Tanya Kitab
Daftar surahSurah Maryam › Ayat 26

QS 19:26

Surah Maryam (مريم) ayat 26

19:26
فَكُلِي وَٱشۡرَبِي وَقَرِّي عَيۡنٗاۖ فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ ٱلۡبَشَرِ أَحَدٗا فَقُولِيٓ إِنِّي نَذَرۡتُ لِلرَّحۡمَٰنِ صَوۡمٗا فَلَنۡ أُكَلِّمَ ٱلۡيَوۡمَ إِنسِيّٗا
Maka makan, minum dan bersenanghatilah engkau. Jika engkau melihat seseorang, maka katakanlah, "Sesungguhnya aku telah bernazar berpuasa untuk Tuhan Yang Maha Pengasih, maka aku tidak akan berbicara dengan siapa pun pada hari ini
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 25Ayat 27 →

Kata per kata

Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat seluruh ayat yang memakai akar yang sama.

فَكُلِى
أَكَلَ
اكل
وَٱشْرَبِى
شَرِبَ
شرب
وَقَرِّى
تَقَرَّ
قرر
عَيْنًا
عَيْن
عين
فَإِمَّا
إِمَّا
exl
تَرَيِنَّ
رَءَا
راي
مِنَ
مِن
preposisi
ٱلْبَشَرِ
بَشَر
بشر
أَحَدًا
أَحَد
احد
فَقُولِىٓ
قَالَ
قول
إِنِّى
إِنّ
partikel nashab
نَذَرْتُ
نَذَرْ
نذر
لِلرَّحْمَٰنِ
رَّحْمَٰن
رحم
صَوْمًا
صَوْم
صوم
فَلَنْ
لَن
partikel nafi
أُكَلِّمَ
كَلَّمَ
كلم
ٱلْيَوْمَ
يَوْم
يوم
إِنسِيًّا
إِنسِيّ
انس

Tafsir dalam korpus (75 potongan)

QS 19:26 (jilid 15 hlm. 515) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 515 · #69397
القولُ في تأويل قوله جلَّ ثناؤُه: ﴿فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. يقول تعالى ذكرُه: فكُلى من الرُّطَب الذى تساقط عليكِ، واشْرَبي من ماء السَّرِيِّ الذى جعَله ربُّك تحتَكِ، و لا تَخْشَىْ جُوعًا ولا عطَشًا، ﴿وَقَرِّي عَيْنًا﴾ يقولُ: وطِيبي نفسًا وافرَحى بولادتِك إِيَّايَ ولا تحزني، ونُصِبتِ العينُ لأنها هي الموصوفةُ بالقَرارِ. وإنَّما معنى الكلام: ولتَقرَرْ عينُكِ بولدِكِ، ثم حُوِّل الفعل عن العين إلى المرأة صاحبة العين، فنُصِبتِ العينُ إذ كان الفعل لها في الأصل على التفسير، نظير ما فُعِل بقوله: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا).
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 515) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 515 · #69398
مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤]. وإنما هو: فإن طابت أنفسهن لكم. وقوله: ﴿وَضَاقَ بِهِمْ ذَرْعًا﴾ [هود: ٧٧]. ومنه قولُه: (يَسَّاقِطْ عليكِ رُطبًا جنيًّا). إنما هو يَسَّاقط عليك رطبُ الجذع، فحُوّل الفعل إلى الجذع في قراءة من قرأَه بالياء. وفي قراءةِ مَن قرأه (تسَّاقطْ) بالتاء، معناه: تساقطْ عليكِ رُطَبُ النخلة، ثمَّ حُوِّل الفعلُ إلى النخلة. وقد اختلفت القرأة فى قراءةِ قوله: ﴿وَقَرِّي﴾؛ فأَمَّا أهل المدينة فقرءوه ﴿وَقَرِّى﴾ بفتح القافِ على لغةِ مَن قال: قَرِرْتُ بالمكان أقرُّ به، وقرِرتُ به عينًا، أقرُّ به قُرُورًا. وهي لغة قريش، فيما ذُكر لى، وعليها القرأة، وأما أهل نجدٍ، فإنها تقولُ: قَرَرتُ به عينًا أقِرُّ به قرارًا، وقَرَرْتُ بالمكان أقرُّ به. فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف. وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾.
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 516) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 516 · #69399
به. فالقراءةُ على لغتهم: (وقِرِّى عَيْنًا) بكسر القافِ، والقراءة عندنا على لغة قريشٍ بفتح القاف. وقولُه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾. يقولُ: فإن رأيتِ من بني آدم أحدًا يُكلّمُكِ أو يسائِلُكِ عن شيءٍ مِن أمرك وأمر ولدِكِ وسبب ولادتِكِه، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. يقولُ: فقولي له: إنى أوجبتُ على نفسى للهِ صمتًا ألَّا أُكلِّم أحدًا من بنى آدمَ اليومَ ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. وبنحو الذى قُلنا في معنى الصومِ قال أهل التأويل. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا معتمر بن سليمان، عن أبيه، قال: سمعتُ أنس بن مالكٍ يقولُ فى هذه الآية: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا. حدَّثني زكريا بن يحيى بن أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾.
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 516) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 516 · #69400
أبي زائدة، قال: ثنا حجاج، قال: أخبرنا ابن جريجٍ، قال: أخبرني المغيرة بن عثمانَ، قال: سمعتُ أنس بن مالك يقولُ: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: صمتًا. حدَّثنا محمد بن سعد، قال: ثني أبي، قال: ثني عمي، قال: ثني أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: يعنى بالصومِ الصمت. حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابنُ علية، عن سليمان التيمي، قال: سمعتُ أنسًا قرأ: (إنِّي نَذَرْتُ للرَّحْمَن صَوْمًا وَصَمْتًا). حدَّثنا الحسن بن يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرَّزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: أما قوله: ﴿صَوْمًا﴾. فإنها صامت من الطعام والشراب والكلام. حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمعت أبا معاذ يقول: أخبرنا عبيدٌ، قال: سمعتُ الضَّحاك يقولُ فى قوله: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: [يعنى: صمتًا. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾].
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 517) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 517 · #69401
له: ﴿نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾: [يعنى: صمتًا. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد في قوله: ﴿إني نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾]. قال: كان من بني إسرائيل من إذا اجتهد صام من الكلام كما يَصُومُ مِن الطعام، إلا من ذكرِ اللهِ، فقال ذلك لها كذلك، فقالت: إنى أَصُومُ من الكلام كما أصومُ من الطعام، إلا من ذكر الله. فلما كلَّموها أشارت إليه، فقالوا: ﴿كَيْفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا﴾ فأجابهم. فقال: ﴿قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا (٣٠) وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا (٣١) وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا (٣٢) وَالسَّلَامُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾.
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 518) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 518 · #69402
ُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ وَيَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيًّا (٣٣) ذَلِكَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ قَوْلَ الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ يَمْتَرُونَ (٣٤)﴾. واختلفُوا فى السبب الذى من أجله أمرها بالصومِ عن كلام البشر؛ فقال بعضُهم: أمرها بذلك؛ لأنه لم يكن لها حُجةٌ عند الناس ظاهرة؛ وذلك أنَّها جاءت، وهى أيِّمٌ بولدٍ، فأُمرت بالكفّ عن الكلام ليكفيها الكلامَ ولدُها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا هارون بن إسحاق، قال: ثنا مصعب بن المقدام، قال: ثنا إسرائيل، قال: ثنا أبو إسحاق، عن حارثة، قال: كنتُ عند ابن مسعودٍ، فجاء رجلان فسلَّم أحدهما ولم يسلِّم الآخرُ، فقال: ما شأنك؟ فقال أصحابه: حلف أن لا يكلم الناس اليوم. فقال عبدُ اللهِ: كلِّمِ الناسَ وسلِّمْ عليهم، فإنَّ تلك امرأةٌ علمت أنَّ أحدًا لا يصدِّقُها أنَّها حملت من غير زوجٍ. يعنى بذلك مريم. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ.
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 518) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 518 · #69403
بذلك مريم. حدَّثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيد: لما قال عيسى لمريم: لا تحزني، قالت: وكيف لا أحزن وأنت معى، لا ذاتُ زوجٍ ولا مملوكةٌ. أيُّ شيءٍ عُذرى عند الناس ﴿يَالَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَذَا وَكُنْتُ نَسْيًا مَنْسِيًّا﴾. فقال لها عيسى: أنا أكفيك الكلامَ، ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. قال: هذا كلُّه كلام عيسى لأمه. حدَّثنا ابن حميد، قال: ثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عمَّن لا يَتَّهمُ، عن وهب ابن منبه: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فإني سأكفيك الكلام. وقال آخرون: إنما كان ذلك آيةً لمريم وابنها. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا).
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 519) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 519 · #69404
ك حدَّثنا الحسنُ، قال: أخبرنا عبد الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادة في قوله: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. قال: فى بعض الحروفِ: (صمتًا). و إنَّكَ لا [تشأُ أن] تلقَى امرأة جاهلة تقولُ: نذرتُ كما نذرَت مريم؛ ألَّا تكلَّمَ يومًا إلى الليل. وإنما جعل الله تلك آيةً لمريم ولابنها، ولا يحِلُّ لأحدٍ أن يَنذُرَ صمتَ يومٍ إلى الليل. حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾. وكانت تُقرأُ فى الحرف الأوَّلِ: (صمتًا)، وإنما كانت آيةً بعثها الله لمريم وابنها. وقال آخرون: بل كانت صائمةً فى ذلك اليوم، والصائم في ذلك الزمان كان يصوم عن الطعام والشراب وكلام الناس، فأُذِن لمريم في قدر هذا الكلام ذلك اليوم وهي صائمةٌ. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباط، عن السدىِّ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يُكَلِّمُكِ، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾.
QS 19:26 (jilid 15 hlm. 520) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 15 · hlm. 520 · #69405
دىِّ: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾ يُكَلِّمُكِ، ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾. فكان مَن صام فى ذلك الزمان لم يتكلَّمْ حتى يُمسى، فقال لها: لا تزيدى على هذا.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 223) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 223 · #89159
﴿فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا أَلا تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا (٢٤) وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ قرأ بعضهم (مَنْ تَحْتَهَا) بمعنى الذي تحتها. وقرأ آخرون: (مِنْ تَحْتِهَا) على أنه حرف جر. واختلف المفسرون في المراد بذلك من هو؟ فقال العوفي وغيره، عن ابن عباس: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) جبريل، ولم يتكلم عيسى حتى أتت به قومها، وكذا قال سعيد بن جبير، والضحاك، وعمرو بن ميمون، والسدي، وقتادة: إنه الملك جبريل ﵊، أي: ناداها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 224) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 224 · #89160
داها من أسفل الوادي. وقال مجاهد: (فَنَادَاهَا مِنْ تَحْتِهَا) قال: عيسى ابن مريم، وكذا قال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن قتادة قال: قال الحسن: هو ابنها. وهو إحدى الروايتين عن سعيد بن جبير: أنه ابنها، قال: أولم تسمع الله يقول: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾ [مريم: ٢٩]؟ واختاره ابن زيد، وابن جرير في تفسيره وقوله: (أَلا تَحْزَنِي) أي: ناداها قائلا لا تحزني، (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال سفيان الثوري وشعبة، عن أبي إسحاق، عن البراء بن عازب: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) قال: الجدول. وكذا قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: السريّ: النهر. وبه قال عمرو بن ميمون: نهر تشرب منه. وقال مجاهد: هو النهر بالسريانية. وقال سعيد بن جُبَيْر: السري: النهر الصغير بالنبطية. وقال الضحاك: هو النهر الصغير بالسريانية. وقال إبراهيم النَّخَعِي: هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز. وقال وهب بن مُنَبِّه: السري: هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 224) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 224 · #89161
هو النهر الصغير. وقال قتادة: هو الجدول بلغة أهل الحجاز. وقال وهب بن مُنَبِّه: السري: هو ربيع الماء. وقال السدي: هو النهر، واختار هذا القول ابن جرير. وقد ورد في ذلك حديث مرفوع، فقال الطبراني: حدثنا أبو شعيب الحَرَّاني: حدثنا يحيى بن عبد الله البَابلُتِّي حدثنا أيوب بن نَهِيك، سمعت عكرمة مولى ابن عباس يقول: سمعت ابن عمر يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إن السري الذي قال الله لمريم: (قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا) نهر أخرجه الله لتشرب منه" وهذا حديث غريب جدًّا من هذا الوجه. وأيوب بن نهيك هذا هو الحبلي قال فيه أبو حاتم الرازي: ضعيف. وقال أبو زُرْعَة: منكر الحديث. وقال أبو الفتح الأزدي: متروك الحديث. وقال آخرون: المراد بالسري: عيسى، ﵇، وبه قال الحسن، والربيع بن أنس، ومحمد بن عَبَّاد بن جعفر. وهو إحدى الروايتين عن قتادة، وقول عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 225) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 225 · #89162
ن زيد بن أسلم، والقول الأول أظهر؛ ولهذا قال بعده: (وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ) أي: وخذي إليك بجذع النخلة. قيل: كانت يابسة، قاله ابن عباس. وقيل: مثمرة. قال مجاهد: كانت عجوة. وقال الثوري، عن أبي داود نُفَيْع الأعمى: كانت صَرَفَانة والظاهر أنها كانت شجرة، ولكن لم تكن في إبان ثمرها، قاله وهب بن منبه؛ ولهذا امتن عليها بذلك، أن جعل عندها طعامًا وشرابًا، فقال: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا * فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْنًا) أي: طيبي نفسًا؛ ولهذا قال عمرو بن ميمون: ما من شيء خير للنفساء من التمر والرطب، ثم تلا هذه الآية الكريمة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا شَيْبَان، حدثنا مسرور بن سعيد التميمي حدثنا عبد الرحمن بن عمرو الأوزاعي، عن عُروة بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يُلَقَّح غيرها".
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 225) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 225 · #89163
بن رُوَيْم، عن علي بن أبي طالب قال: قال رسول الله ﷺ: "أكرموا عمتكم النخلة، فإنها خلقت من الطين الذي خلق منه آدم ﵇، وليس من الشجر شيء يُلَقَّح غيرها". وقال رسول الله ﷺ: "أطعموا نساءكم الولدَ الرطَبَ، فإن لم يكن رطب فتمر، وليس من الشجرة شجرة أكرم على الله من شجرة نزلت تحتها مريم بنت عمران". هذا حديث منكر جدًّا، ورواه أبو يعلى، عن شيبان، به وقرأ بعضهم قوله: "تساقط" بتشديد السين، وآخرون بتخفيفها، وقرأ أبو نَهِيك: (تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا) وروى أبو إسحاق عن البراء: أنه قرأها: "تساقط" أي: الجذع. والكل متقارب. وقوله: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا) أي: مهما رأيت من أحد، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 225) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 225 · #89164
ًا) أي: مهما رأيت من أحد، (فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) المراد بهذا القول: الإشارة إليه بذلك. لا أن المراد به القول اللفظي؛ لئلا ينافي: (فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا). قال أنس بن مالك في قوله: (إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا) أي: صمتًا وكذا قال ابن عباس، والضحاك. وفي رواية عن أنس: "صومًا وصمتًا"، وكذا قال قتادة وغيرهما. والمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم يحرم عليهم الطعام والكلام، نص على ذلك السدي، وقتادة، وعبد الرحمن بن زيد. وقال أبو إسحاق، عن حارثة قال: كنت عند ابن مسعود، فجاء رجلان فسلم أحدهما ولم يسلم الآخر، فقال: ما شأنك؟ قال أصحابه: حلف ألا يكلم الناس اليوم. فقال عبد الله بن مسعود: كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، ﵍؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت.
QS 19:24-26 (jilid 5 hlm. 226) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 5 · hlm. 226 · #89165
عبد الله بن مسعود: كلِّم الناس وسلم عليهم، فإنما تلك امرأة علمت أن أحدًا لا يصدقها أنها حملت من غير زوج. يعني بذلك مريم، ﵍؛ ليكون عذرًا لها إذا سئلت. ورواه ابن أبي حاتم، وابن جرير، رحمهما الله. وقال عبد الرحمن بن زيد: لما قال عيسى لمريم: ﴿أَلا تَحْزَنِي﴾ قالت: وكيف لا أحزن وأنت معي؟! لا ذاتُ زوج ولا مملوكة، أي شيء عذري عند الناس؟ يا ليتني مت قبل هذا وكنت نسيًا منسيًّا، قال لها عيسى: أنا أكفيك الكلام: (فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا) قال: هذا كله من كلام عيسى لأمه. وكذا قال وهب.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 320) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 320 · #100240
قوله تعالى: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. قائل هذا الكلام لمريم هو الذي ناداها من تحتها ألا تحزني. وقد قدمنا الخلاف فيه؛ هل هو عيسى، أو جبريل، وما يظهر رجحانه عندنا من ذلك. وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ قيل أمرت أن تقول ذلك باللفظ. وقيل أمرت أن تقوله بالإشارة. وكونها أمرت أن تقوله باللفظ هو مذهب الجمهور؛ كما قاله القرطبي وأبو حيان، وهو ظاهر الآية الكريمة؛ لأن ظاهر القول في قوله تعالى: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ ... ﴾ الآية. أنه قول باللسان. واستدل من قال: إنها أمرت أن تقول ذلك بالإشارة بأنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيًّا، فإذا قالت لإنسي بلسانها: إني نذرت للرحمن صومًا، فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 320) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 320 · #100241
أنها لو قالته باللفظ أفسدت نذرها الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيًّا، فإذا قالت لإنسي بلسانها: إني نذرت للرحمن صومًا، فقد كلمت ذلك الإنسي فأفسدت نذرها. واختار هذا القول الأخير لدلالة الآية عليه ابن كثير ﵀، قال في تفسير هذه الآية: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾: المراد بهذا القول الإشارة إليه لذلك، لا أن المراد القول اللفظي لئلا ينافي ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾. وأجاب المخالفون عن هذا بأن المعنى: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ بعد قولي: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ فقد رأيت كلام العلماء في الآية، وأن القول الأول يدل عليه ظاهر السياق، وأن الثاني يدل عليه قوله: ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقًا. قال أبو حيان في البحر: وقوله ﴿إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنها كانت تكلم الملائكة.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 321) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 321 · #100242
أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنه يدل على نفي الكلام للإنسي مطلقًا. قال أبو حيان في البحر: وقوله ﴿إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ لأنها كانت تكلم الملائكة. ومعنى كلامه أن قوله: ﴿إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ له مفهوم مخالفة، أي بخلاف غير الإنسي كالملائكة فإني أكلمه. والذي يظهر لي أنه لم يرد في الكلام إخراج المفهوم عن حكم المنطوق، وإنما المراد شمول نفي الكلام كل إنسان كائنًا من كان. مسألة اعلم أنه على هذا القول الذي اختاره ابن كثير أن المراد بقوله: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي قولي ذلك بالإشارة يدل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام؛ لأنها في هذه الآية سميت قولًا على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيرًا إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله: إذا كلَّمَتني بالعيون الفواتر ...
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 321) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 321 · #100243
لأنها في هذه الآية سميت قولًا على هذا الوجه من التفسير. وسمع في كلام العرب كثيرًا إطلاق الكلام على الإشارة، كقوله: إذا كلَّمَتني بالعيون الفواتر ... رددتُ عليها بالدموع البوادر وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى ما يدل من النصوص على أن الإشارة المُفْهِمة تنزَّل منزلة الكلام، وما يدل من النصوص على أنها ليست كالكلام، وأقوال العلماء في ذلك. اعلم أنه دلت أدلة على قيام الإشارة المفهمة مقام الكلام، وجاءت أدلة أخرى يفهم منها خلاف ذلك. فمن الأدلة الدالة على قيام الإشارة مقام الكلام: قصة الأمة السوداء التي قال لها رسول الله ﷺ: "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء. فقال ﷺ: "اعتقها فإنها مؤمنة" فجعل إشارتها كنطقها في الإيمان الذي هو أصل الديانات. وهو الذي يُعصم به الدم والمال، وتستحق به الجنة، وينجى به من النار. والقصة مشهورة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي ﵃.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 322) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 322 · #100244
ق به الجنة، وينجى به من النار. والقصة مشهورة مروية عن جماعة من الصحابة، منهم أبو هريرة، وابن عباس، ومعاوية بن الحكم السلمي، والشريد بن سويد الثقفي ﵃. وفي بعض رواياتهم: أنهم أشارت إلى السماء. قال أبو داود في سننه: حدثنا إبراهيم بن يعقوب الجوزجاني، ثنا يزيد بن هارون، قال أخبرني المسعودي عن عون بن عبد الله، عن عبد الله بن عتبة، عن أبي هريرة: أن رجلا أتى النبي ﷺ بجارية سوداء فقال: يا رسول الله، إن عليَّ رقبة مؤمنة؟ فقال لها: "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها: "فمن أنا"؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة".
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 322) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 322 · #100245
فقال لها: "أين الله"؟ فأشارت إلى السماء بإصبعها فقال لها: "فمن أنا"؟ فأشارت إلى النبي ﷺ وإلى السماء، يعني أنت رسول الله. فقال: "أعتقها فإنها مؤمنة". والظاهر حمل الروايات التي فيها أنه لما قال لها: أين الله قالت: في السماء من غير ذكر الإشارة، على أنها قالت ذلك بالإشارة؛ لأن القصة واحدة والروايات يفسر بعضها بعضًا. وقال أبو عبد الله القرطبي في تفسيره في سورة "آل عمران" في الكلام على قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ ما نصه: في هذه الآية دليل على أن الإشارة تنزل منزلة الكلام، وذلك موجود في كثير من السنة، وآكد الإشارات ما حكم به النبي ﷺ من أمر السوداء حين قال لها: "أين الله"؟ فأشارت برأسها إلى السماء، فقال: "اعتقها فإنها مؤمنة"، فأجاز الإسلام بالإشارة الذي هو أصل الديانة الذي يحرز به الدم والمال، وتُستحق به الجنة، ويُنجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 323) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 323 · #100246
مال، وتُستحق به الجنة، ويُنجى به من النار، وحكم بإيمانها كما يحكم بنطق من يقول ذلك، فيجب أن تكون الإشارة عاملة في سائر الديانة، وهو قول عامة الفقهاء. وروى ابن القاسم عن مالك: أن الأخرس إذا أشار بالطلاق أنه يلزمه. وقال الشافعي في الرجل يمرض فيختل لسانه: فهو كالأخرس في الرجعة والطلاق. وقال أبو حنيفة: ذلك جائز إذا كانت إشارته تعرف. وإن شك فيها فهذا باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي ﵀.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 323) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 323 · #100247
إن شك فيها فهذا باطل، وليس ذلك بقياس، وإنما هو استحسان. والقياس في هذا كله أنه باطل؛ لأنه لا يتكلم ولا تعقل إشارته. انتهى محل الغرض من كلام القرطبي ﵀. وقد جاءت أحاديث كثيرة صحيحة تدل على قيام الإشارة مقام الكلام في أشياء متعددة، فمن ذلك ما رواه مسلم في صحيحه من حديث ابن عمر ﵄: أن رسول الله ﷺ ذكر رمضان فضرب بيديه فقال: "الشهر هكذا وهكذا وهكذا -ثم عقد إبهامه في الثالثة- فصوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن أغميَ عليكم فاقدروا له ثلاثين" هذا لفظ مسلم في صحيحه، وهو صريح في أنه ﷺ نزل إشارته بأصابعه -إلى أن الشهر قد يكون تسعة وعشرين يوما، وقد يكون ثلاثين- منزلة نطقه بذلك. وقال النووي في شرح مسلم في الكلام على هذا الحديث: وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا أورده البخاري في باب (اللعان) مستدلًا به على أن الإشارة كاللفظ.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 323) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 323 · #100248
هذا الحديث: وفي هذا الحديث جواز اعتماد الإشارة المفهمة في مثل هذا. وحديث ابن عمر هذا أورده البخاري في باب (اللعان) مستدلًا به على أن الإشارة كاللفظ. وقد ذكر البخاري ﵀ في صحيحه أحاديث كثيرة تدل على جعل الإشارة كالنطق، قال رحمه الله تعالى: (باب الإشارة في الطلاق والأمور) وقال ابن عمر: قال النبي ﷺ: "لا يعذب الله بدمع العين ولكن يعذب بهذا" فأشار إلى لسانه، وقال كعب بن مالك: أشار النبي ﷺ إليَّ: أن خذ النصف. وقالت أسماء: صلى النبي ﷺ في الكسوف؛ فقلت لعائشة: ما شأن الناس -وهي تصلي؟ - فأومأت برأسها إلى الشمس. فقلت: آية؟ فأومأت برأسها: أن نعم. وقال أنس: أومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر: أن يتقدم. وقال ابن عباس: أومأ النبي ﷺ بيده: لا حرج. وقال أبو قتادة: قال النبي ﷺ في الصيد للمحرم: "أحدٌ منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 324) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 324 · #100249
قدم. وقال ابن عباس: أومأ النبي ﷺ بيده: لا حرج. وقال أبو قتادة: قال النبي ﷺ في الصيد للمحرم: "أحدٌ منكم أمره أن يحمل عليها أو أشار إليها؟ " قالوا: لا. قال: "فكلوا". حدثنا عبد الله بن محمد، حدثنا أبو عامر عبد الملك بن عمرو، حدثنا إبراهيم، عن خالد، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: طاف رسول الله ﷺ على بعير، وكان كلما أتى على الركن أشار إليه وكبر. وقالت زينب: قال رسول الله ﷺ: "فتح من ردم يأجوج ومأجوج مثل هذه وهذه" وعقد تسعين. حدثنا مسدد، حدثنا بشر بن المفضل، حدثنا سلمة بن علقمة، عن محمد بن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ: "في الجمعة ساعة لا يوافقها مسلم قائم يصلي يسأل الله خيرًا إلا أعطاه" وقال بيده، ووضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر قلنا: يزهدها. وقال الأويسي: حدثنا إبراهيم بن سعد عن شعبة بن الحجاج عن هشام بن زيد عن أنس بن مالك قال: عدا يهودي في عهد رسول الله ﷺ على جارية فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها؛ فأتى بها أهلها رسول الله ﷺ وهي في آخر رمق وقد أُصْمِتت.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 324) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 324 · #100250
أنس بن مالك قال: عدا يهودي في عهد رسول الله ﷺ على جارية فأخذ أوضاحًا كانت عليها، ورضخ رأسها؛ فأتى بها أهلها رسول الله ﷺ وهي في آخر رمق وقد أُصْمِتت. فقال لها رسول الله ﷺ: "من قتلك؟ فلان" -لغير الذي قتلها- فأشارت برأسها أن لا. قال: فقال: "ففلان؟ " لرجل آخر غير الذي قتلها، فأشارت أن لا. فقال: "فلان"؟ لقاتلها، فأشارت أن نعم. فأمر به رسول الله ﷺ فرُضِخَ رأسه بين حجرين. حدثنا قبيصة، حدثنا سفيان، عن عبد الله بن دينار، عن ابن عمر ﵄ قال: سمعت النبي ﷺ يقول: "الفتنة من هاهنا" وأشار إلى المشرق. حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا في سفر مع رسول الله ﷺ، فلما غربت الشمس قال لرجل: "أنزل فاجدح لي"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 325) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 325 · #100251
ن أبي إسحاق الشيباني، عن عبد الله بن أبي أوفى قال: كنا في سفر مع رسول الله ﷺ، فلما غربت الشمس قال لرجل: "أنزل فاجدح لي"، قال: يا رسول الله، لو أمسيت؟ ثم قال: "أنزل فاجدح لي"، قال: يا رسول الله لو أمسيت إن عليك نهارا، ثم قال: "أنزل فاجدح" فنزل فجدح له في الثالثة، فشرب رسول الله ﷺ، ثم أومأ بيده إلى المشرق فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم". حدثنا عبد الله بن مسلمة حدثنا يزيد بن زريع، عن سليمان التيمي عن أبي عثمان عن عبد الله بن مسعود ﵁ قال: قال النبي ﷺ: "لا يمنعن أحدًا منكم نداء بلال -أو قال أذانه- من سحوره، فإنما ينادي -أو قال يؤذن- ليرجع قائمكم" وليس أن يقول -كأنه يعني الصبح أو الفجر- وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما من الأخرى.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 325) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 325 · #100252
لال -أو قال أذانه- من سحوره، فإنما ينادي -أو قال يؤذن- ليرجع قائمكم" وليس أن يقول -كأنه يعني الصبح أو الفجر- وأظهر يزيد يديه ثم مد إحداهما من الأخرى. وقال الليث: حدثني جعفر بن ربيعة عن عبد الرحمن بن هرمز، سمعت أبا هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل البخيل والمنفق كمثل رجلين عليهما جبتان من حديد من لدن ثدييهما إلى تراقيهما، فأما المنفق فلا ينفق شيئًا إلا مادَّت على جلده حتى تُجِنُّ بنانَه وتعفو أثره. وأما البخيل فلا يريد ينفق إلا لزمت كل حلقة موضعها، فهو يوسعها فلا تتسع" ويشير بأصبعه إلى حلقه. انتهى من صحيح البخاري. فهذه أحاديث دالة على قيام الإشارة مقام النطق في أمور متعددة. وقال ابن حجر في الفتح في هذا الباب: ذكر فيه عدة أحاديث معلقة وموصولة؛ أولها: قوله: وقال ابن عمر، هو طرف من حديث تقدم موصولًا في الجنائز، وفيه قصة لسعد بن عبادة، وفيها: "ولكن الله يعذب بهذا" وأشار إلى لسانه. ثانيها: وقال كعب بن مالك، هو أيضًا طرف من حديث تقدم موصولًا في الملازمة، وفيها: وأشار إليَّ أن خذ النصف.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 326) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 326 · #100253
فيها: "ولكن الله يعذب بهذا" وأشار إلى لسانه. ثانيها: وقال كعب بن مالك، هو أيضًا طرف من حديث تقدم موصولًا في الملازمة، وفيها: وأشار إليَّ أن خذ النصف. ثالثها: وقالت أسماء هي بنت أبي بكر، صلى نبي الله ﷺ في الكسوف، الحديث تقدم موصولًا في كتاب الإيمان بلفظ: فأشارت إلى السماء. وفيه: فأشارت برأسها أي نعم. وفي صلاة الكسوف بمعناه. وفي صلاة السهو باختصار. إلى آخر كلامه. وبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها موصولًا في الباب المذكور فأمره واضح.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 326) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 326 · #100254
كلامه. وبالجملة فجميع الأحاديث التي ذكرها البخاري في الباب المذكور كلها ثابتة في الصحيح موصولة. أما ما جاء منها موصولًا في الباب المذكور فأمره واضح. وأما ما جاء منها معلقًا في الباب المذكور فقد جاءه موصولًا في محل آخر من البخاري. والحديث الأول: دل على أن النبي ﷺ جعل إشارته إلى اللسان أن الله يعذب به كنطقه بذلك. والحديث الثاني: جعل فيه النبي ﷺ إشارته إلى كعب بن مالك أن يسقط نصف ديته عن ابن أبي حَدْرد ويأخذ النصف الباقي منه، كنطقه بذلك. والحديث الثالث: جعلت فيه عائشة إشارتها لأختها أن الكسوف آية من آيات الله هي السبب في صلاة النبي ﷺ، كنطقها بذلك. والحديث الرابع: جعل فيه النبي ﷺ إشارته إلى أبي بكر ﵁ أن يتقدم، كنطقه له بذلك. وإيضاح ذلك هو ما رواه البخاري عن أنس في باب (أهل العلم والفضل أحق بالإمامة). قال أنس: لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 327) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 327 · #100255
بذلك. وإيضاح ذلك هو ما رواه البخاري عن أنس في باب (أهل العلم والفضل أحق بالإمامة). قال أنس: لم يخرج النبي ﷺ ثلاثًا، فأقيمت الصلاة فذهب أبو بكر يتقدم. فقال نبي الله ﷺ بالحجاب فرفعه، فلما وضح وجه النبي ﷺ ما نظرنا منظرا كان أعجب إلينا من وجه النبي ﷺ حين وضح لنا؛ فأومأ النبي ﷺ بيده إلى أبي بكر أن يتقدم؛ وأرخى النبي ﷺ الحجاب فلم يقدر عليه حتى مات اهـ. هذا لفظ البخاري. وقد جعل النبي ﷺ في هذا الحديث في مرض موته وقبل وفاته ﷺ بقليل إشارته إلى أبي بكر أن يتقدم ليصلي بالناس كنطقه له بذلك؛ لأن أبا بكر ﵁ لما رأى النبي ﷺ كشف الحجاب نكص على عقبيه ليصل الصف، وظن أن النبي ﷺ خارج إلى الصلاة كما ثبت في صحيح البخاري في الباب المذكور آنفًا من حديث أنس، فأشار إليه أن يتقدم، وقامت الإشارة مقام النطق. والحديث الخامس: جعل فيه النبي ﷺ الفتيا بإشارة اليد كالفتيا بالنطق.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 327) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 327 · #100256
في الباب المذكور آنفًا من حديث أنس، فأشار إليه أن يتقدم، وقامت الإشارة مقام النطق. والحديث الخامس: جعل فيه النبي ﷺ الفتيا بإشارة اليد كالفتيا بالنطق. وإيضاحه هو ما رواه البخاري في كتاب العلم (في باب من أجاب الفتيا بإشارة اليد والرأس) حدثنا موسى بن إسماعيل، قال حدثنا وهيب، قال حدثنا أيوب، عن عكرمة عن ابن عباس: أن النبي ﷺ سئل في حجته فقال: "ذبحت قبل أن أرمي، فأومأ بيده قال: ولا حرج، قال: حلقت قبل أن أذبح، فأومأ بيده ولا حرج". ومن أمثلة الفتيا بإشارة اليد ما رواه البخاري في هذا الباب المذكور آنفًا من حديث أبي هريرة عن النبي ﷺ قال: "يقبض العلم ويظهر الجهل والفتن، ويكثر الهرج" قيل: يا رسول الله، وما الهرج؟ فقال: هكذا بيده فحرفها كأنه يريد القتل اهـ فجعل ﷺ إشارته بيده كنطقه: بأن المراد بالهرج القتل. والحديث السادس: جعل النبي ﷺ إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المُحِل كأمره له باصطياده بالنطق.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 328) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 328 · #100257
هـ فجعل ﷺ إشارته بيده كنطقه: بأن المراد بالهرج القتل. والحديث السادس: جعل النبي ﷺ إشارة المحرم إلى الصيد لينبه إليه المُحِل كأمره له باصطياده بالنطق. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة "المائدة". والحديث السابع: جعل فيه النبي ﷺ الإشارة إلى الركن في طوافه كاستلامه وتقبيله بالفعل. والحديث الثامن: جعل فيه النبي ﷺ إشارته بأصابعه كعقد التسعين؛ لبيان القدر الذي فتح من ردم يأجوج ومأجوج، كالنطق بذلك. والحديث التاسع: فيه أنه جعل وضع أنملته على بطن الوسطى والخنصر؛ مشيرًا بذلك لقلة زمن الساعة التي يجاب فيها الدعاء بالخير يوم الجمعة. أو مشيرا بذلك لوقتها عند من قال: إن وضع الأنملة في وسط الكف يراد به الإشارة إلى أن ساعة الجمعة في وسط يوم الجمعة. ووضعها على الخنصر يراد به أنها في آخر النهار؛ لأن الخنصر آخر أصابع الكف كالنطق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم؛ أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم في إسناد الحديث.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 328) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 328 · #100258
طق بذلك. وذكر ابن حجر عن بعض أهل العلم؛ أن هذه الإشارة باليد لساعة الجمعة من فعل بشر بن المفضل راوي الحديث عن سلمة بن علقمة كما تقدم في إسناد الحديث. وعليه ففي سياق هذا الحديث عند البخاري إدراج. والحديث العاشر: جعل فيه النبي ﷺ إشارة الجارية التي قتلها اليهودي كنطقها بأن اليهودي قتلها، وأن من سمى لها غيره لم يكن هو الذي قتلها. وقد قدمنا هذا الحديث في سورة "بني إسرائيل" وبينا هنالك أن النبي ﷺ وإن كان جعل إشارة الجارية كنطقها لم يقتل اليهودي بإشارة الجارية القائمة مقام نطقها بمن قتلها، ولكنه اعترف بأنه قتلها فثبت عليه القتل باعترافه واقتص لها منه بذلك. والحديث الحادي عشر: فيه أن النبي ﷺ قال: "الفتنة من هنا" وأشار إلى المشرق، فجعل إشارته إلى المشرق كنطقه بذلك. والحديث الثاني عشر: فيه أنه ﷺ أومأ بيده إلى المشرق فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم" فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 329) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 329 · #100259
ديث الثاني عشر: فيه أنه ﷺ أومأ بيده إلى المشرق فقال: "إذا رأيتم الليل قد أقبل من هاهنا فقد أفطر الصائم" فجعل إشارته بيده إلى المشرق كنطقه بلفظ المشرق. والحديث الثالث عشر: جعل فيه الإشارة باليد إلى الفرق بين الفجر الكاذب والفجر الصادق بذلك. والحديث الرابع عشر: قال فيه ﷺ : "فهو يوسعها ولا تتسع" ويشير بأصبعه إلى حلقه، فجعل إشارته إلى أن درع الحديد المضروب بها المثل للبخيل ثابتة على حلقه لا تنزل عنه ولا تستر عورته ولا بدنه، كالنطق بذلك. فهذه أربعة عشر حديثًا أوردها البخاري ﵀ في الباب المذكور، وسقناها هنا، وبينا وجه الدلالة على أن الإشارة كالنطق في كل واحد منها، مع ما قدمنا من الأحاديث الدالة على ذلك زيادة على ما ذكره البخاري هنا. وقد ذكر البخاري ﵀ في أول باب (اللعان) خمسة أحاديث أيضًا كل واحد منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا كفاية.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 330) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 330 · #100260
بخاري هنا. وقد ذكر البخاري ﵀ في أول باب (اللعان) خمسة أحاديث أيضًا كل واحد منها فيه الدلالة على أن الإشارة كالنطق ولم نذكرها هنا لأن فيما ذكرنا كفاية. وقال ابن حجر في الفتح في آخر كلامه على أحاديث الباب المذكورة؛ قال ابن بطال: ذهب الجمهور إلى أن الإشارة المفهمة تنزل منزلة النطق. وخالف الحنفية في بعض ذلك. ولعل البخاري رد عليهم بهذه الأحاديث التي جعل فيها النبي ﷺ الإشارة قائمة مقام النطق. وإذا جازت الإشارة في أحكام مختلفة في الديانة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنير: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اهـ.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 330) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 330 · #100261
انة فهي لمن لا يمكنه النطق أجوز. وقال ابن المنير: أراد البخاري أن الإشارة بالطلاق وغيره من الأخرس وغيره التي يفهم منها الأصل والعدد نافذة كاللفظ اهـ. ويظهر لي أن البخاري أورد هذه الترجمة وأحاديثها توطئة لما يذكره من البحث في الباب الذي يليه، مع من فَرق بين لعان الأخرس وطلاقه، والله أعلم. فهذه الأحاديث وأمثالها هي حجة من قال: إن الإشارة المُفْهِمة تقوم مقام اللفظ. واحتج من قال: بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها:
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 330) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 330 · #100262
ن الإشارة المُفْهِمة تقوم مقام اللفظ. واحتج من قال: بأن الإشارة ليست كاللفظ بأن القرآن العظيم دل على ذلك، وذلك في قوله تعالى في الآية التي نحن بصددها: ﴿فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦)﴾ فإن في هذه الآية التصريح بنذرها الإمساك عن كلام كل إنسي، مع أنه تعالى قال: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ﴾ أي أشارت لهم إليه أن كلموه يخبركم بحقيقة الأمر فهذه إشارة مفهمة، وقد فهمها قومها فأجابوها جوابًا مطابقًا لفهمهم ما أشارت به: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم إنسيًّا.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 331) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 331 · #100263
ما أشارت به: ﴿قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾، وهذه الإشارة المفهمة لو كانت كالنطق لأفسدت نذر مريم ألا تكلم إنسيًّا. فالآية صريحة في أن الكلام باللفظ يخل بنذرها، وأن الإشارة ليست كذلك، فقد جاء الفرق صريحًا في القرآن بين اللفظ والإشارة، وكذلك قوله تعالى: ﴿قَال آيَتُكَ أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ فإن الله جعل له آية على ما بشر به وهي منعه من الكلام، مع أنه لم يمنع من الإشارة بدليل قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾، وقوله: ﴿فَأَوْحَى إِلَيهِمْ أَنْ سَبِّحُوا ... ﴾ الآية. فدل ذلك على أن الإشارة ليست كالكلام. والآية الأولى أصرح في الدلالة على أن الإشارة ليست كاللفظ، لأن الآية الثانية محتملة لكون الإشارة كالكلام، لأن استثناءه تعالى قوله: ﴿إلا رَمْزًا﴾ من قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 331) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 331 · #100264
ه: ﴿إلا رَمْزًا﴾ من قوله: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ﴾ يفهم منه أن الرمز الذي هو الإشارة نوع من جنس الكلام استثنى منه، لأن الأصل في الاستثناء الاتصال. والله تعالى أعلم. فإذا علمت أدلة الفريقين في الإشارة، هل هي كاللفظ أو لا؛ فاعلم أن العلماء مختلفون في الإشارة المفهمة، هل تنزل منزلة اللفظ أو لا؟ وسنذكر هنا إن شاء الله تعالى جملًا من أقوال أهل العلم في ذلك، وما يظهر رجحانه بالدليل. قال ابن حجر رحمه الله تعالى في فتح الباري في آخر "باب الإشارة في الطلاق والأمور" ما نصه: وقد اختلف العلماء في الإشارة المفهمة؛ فأما في حقوق الله فقالوا: يكفي ولو من القادر على النطق. وأما في حقوق الآدميين كالعقود والإقرار والوصية ونحو ذلك، فاختلف العلماء فيمن اعتقل لسانه، ثالثها عن أبي حنيفة إن كان مأيوسًا من نطقه. وعن بعض الحنابلة: إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي. وعن الأوزاعي: إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول: إن قال: فلان حر ثم أُصْمِت، فقيل له: وفلان؟ فأومأ صح.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 332) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 332 · #100265
قه. وعن بعض الحنابلة: إن اتصل بالموت، ورجحه الطحاوي. وعن الأوزاعي: إن سبقه كلام، ونقل عن مكحول: إن قال: فلان حر ثم أُصْمِت، فقيل له: وفلان؟ فأومأ صح. وأما القادر على النطق فلا تقوم إشارته مقام نطقه عند الأكثرين واختلف هل يقوم منه مقام النية، كما لو طلق امرأته فقيل له: كم طلقة؟ فأشار بأصبعه. انتهى منه. وقال البخاري في أول (باب اللعان) ما نصه: فإذا قذف الأخرس امرأته بكتابة أو إشارة أو إيماء معروف فهو كالمتكلم؛ لأن النبي ﷺ قد أجاز الإشارة في الفرائض. وهو قول بعض أهل الحجاز وأهل العلم، وقال تعالى: ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيهِ قَالُوا كَيفَ نُكَلِّمُ مَنْ كَانَ فِي الْمَهْدِ صَبِيًّا (٢٩)﴾. وقال الضحاك: ﴿إلا رَمْزًا﴾ إشارة. وقال بعض الناس: لا حد ولا لعان. ثم زعم أنه إن طلق بكتابة أو إشارة أو إيماء جاز، وليس بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام. قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق. وكذلك الأصم يلاعن.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 332) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 332 · #100266
بين الطلاق والقذف فرق، فإن قال: القذف لا يكون إلا بكلام. قيل له: كذلك الطلاق لا يكون إلا بكلام وإلا بطل الطلاق والقذف وكذلك العتق. وكذلك الأصم يلاعن. وقال الشعبي وقتادة: إذا قال أنت طالق -فأشار بأصابعه- تبين منه بإشارته. وقال إبراهيم: الأخرس إذا كتب الطلاق بيده لزمه. وقال حماد: الأخرس والأصم إن قال برأسه جاز. انتهى محل الغرض من كلام البخاري ﵀. ومذاهب الأئمة الأربعة متقاربة في هذه المسألة، وبينهم اختلاف في بعض فروعها. فمذهب مالك ﵀: أن الإشارة المفهمة تقوم مقام النطق. قال خليل بن إسحاق في مختصره -الذي قال في ترجمته مبينًا لما به الفتوى، يعني في مذهب مالك-: "الكلام على الصيغة التي يحصل بها الطلاق. ولزم بالإشارة المفهمة". يعني أن الطلاق يلزم بالإشارة المفهمة مطلقًا من الأخرس والناطق. وقال شارحه المواق رحمه الله تعالى من المدونة: ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح. أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 333) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 333 · #100267
وقال شارحه المواق رحمه الله تعالى من المدونة: ما علم من الأخرس بإشارة أو بكتاب من طلاق أو خلع أو عتق أو نكاح. أو بيع أو شراء أو قذف لزمه حكم المتكلم. وروى الباجي إشارة السليم بالطلاق برأسه أو بيده كلفظه، لقوله تعالى: ﴿أَلَّا تُكَلِّمَ النَّاسَ ثَلَاثَةَ أَيَّامٍ إلا رَمْزًا﴾ اهـ منه. ورواية الباجي هذه عليها أهل المذهب. ومذهب أبي حنيفة ﵀: أن إشارة الأخرس تقوم مقام كلام الناطق في تصرفاته، كإعتاقه وطلاقه، وبيعه وشرائه، ونحو ذلك. أما السليم فلا تقبل عنده إشارته لقدرته على النطق. وإشارة الأخرس بقذف زوجته لا يلزم عنده فيه حد ولا لعان؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وعدم التصريح شبهة عنده؛ لأن الإشارة قد تُفهم ما لا يقصد المشير. ولأن أيمان اللعان لها صِيَغ لابد منها ولا تحصل بالإشارة وكذلك عنده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده؛ لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 333) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 333 · #100268
نده إذا كانت الزوجة المقذوفة خرساء فلا حد ولا لعان عنده؛ لاحتمال أنها لو نطقت لصدقته، ولأنها لا يمكنها الإتيان بألفاظ الأيمان المنصوصة في آية اللعان. وكذلك عنده القذف لا يصح من الأخرس؛ لأن الحدود تدرأ بالشبهات. وقال بعض العلماء من الحنفية: إن القياس منع اعتبار إشارة الأخرس؛ لأنها لا تفهم كالنطق في الجميع، وأنهم أجازوا العمل بإشارة الأخرس في غير اللعان والقذف على سبيل الاستحسان، والقياس المنع مطلقًا. ومذهب الشافعي في هذه المسألة: اعتبار إشارة الأخرس في اللعان وغيره، وعدم اعتبار إشارة السليم. وأما مذهب الإمام أحمد: فظاهر كلام أحمد رحمه الله تعالى أنه لا لعان إن كان أحد الزوجين أخرس، كما قدمنا توجيهه في مذهب أبي حنيفة. وقال القاضي وأبو الخطاب: إن فهمت إشارة الأخرس فهو كالناطق في قذفه ولعانه. وأما طلاق الأخرس ونكاحه وشبه ذلك فالإشارة فيه كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم: فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه. هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 334) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 334 · #100269
الإشارة فيه كالنطق في مذهب الإمام أحمد. وأما السليم: فلا تقبل عنده إشارته بالطلاق ونحوه. هذا حاصل كلام الأئمة وغيرهم من فقهاء الأمصار في هذه المسألة. وقد رأيت ما جاء فيها من أدلة الكتاب والسنة. قال مقيده -عفا الله عنه وغفر له-: الذي يظهر لي رجحانه في المسألة: أن الإشارة إن دلت على المعنى دلالة واضحة لا شك في المقصود معها أنها تقوم مقام النطق مطلقًا، ما لم تكن في خصوص اللفظ أهمية مقصودة من قبل الشارع، فإن كانت فلا تقوم الإشارة مقامه كأيمان اللعان، فإن الله نص عليها بصورة معينة. فالظاهر أن الإشارة لا تقوم مقامها، وكجميع الألفاظ المتعبد بها فلا تكفي فيها الإشارة، والله جل وعلا أعلم. وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي إمساكًا عن الكلام، في قول الجمهور. والصوم في اللغة: الإمساك، ومنه قول نابغة ذبيان: خيل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فقوله: "خيل صيام" أي: ممسكة عن الجري. وقيل: عن العلف، "وخيل غير صائمة" أي: غير ممسكة عما ذكر.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 335) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 335 · #100270
يل صيام وخيل غير صائمة ... تحت العجاج وأخرى تعلك اللجما فقوله: "خيل صيام" أي: ممسكة عن الجري. وقيل: عن العلف، "وخيل غير صائمة" أي: غير ممسكة عما ذكر. وقول امرئ القيس: كأنَّ الثريا عُلِّقت في مصامها ... بأمراس كتان إلى صُمِّ جندل فقوله: "في مصامها" أي: مكان صومها، يعني إمساكها عن الحركة. وهذا القول هو الصحيح في معنى الآية: أن المراد بالصوم الإمساك عن الكلام، بدليل قوله بعده ﴿فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا﴾ وهو قول أكثر أهل العلم. وقال ابن حجر (في الفتح في باب اللعان). وقد ثبت من حديث أُبيّ بن كعب وأنس بن مالك أن معنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمَنِ صَوْمًا﴾ أي: صمتًا. أخرجه الطبراني وغيره اهـ. وقال بعض العلماء: المراد بالصوم في الآية: هو الصوم الشرعي المعروف المذكور في قوله تعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 335) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 335 · #100271
عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ﴾. وعليه فالمراد أنهم كانوا إذا صاموا في شريعتهم حرم عليهم الكلام كما يحرم عليهم الطعام، والصواب في معنى الآية الأول. وعليه فهذا النذر الذي نذرته ألا تكلم اليوم إنسيًّا كان جائزًا في شريعتهم. أما في الشريعة التي جاءنا بها نبينا ﷺ فلا يجوز ذلك النذر ولا يجب الوفاء به. قال البخاري في صحيحه: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا وهيب، حدثنا أيوب عن عكرمة عن ابن عباس قال: بينا النبي يخطب إذا هو برجل قائم، فسأل عنه فقالوا: أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم ويصوم، فقال النبي ﷺ: "مره فليتكلم، وليستظل، وليقعد، وليتم صومه" قال عبد الوهاب: حدثنا أيوب عن عكرمة عن النبي ﷺ اهـ. وقال ابن حجر في الفتح في الكلام على هذا الحديث: وفي حديثه أن السكوت عن المباح ليس من طاعة الله، وقد أخرج أبو داود من حديث علي "ولا صمت يوم إلى الليل" وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق للمرأة: إن هذا -يعني الصمت- من فعل الجاهلية.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 336) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 336 · #100272
ة الله، وقد أخرج أبو داود من حديث علي "ولا صمت يوم إلى الليل" وتقدم في السيرة النبوية قول أبي بكر الصديق للمرأة: إن هذا -يعني الصمت- من فعل الجاهلية. وفيه: أن كل شيء يتأذى به الإنسان ولو مآلًا مما لم يرد بمشروعيته كتاب أو سنة، كالمشي حافيًا، والجلوس في الشمس؛ ليس هو من طاعة الله، فلا ينعقد به النذر، فإنه ﷺ أمر أبا إسرائيل بإتمام الصوم دون غيره. وهو محمول على أنه علم أنه لا يشق عليه. وأمره أن يقعد ويتكلم ويستظل. قال القرطبي: في قصة أبي إسرائيل هذه أوضح الحجج للجمهور في عدم وجوب الكفارة على من نذر معصية، أو ما لا طاعة فيه، وقد قال مالك لما ذكره: ولم أسمع أن رسول الله ﷺ أمره بالكفارة. انتهى كلام صاحب فتح الباري. وقد قال الزمخشري في تفسير هذه الآية التي نحن بصددها: وقد نهى عن صوم الصمت. فقال ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: لم أره هكذا. وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ: "لا صمت يوم إلى الليل" وفيه حرام بن عثمان وهو ضعيف.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 336) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 336 · #100273
ابن حجر في الكافي الشاف في تخريج أحاديث الكشاف: لم أره هكذا. وأخرج عبد الرزاق من حديث جابر بلفظ: "لا صمت يوم إلى الليل" وفيه حرام بن عثمان وهو ضعيف. ولأبي داود من حديث علي مثله، وقد تقدم في تفسير سورة "النساء". وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ﴾ معناه: فإن تري من البشر أحدًا. فلفظة "إما" مركبة من "إن" الشرطية و"ما" المزيدة لتوكيد الشرط. والأصل "ترْأَيين" على وزن تفعلين، تحركت الياء التي هي لام الكلمة وانفتح ما قبلها فوجب قلبها ألفًا فصارت "ترْآين"، فحذفت الهمزة ونُقلت حركتها إلى الراء؛ لأن اللغة الفصحى التي هي الأغلب في كلام العرب حذف همزة "رأى" في المضارع والأمر، ونقل حركتها إلى الراء فصارت "ترَاين"، فالتقى الساكنان فحذف الأول وهو الألف، فصار "تَرَين"، ودخلت عليه نون التوكيد الثقيلة فحذفت نون الرفع من أجلها هي، والجازم الذي هو إن الشرطية؛ لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، فصار "تَرَينَّ"، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من نون
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 337) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 337 · #100274
لجازم الذي هو إن الشرطية؛ لأن كل واحد منهما بانفراده يوجب حذف نون الرفع، فصار "تَرَينَّ"، فالتقى ساكنان هما الياء الساكنة والنون الأولى الساكنة من نون التوكيد المثقلة؛ لأن كل حرف مشدد فهو حرفان، فحركت الياء بحركة تناسبها وهي الكسرة فصارت "تَرَيِنّ"، كما أشار إلى هذا ابن مالك في الخلاصة بقوله: واحْذِفْه من رافعِ هاتينِ وفي ... واوٍ ويا شَكْلٌ مجانِسٌ قُفِي نحو اخْشَين يا هندُ بالكسرِ ويا ... قومُ اخشَوْنْ وَاضْمُم وقِسْ مُسَوِّيا وما ذكرنا من أن همزة "رأى" تحذف في المضارع والأمر هو القياس المطرد في كلام العرب ولقاؤها على الأصل مسموع، ومنه قول سراقة بن مرداس البارقي الأصغر: أري عيني ما لم تَرْأياه ... كلانا عالم بالترهات وقول الأعلم بن جرادة السعدي، أو شاعر من تيم الرباب: ألم تَرْأ ما لاقيت والدهر أعصر ... ومن يتملَّ العيش يَرْأَ ويسمع وقول الآخر: أحنُّ إذا رأيت جبالَ نجد ... ولا أرأى إلى نجد سبيلا ونون التوكيد في العمل المضارع بعد "إما" لازمة عند بعض علماء العربية.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 338) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 338 · #100275
عيش يَرْأَ ويسمع وقول الآخر: أحنُّ إذا رأيت جبالَ نجد ... ولا أرأى إلى نجد سبيلا ونون التوكيد في العمل المضارع بعد "إما" لازمة عند بعض علماء العربية. وممن قال بلزومها بعد "إما" كقوله هنا: ﴿فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا﴾: المبرد والزجاج. ومذهب سيبويه والفارسي وجماعة أن نون التوكيد في الفعل المضارع بعد "إما" غير لازمة، ويدل له كثرة وروده في شعر العرب، كقول الأعشى ميمون بن قيس: فإما تريني ولي لِمَّة ... فإن الحوادث أودى بها وقول لبيد بن ربيعة: فإما تريني اليوم أصبحت سالمًا ... فلست بأحيا من كلاب وجعفر وقول الشنفرى: فإما تريني كابنة الرمل ضاحيًا ... على رِقَّة أحفى ولا أتنعَّلُ وقول الأفوه الأودي: أما تري رأسي أزْرَى به ... مأس زمان ذي انتكاس مؤوسِ وقول الآخر: زعمت تماضر أنني إما أمت ... يسدّد أبينوها الأصاغر خلتي وقول الآخر: يا صاح إما تجدني غير ذي جِدَة ... فما التخلي عن الخلان من شيمي وأمثال هذا كثيرة في شعر العرب.
QS 19:26 (jilid 4 hlm. 338) · Tafsir Asy-Syinqithi (Adhwa' al-Bayan) · jilid 4 · hlm. 338 · #100276
أنني إما أمت ... يسدّد أبينوها الأصاغر خلتي وقول الآخر: يا صاح إما تجدني غير ذي جِدَة ... فما التخلي عن الخلان من شيمي وأمثال هذا كثيرة في شعر العرب. والمبرد والزجاج يقولان: إن حذف النون في الأبيات المذكورة ونحوها إنما هو لضرورة الشعر. ومن خالفهم كسيبويه والفارسي يمنعون كونه للضرورة، ويقولون: إنه جائز مطلقًا. والعلم عند الله تعالى. •
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 88 · #129711
[سُورَة مَرْيَم (١٩) : الْآيَات ٢٥ إِلَى ٢٦] وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُساقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيًّا (٢٥) فَكُلِي وَاشْرَبِي وَقَرِّي عَيْناً فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا (٢٦) فَائِدَةُ قَوْلِهِ وَهُزِّي إِلَيْكِ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ أَنْ يَكُونَ إِثْمَارُ الْجِذْعِ الْيَابِسِ رُطَبًا بِبَرَكَةِ تَحْرِيكِهَا إِيَّاهُ، وَتِلْكَ كَرَامَةٌ أُخْرَى لَهَا. وَلِتُشَاهِدَ بِعَيْنِهَا كَيْفَ يُثْمِرُ الْجِذْعُ الْيَابِسُ رُطَبًا.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 88 · #129712
ِ رُطَبًا بِبَرَكَةِ تَحْرِيكِهَا إِيَّاهُ، وَتِلْكَ كَرَامَةٌ أُخْرَى لَهَا. وَلِتُشَاهِدَ بِعَيْنِهَا كَيْفَ يُثْمِرُ الْجِذْعُ الْيَابِسُ رُطَبًا. وَفِي ذَلِكَ كَرَامَةٌ لَهَا بِقُوَّةِ يَقِينِهَا بِمَرْتَبَتِهَا. وَالْبَاءُ فِي بِجِذْعِ النَّخْلَةِ لِتَوْكِيدِ لُصُوقِ الْفِعْلِ بِمَفْعُولِهِ مثل وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ [الْمَائِدَة: ٦] وَقَوَلِهِ وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ [الْبَقَرَة: ١٩٥] . وَضُمِّنَ وَهُزِّي مَعْنَى قَرِّبِي أَوْ أَدْنِي، فَعُدِّيَ بِ (إِلَى) ، أَيْ حَرِّكِي جِذْعَ النَّخْلَةِ وَقَرِّبِيهِ يَدْنُ إِلَيْكِ وَيَلِنْ بَعْدَ الْيُبْسِ وَيُسْقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا. وَالْمَعْنَى: أَدْنِي إِلَى نَفْسِكِ جِذْعَ النَّخْلَةِ. فَكَانَ فَاعِلُ الْفِعْلِ وَمُتَعَلِّقُهُ مُتَّحِدًا، وَكِلَاهُمَا ضَمِيرُ مُعَادٍ وَاحِد، وَلَا ضمير فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى وَوُرُودِ أَمْثَالِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ نَحْوَ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ [الْقَصَص: ٣٢] .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 88 · #129713
َادٍ وَاحِد، وَلَا ضمير فِي ذَلِكَ لِصِحَّةِ الْمَعْنَى وَوُرُودِ أَمْثَالِهِ فِي الِاسْتِعْمَالِ نَحْوَ وَاضْمُمْ إِلَيْكَ جَناحَكَ [الْقَصَص: ٣٢] . فَالضَّامُّ وَالْمَضْمُومُ إِلَيْهِ وَاحِدٌ. وَإِنَّمَا مَنَعَ النُّحَاةُ أَنْ يَكُونَ الْفَاعِلُ وَالْمَفْعُولُ ضَمِيرَيْ مُعَادٍ وَاحِدٍ إِلَّا فِي أَفْعَالِ الْقُلُوبِ، وَفِي فِعْلَيْ: عَدِمَ وَفَقَدَ، لِعَدَمِ سَمَاعِ ذَلِكَ، لَا لِفَسَادِ الْمَعْنَى، فَلَا يُقَاسُ عَلَى ذَلِكَ مَنْعُ غَيْرِهِ. وَالرُّطَبُ: تَمْرٌ لَمْ يَتِمَّ جَفَافُهُ. وَالْجَنِيُّ: فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، أَيْ مُجْتَنًى، وَهُوَ كِنَايَةٌ عَنْ حَدَثَانِ سُقُوطِهِ، أَيْ عَنْ طَرَاوَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الرُّطَبِ الْمَخْبُوءِ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ الرُّطَبَ مَتَى كَانَ أَقْرَبَ عَهْدًا بِنَخْلَتِهِ كَانَ أَطْيَبَ طَعْمًا.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 88) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 88 · #129714
طَرَاوَتِهِ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ الرُّطَبِ الْمَخْبُوءِ مِنْ قَبْلُ لِأَنَّ الرُّطَبَ مَتَى كَانَ أَقْرَبَ عَهْدًا بِنَخْلَتِهِ كَانَ أَطْيَبَ طَعْمًا. وَ (تُساقِطْ) قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ- بِفَتْحِ التَّاءِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ- أَصْلُهُ تَتَسَاقَطُ بِتَاءَيْنِ أُدْغِمَتِ التَّاءُ الثَّانِيَةُ فِي السِّينِ لِيَتَأَتَّى التَّخْفِيفُ بِالْإِدْغَامِ. وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ- بِتَخْفِيفِ السِّينِ- عَلَى حَذْفِ إِحْدَى التَّاءَيْنِ لِلتَّخْفِيفِ. ورُطَباً عَلَى هَاتِهِ الْقِرَاءَاتِ تَمْيِيزٌ لِنِسْبَةِ التَّسَاقُطِ إِلَى النَّخْلَةِ. وَقَرَأَهُ حَفْصٌ- بِضَمِّ التَّاءِ وَكَسْرِ السِّينِ- عَلَى أَنَّهُ مُضَارِعُ سَاقَطَتِ النَّخْلَةُ تَمْرَهَا، مُبَالَغَةٌ فِي أَسْقَطَتْ ورُطَباً مَفْعُولٌ بِهِ. وَقَرَأَهُ يَعْقُوبُ بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ عَائِدًا إِلَى بِجِذْعِ النَّخْلَةِ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 89) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 89 · #129715
عْقُوبُ بِيَاءٍ تَحْتِيَّةٍ مَفْتُوحَةٍ وَفَتْحِ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ السِّينِ فَيَكُونُ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ عَائِدًا إِلَى بِجِذْعِ النَّخْلَةِ. وَجُمْلَةُ فَكُلِي وَمَا بَعْدَهَا فَذْلَكَةٌ لِلْجُمَلِ الَّتِي قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيًّا، أَيْ فَأَنْتِ فِي بُحْبُوحَةِ عَيْشٍ. وَقُرَّةُ الْعَيْنِ: كِنَايَةٌ عَنِ السُّرُورِ بِطَرِيقِ الْمُضَادَّةِ، لِقَوْلِهِمْ: سَخَنَتْ عَيْنُهُ إِذَا كَثُرَ بُكَاؤُهُ، فَالْكِنَايَةُ بِضِدِّ ذَلِكَ عَنِ السُّرُورِ كِنَايَةٌ بِأَرْبَعِ مَرَاتِبَ. وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [الْقَصَص: ٩] . وَقُرَّةُ الْعَيْنِ تَشْمَلُ هَنَاءَ الْعَيْشِ وَتَشْمَلُ الْأُنْسَ بِالطِّفْلِ الْمَوْلُودِ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 89) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 89 · #129716
تُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ [الْقَصَص: ٩] . وَقُرَّةُ الْعَيْنِ تَشْمَلُ هَنَاءَ الْعَيْشِ وَتَشْمَلُ الْأُنْسَ بِالطِّفْلِ الْمَوْلُودِ. وَفِي كَوْنِهِ قُرَّةَ عَيْنٍ كِنَايَةً عَنْ ضَمَانِ سَلَامَتِهِ وَنَبَاهَةِ شَأْنِهِ. وَفَتْحُ الْقَافِ فِي وَقَرِّي عَيْناً لِأَنَّهُ مُضَارِعُ قَرِرَتْ عَيْنُهُ مِنْ بَابِ رَضِيَ، أُدْغِمَ فَنُقِلَتْ حَرَكَةُ عَيْنِ الْكَلِمَةِ إِلَى فَائِهَا فِي الْمُضَارِعِ لِأَنَّ الْفَاءَ سَاكِنَةٌ. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 89) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 89 · #129717
نَّ الْفَاءَ سَاكِنَةٌ. فَإِمَّا تَرَيِنَّ مِنَ الْبَشَرِ أَحَداً فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. (٢٦) هَذَا مِنْ بَقِيَّة مَا ناداها بِهِ عِيسَى، وَهُوَ وَحْيٌ مِنَ اللَّهِ إِلَى مَرْيَمَ أَجْرَاهُ عَلَى لِسَانِ الطِّفْلِ، تَلْقِينًا مِنَ اللَّهِ لِمَرْيَمَ وَإِرْشَادًا لِقَطْعِ الْمُرَاجَعَة مَعَ مَنْ يُرِيدُ مُجَادَلَتَهَا، فَعَلَّمَهَا أَنْ تَنْذُرَ صَوْمًا يُقَارِنُهُ انْقِطَاعٌ عَنِ الْكَلَامِ، فَتَكُونَ فِي عِبَادَةٍ وَتَسْتَرِيحَ مِنْ سُؤَالِ السَّائِلِينَ وَمُجَادَلَةِ الْجَهَلَةِ. وَكَانَ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْكَلَامِ مِنْ ضُرُوبِ الْعِبَادَةِ فِي بَعْضِ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ، وَقَدِ اقْتَبَسَهُ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْمَسَ الَّتِي حَجَّتْ مُصْمَتَةً.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 90) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 90 · #129718
ِعِ السَّالِفَةِ، وَقَدِ اقْتَبَسَهُ الْعَرَبُ فِي الْجَاهِلِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ حَدِيثُ الْمَرْأَةِ مِنْ أَحْمَسَ الَّتِي حَجَّتْ مُصْمَتَةً. وَنُسِخَ فِي شَرِيعَة الْإِسْلَام بِالسنةِ، فَفِي «الْمُوَطَّأِ» أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ﷺ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ مِنَ الشَّمْسِ وَلَا يَجْلِسَ وَيَصُومَ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وَلِيَسْتَظِلَّ وَلِيَجْلِسْ وَلِيُتِمَّ صِيَامَهُ» وَكَانَ هَذَا الرَّجُلُ يُدْعَى أَبَا إِسْرَائِيلَ. وَرُوِيَ عَنْ أَبِي بَكْرٍ الصِّدِّيقِ ﵁ أَنَّهُ دَخَلَ عَلَى امْرَأَةٍ قَدْ نَذَرَتْ أَنْ لَا تَتَكَلَّمَ، فَقَالَ لَهَا: «إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ هَدَمَ هَذَا فَتَكَلِّمِي» . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَحْمَسَ حَجَّتْ مُصْمِتَةً، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 90) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 90 · #129719
لَهَا: «إِنَّ الْإِسْلَامَ قَدْ هَدَمَ هَذَا فَتَكَلِّمِي» . وَفِي الْحَدِيثِ أَنَّ امْرَأَةً مِنْ أَحْمَسَ حَجَّتْ مُصْمِتَةً، أَيْ لَا تَتَكَلَّمُ. فَالصَّمْتُ كَانَ عِبَادَةً فِي شَرْعِ مَنْ قَبْلَنَا وَلَيْسَ هُوَ بِشَرْعٍ لَنَا لِأَنَّهُ نَسَخَهُ الْإِسْلَامُ بِقَوْلِ النَّبِيءِ ﷺ: «مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ» ، وَعَمَلِ أَصْحَابِهِ. وَقَدْ دَلَّتِ الْآثَارُ الْوَارِدَةُ فِي هَذِهِ عَلَى أَشْيَاءَ: الْأَوَّلُ: أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ لَمْ يُوجِبِ الْوَفَاءَ بِالنَّذْرِ فِي مِثْلِ هَذَا، فَدَلَّ عَلَى أَنَّهُ غَيْرُ قُرْبَةٍ. الثَّانِي: أَنَّهُ لَمْ يَأْمُرْ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ شَأْنَ النَّذْرِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ أَوِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَهُ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 90) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 90 · #129720
ْ فِيهِ بِكَفَّارَةٍ شَأْنَ النَّذْرِ الَّذِي يَتَعَذَّرُ الْوَفَاءُ بِهِ أَوِ الَّذِي لَمْ يُسَمَّ لَهُ عَمَلٌ مُعَيَّنٌ كَقَوْلِهِ: عَلَيَّ نَذْرٌ. وَفِي «الْمُوَطَّأِ» عَقِبَ ذِكْرِ الْحَدِيثِ الْمَذْكُورِ قَالَ مَالِكٌ: وَلَمْ يَأْمُرْهُ بِكَفَّارَةٍ وَلَوْ كَانَتْ فِيهِ كَفَّارَةٌ لَأَمَرَهُ بِهَا فَدَلَّ ذَلِكَ عَلَى أَنَّهُ عَمَلٌ لَا اعْتِدَادَ بِهِ بِوَجْهٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى عِلَّةِ عَدَمِ انْعِقَادِ النَّذْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 91) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 91 · #129721
ْهٍ. الثَّالِثُ: أَنَّهُ أَوْمَأَ إِلَى عِلَّةِ عَدَمِ انْعِقَادِ النَّذْرِ بِهِ بِقَوْلِهِ: «إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ» . فَعَلِمْنَا مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَعْنَى الْعِبَادَةِ أَنْ تَكُونَ قَوْلًا أَوْ فِعْلًا يَشْتَمِلُ عَلَى مَعْنَى يُكْسِبُ النَّفْسَ تَزْكِيَةً وَيَبْلُغُ بِهَا إِلَى غَايَةٍ مَحْمُودَةٍ مِثْلَ الصَّوْمِ وَالْحَجِّ، فَيُحْتَمَلُ مَا فِيهَا مِنَ الْمَشَقَّةِ لِأَجْلِ الْغَايَةِ السَّامِيَةِ، وَلَيْسَتِ الْعِبَادَةُ بِانْتِقَامٍ مِنَ اللَّهِ لِعَبْدِهِ وَلَا تَعْذِيبٍ لَهُ كَمَا كَانَ أَهْلُ الضَّلَالِ يَتَقَرَّبُونَ بِتَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ، وَكَمَا شُرِعَ فِي بَعْضِ الْأَدْيَانِ التَّعْذِيبُ الْقَلِيلُ لِخَضْدِ جَلَافَتِهِمْ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 91) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 91 · #129722
كَانَ أَهْلُ الضَّلَالِ يَتَقَرَّبُونَ بِتَعْذِيبِ نُفُوسِهِمْ، وَكَمَا شُرِعَ فِي بَعْضِ الْأَدْيَانِ التَّعْذِيبُ الْقَلِيلُ لِخَضْدِ جَلَافَتِهِمْ. وَفِي هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: فَكُلُوا مِنْها وَأَطْعِمُوا الْقانِعَ وَالْمُعْتَرَّ كَذلِكَ سَخَّرْناها لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ لَنْ يَنالَ اللَّهَ لُحُومُها وَلا دِماؤُها وَلكِنْ يَنالُهُ التَّقْوى مِنْكُمْ [الْحَج: ٣٦- ٣٧] ، لِأَنَّهُمْ كَانُوا يَحْسَبُونَ أَنَّ الْقُرْبَةَ إِلَى اللَّهِ فِي الْهَدَايَا أَنْ يُرِيقُوا دِمَاءَهَا وَيَتْرُكُوا لُحُومَهَا مُلْقَاةً لِلْعَوَافِي. وَفِي «الْبُخَارِيِّ» : عَنْ أَنَسٍ «أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ رَأَى شَيْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 91) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 91 · #129723
ْخًا يُهَادَى بَيْنَ ابْنَيْهِ فَقَالَ: مَا بَالُ هَذَا؟ قَالُوا: نَذَرَ أَنْ يَمْشِيَ. قَالَ: إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ. وَأَمَرَهُ أَنْ يَرْكَبَ» ، فَلَمْ يَرَ لَهُ فِي الْمَشْيِ فِي الطَّوَافِ قُرْبَةً. وَفِيهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ: «أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ مَرَّ وَهُوَ يَطُوفُ بِالْكَعْبَةِ بِإِنْسَانٍ رَبَطَ يَدَهُ إِلَى إِنْسَانٍ بِسَيْرٍ أَوْ بِخَيْطٍ أَوْ بِشَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ، فَقَطَعَهُ النَّبِيءُ بِيَدِهِ ثُمَّ قَالَ: قده بِيَدِهِ» . و فِي «مُسْنَدِ أَحْمَدَ» عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِي: «أَنَّ النَّبِيءَ ﷺ أَدْرَكَ رَجُلَيْنِ وَهُمَا مُقْتَرِنَانِ. فَقَالَ: مَا بَالُهُمَا؟ قَالَا: إِنَّا نَذَرْنَا لَنَقْتَرِنَنَّ حَتَّى نَأْتِيَ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: أَطْلِقَا أَنْفُسَكُمَا لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 92) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 92 · #129724
ْتَرِنَنَّ حَتَّى نَأْتِيَ الْكَعْبَةَ، فَقَالَ: أَطْلِقَا أَنْفُسَكُمَا لَيْسَ هَذَا نَذْرًا إِنَّمَا النَّذْرُ مَا يُبْتَغَى بِهِ وَجْهُ اللَّهِ» . وَقَالَ: إِسْنَادُهُ حَسَنٌ. الرَّابِعُ: أَنَّ الرَّاوِيَ لِبَعْضِ هَذِهِ الْآثَارِ رَوَاهَا بِلَفْظِ: نَهَى رَسُولُ اللَّهِ عَنْ ذَلِكَ، وَلِذَلِكَ قَالَ مَالِكٌ فِي «الْمُوَطَّأِ» عَقِبَ حَدِيثِ الرَّجُلِ الَّذِي نَذَرَ أَنْ لَا يَسْتَظِلَّ وَلَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَجْلِسَ: «قَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ» .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 92) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 92 · #129725
َلَّمَ وَلَا يَجْلِسَ: «قَالَ مَالِكٌ: قَدْ أَمَرَهُ رَسُولُ اللَّهِ أَنْ يُتِمَّ مَا كَانَ لِلَّهِ طَاعَةً وَيَتْرُكَ مَا كَانَ لِلَّهِ مَعْصِيَةٌ» . وَوَجْهُ كَوْنِهِ مَعْصِيَةً أَنَّهُ جَرَاءَةٌ عَلَى اللَّهِ بِأَنْ يَعْبُدَهُ بِمَا لَمْ يَشْرَعْ لَهُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ فِيهِ حَرَجٌ عَلَى النَّفْسِ كَنَذْرِ صَمْتِ سَاعَةٍ، وَأَنَّهُ تَعْذِيبٌ لِلنَّفْسِ الَّتِي كَرَّمَهَا اللَّهُ تَعَالَى مِنَ التَّعْذِيبِ بِوُجُوهِ التَّعْذِيبِ إِلَّا لِعَمَلٍ اعْتَبَرَهُ الْإِسْلَامُ مَصْلَحَةً لِلْمَرْءِ فِي خَاصَّتِهِ أَوْ لِلْأُمَّةِ أَوْ لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ مِثْلَ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 92) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 92 · #129726
ِلَّا لِعَمَلٍ اعْتَبَرَهُ الْإِسْلَامُ مَصْلَحَةً لِلْمَرْءِ فِي خَاصَّتِهِ أَوْ لِلْأُمَّةِ أَوْ لِدَرْءِ مَفْسَدَةٍ مِثْلَ الْقِصَاصِ وَالْجَلْدِ. وَلِذَلِكَ قَالَ: وَلا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كانَ بِكُمْ رَحِيماً [النِّسَاء: ٢٩] . وَقَالَ النَّبِيءُ ﷺ: «إِنَّ دِمَاءَكُمْ وَأَمْوَالَكُمْ وَأَنْفُسَكُمْ وَأَبْشَارَكُمْ عَلَيْكُمْ حَرَامٌ» لِأَنَّ شَرِيعَةَ الْإِسْلَامِ لَا تُنَاطُ شَرَائِعُهَا إِلَّا بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ. وَالْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا قَالَهُ فِي «الْمُوَطَّأِ» .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 92) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 92 · #129727
ِلَّا بِجَلْبِ الْمَصَالِحِ وَدَرْءِ الْمَفَاسِدِ. وَالْمَأْخُوذُ مِنْ قَوْلِ مَالِكٍ فِي هَذَا أَنَّهُ مَعْصِيَةٌ كَمَا قَالَهُ فِي «الْمُوَطَّأِ» . وَلِذَلِكَ قَالَ الشَّيْخُ أَبُو مُحَمَّدٍ فِي «الرِّسَالَةِ» : «وَمَنْ نَذَرَ مَعْصِيَةً مِنْ قَتْلِ نَفْسٍ أَوْ شُرْبِ خَمْرٍ أَوْ نَحْوِهُ أَوْ مَا لَيْسَ بِطَاعَةٍ وَلَا مَعْصِيَةٍ فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ، وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ» ، فَقَوْلُهُ: «وَلْيَسْتَغْفِرِ اللَّهَ» بِنَاءً عَلَى أَنَّهُ أَتَى بِنَذْرِهِ مُخَالِفًا لِنَهْيِ النَّبِيءِ ﷺ عَنْهُ. وَلَوْ فَعَلَ أَحَدٌ صَمْتًا بِدُونِ نَذْرٍ وَلَا قَصْدِ عِبَادَةٍ لَمْ يَكُنْ حَرَامًا إِلَّا إِذَا بَلَغَ إِلَى حَدِّ الْمَشَقَّةِ الْمُضْنِيَةِ. وَقَدْ بَقِيَ عِنْدَ النَّصَارَى اعْتِبَارُ الصَّمْتِ عِبَادَةً وَهُمْ يَجْعَلُونَهُ تَرَحُّمًا عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَقِفُوا صَامِتِينَ هُنَيْهَةً.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 93) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 93 · #129728
وَقَدْ بَقِيَ عِنْدَ النَّصَارَى اعْتِبَارُ الصَّمْتِ عِبَادَةً وَهُمْ يَجْعَلُونَهُ تَرَحُّمًا عَلَى الْمَيِّتِ أَنْ يَقِفُوا صَامِتِينَ هُنَيْهَةً. وَمَعْنَى فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَانْذُرِي صَوْمًا وَإِنْ لَقِيتِ مِنَ الْبَشَرِ أَحَدًا فَقُولِي: إِنِّي نَذَرْتُ صَوْمًا فَحُذِفَتْ جُمْلَةٌ لِلْقَرِينَةِ. وَقَدْ جُعِلَ الْقَوْلُ الْمُتَضَمِّنُ إِخْبَارًا بِالنَّذْرِ عِبَارَةً عَنْ إِيقَاعِ النَّذْرِ وَعَنِ الْإِخْبَارِ بِهِ كِنَايَةً عَنْ إِيقَاعِ النَّذْرِ لِتَلَازُمِهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ الصِّدْقُ وَالْمُطَابَقَةُ لِلْوَاقِعِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٣٦] .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 93) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 93 · #129729
ِهِمَا لِأَنَّ الْأَصْلَ فِي الْخَبَرِ الصِّدْقُ وَالْمُطَابَقَةُ لِلْوَاقِعِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ [الْبَقَرَة: ١٣٦] . وَلَيْسَ الْمُرَادَ أَنَّهَا تَقُولُ ذَلِكَ وَلَا تَفْعَلُهُ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَا يَأْذَنُ فِي الْكَذِبِ إِلَّا فِي حَالِ الضَّرُورَةِ مَعَ عَدَمِ تَأَتِّي الصِّدْقِ مَعَهَا، وَلِذَلِكَ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ فِي الْمَعَارِيضِ مَنْدُوحَةً عَنِ الْكَذِبِ» . وَأُطْلِقَ الْقَوْلُ عَلَى مَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ، وَهُوَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهَا نَذَرَتْ صَوْمًا مَجَازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 93) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 93 · #129730
ُلُّ عَلَى مَا فِي النَّفْسِ، وَهُوَ الْإِيمَاءُ إِلَى أَنَّهَا نَذَرَتْ صَوْمًا مَجَازًا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا. فَالْمُرَادُ أَنْ تُؤَدِّيَ ذَلِكَ بِإِشَارَةٍ إِلَى أَنَّهَا نَذَرَتْ صَوْمًا بِأَنْ تُشِيرَ إِشَارَةً تَدُلُّ عَلَى الِانْقِطَاعِ عَنِ الْأَكْلِ، وَإِشَارَةً تَدُلُّ عَلَى أَنَّهَا لَا تَتَكَلَّمُ لِأَجْلِ ذَلِكَ، فَإِنْ كَانَ الصَّوْمُ فِي شَرْعِهِمْ مَشْرُوطًا بِتَرْكِ الْكَلَامِ كَمَا قِيلَ فَالْإِشَارَةُ الْوَاحِدَةُ كَافِيَة، وَإِن كَانَ الصَّوْمِ عِبَادَةٌ مُسْتَقِلَّةٌ قَدْ يَأْتِي بِهَا الصَّائِمُ مَعَ تَرْكِ الْكَلَامِ تُشِيرُ إِشَارَتَيْنِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهَا نَذَرَتِ الْأَمْرَيْنِ، وَقَدْ عَلِمَتْ مَرْيَمُ أَنَّ الطِّفْلَ الَّذِي كَلَّمَهَا هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْجَوَابَ عَنْهَا حِينَ تُسْأَلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [مَرْيَم: ٢٩] .
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 93) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 93 · #129731
ِّفْلَ الَّذِي كَلَّمَهَا هُوَ الَّذِي يَتَوَلَّى الْجَوَابَ عَنْهَا حِينَ تُسْأَلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأَشارَتْ إِلَيْهِ [مَرْيَم: ٢٩] . وَالنُّونُ فِي قَوْلِهِ تَرَيِنَّ نُونُ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةُ اتَّصَلَتْ بِالْفِعْلِ الَّذِي صَارَ آخِرُهُ يَاءً بِسَبَبِ حَذْفِ نُونِ الرَّفْعِ لِأَجْلِ حَرْفِ الشَّرْطِ فَحُرِّكَتِ الْيَاءُ بِحَرَكَةٍ مُجَانِسَةٍ لَهَا كَمَا هُوَ الشَّأْنُ مَعَ نُونِ التَّوْكِيدِ الشَّدِيدَةِ. وَالْإِنْسِيُّ: الْإِنْسَانُ، وَالْيَاءُ فِيهِ لِلنَّسَبِ إِلَى الْإِنْسِ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ إِنْسَانٍ، فَيَاءُ النَّسَبِ لِإِفَادَةِ فَرْدٍ مِنَ الْجِنْسِ مِثْلَ: يَاءُ حَرَسِيٍّ لِوَاحِدٍ مِنَ الْحَرَسِ.
QS 19:25-26 (jilid 16 hlm. 94) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 16 · hlm. 94 · #129732
إِلَى الْإِنْسِ، وَهُوَ اسْمُ جَمْعِ إِنْسَانٍ، فَيَاءُ النَّسَبِ لِإِفَادَةِ فَرْدٍ مِنَ الْجِنْسِ مِثْلَ: يَاءُ حَرَسِيٍّ لِوَاحِدٍ مِنَ الْحَرَسِ. وَهَذَا نَكِرَةٌ فِي سِيَاقِ النَّفْيِ يُفِيدُ الْعُمُومَ، أَيْ لَنْ أُكَلِّمَ أَحَدًا. وَعَدَلَ عَنْ أَحَدٍ إِلَى إِنْسِيًّا لِلرَّعْيِ عَلَى فَاصِلَةِ الْيَاءِ، وَلَيْسَ ذَلِكَ احْتِرَازًا عَنْ تَكْلِيمِهَا الْمَلَائِكَةَ إِذْ لَا يَخْطُرُ ذَلِكَ بِالْبَالِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِينَ بِمَنْ هُيِّئَتْ لَهُمْ هَذِهِ الْمَقَالَةُ فَالْحَمْلُ عَلَيْهِ سماجة. [٢٧- ٢٨]