Dan kamu benar-benar datang sendiri-sendiri kepada Kami sebagaimana Kami ciptakan kamu pada mulanya, dan apa yang telah Kami karuniakan kepadamu, kamu tinggalkan di belakangmu (di dunia). Kami tidak melihat pemberi syafaat (pertolongan) besertamu yang kamu anggap bahwa mereka itu sekutu-sekutu (bagi Allah). Sungguh, telah terputuslah (semua pertalian) antara kamu dan telah lenyap dari kamu apa yang dahulu kamu sangka (sebagai sekutu Allah)
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عما هو قائلٌ يومَ القيامةِ لهؤلاءِ العادِلين به الآلهةَ والأندادَ، يُخْبِرُ عبادَه أنه يقولُ لهم عندَ وُرودِهم عليه: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى﴾.
ويعني بقولِه: ﴿فُرَادَى﴾: وُحدانًا لا مالَ معهم ولا [إناثَ ولا رقيقَ]، ولا شيءَ مما كان اللهُ خوَّلَهم في الدنيا، ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ عُراةً غُلْفًا غُرْلًا حفاةً
كما ولدَتْهم أمهاتُهم، وكما خلَقَهم جلَّ ثناؤُه في بُطونِ أمهاتهم، لا شيءَ عليهم ولا معهم مما كانوا يَتَباهَوْن به في الدنيا.
و "فُرادَى" جمعٌ، يقالُ لواحدِها: فَرِدٌ. كما قال نابغةُ بني ذُبْيانَ:
مِن وَحْشِ وَجْرَةَ مَوْشَيٍّ أَكارِعُه … طاوِي المَصِيرِ كَسَيْفِ الصَّيْقَلِ الفَرِدِ
وفَردٌ وفَرِيدٌ، كما يقالُ: وحَدٌ ووَحِدٌ ووَحِيدٌ.
ُ فيما ذُكِر عنه يقولُ: فُرادٌ جمعُ فَرْدٍ. كما قيل: تُؤْمٌ وتُؤَامٌ. للجميعِ، ومنه الفُرَادى والرُّدَافي والقُراني، ويقالُ: رجلٌ فردٌ.
وامرأةٌ فردٌ. إذا لم يَكُن لها أخٌ، وقد فرَد الرجلُ فهو يَفْرُدُ فُرُودًا، يُرادُ به تفرَّد، فهو فاردٌ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: قال: أخبَرني عمرٌو، أن ابنِ أبي هلالٍ حدَّثه، أنه سمِع القرظيَّ يقولُ: قرَأَت عائشةُ زوجُ النبيِّ ﷺ قولَ اللهِ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾.
فقالت: واسَوْءَتاه، إن الرجالَ والنساءَ يُحْشَرون جميعًا يَنْظُرُ بعضُهم إلى سَوْءَةِ بعضٍ! فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "لكلِّ امرئٍ منهم يومَئذٍ شأنٌ يُغْنِيه، لا يَنْظُرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ".
وأما قولُه: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾.
، لا يَنْظُرُ الرجالُ إلى النساءِ، ولا النساءُ إلى الرجالِ، شُغِل بعضُهم عن بعضٍ".
وأما قولُه: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾. فإنه يقولُ: خَلَفْتُم أَيُّها القومُ ما مَلَّكناكم في الدنيا، مما كنتم تَتَباهَوْن به فيها، خلفَكم في الدنيا، فلم تَحْمِلوه معكم. وهذا تَعْييرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه لهؤلاء المشركين بمُباهاتِهم التي كانوا يَتَباهَوْن بها في الدنيا بأموالِهم.
وكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ أشدَّ الخِيالِ.
ِهم التي كانوا يَتَباهَوْن بها في الدنيا بأموالِهم.
وكلُّ من ملَّكْتَه غيرَك وأعْطَيْتَه، فقد خوَّلْتَه، يقالُ منه: خال الرجلُ يَخالُ أشدَّ الخِيالِ. بكسرِ الخاءِ، وهو خائلٌ، ومنه قولُ أبي النَّجْمِ:
أَعْطَى فلم يَبْخَلْ ولم يُبَخَّلِ … كُومَ الذُّرا مِن خَوَلِ المُخَوِّلِ
وقد ذُكِر أن أبا عمرِو بنَ العلاءِ كان يُنْشِدُ بِيتَ زُهَيْرٍ:
هنالك إن يُسْتَخوَلوا المالَ يُخْوِلُوا … وإن يُسْأَلُوا يُعْطُوا وإن يَيْسِروا يُغْلُوا وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ﴾: مِن المالِ والخَدَمِ. ﴿وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ﴾ في الدنيا.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه لهؤلاء العادِلين بربِّهم الأندادَ يومَ القيامةِ: ما نَرَى معكم شفعاءَكم الذين كنتم في الدنيا تَزْعُمون أنهم يَشْفَعون لكم عندَ رَبِّكم يومَ القيامةِ.
وقد ذُكِر أن هذه الآيةَ نزَلَت في النَّضْرِ بنِ الحارثِ، لقيلِه إن اللاتَ والعُزَّى يَشْفَعان له عندَ اللهِ يومَ القيامةِ.
وقيل: إن ذلك كان قولُ كافةِ عَبَدةِ الأوثانِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما قولُه: ﴿وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.
فإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم عندَ اللهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ اللهِ.
ْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾.
فإن المشركين كانوا يَزْعُمون أنهم كانوا يَعْبُدون الآلهةَ لأنهم شُفعاءُ، يَشْفَعون لهم عندَ اللهِ، وأن هذه الآلهةَ شركاءُ اللهِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: أخْبَرني الحكمُ بنُ أبانٍ، عن عكرمةَ، قال: قال النَّضْرُ بنُ الحَارِثِ: سوف تَشْفَعُ ليَ اللاتُ والعُزَّى. فنزَلَت هذه الآيةُ: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ إلى قولِه: ﴿شُرَكَاءُ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه مُخْبِرًا عن قيلِه يومَ القيامةِ لهؤلاء المشركين به الأندادَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يعني تَواصُلَهم الذي كان بينَهم في الدنيا، ذهَب ذلك اليومَ، فلا تَواصُلَ بينَهم ولا تَوَادَّ ولا تَناصُرَ، وقد كانوا في الدنيا يَتَواصَلون ويَتَناصَرون، فاضْمَحَلَّ ذلك كلُّه في الآخرةِ، فلا أحدَ منهم يَنْصُرُ صاحبَه، ولا يُواصِلُه.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾: البَيْنُ تَواصُلُهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: تَواصُلُهم في الدنيا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
َ بَيْنَكُمْ﴾. قال: تَواصُلُهم في الدنيا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: وَصْلُكم.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. قال: ما كان بينَكم مِن الوَصْلِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ يعني: الأرحامُ والمنازلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾.
عُمُونَ﴾ يعني: الأرحامُ والمنازلُ.
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ﴾. يقولُ: تقطَّع ما بينَكم.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: قال أبو بكرِ بنُ عَيَّاشٍ: (لَقَد تَّقَطَّعَ بَيْنُكم): التواصُلُ
في الدنيا.
واخْتَلَفَت القرأةُ في قولِه: ﴿بَيْنَكُمْ﴾؛ فقرَأَتْه عامةُ قرأةِ أهلِ المدينةِ نصبًا، بمعني: لقد تقَطَّع ما بينَكم.
وقرأ ذلك عامةُ قرأةِ مكةَ والعراقَيْن: (لقد تَّقَطَّع بينُكم) رفعًا، بمعنى: لقد تقَطَّع وصلُكم.
والصوابُ مِن القولِ عندي في ذلك أن يُقالَ: إنهما قراءتان مَشْهورتان باتفاقِ المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ "بينَ" في موضعِ الاسمِ، ذُكِر سماعًا منها: أتاني نحوَك ودونَك وسَواءَك.
قِ المعنى، فبأيتِهما قرَأ القارئُ فمُصيبٌ الصوابَ، وذلك أن العربَ قد تَنْصِبُ "بينَ" في موضعِ الاسمِ، ذُكِر سماعًا منها: أتاني نحوَك ودونَك وسَواءَك. نصبًا في موضعِ الرفعِ، وقد ذُكِر عنها سماعًا الرفعُ في "بينَ" إذا كان الفعلُ لها، وجُعِلَت ١ سمًا، ويُنشَدُ بيتُ مُهَلْهِلٍ:
كأنَّ رِماحَهم أَشْطانُ بئرٍ … بعيدٍ بينُ جالَيْها جَرُورٍ
برفعِ "بين" إذ كانت اسمًا، غيرَ أن الأغلبَ عليهم في كلامِهم النصبُ فيها في حالِ كونِها صفةً، وفي حالِ كونِها اسمًا.
وأما قولُه: ﴿وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾. فإنه يقولُ: وحاد عن طريقِكم ومِنْهاجِكم ما كُنتم مِن آلهتِكم تَزْعُمون أنه شَريكُ ربِّكم، وأنه لكم شَفيعٌ عندَ ربِّكم، فلا يَشْفَعُ لكم اليومَ.
َّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ (٩٤)﴾
يقول تعالى: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا) أي: لا أحد أظلم ممن كذب على الله، فجعل
له شريكا أو ولدا، أو ادعى أن الله أرسله إلى الناس ولم يكن أرسله؛ ولهذا قال تعالى: (أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ)
قال عِكْرِمة وقتادة: نزلت في مسيلمة الكذاب [لعنه الله]
(وَمَنْ قَالَ سَأُُنْزِلُ مِثْلَ مَا أََنْزَلَ اللَّهُ) يعني: ومن ادعى أنه يعارض ما جاء من عند الله من الوحي مما يفتريه من القول، كما قال تعالى: ﴿وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا قَالُوا قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَاءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَذَا [إِنْ هَذَا إِلا أَسَاطِيرُ الأَوَّلِينَ]﴾ [الأنفال: ٣١]، قال الله: (وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ) أي: في سكراته وغمراته وكُرُباته، (وَالْمَلائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ) أي: بالضرب كما قال: ﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي [مَا أَنَا بِبَاسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ
ده، وتعصى وتأبى الخروج، فتضربهم الملائكة حتى تخرج أرواحهم من أجسادهم، قائلين لهم: (أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ [وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ]) أي: اليوم تهانون غاية الإهانة، كما كنتم تكذبون على الله، وتستكبرون عن اتباع آياته، والانقياد لرسله.
وقد وردت أحاديث [متواترة] في كيفية احتضار المؤمن والكافر، وهي مقررة عند قوله تعالى: ﴿يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقد ذكر ابن مَرْدُوَيه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، فالله أعلم
يَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ﴾ [إبراهيم: ٢٧].
وقد ذكر ابن مَرْدُوَيه هاهنا حديثا مطولا جدا من طريق غريبة، عن الضحاك، عن ابن عباس مرفوعا، فالله أعلم
وقوله: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ) أي: يقال لهم يوم معادهم هذا، كما قال ﴿وَعُرِضُوا عَلَى رَبِّكَ صَفًّا لَقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ [الكهف: ٤٨]، أي: كما بدأناكم أعدناكم، وقد كنتم تنكرون ذلك وتستبعدونه، فهذا يوم البعث.
وقوله: (وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ) أي: من النعم والأموال التي اقتنيتموها في الدار الدنيا (وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) وثبت في الصحيح أن رسول الله ﷺ قال: "يقول ابن آدم: مالي مالي، وهل لك من مالك
إلا ما أكلت فأفنيت، أو لبست فأبليت، أو تصدقت فأمضيت، وما سوى ذلك فذاهب وتاركه للناس".
وقال الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بَذَج فيقول الله، ﷿، [له] أين ما جمعت؟ فيقول يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟
الحسن البصري: يؤتى بابن آدم يوم القيامة كأنه بَذَج فيقول الله، ﷿، [له] أين ما جمعت؟ فيقول يا رب، جمعته وتركته أوفر ما كان، فيقول: فأين ما قدمت لنفسك؟ فلا يراه قدم شيئا، وتلا هذه الآية: (وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ) رواه ابن أبي حاتم.
وقوله: (وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ) تقريع لهم وتوبيخ على ما كانوا اتخذوا في [الدار] الدنيا من الأنداد والأصنام والأوثان، ظانين أن تلك تنفعهم في معاشهم ومعادهم إن كان ثَمَّ معاد، فإذا كان يوم القيامة تقطعت الأسباب، وانزاح الضلال، وضل عنهم ما كانوا يفترون، ويناديهم الرب، ﷿، على رءوس الخلائق: ﴿أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ﴾ [الأنعام: ٢٢] وقيل لهم ﴿أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْبُدُونَ * مِنْ دُونِ اللَّهِ هَلْ يَنْصُرُونَكُمْ أَوْ يَنْتَصِرُونَ﴾ [الشعراء: ٩٢، ٩٣]؛ ولهذا قال هاهنا: (وَمَا نَرَى
قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ﴾ ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة أن الكفار يأتون يوم القيامة كل واحد منهم بمفرده ليس معهم شركاؤهم، وصرح تعالى بأن كل واحد يأتي فرداً في قوله: ﴿وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْداً (٩٥)﴾
وقوله في هذه الآية: ﴿كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾ أي منفردين لا مال، ولا أثاث، ولا رقيق، ولا خول عندكم، حفاة عراة غرلاً، أي غير مختونين: ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْداً عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ﴾ وقد عرفت من الآية أن واحد الفرادى فرد، ويقال فيه أيضاً: فرد بالتحريك، ومنه قول نابغة ذبيان:
من وحش وجرة موشي أكارعه ... طاوي المصير كسيف الصيقل الفرد
•