَنَّ عَلَى قَوْلِهِ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧٥] وَقَوْلِهِ: وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ [الْأَنْعَام: ٧٥] وَرَتَّبَ ذَلِكَ كُلَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً [الْأَنْعَام: ٧٤] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى:
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 319 · #118944
َلِكَ كُلَّهُ عَلَى قَوْلِهِ: وَإِذْ قالَ إِبْراهِيمُ لِأَبِيهِ آزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْناماً آلِهَةً [الْأَنْعَام: ٧٤] الْآيَةَ، وَلِقَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ هَذَا رَبِّي وَإِنَّمَا يَقُولُهُ لِمُخَاطَبٍ، وَلِقَوْلِهِ عَقِبَ ذَلِكَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، وَلِأَنَّهُ اقْتَصَرَ عَلَى إِبْطَالِ كَوْنِ الْكَوَاكِبِ آلِهَةً وَاسْتَدَلَّ بِهِ عَلَى بَرَاءَتِهِ مِمَّا يُشْرِكُونَ مَعَ أَنَّهُ لَا يَلْزَمُ مِنْ بُطْلَانِ إِلَهِيَّةِ الْكَوَاكِبِ بُطْلَانُ إِلَهِيَّةِ أَجْرَامٍ أُخْرَى لَوْلَا أَنَّ ذَلِكَ هُوَ مُدَّعَى قَوْمِهِ فَدَلَّ ذَلِكَ كُلُّهُ عَلَى أَنَّ إِبْرَاهِيمَ- ﵇ قَالَ ذَلِكَ عَلَى سَبِيلِ الْمُجَادَلَةِ لِقَوْمِهِ وَإِرْخَاءِ الْعِنَانِ لَهُمْ لِيَصِلُوا إِلَى تَلَقِّي الْحُجَّةِ وَلَا يَنْفِرُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِنْ قَوْمِهِ وَأَرَادَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِمْ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 319 · #118945
ُوا إِلَى تَلَقِّي الْحُجَّةِ وَلَا يَنْفِرُوا مِنْ أَوَّلِ وَهْلَةٍ فَيَكُونُ قَدْ جَمَعَ جَمْعًا مِنْ قَوْمِهِ وَأَرَادَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَيْهِمْ. وَقَوْلُهُ: هَذَا رَبِّي أَيْ خَالِقِي وَمُدَبِّرِي فَهُوَ مُسْتَحِقٌّ عِبَادَتِي. قَالَهُ عَلَى سَبِيلِ الْفَرْضِ جَرْيًا عَلَى مُعْتَقَدِ قَوْمِهِ لِيَصِلَ بِهِمْ إِلَى نَقْضِ اعْتِقَادِهِمْ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمْ لِيَهَشُّوا إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالْإِبْطَالِ إِظْهَارًا لِلْإِنْصَافِ وَطَلَبِ الْحَقِّ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 319) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 319 · #118946
هِمْ فَأَظْهَرَ أَنَّهُ مُوَافِقٌ لَهُمْ لِيَهَشُّوا إِلَى ذَلِكَ ثُمَّ يَكِرُّ عَلَيْهِمْ بِالْإِبْطَالِ إِظْهَارًا لِلْإِنْصَافِ وَطَلَبِ الْحَقِّ. وَلَا يَرِيبُكَ فِي هَذَا أَنَّ صُدُورَ مَا ظَاهِرُهُ كُفْرٌ عَلَى لِسَانِهِ- ﵇ لِأَنَّهُ لَمَّا رَأَى أَنَّهُ ذَلِكَ طَرِيقٌ إِلَى إِرْشَادِ قَوْمِهِ وَإِنْقَاذِهِمْ مِنَ الْكُفْرِ، وَاجْتَهَدَ فَرَآهُ أَرْجَى لِلْقَبُولِ عِنْدَهُمْ سَاغَ لَهُ التَّصْرِيحُ بِهِ لِقَصْدِ الْوُصُولِ إِلَى الْحَقِّ وَهُوَ لَا يَعْتَقِدُهُ، وَلَا يَزِيدُ قَوْلُهُ هَذَا قَوْمَهُ كُفْرًا، كَالَّذِي يُكْرَهُ عَلَى أَنْ يَقُولَ كَلِمَةَ الْكُفْرِ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمَانِ فَإِنَّهُ إِذَا جَازَ ذَلِكَ لِحِفْظِ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْقَاذِهَا مِنَ الْهَلَاكِ كَانَ جَوَازُهُ لِإِنْقَاذِ فَرِيقٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْلَى.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 320 · #118947
َفْسٍ وَاحِدَةٍ وَإِنْقَاذِهَا مِنَ الْهَلَاكِ كَانَ جَوَازُهُ لِإِنْقَاذِ فَرِيقٍ مِنَ النَّاسِ مِنَ الْهَلَاكِ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ أَوْلَى. وَقَدْ يَكُونُ فِعْلُ ذَلِكَ بِإِذْنٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْوَحْيِ. وَعَلَى هَذَا فَالْآيَةُ تَقْتَضِي أَنَّ قَوْمَهُ يَعْبُدُونَ الْكَوَاكِبَ وَأَنَّهُمْ عَلَى دِينِ الصَّابِئَةِ وَقَدْ كَانَ ذَلِكَ الدِّينُ شَائِعًا فِي بُلْدَانِ الْكِلْدَانِ الَّتِي نَشَأَ فِيهَا إِبْرَاهِيمُ- ﵇ وَأَنَّ الْأَصْنَامَ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَهَا أَرَادُوا بِهَا أَنَّهَا صُوَرٌ لِلْكَوَاكِبِ وَتَمَاثِيلُ لَهَا عَلَى حَسَبِ تَخَيُّلَاتِهِمْ وَأَسَاطِيرِهِمْ مِثْلَمَا كَانَ عَلَيْهِ الْيُونَانُ الْقُدَمَاءُ، وَيُحْتَمَلُ أَنَّهُمْ عَبَدُوا الْكَوَاكِبَ وَعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا دُونَ الْكَوَاكِبِ كَمَا كَانَ الْيُونَانُ يُقَسِّمُونَ الْمَعْبُودَاتِ إِلَى آلِهَةٍ وَأَنْصَافِ آلِهَةٍ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 320 · #118948
َ وَعَبَدُوا صُوَرًا أُخْرَى عَلَى أَنَّهَا دُونَ الْكَوَاكِبِ كَمَا كَانَ الْيُونَانُ يُقَسِّمُونَ الْمَعْبُودَاتِ إِلَى آلِهَةٍ وَأَنْصَافِ آلِهَةٍ. عَلَى أَنَّ الصَّابِئَةَ يَعْتَقِدُونَ أنّ للكواكب رُوحَانِيَّاتٌ تَخْدِمُهَا. وَأَفَلَ النَّجْمُ أُفُولًا: غَابَ، وَالْأُفُولُ خَاصٌّ بِغِيَابِ النَّيِّرَاتِ السَّمَاوِيَّةِ، يُقَالُ: أَفَلَ النَّجْمُ وَأَفَلَتِ الشَّمْسُ، وَهُوَ الْمَغِيبُ الَّذِي يَكُونُ بِغُرُوبِ الْكَوْكَبِ وَرَاءَ الْأُفُقِ بِسَبَبِ الدَّوْرَةِ الْيَوْمِيَّةِ لِلْكُرَةِ الْأَرْضِيَّةِ، فَلَا يُقَالُ: أَفَلَتِ الشَّمْسُ أَوْ أَفَلَ النَّجْمُ إِذَا احْتَجَبَ بِسَحَابٍ. وَقَوْلُهُ: لَا أُحِبُّ الْحُبُّ فِيهِ بِمَعْنَى الرِّضَى وَالْإِرَادَةِ، أَيْ لَا أَرْضَى بِالْآفِلِ إِلَهًا، أَوْ لَا أُرِيدُ الْآفِلَ إِلَهًا.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 320 · #118949
بٍ. وَقَوْلُهُ: لَا أُحِبُّ الْحُبُّ فِيهِ بِمَعْنَى الرِّضَى وَالْإِرَادَةِ، أَيْ لَا أَرْضَى بِالْآفِلِ إِلَهًا، أَوْ لَا أُرِيدُ الْآفِلَ إِلَهًا. وَقَدْ عُلِمَ أَنَّ مُتَعَلِّقَ الْمَحَبَّةِ هُوَ إِرَادَتُهُ إِلَهًا لَهُ بِقَوْلِهِ: هَذَا رَبِّي. وَإِطْلَاقُ الْمُحِبَّةِ عَلَى الْإِرَادَةِ شَائِعٌ فِي الْكَلَامِ، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: فِيهِ رِجالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا [التَّوْبَة: ١٠٨] . وَقَدَّرَهُ فِي «الْكَشَّافِ» بِحَذْفِ مُضَافٍ، أَيْ لَا أُحِبُّ عِبَادَةَ الْآفِلِينَ. وَجَاءَ بِ الْآفِلِينَ بِصِيغَةِ جَمْعِ الذُّكُورِ الْعُقَلَاءِ الْمُخْتَصِّ بِالْعُقَلَاءِ بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ قَوْمِهِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ عَاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ فِي الْأَكْوَانِ، وَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ مَعْبُودًا إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 320 · #118950
ءً عَلَى اعْتِقَادِ قَوْمِهِ أَنَّ الْكَوَاكِبَ عَاقِلَةٌ مُتَصَرِّفَةٌ فِي الْأَكْوَانِ، وَلَا يَكُونُ الْمَوْجُودُ مَعْبُودًا إِلَّا وَهُوَ عَالِمٌ. وَوجه الِاسْتِدْلَال بالأقوال عَلَى عَدَمِ اسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ أَنَّ الْأُفُولَ مَغِيبٌ وَابْتِعَادٌ عَنِ النَّاسِ، وَشَأْنُ الْإِلَهِ أَنْ يَكُونَ دَائِمَ الْمُرَاقَبَةِ لِتَدْبِيرِ عِبَادِهِ فَلَمَّا أَفَلَ النَّجْمُ كَانَ فِي حَالَةِ أُفُولِهِ مَحْجُوبًا عَنِ الِاطِّلَاعِ عَلَى النَّاسِ، وَقَدْ بَنَى هَذَا الِاسْتِدْلَالَ عَلَى مَا هُوَ شَائِعٌ عِنْدَ الْقَوْمِ مِنْ كَوْنِ أُفُولِ النَّجْمِ مَغِيبًا عَنْ هَذَا الْعَالَمِ، يَعْنِي أَنَّ مَا يَغِيبُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَّخَذَ إِلَهًا لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ عِبَادِهِ فِيمَا يَحْتَاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 320) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 320 · #118951
عَالَمِ، يَعْنِي أَنَّ مَا يَغِيبُ لَا يَسْتَحِقُّ أَنْ يُتَّخَذَ إِلَهًا لِأَنَّهُ لَا يُغْنِي عَنْ عِبَادِهِ فِيمَا يَحْتَاجُونَهُ حِينَ مَغِيبِهِ. وَلَيْسَ الِاسْتِدْلَالُ مَنْظُورًا فِيهِ إِلَى التَّغَيُّرِ لِأَنَّ قَوْمَهُ لَمْ يَكُونُوا يَعْلَمُونَ الْمُلَازَمَةَ بَيْنَ التَّغَيُّرِ وَانْتِفَاءِ صِفَةِ الْإِلَهِيَّةِ، وَلِأَنَّ الْأُفُولَ لَيْسَ بِتَغَيُّرٍ فِي ذَاتِ الْكَوْكَبِ بَلْ هُوَ عَرَضٌ لِلْأَبْصَارِ الْمُشَاهِدَةِ لَهُ، أَمَّا الْكَوْكَبُ فَهُوَ بَاقٍ فِي فَلَكِهِ وَنِظَامِهِ يَغِيبُ وَيَعُودُ إِلَى الظُّهُورِ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهُمْ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 321 · #118952
هُوَ بَاقٍ فِي فَلَكِهِ وَنِظَامِهِ يَغِيبُ وَيَعُودُ إِلَى الظُّهُورِ وَقَوْمُ إِبْرَاهِيمَ يَعْلَمُونَ ذَلِكَ فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ مُقْنِعًا لَهُمْ. وَلِأَجْلِ هَذَا احْتَجَّ بِحَالَةِ الْأُفُولِ دُونَ حَالَةِ الْبُزُوغِ فَإِنَّ الْبُزُوغَ وَإِنْ كَانَ طَرَأَ بَعْدَ أُفُولٍ لَكِنَّ الْأُفُولَ السَّابِقَ غَيْرُ مُشَاهَدٍ لَهُمْ فَكَانَ الْأُفُولُ أَخْصَرَ فِي الِاحْتِجَاجِ مِنْ أَنْ يَقُولَ: إِنَّ هَذَا الْبَازِغَ كَانَ مِنْ قَبْلُ آفِلًا. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغاً إِلَخ عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةٍ مَحْذُوفَةٍ دَلَّ عَلَيْهَا الْكَلَامُ. وَالتَّقْدِيرُ: فَطَلَعَ الْقَمَرُ فَلَمَّا رَآهُ بَازِغًا، فَحُذِفَتِ الْجُمْلَةُ لِلْإِيجَازِ وَهُوَ يَقْتَضِي أَنَّ الْقَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الْكَوْكَبِ، وَلَعَلَّهُ اخْتَارَ لِمُحَاجَّةِ قَوْمِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الْكَوْكَبُ ويطلع الْقَمَر
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 321 · #118953
َّ الْقَمَرَ طَلَعَ بَعْدَ أُفُولِ الْكَوْكَبِ، وَلَعَلَّهُ اخْتَارَ لِمُحَاجَّةِ قَوْمِهِ الْوَقْتَ الَّذِي يُغْرِبُ فِيهِ الْكَوْكَبُ ويطلع الْقَمَر بِقُرْبِ ذَلِكَ، وَأَنَّهُ كَانَ آخِرَ اللَّيْلِ لِيَعْقُبَهُمَا طُلُوعُ الشَّمْسِ. وَأَظْهَرَ اسْمَ الْقَمَرَ لِأَنَّهُ حَذَفَ مُعَادَ الضَّمِيرِ. وَالْبَازِغُ: الشَّارِقُ فِي ابْتِدَاءِ شُرُوقِهِ، وَالْبُزُوغُ ابْتِدَاءُ الشُّرُوقِ. وَقَوْلُهُ هَذَا رَبِّي أَفَادَ بِتَعْرِيفِ الْجُزْأَيْنِ أَنَّهُ أَكْثَرُ ضَوْءًا مِنَ الْكَوْكَبِ فَإِذَا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْإِلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فَالَّذِي هُوَ أَشَدُّ نُورًا أَوْلَى بِهَا مِنَ الْأَضْعَفِ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 321 · #118954
رُ ضَوْءًا مِنَ الْكَوْكَبِ فَإِذَا كَانَ اسْتِحْقَاقُ الْإِلَهِيَّةِ بِسَبَبِ النُّورِ فَالَّذِي هُوَ أَشَدُّ نُورًا أَوْلَى بِهَا مِنَ الْأَضْعَفِ. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَاهُ الْكِنَائِيِّ خَاصَّةً وَهُوَ كَوْنُ الْمُشَارِ إِلَيْهِ مَطْلُوبًا مَبْحُوثًا عَنْهُ كَمَا تَقَدَّمَ آنِفًا. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا أَفَلَ قالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ قَصَدَ بِهِ تَنْبِيهَ قَوْمِهِ لِلنَّظَرِ فِي مَعْرِفَةِ الرَّبِّ الْحَقِّ وَأَنَّهُ وَاحِدٌ، وَأَنَّ الْكَوْكَبَ وَالْقَمَرَ كِلَيْهِمَا لَا يَسْتَحِقَّانِ ذَلِكَ مَعَ أَنَّهُ عَرَّضَ فِي كَلَامِهِ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِعِدَّةِ أَرْبَابٍ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 321) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 321 · #118955
َ مَعَ أَنَّهُ عَرَّضَ فِي كَلَامِهِ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا يَهْدِيهِ وَهُمْ لَا يُنْكِرُونَ عَلَيْهِ ذَلِكَ لِأَنَّهُمْ قَائِلُونَ بِعِدَّةِ أَرْبَابٍ. وَفِي هَذَا تَهْيِئَةٌ لِنُفُوسِ قَوْمِهِ لِمَا عَزَمَ عَلَيْهِ مِنَ التَّصْرِيحِ بِأَنَّ لَهُ رَبًّا غَيْرَ الْكَوَاكِبِ. ثُمَّ عَرَّضَ بِقَوْمِهِ أَنَّهُمْ ضَالُّونَ وَهَيَّأَهُمْ قَبْلَ الْمُصَارَحَةِ لِلْعِلْمِ بِأَنَّهُمْ ضَالُّونَ، لِأَنَّ قَوْلَهُ: لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ يُدْخِلُ عَلَى نُفُوسِهِمُ الشَّكَّ فِي مُعْتَقَدِهِمْ أَنْ يَكُونَ ضَلَالًا، وَلِأَجْلِ هَذَا التَّعْرِيضِ لَمْ يَقُلْ: لَأَكُونَنَّ ضَالًّا، وَقَالَ لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ فِي النَّاسِ قَوْمًا ضَالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 322 · #118956
يَقُلْ: لَأَكُونَنَّ ضَالًّا، وَقَالَ لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ لِيُشِيرَ إِلَى أَنَّ فِي النَّاسِ قَوْمًا ضَالِّينَ، يَعْنِي قَوْمَهُ. وَإِنَّمَا تَرَيَّثَ إِلَى أُفُولِ الْقَمَرِ فَاسْتَدَلَّ بِهِ على انْتِفَاء إلهيته وَلَمْ يَنْفِهَا عَنْهُ بِمُجَرَّدِ رُؤْيَتِهِ بَازِغًا مَعَ أَنَّ أُفُولَهُ مُحَقَّقٌ بِحَسْبِ الْمُعْتَادِ لِأَنَّهُ أَرَادَ أَنْ يُقِيمَ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى أَسَاسِ الْمُشَاهَدَةِ عَلَى مَا هُوَ الْمَعْرُوفُ فِي الْعُقُولِ لِأَنَّ الْمُشَاهَدَةَ أَقْوَى. وَقَوْلُهُ: فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بازِغَةً أَيْ فِي الصَّبَاحِ بَعْدَ أَنْ أَفَلَ الْقَمَرُ، وَذَلِكَ فِي إِحْدَى اللَّيَالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيهَا الْقَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ كُلَّهُ وَقَعَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 322 · #118957
َالِي الَّتِي يَغْرُبُ فِيهَا الْقَمَرُ قُبَيْلَ طُلُوعِ الشَّمْسِ لِأَنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ هَذَا الِاسْتِدْلَالَ كُلَّهُ وَقَعَ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ. وَقَوْلُهُ لِلشَّمْسِ هَذَا رَبِّي بَاسِمِ إِشَارَةِ الْمُذَكَّرِ مَعَ أَنَّ الشَّمْسَ تَجْرِي مَجْرَى الْمُؤَنَّثِ لِأَنَّهُ اعْتَبَرَهَا رَبًّا، فَرُوعِيَ فِي الْإِشَارَةِ مَعْنَى الْخَبَرِ، فَكَأَنَّهُ قَالَ: هَذَا الْجِرْمُ الَّذِي تَدْعُونَهُ الشَّمْسَ تَبَيَّنَ أَنَّهُ هُوَ رَبِّي. وَجُمْلَةُ هَذَا رَبِّي جَارِيَةٌ مَجْرَى الْعِلَّةِ لِجُمْلَةِ هَذَا رَبِّي الْمُقْتَضِيَةِ نَقْضَ رُبُوبِيَّةِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ وَحَصْرَ الرُّبُوبِيَّةِ فِي الشَّمْسِ وَنَفْيَهَا عَنِ الْكَوْكَبِ وَالْقَمَرِ، وَلِذَلِكَ حُذِفَ الْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أَيْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، يَعْنِي أَنَّ الْأَكْبَرَ الْأَكْثَرَ إِضَاءَةً أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 322 · #118958
لْمُفَضَّلُ عَلَيْهِ لِظُهُورِهِ، أَيْ هُوَ أَكْبَرُ مِنْهُمَا، يَعْنِي أَنَّ الْأَكْبَرَ الْأَكْثَرَ إِضَاءَةً أَوْلَى بِاسْتِحْقَاقِ الْإِلَهِيَّةِ. وَقَوْلُهُ: قالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، إِقْنَاعٌ لَهُمْ بِأَنْ لَا يُحَاوِلُوا مُوَافَقَتَهُ إِيَّاهُمْ عَلَى ضَلَالِهِمْ لِأَنَّهُ لَمَّا انْتَفَى اسْتِحْقَاقُ الْإِلَهِيَّةِ عَنْ أَعْظَمِ الْكَوَاكِبِ الَّتِي عَبَدُوهَا فَقَدِ انْتَفَى عَمَّا دُونَهَا بِالْأَحْرَى. وَالْبَرِيءُ فَعِيلٌ بِمَعْنَى فَاعل من برىء- بِكَسْرِ الرَّاءِ لَا غَيْرَ- يَبْرَأُ- بِفَتْحِ الرَّاءِ لَا غَيْرَ- بِمَعْنَى تَفَصَّى وَتَنَزَّهَ وَنَفَى الْمُخَالَطَةَ بَيْنَهُ وَبَيْنَ الْمَجْرُورِ بِ (مِنْ) . وَمِنْهُ أَنَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَة: ٣] ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [الْأَحْزَاب: ٦٩] ، وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يُوسُف: ٥٣] .
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 322) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 322 · #118959
نَّ اللَّهَ بَرِيءٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [التَّوْبَة: ٣] ، فَبَرَّأَهُ اللَّهُ مِمَّا قالُوا [الْأَحْزَاب: ٦٩] ، وَما أُبَرِّئُ نَفْسِي [يُوسُف: ٥٣] . فَمَعْنَى قَوْلِهِ بَرِيءٌ هُنَا أَنَّهُ لَا صِلَةَ بَيْنِهِ وَبَيْنَ مَا يُشْرِكُونَ. وَالصِّلَةُ فِي هَذَا الْمَقَامِ هِيَ الْعِبَادَةُ إِنْ كَانَ مَا يُشْرِكُونَ مُرَادًا بِهِ الْأَصْنَامُ، أَوْ هِيَ التَّلَبُّسُ وَالِاتِّبَاعُ إِنْ كَانَ مَا يُشْرِكُونَ بِمَعْنَى الشِّرْكِ. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ (مَا) فِي قَوْله مِمَّا تُشْرِكُونَ مَوْصُولَةٌ وَأَنَّ الْعَائِدَ مَحْذُوفٌ لِأَجْلِ الْفَاصِلَةِ، أَيْ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ، كَمَا سَيَأْتِي فِي قَوْلِهِ: وَلا أَخافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ [الْأَنْعَام: ٨٠] لِأَنَّ الْغَالِبَ فِي فِعْلِ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّوَاتِ، وَلِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 323 · #118960
أَنَّ الْغَالِبَ فِي فِعْلِ الْبَرَاءَةِ أَنْ يَتَعَلَّقَ بِالذَّوَاتِ، وَلِئَلَّا يَتَكَرَّرَ مَعَ قَوْلِهِ بَعْدَهُ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَيَجُوزُ أَنْ تَكُونَ (مَا) مَصْدَرِيَّةً، أَيْ مِنْ إِشْرَاكِكُمْ، أَيْ لَا أَتَقَلَّدُهُ. وَتَسْمِيَتُهُ عِبَادَتَهُمُ الْأَصْنَامَ إِشْرَاكًا لِأَنَّ قَوْمَهُ كَانُوا يَعْتَرِفُونَ بِاللَّهِ وَيُشْرِكُونَ مَعَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ غَيْرَهُ كَمَا كَانَ إِشْرَاكُ الْعَرَبِ وَهُوَ ظَاهِرُ آيِ الْقُرْآنِ حَيْثُ وَرَدَ فِيهَا الِاحْتِجَاجُ عَلَيْهِمْ بِخَالِقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِضَرْبِ الْمَثَلِ لِمُشْرِكِي الْعَرَبِ بِشَأْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ، وَلِقَوْلِهِ الْآتِي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الْأَنْعَام: ٨٢] .
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 323 · #118961
ُشْرِكِي الْعَرَبِ بِشَأْنِ إِبْرَاهِيمَ وَقَوْمِهِ، وَلِقَوْلِهِ الْآتِي الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ [الْأَنْعَام: ٨٢] . وَجُمْلَةُ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ بِمَنْزِلَةِ بَدَلِ الِاشْتِمَالِ مِنْ جُمْلَةِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ، لِأَنَّ الْبَرَاءَةَ مِنَ الْإِشْرَاكِ تَشْتَمِلُ عَلَى تَوْجِيهِ الْوَجْهِ إِلَى اللَّهِ، وَهُوَ إِفْرَادُهُ بِالْعِبَادَةِ. وَالْوَجْهُ فِي قَوْلِهِ: وَجْهِيَ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجِهَةِ وَالْوِجْهَةِ، أَيْ صَرَفْتُهُ إِلَى جِهَةٍ، أَيْ جَعَلْتُ كَذَا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُهَا.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 323 · #118962
فِي قَوْلِهِ: وَجْهِيَ. ووَجَّهْتُ مُشْتَقٌّ مِنَ الْجِهَةِ وَالْوِجْهَةِ، أَيْ صَرَفْتُهُ إِلَى جِهَةٍ، أَيْ جَعَلْتُ كَذَا جِهَةً لَهُ يَقْصِدُهَا. يُقَالُ: وَجَّهَهُ فَتَوَجَّهَ إِلَى كَذَا إِذَا ذَهَبَ إِلَيْهِ. وَيُقَالُ لِلْمَكَانِ الْمَقْصُودِ وِجْهَةٌ- بِكَسْرِ الْوَاوِ-، وَكَأَنَّهُمْ صَاغُوهُ عَلَى زِنَةِ الْهَيْئَةِ مِنَ الْوَجْهِ لِأَنَّ الْقَاصِدَ إِلَى مَكَانٍ يَقْصِدُهُ مِنْ نَحْوِ وَجْهِهِ، وَفَعَلُوهُ عَلَى زِنَةِ الْفِعْلَةِ- بِكَسْرِ الْفَاءِ- لِأَنَّ قَاصِدَ الْمَكَانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ فِي وَجْهِهِ وَهِيَ هَيْئَةُ الْعَزْمِ وَتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنَى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ صَرَفْتُهُ وَأَدَرْتُهُ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 323 · #118963
َانِ بِوَجْهِهِ تَحْصُلُ هَيْئَةٌ فِي وَجْهِهِ وَهِيَ هَيْئَةُ الْعَزْمِ وَتَحْدِيقِ النَّظَرِ. فَمَعْنَى وَجَّهْتُ وَجْهِيَ صَرَفْتُهُ وَأَدَرْتُهُ. وَهَذَا تَمْثِيلٌ: شُبِّهَتْ حَالَةُ إِعْرَاضِهِ عَنِ الْأَصْنَامِ وَقَصْدِهِ إِلَى إِفْرَادِ اللَّهِ تَعَالَى بِالْعِبَادَةِ بِمَنِ اسْتَقْبَلَ بِوَجْهِهِ شَيْئًا وَقَصَدَهُ وَانْصَرَفَ عَنْ غَيْرِهِ. وَأُتِيَ بِالْمَوْصُولِ فِي قَوْلِهِ: لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ليومىء إِلَى عِلَّةِ تَوَجُّهِهِ إِلَى عِبَادَتِهِ، لِأَنَّ الْكَوَاكِبَ مِنْ مَوْجُودَاتِ السَّمَاءِ، وَالْأَصْنَامَ مِنْ مَوْجُودَاتِ الْأَرْضِ فَهِيَ مَفْطُورَةٌ لِلَّهِ تَعَالَى. وَفِعْلُ (وَجَّهَ) يَتَعَدَّى إِلَى الْمَكَانِ الْمَقْصُودِ بِإِلَى، وَقَدْ يَتَعَدَّى بِاللَّامِ إِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ انْصَرَفَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَقْصُودُ مُرَاعًى إِرْضَاؤُهُ
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 323) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 323 · #118964
عَدَّى بِاللَّامِ إِذَا أُرِيدَ أَنَّهُ انْصَرَفَ لِأَجْلِ ذَلِكَ الشَّيْءِ، فَيَحْسُنُ ذَلِكَ إِذَا كَانَ الشَّيْءُ الْمَقْصُودُ مُرَاعًى إِرْضَاؤُهُ وَطَاعَتُهُ كَمَا تَقُولُ: تَوَجَّهْتُ لِلْحَبِيبِ، وَلِذَلِكَ اخْتِيرَ تَعَدِّيهِ هُنَا بِاللَّامِ، لِأَنَّ فِي هَذَا التَّوَجُّهِ إِرْضَاءً وَطَاعَةً. وَفَطَرَ: خَلَقَ، وَأَصْلُ الْفَطْرِ الشَّقُّ. يُقَالُ فُطِرَ فُطُورًا إِذَا شُقَّ قَالَ تَعَالَى فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [الْملك: ٣] أَيِ اخْتِلَالٍ، شَبَّهَ الْخَلْقَ بِصِنَاعَةِ الْجِلْدِ وَنَحْوِهِ، فَإِنَّ الصَّانِعَ يَشُقُّ الشَّيْءَ قَبْلَ أَنْ يَصْنَعَهُ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ: الْفَتْقُ وَالْفَلْقُ، فَأُطْلِقَ الْفَطْرُ عَلَى إِيجَادِ الشَّيْءِ وَإِبْدَاعِهِ عَلَى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ. وحَنِيفاً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ فِي وَجَّهْتُ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 324 · #118965
لِقَ الْفَطْرُ عَلَى إِيجَادِ الشَّيْءِ وَإِبْدَاعِهِ عَلَى هَيْئَةٍ تُؤَهِّلُ لِلْفِعْلِ. وحَنِيفاً حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ الْمُتَكَلِّمِ فِي وَجَّهْتُ. وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٣٥] . وَجُمْلَةُ: وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ عَطْفٌ عَلَى الْحَالِ، نَفَى عَنْ نَفْسِهِ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِالْمُشْرِكِينَ وَفِي عِدَادِهِمْ. فَلَمَّا تَبَرَّأَ مِنْ أَصْنَامِهِمْ تَبَرَأَ مِنَ الْقَوْمِ، وَقَدْ جَمَعَهُمَا أَيْضًا فِي سُورَةِ الْمُمْتَحَنَةِ [٤] إِذْ قَالَ إِنَّا بُرَآؤُا مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ. وَأَفَادَتْ جُمْلَةُ وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ تَأْكِيدًا لِجُمْلَةِ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَإِنَّمَا عُطِفَتْ لِأَنَّهَا قصد مِنْهَا التبرّي مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 324 · #118966
ُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً، وَإِنَّمَا عُطِفَتْ لِأَنَّهَا قصد مِنْهَا التبرّي مِنْ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَهَذَا قَدْ جَرَيْنَا فِيهِ عَلَى أَنَّ قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لَمَّا رَأَى النَّيِّرَاتِ هَذَا رَبِّي هُوَ مُنَاظَرَةٌ لِقَوْمِهِ وَاسْتِدْرَاجٌ لَهُمْ، وَأَنَّهُ كَانَ مُوقِنًا بِنَفْيِ إِلَهِيَّتِهَا، وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أَنْ يَكُونَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِبُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ وَبِالْحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَى قَوْمِهِ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 324 · #118967
وَهُوَ الْمُنَاسِبُ لِصِفَةِ النُّبُوءَةِ أَنْ يَكُونَ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِبُطْلَانِ الْإِشْرَاكِ وَبِالْحُجَجِ الَّتِي احْتَجَّ بِهَا عَلَى قَوْمِهِ. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ قَالَ: إِنَّ كَلَامَهُ ذَلِكَ كَانَ نَظَرًا وَاسْتِدْلَالًا فِي نَفْسِهِ لِقَوْلِهِ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي، فَإِنَّهُ يُشْعِرُ بِأَنَّهُ فِي ضَلَالٍ لِأَنَّهُ طَلَبُ هِدَايَةٍ بِصِيغَةِ الِاسْتِقْبَالِ أَيْ لِأَجْلِ أَدَاةِ الشَّرْطِ، وَلَيْسَ هَذَا بِمُتَعَيِّنٍ لِأَنَّهُ قَدْ يَقُولُهُ لِتَنْبِيهِ قَوْمِهِ إِلَى أَنَّ لَهُمْ رَبًّا بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْرِيضِ.
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 324) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 324 · #118968
بِيهِ قَوْمِهِ إِلَى أَنَّ لَهُمْ رَبًّا بِيَدِهِ الْهِدَايَةُ، كَمَا بَيَّنَّاهُ فِي مَوْضِعِهِ، فَيَكُونُ كَلَامُهُ مُسْتَعْمَلًا فِي التَّعْرِيضِ. عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَيْضًا مُرَادًا بِهِ الدَّوَامُ عَلَى الْهِدَايَةِ وَالزِّيَادَةِ فِيهَا، عَلَى أَنَّهُ قَدْ يَكُونُ أَرَادَ الْهِدَايَةَ إِلَى إِقَامَةِ الْحُجَّةِ حَتَّى لَا يَتَغَلَّبَ عَلَيْهِ قَوْمُهُ. فَإِذَا بَنَيْنَا عَلَى أَنَّ ذَلِكَ كَانَ اسْتِدْلَالًا فِي نَفْسِهِ قَبْلَ الْجَزْمِ بِالتَّوْحِيدِ فَإِنَّ ذَلِكَ كَانَ بِإِلْهَامٍ مِنَ اللَّهِ تَعَالَى، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْأَنْعَام: ٧٥] مَعْنَاهُ نُرِيهِ مَا فِيهَا مِنَ الدَّلَائِلِ عَلَى وُجُودِ الصَّانِعِ وَوَحْدَانِيَّتِهِ قَبْلَ أَنْ نُوحِيَ إِلَيْهِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَأى كَوْكَباً بِمَعْنَى نَظَرَ فِي السَّمَاءِ فَرَأَى هَذَا الْكَوْكَبَ وَلَمْ يَكُنْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَيَكُونُ
QS 6:76-79 (jilid 7 hlm. 325) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 7 · hlm. 325 · #118969
ِ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: رَأى كَوْكَباً بِمَعْنَى نَظَرَ فِي السَّمَاءِ فَرَأَى هَذَا الْكَوْكَبَ وَلَمْ يَكُنْ نَظَرَ فِي ذَلِكَ مِنْ قَبْلُ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: قالَ هَذَا رَبِّي قَوْلًا فِي نَفْسِهِ عَلَى نَحْوِ مَا يَتَحَدَّثُ بِهِ الْمُفَكِّرُ فِي نَفْسِهِ، وَهُوَ حَدِيثُ النَّفْسِ، كَقَوْلِ النَّابِغَةِ فِي كَلْبِ صَيْدٍ: قَالَتْ لَهُ النَّفْسُ إِنِّي لَا أَرَى طَمَعًا ... وَأَنَّ مَوْلَاكَ لَمْ يَسْلَمْ وَلَمْ يَصِدِ وَقَوْلِ الْعَجَّاجِ فِي ثَوْرٍ وَحْشِيٍّ: ثُمَّ انْثَنَى وَقَالَ فِي التَّفْكِيرِ ... إِنَّ الْحَيَاةَ الْيَوْمَ فِي الْكُرُورِ وَقَوْلِهِ: هَذَا رَبِّي وَقَوْلِهِ: لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ، وَقَوْلِهِ: لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي كُلُّ ذَلِكَ مُسْتَعْمَلٌ فِي حَقَائِقِهِ مِنَ الِاعْتِقَادِ الْحَقِيقِيِّ. وَقَوْلُهُ: قالَ يَا قَوْمِ هُوَ ابْتِدَاءُ خِطَابِهِ لِقَوْمِهِ بَعْدَ أَنْ ظَهَرَ الْحَقُّ لَهُ فَأَعْلَنَ بِمُخَالَفَتِهِ قومه حِينَئِذٍ. [٨٠]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 30:30QS 6:75QS 6:77QS 7:172QS 16:120QS 21:52QS 34:9