القول في تأويل قوله جل ثناؤه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾.
اختلفت القرأة في قراءة ذلك؛ فقرأته عامَّةُ قرَأةِ الحجاز والعراقِ ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ بمَعنَى: فناداها جبريلُ مِن بين يَدَيْها. على اختلاف منهم في تأويله؛ فمن متأوِّلٍ منهم إذا قرأه ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ كذلك؛ ومن متأوّلٍ منهم أنه عيسى، وأنَّه ناداها من تحتها بعد ما ولدَتْه. وقرأ ذلك بعضُ قرَأةِ أهل الكوفة والبصرة (فناداها مَن تحْتَها) بفتح التاءين من (تَحتَ)، بمعنى: فناداها الذي تحتها، على أن الذي تحتها
عيسى، وأنَّه الذى نادى أمَّه.
ذكرُ مَن قال: الذى نادَاها من تحتِها المَلَكُ
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، [قال: سمِعتُ أَنَّ] ابن عباسٍ قرَأَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا﴾.
ها من تحتِها المَلَكُ
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، [قال: سمِعتُ أَنَّ] ابن عباسٍ قرَأَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحتِهَا﴾. يعنى: جبريلُ.
وحدَّثني عبد الله بن أحمد بن يونس، قال: أخبرنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمونٍ الأودىِّ، قال: الذي ناداها المَلَكُ.
وحدَّثنا ابن بشَّارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ، عن علقمة، أنه قرأ: (فخاطَبها مَنْ تَحتَها).
[قال أبو جعفرٍ: والصواب: ﴿مِنْ﴾، ولكن كذا قال ابنُ بَشَّارٍ: "مَنْ" هنا].
حدَّثنا أبو هشامٍ الرفاعيُّ، قال: ثنا يحيى، قال: ثنا سفيان، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن علقمة أنه قرأ: (فخاطبها من تحتِها).
وحدَّثنا الرفاعيُّ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبيه، عن الأعمشِ، عن إبراهيم، عن
علقمةَ أنه قرأها كذلك.
[حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
إبراهيم، عن
علقمةَ أنه قرأها كذلك.
[حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: جبريلُ.
حدَّثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا [أبو عاصمٍ، عن] سفيانَ، عن جويبرٍ، عن الضَّحاكِ مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا﴾. أي: من تحتِ النخلة، المَلكُ.
حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿فَنَادَاهَا﴾ جبريلُ ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾.
حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: الملَكُ.
حُدِّثتُ عن الحسينِ، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، قال: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضحاك يقولُ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ يعنى: جبريلُ كان أسفل منها.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
َا﴾ يعنى: جبريلُ كان أسفل منها.
حدَّثني محمد بن سعدٍ، قال: ثني أبى، قال: ثنى عمي، قال: ثنى
أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: ناداها جبريلُ، ولم يتكلَّم عيسى حتى أنت به قومَها.
ذكرُ من قال: الذي ناداها عيسى
حدَّثنا محمد بن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾، قال: عيسى ابن مريمَ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامر، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثني محمد بن عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾: ابنُها.
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، عن الحسنِ: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾: ابنُها.
حدَّثنا الحسنُ قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: قال الحسنُ: هو ابنُها.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿فَنَادَاهَا﴾. عيسى ﴿مِنْ تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾.
حدَّثني أبو حميدٍ أحمدُ بنُ المغيرة الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابتِ بنِ عجلانَ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾.
بنُ المغيرة الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيدٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابتِ بنِ عجلانَ، عن سعيد بن جبيرٍ قولَه: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾. قال: عيسى، أما تسمَعُ اللهَ يقولُ: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾؟
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا﴾ قال: عيسى ناداها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
حُدِّثتُ عن عبدِ اللهِ بن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع بن أنس، عن أبي العاليةِ الرِّياحي، عن أُبيِّ بن كعبٍ قال: الذى خاطبها هو الذي حملته في جوفها ودخَل من فيها.
وأولى القولين بالصواب في ذلك عندنا قول من قال: الذى ناداها ابنُها
عيسى؛ وذلك أنه مِن كِنايةِ ذكْرِه أقربُ منه من ذكرِ جبريلَ، فردُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾.
ُّه على الذي هو أقربُ إليه أولى من ردِّه على الذى هو أبعدُ منه ألا ترى أنَّها في سياق قوله: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَانْتَبَذَتْ بِهِ مَكَانًا قَصِيًّا (٢٢)﴾. يعني به: فحمَلتْ عيسى فانتبذت به، ثم قيل: ﴿فَنَادَاهَا﴾ نسقًا على ذلك من ذكر عيسى والخبر عنه. ولعلةٍ أُخرى، وهى قوله: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]. ولم تُشِرْ إليه، إن شاء الله إلا وقد علِمتْ أنه ناطقٌ في حاله تلك، وللذى كانت قد عرفت ووثقت به منه بمخاطبتِه إياها بقوله لها: ﴿أَلَّا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. وما أخبر اللهُ [تعالى ذكرُه] عنه أنه [قاله لها أشارتْ] للقومِ إليه، ولو كان ذلك قولًا من جبريلَ لكان خليقًا أن يكونَ في ظاهرِ الخبرِ مُبيِّنًا أن عيسى سينطقُ، ويحتجُّ عنها للقوم، وأمْرٌ منه لها بأن تُشيرَ إليه للقوم إذا سألوها عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، و: (مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ.
ا عن حالها وحاله.
فإذا كان ذلك الصواب من التأويل للذى بيَّنا، فبيِّنٌ أن كلتا القراءتين، أعنى: ﴿مِنْ تَحْتِهَا﴾ بالكسر، و: (مَن تحتَها) بالفتح صوابٌ. وذلك أنه إذا قرئ بالكسر، كان في قوله: ﴿فَنَادَاهَا﴾ ذكرٌ من عيسى، وإذا قرئ: (مَن تَحتَها) بالفتح، كان الفعلُ لـ (من). وهو عيسى. فتأويل الكلامِ إذن: فناداها المولود من تحتِها ألَّا تحزنى يا أُمَّهْ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿فَنَادَاهَا مِن تَحْتِهَا أَلَّا تَحْزَنِي﴾. قالت: وكيف لا أحزنُ وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ. ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ. أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟ ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾.
اتُ زوجٍ فأقولَ: من زوجٍ. ولا مملوكةٌ فأقولَ: من سيدٍ. أيُّ شيءٍ عذرِى عند الناس؟ ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا (٢٣)﴾. فقال لها عيسى: أنا
أكفِيكِ الكلامَ.
واختلف أهل التأويل في المعنىِّ بالسَّرِيِّ في هذا الموضع؛ فقال بعضهم: عنى به النهرَ الصغيرَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازبٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: الجدْوَلُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمد بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبة، عن أبي إسحاق، قال: سمعتُ البراء يقولُ في هذه الآية: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: الجدْولُ.
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن عليٍّ، عن ابن عباس قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. [وهو نهرُ عيسى].
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾].
[وهو نهرُ عيسى].
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾]. قال: السَّريُّ: النَّهَرُ
الذي كان تحتَ مريم حينَ ولَدته، كان يجرى يسمَّى سَرِيًّا.
حدَّثني أبو حصينٍ، قال: ثنا عَبْثَرٌ، قال: ثنا حُصينٌ، عن عمرو بنِ ميمونٍ الأَوْدِيِّ، قال في هذه الآيةِ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: السَّريُّ: نهرٌ يُشرب منه.
حدَّثنا يعقوب وأبو كريبٍ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصينٌ، عن عمرو بن ميمون في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: هو الجدول.
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصم، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسن، قال: ثنا ورقاء جميعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهرًا بالسُّريانيةِ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله.
يعًا، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سَرِيًّا﴾ قال: نهرًا بالسُّريانيةِ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهد مثله. قال ابن جريجٍ: نهرًا إلى جنبِها.
حدَّثنا محمد بن بشار، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا شعبة، عن قتادة، عن الحسن في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. قال: كان سريًّا. فقال حميد بنُ عبد الرحمن: إن السَّرىَّ الجدولُ. فقال: غلبتنا عليك الأمراءُ.
حدَّثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثنا أبو بكر بن عياشٍ، عن أبى
حُصينٍ، عن سعيد بن جبيرٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾، قال: هو الجدول، النهرُ الصغيرُ، وهو بالنَّبطية: سريًّا.
حدَّثني أبو حميد الحمصيُّ، قال: ثنا عثمان بن سعيد، قال: ثنا محمدُ بنُ مهاجرٍ، عن ثابت بن عجلانَ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبيرٍ عن السريِّ، فقال: نهرٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: النهرُ الصغير.
رٍ، عن ثابت بن عجلانَ، قال: سأَلتُ سعيد بن جبيرٍ عن السريِّ، فقال: نهرٌ.
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا هشيمٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيم، قال: النهرُ الصغير.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم، أنه قال: هو النهر الصغير. يعنى الجدول، يعنى قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سلمةَ بن نُبيطٍ، عن الضحاكِ، قال: جدولٌ صغيرٌ بالسُّريانيةِ.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعتُ أبا معاذٍ، [قال: أخبرنا عبيد بن سليمان، قال: سمعتُ الضحاكَ] يقولُ في قولِه: ﴿تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. الجدولُ الصغيرُ من الأنهار.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. السَّريُّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجازِ.
حدَّثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن قتادة] في قوله: ﴿سَرِيًّا﴾.
ِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. السَّريُّ: هو الجدول، تسميه أهل الحجازِ.
حدَّثنا الحسن، قال: ثنا عبد الرزاق، قال: أخبرنا معمرٌ، [عن قتادة] في قوله: ﴿سَرِيًّا﴾. قال: هو الجدولُ.
حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عمن لا يَتَّهِمُ، عن وهبِ ابن منبِّهٍ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. يعنى ربيعَ الماءِ.
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. والسريُّ: هو النهرُ.
وقال آخرون: بل عني به عيسى ﷺ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، عن الحسن: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. والسريُّ: يعني عيسى نفسَه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. يعني نفسه. قال: وأَيُّ شيءٍ أسْرى منه؟ قال: والذين يقولون: السريُّ هو النهرُ.
هبٍ، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا﴾. يعني نفسه. قال: وأَيُّ شيءٍ أسْرى منه؟ قال: والذين يقولون: السريُّ هو النهرُ. ليس كذلك النهرُ، لو كان النهرَ لكان إنما يكون إلى جَنبِها، ولا يكون النهر تحتها.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قيلُ مَن قال: عنى به الجدول. وذلك أنه أعلَمها ما قد أعطَاها الله من الماءِ الذى جعله عندها، وقال لها: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي﴾ من هذا الرُّطَبِ، ﴿وَاشْرَبِي﴾ من هذا الماءِ، ﴿وَقَرِّى عَيْنًا﴾ بولدِك، والسريُّ معروفٌ من كلام العرب أنه النهرُ الصغيرُ، ومنه قولُ لبيد بن ربيعةَ.
فتوسَّطا عُرْضَ السَّرِىِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاوِرًا قُلَّامُها
ويُروى فبيَّتا مسجُورةً، ويُروى أيضًا: فغادَرا.
وقوله: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
َّرِىِّ وصَدَّعا … مَسْجُورةً مُتَجاوِرًا قُلَّامُها
ويُروى فبيَّتا مسجُورةً، ويُروى أيضًا: فغادَرا.
وقوله: ﴿وَهُزِّى إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. ذُكِر أن الجِذْعَ كان جِذْعًا يابسًا، فأمَرها أن تهزَّه، وذلك في أيام الشتاءِ، وهزُّها إياه كان تحريكَه.
كما حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله:
﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: حرِّكيها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾.
يها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن سعد، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: كان جِذْعًا يابسًا، فقال لها: هُزِّيه، ﴿تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضح، قال: ثنا عبد المؤمنِ، قال: سمِعتُ أبا نَهيكٍ يقولُ: كانت نخلةً يابسةً.
حدَّثني محمد بن سهلِ بنِ عَسْكَرٍ، قال: ثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: ثنى عبدُ الصمدِ بن معقلٍ قال: سمعتُ وهب بن منبِّهٍ يقولُ في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: فكان الرطب يتساقط عليها، وذلك في الشتاء.
حدَّثنا موسى بن هارون، قال: ثنا عمرو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾: وكان جِذْعًا منها مقطوعا فهزَّته، فإذا هو نخلةٌ، وأُجْرِى لها في المحرابِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
بِ نهرٌ، فتساقطتِ النخلةُ رطبًا جنيًّا، فقال لها: ﴿كُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا﴾.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: وهزِّى إليك بالنخلةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبد الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، [قال: قال] مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. قال: النخلةُ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمد، قال: ثنا سفيان، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهد في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ قال: العجوة.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرنا حُصين، عن عمرو بن ميمونٍ، أنه تلا هذه الآيةَ: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾. قال: فقال عمرٌو: ما من شيءٍ خيرٌ للنفساءِ من التمرِ والرطبِ.
وأُدخلت الباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ. وكما قال: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ.
لَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾. كما يقالُ: زوَّجتُك فلانةَ، وزوَّجتُك بفلانةَ. وكما قال: ﴿تَنْبُتُ بِالدُّهْنِ﴾ [المؤمنون: ٢٠]. بمعنى: تَنْبُتُ الدهنَ. وإنما تفعلُ العربُ ذلك؛ لأن الأفعال يُكنَى عنها بالباءِ، فيقالُ إذا كنَيتَ عن: ضربتُ عمرًا: فعلتُ به. وكذلك كلُّ فعلٍ؛ فلذلك تَدخُلُ الباء في الأفعالِ وتَخرجُ، فيكونُ دخولها وخروجُها بمعنًى، فمعنى الكلام: وهُزِّى إليك جذعَ النخلةِ
وقد كان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك.
ان لو أن المفسرين كانوا فسَّروه كذلك: وهزِّى إليك رطبًا بجذع النخلة، بمعنى: على جذعِ النخلةِ - وجهًا صحيحًا، ولكن لستُ أحفظُ عن أحدٍ أنه فسَّره كذلك. ومن الشاهدِ على دخولِ الباءِ في موضعٍ، دخولُها فيه
وخروجُها منه سواءٌ - قولُ الشاعرِ:
بوادٍ يمانٍ يُنبِتُ السِّدرَ صدرُه … وأسفلُه بالمَرْخِ والشَّبَهانِ
واختلفتِ القرأة في قراءة قوله: ﴿تُسَاقِطْ﴾؛ فقرَأ ذلك عامَّةُ قرأةِ المدينةِ والبصرة والكوفة: (تَسَّاقَطْ)، بالتاءِ من (تَسَّاقطْ) وتشديد السينِ، بمعنى: تتساقطُ عليك النخلةُ رطبًا جنيًّا، ثم تُدغَمُ إحدى التاءين في الأُخرى فتُشدَّدُ، وكأن الذين قرءوا ذلك كذلك وجَّهوا معنى الكلام إلى: وهزِّى إليك بجذع النخلةِ تَسَّاقط النخلة عليك رطبًا جنيًّا.
وقرأ ذلك بعضُ قرأةِ الكوفة: (تَساقَطْ) بالتاء وتخفيف السينِ، ووجَّهوا معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة.
ورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ.
ِ، ووجَّهوا معنى الكلامِ، إلى مثْلِ ما وجَّهه إليه مشدِّدوها، غير أنهم خالفوهم في القراءة.
ورُوى عن البراء بن عازبٍ أنه قرَأ ذلك: (يَسَّاقطْ) بالياءِ.
حدَّثني بذلك أحمد بن يوسفَ، قال: ثنا القاسم، قال: ثنا يزيد، عن جرير بن حازمٍ، عن أبي إسحاقَ قال: سمعتُ البراء بن عازبٍ يقرؤه كذلك.
وكأنه وجَّه معنى الكلامِ إلى: وهزِّى إليك بجذعِ النخلة يتساقَطِ الجذعُ عليك رطبًا جنيًّا.
ورُوى عن أبي نَهيكٍ أنه كان يقرؤه: (تُسْقِطُ) بضمِّ التاء وإسقاط الألفِ.
حدَّثنا بذلك ابن حميدٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك.
وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا.
دٍ، قال: ثنا يحيى بن واضحٍ، قال: ثنا عبد المؤمن، قال: سمِعتُ أبا نَهِيكٍ يقرَؤه كذلك.
وكأنه وجَّه معنى الكلام إلى: تُسقِطُ النخلةُ عليكِ رطبًا جنيًّا.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى أن يقال: إن هذه القراءات الثلاثَ، أعنى: (تَسَّاقَطْ) بالتاءِ وتشديدِ السين، وبالتاءِ وتخفيف السين، وبالياء وتشديدِ السين، قراءاتٌ متقارباتُ المعانى، قد قرأ بكلِّ واحدةٍ منهنَّ قرأةٌ أهلُ معرفة بالقرآنِ، فبأيِّ ذلك قرأ القارئ فمصيبٌ الصوابَ فيه، وذلك أن الجذع إذا تساقط رطبًا، وهو ثابتٌ غير مقطوعٍ، فقد تساقطتِ النخلة رطبًا، وإذا تساقطت النخلة رطبًا، فقد تساقطتِ النخلةُ بأجمَعِها، جذعُها وغيرُ جذعها، وذلك أن النخلة ما دامت قائمةً على أصلها، فإنما هي جذعٌ وجريدٌ وسعَفٌ، فإذا قُطِعت صارت جذعًا، فالجذعُ الذى أُمرت مريم بهزِّه لم يَذْكُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً.
كُرْ أحدٌ نعلمُه أنه كان جذعًا مقطوعًا، غيرُ السدىِّ، وقد زعم أنه عاد بهزِّها إياه نخلةً، فقد صار معناه ومعنى من قال: كان المتساقط عليها رطبًا نخلةً. واحدًا، فبيِّنةٌ بذلك صحة ما قلنا فيه.
وقولُه: ﴿جَنِيًّا﴾. يعنى به: مجنيًّا، وإنما كان أصله مفعولًا فصُرِف إلى فعيلٍ، والمَجْنىُّ المأخوذ طريًّا، وكلُّ ما أُخِذ من ثمرةٍ أو بَقْلَةٍ مِن موضعه
بطراتِه فقد اجْتُنِى؛ ولذلك قيل: فلانٌ يجتني الكَمْأَةَ؛ ومنه قولُ ابنِ أختِ جذيمة:
هذا جَنايَ وخيارُه فيه … إذْ كُلُّ جانٍ يَدُه إلى فِيهْ
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾
قرأ بعضهم (مَنْ تَحْتَهَا) بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: (مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر.
واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي.
وقال مجاهد: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها.
داها من أسفل الوادي.
وقال مجاهد: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره
وقوله: (أَلا تَحْزَنِي) أي: ناداها قائلا لا تحزني، (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السريّ: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه.
وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية.
وقال سعيد بن جُبَيْر: السري: النهر الصغير بالنبطية.
وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية.
وقال إبراهيم النَّخَعِي: هو النهر الصغير.
وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز.
وقال وهب بن مُنَبِّه: السري: هو ربيع الماء.
وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير.
هو النهر الصغير.
وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز.
وقال وهب بن مُنَبِّه: السري: هو ربيع الماء.
وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني:
حدثنا أبو شعيب الحَرَّاني: حدثنا يحيى بن عبد الله البَابلُتِّي حدثنا أيوب بن نَهِيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهر أخرجه الله لتشرب منه" وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زُرْعَة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث.
وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، ﵇، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس.
ن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود نُفَيْع الأعمى: كانت صَرَفَانة
والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعامًا وشرابًا، فقال: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أي: طيبي نفسًا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شَيْبَان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عُروة بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يُلَقَّح غيرها".
بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يُلَقَّح غيرها". وقال رسول الله ﷺ: "أطعموا نساءكم الولدَ الرطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران".
هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به
وقرأ بعضهم قوله: "تساقط" بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نَهِيك: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) وروى أبو إسحاق عن البراء: أنه قرأها: "تساقط" أي: الجذع. والكل متقارب.
وقوله: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) أي: مهما رأيت من أحد، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك.
ًا) أي: مهما رأيت من أحد، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك. لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا).
قال أنس بن مالك في قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: صمتًا وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: "صومًا وصمتًا"، وكذا قال قتادة وغيرهما.
والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي،
وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد.
وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، ﵍؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت.
عبد الله بن مسعود: كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، ﵍؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله.
وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: ﴿أَلا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذاتُ زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب.
قوله تعالى: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾.
لم يصرح جل وعلا في هذه الآية الكريمة ببيان الشيء الذي أمرها أن تأكل منه، والشيء الذي أمرها أن تشرب منه. ولكنه أشار إلى أن الذي أمرها أن تأكل منه هو "الرطب الجني" المذكور. والذي أمرها أن تشرب منه هو النهر المذكور المعبر عنه "بالسَّرِيّ" كما تقدم. هذا هو الظاهر.
وقال بعض العلماء: إن جذع النخلة الذي أمرها أن تهز به
كان جذعًا يابسًا؛ فلما هزته جعله الله نخلة ذات رطب جنيّ. وقال بعض العلماء: كان الجذع جذع نخلة نابتة إلا أنها غير مثمرة، فلما هزته أنبت الله فيه الثمر وجعله رطبًا جنيًّا. وقال بعض العلماء: كانت النخلة مثمرة، وقد أمرها الله بهزها ليتساقط لها الرطب الذي كان موجودًا. والذي يفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة.
تساقط لها الرطب الذي كان موجودًا. والذي يفهم من سياق القرآن: أن الله أنبت لها ذلك الرطب على سبيل خرق العادة، وأجرى لها ذلك النهر على سبيل خرق العادة. ولم يكن الرطب والنهر موجودين قبل ذلك، سواء قلنا إن الجذع كان يابسًا أو نخلة غير مثمرة، إلا أن الله أنبت فيه الثمر وجعله رطبًا جنيًّا. ووجه دلالة السياق على ذلك أن قوله تعالى: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَينًا﴾ يدل على أن عينها إنما تقر في ذلك الوقت بالأمور الخارقة للعادة؛ لأنها هي التي تبين براءتها مما اتهموها به. فوجود هذه الخوارق من تفجير النهر، وإنبات الرطب، وكلام المولود تطمئن إليه نفسها وتزول به عنها الريبة، وبذلك يكون قرة عين لها؛ لأن مجرد الأكل والشرب مع بقاء التهمة التي تمنت بسببها أن تكون قد ماتت من قبل وكانت نسيًا منسيًّا، لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه.
من قبل وكانت نسيًا منسيًّا، لم يكن قرة لعينها في ذلك الوقت كما هو ظاهر. وخرق الله لها العادة بتفجير الماء، وإنبات الرطب، وكلام المولود لا غرابة فيه. وقد نص الله جل وعلا في "آل عمران" على خرقه لها العادة في قوله: ﴿كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِنْدَهَا رِزْقًا قَال يَامَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالتْ هُوَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ بِغَيرِ حِسَابٍ (٣٧)﴾. قال العلماء: كان يجد عندها فاكهة الصيف في الشتاء، وفاكهة الشتاء في الصيف. وإجراء النهر وإنبات الرطب ليس أغرب من هذا المذكور في سورة "آل عمران".
مسألة
أخذ بعض العلماء من قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ .. ﴾ الآية. أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعًا، وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا.
لكريمة: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ .. ﴾ الآية. أن السعي والتسبب في تحصيل الرزق أمر مأمور به شرعًا، وأنه لا ينافي التوكل على الله جل وعلا. وهذا أمر كالمعلوم من الدين بالضرورة، أن الأخذ بالأسباب في تحصيل المنافع ودفع المضار في الدنيا أمر مأمور به شرعًا لا ينافي التوكل على الله بحال؛ لأن المكلف يتعاطى السبب امتثالًا لأمر ربه مع علمه ويقينه أنه لا يقع إلا ما يشاء الله وقوعه. فهو متوكل على الله، عالم أنه لا يصيبه إلا ما كتب الله له من خير أو شر. ولو شاء الله تخلُّفَ تأثير الأسباب عن مسبباتها لتخلف.
ومن أصرح الأدلة في ذلك: قوله تعالى: ﴿قُلْنَا يَانَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَى إِبْرَاهِيمَ (٦٩) .. ﴾ الآية. فطبيعة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادًا من حرها في الوقت الذي هي فيه كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم.
عة الإحراق في النار معنى واحد لا يتجزأ إلى معان مختلفة، ومع هذا أحرقت الحطب فصار رمادًا من حرها في الوقت الذي هي فيه كائنة بردًا وسلامًا على إبراهيم. فدل ذلك دلالة قاطعة على أن التأثير حقيقة إنما هو بمشيئة خالق السموات والأرض، وأنه يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، وأنه لا تأثير لشيء من ذلك إلا بمشيئته جل وعلا.
ومن أوضح الأدلة في ذلك: أنه ربما جعل الشيء سببًا لشيء آخر مع أنه مناف له؛ كجعله ضرب مَيِّت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببًا لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟
أنه مناف له؛ كجعله ضرب مَيِّت بني إسرائيل ببعض من بقرة مذبوحة سببًا لحياته، وضربه بقطعة ميتة من بقرة ميتة مناف لحياته. إذ لا تكسب الحياة من ضرب بميت؟ وذلك يوضح أنه
جل وعلا يسبب ما شاء من المسببات على ما شاء من الأسباب، ولا يقع تأثير البتة إلا بمشيئته جل وعلا.
ومما يوضح أن تعاطي الأسباب لا ينافي التوكل على الله: قوله تعالى عن يعقوب: ﴿وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ﴾ أمرهم في هذا الكلام بتعاطي السبب، وتسبب في ذلك بالأمر به؛ لأنه يخاف عليهم أن تصيبهم الناس بالعين لأنهم أحد عشر رجلًا أبناء رجل واحد، وهم أهل جمال وكمال وبسطة في الأجسام. فدخولهم من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين، فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيًا للسبب في السلامة من إصابة العين؛ كما قال غير واحد من علماء السلف.
م من باب واحد مظنة لأن تصيبهم العين، فأمرهم بالتفرق والدخول من أبواب متفرقة تعاطيًا للسبب في السلامة من إصابة العين؛ كما قال غير واحد من علماء السلف. ومع هذا التسبب فقد قال الله عنه: ﴿وَقَال يَابَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيءٍ إِنِ الْحُكْمُ إلا لِلَّهِ عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾. فانظر كيف جمع بين التسبب في قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ﴾ وبين التوكل على الله في قوله: ﴿عَلَيهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ (٦٧)﴾ وهذا أمر معلوم لا يخفى إلا على من طمس الله بصيرته. والله جل وعلا قادر على أن يسقط لها الرطب من غير هز الجذع، ولكنه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك:
ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يسَّاقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه ...
ه أمرها بالتسبب في إسقاطه بهز الجذع. وقد قال بعضهم في ذلك:
ألم تر أن الله قال لمريم ... وهزي إليك الجذع يسَّاقط الرطب
ولو شاء أن تجنيه من غير هزه ... جنته ولكن كل شيء له سبب
وقد أخذ بعض العلماء من هذه الآية الكريمة: أن خير ما تطعمه النفساء الرطب. قالوا: لو كان شيء أحسن للنفساء من
الرطب لأطعمه الله مريم وقت نفاسها بعيسى، قاله الربيع بن خثيم وغيره. والباء في قوله: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ مزيدة للتوكيد؛ لأن فعل الهز يتعدى بنفسه، وزيادة حرف الباء للتوكيد قبل مفعول الفعل المتعدي بنفسه كثيرة في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن قوله هنا: ﴿وَهُزِّي إِلَيكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ﴾ لأن المتبادر من اللغة أن الأصل: وهزي إليك جذع النخلة، وقوله تعالى: ﴿وَلَا تُلْقُوا بِأَيدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ .. ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) ..
ى التَّهْلُكَةِ﴾، وقوله: ﴿وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ .. ﴾ الآية. وقوله: ﴿فَسَتُبْصِرُ وَيُبْصِرُونَ (٥) بِأَيِّكُمُ الْمَفْتُونُ (٦) .. ﴾ الآية، وقوله: (تُنْبت بِالدُّهْنِ) على قراءة ابن كثير وأبي عمرو بضم التاء وكسر الباء مضارع أنبت الرباعي؛ لأن الرباعي الذي هو أنبت يُنْبِت بضم الياء المثناة وكسر الباء الموحدة يتعدى بنفسه دون الحرف، فالباء مزيدة للتوكيد كما رأيت في الآيات المذكورة. ونظير ذلك من كلام العرب قول أمية بن أبي الصلت الثقفي:
إذ يسقون بالدقيق وكانوا ... قبل لا يأكلون خبزًا فطيرا
لأن الأصل: يسقون الدقيق، فزيدت الباء للتوكيد. وقول الراعي:
هن الحرائر لا ربات أخمرة ... سود المعاجر لا يقرأن بالسور
فالأصل: لا يقرأن السور، فزيدت الباء لما ذكر. وقول يعلى الأحول اليشكري أو غيره:
بواد يمان ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان
فالأصل: وأسفله المرخ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت
الباء لما ذكر. وقول الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ...
ينبت الشث صدره ... وأسفله بالمرخ والشبهان
فالأصل: وأسفله المرخ؛ أي وينبت أسفله المرخ، فزيدت
الباء لما ذكر. وقول الأعشى:
ضمنت برزق عيالنا أرماحنا ... ملء المراجل والصريح الأجردا
فالأصل: ضمنت رزق عيالنا. وقول الراجز:
نحو بنو جعدة أصحاب الفَلَج ... نضرب بالسيف ونرجو بالفرج
أي: نرجو الفرج. وقول امرئ القيس:
فلما تنازعنا الحديث وأسمحت ... هصرت بغصن ذي شماريخ ميَّال
فالأصل: هصرت غصنا؛ لأن هصر تتعدى بنفسها. وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب.
وفي قوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿تُسَاقِطْ﴾ تسع قراءات، ثلاث منها سبعية. وست شاذة. أما الثلاث السبعية فقد قرأه حمزة وحده من السبعة (تَسَاقَط) بفتح التاء وتخفيف السين وفتح القاف، أصله: تتساقط؛ فحذفت إحدى التاءين. وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ هو تمييز محول عن الفاعل. وقرأه حفص وحده عن عاصم: ﴿تُسَاقِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، مضارع ساقطت تُساقط. وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ مفعول به للفعل الذي هو ﴿تُسَاقِطْ﴾ هي أي النخلة رطبًا.
قِطْ﴾ بضم التاء وكسر القاف وتخفيف السين، مضارع ساقطت تُساقط. وعلى هذه القراءة فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ مفعول به للفعل الذي هو ﴿تُسَاقِطْ﴾ هي أي النخلة رطبًا. وقرأه بقية السبعة: (تَسَّاقَط) بفتح التاء والقاف وتشديد السين، أصله: تتساقط؛ فأدغمت إحدى التاءين في السين. وعلى قراءة الجمهور هذه فقوله: ﴿رُطَبًا﴾ تمييز محول عن الفاعل كإعرابه على قراءة حمزة؛ وغير هذا من القراءات شاذ.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥)﴾ الجنيّ: هو
ما طاب وصلح لأن يجنى فيؤكل. وعن أبي عمرو بن العلاء: أن الجني هو الذي لم يجف ولم ييبس، ولم يبعد عن يدي متناوله.
•