Dan (ingatlah), ketika Ibrahim diuji Tuhannya dengan beberapa kalimat, lalu dia melaksanakannya dengan sempurna. Dia (Allah) berfirman, "Sesungguhnya Aku menjadikan engkau sebagai pemimpin bagi seluruh manusia." Dia (Ibrahim) berkata, "Dan (juga) dari anak cucuku?" Allah berfirman, "(Benar, tetapi) janji-Ku tidak berlaku bagi orang-orang zalim
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى﴾: وإذ اخْتَبَر. يقالُ منه: ابْتَلَيتُ فلانًا أَبْتَلِيه ابتلاءً. ومنه قولُ اللهِ ﷿: ﴿وَابْتَلُوا الْيَتَامَى﴾ [النساء: ٦]. يعنى به: اخْتَبِرُوهم. وكان اختبارُ اللهِ تعالى ذكرُه إبراهيمَ اختبارًا بفرائضَ فرَضها عليه، وأمرٍ أمَره به، وذلك هو الكلماتُ التى أوحاهنَّ إليه فكلَّفه العمَلَ بهنَّ، امتحانًا منه له واختبارًا.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في صفةِ الكلماتِ التى ابْتَلى اللهُ بها إبراهيمَ خليلَه، صلواتُ الله عليه، فقال بعضُهم: هى شرائعُ الإسلامِ، وهى ثلاثون سهمًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
ا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: حدثنى عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: قال ابنُ عباسٍ: لم يُبْتَلَ أحدٌ بهذا الدِّينِ فأقامه إلَّا إبراهيمُ؛ ابتلاه اللهُ بكلماتٍ فأتمهنَّ، قال: فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: عَشْرٌ منها في "الأحزابِ"، وعشْرٌ منها في "براءةَ"، وعشرٌ منها في "المؤمنين"، و "سأل سائل". وقال: إن هذا الإسلامَ ثلاثون سهمًا.
وحدثنى إسحاقُ بنُ شاهينٍ الواسطىُّ، قال: ثنا خالدٌ الطَّحَّانُ، عن داودَ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ما ابتُلى أحدٌ بهذا الدِّينِ فقام به كلِّه غيرُ إبراهيمَ، ابْتُلى بالإسلامِ فأتمَّه، فكتَب اللهُ له البراءةَ، فقال: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فذكَر
عشرًا في "براءةَ"، فقال: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ الْحَامِدُونَ﴾ [التوبة: ١١٢].
، عن ابنِ عباسٍ، قال: الإسلامُ ثلاثون سهمًا، وما ابْتَلى اللهُ بهذا الدِّينِ أحدًا فأقامه إلَّا إبراهيمَ، قال اللهُ: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. فكتب اللهُ له براءةً مِن النارِ.
وقال آخَرون: هى خِصالٌ عَشْرٌ مِن سُنَنِ الإسلامِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ طاوسٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه اللهُ بالطَّهارةِ؛ خمسٌ في الرأسِ، وخمسٌ في الجسدِ، في الرأسِ قصُّ الشاربِ، والمَضْمَضَةُ، والاسْتِنْشاقُ، والسِّواكُ، وفَرْقُ الرأسِ، وفى الجسدِ تقليمُ الأظفارِ، وحلْقُ العانةِ، والخِتَانُ، ونَتْفُ الإبطِ، وغَسْلُ أَثَرِ الغائطِ والبولِ بالماءِ.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ.
ا إسحاقُ، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، عن مَعْمَرٍ، عن الحَكَمِ بنِ أبانٍ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن ابنِ عباسٍ بمثلِه، ولم يَذْكُرْ أَثَرَ البولِ.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سليمانُ، قال: ثنا أبو هلالٍ، قال: ثنا قتادةُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ قال: ابتَلاه؛ أمَره بالخِتَانِ، وحلْقِ العانةِ، وغسْلِ القُبُلِ والدُّبُرِ، والسواكِ، وقصِّ الشاربِ، وتقليمِ الأظفارِ، ونتْفِ الإبطِ. قال أبو هلالٍ: ونسِيتُ خَصْلةً.
وحُدِّثتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن مَطَرٍ، عن أبى الجَلْدِ، قال: ابْتُلِى إبراهيمُ بعشَرةِ أشياءَ، هنَّ في الإنسانِ سُنَّةٌ؛ الاستنشاقُ، وقصُّ الشاربِ، والسواكُ، ونتْفُ الإبطِ، وتقليمُ الأظفارِ، وغسْلُ البراجِمِ، والخِتَانُ، وحلْقُ العانةِ، وغسْلُ الدُّبُرِ والفرجِ.
وقال بعضُهم: بل الكلماتُ التى ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
الدُّبُرِ والفرجِ.
وقال بعضُهم: بل الكلماتُ التى ابْتُلِى بهنَّ عشْرُ خِلالٍ، بعضُهنَّ في تطهيرِ الجسدِ، وبعضُهنَّ في مناسكِ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا محمدُ بنُ حربٍ، قال: ثنا ابنُ لَهِيعةَ، عن ابنِ هُبَيْرَةَ، عن حَنَشٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: ستَّةٌ في الإنسانِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ فالتى في الإنسانِ؛ حلْقُ العانةِ، والختانُ، ونتفُ الإبطَيْن، وتقليمُ الأظفارِ، وقصُّ الشاربِ، والغُسلُ يومَ الجمعةِ، وأربعةٌ في المشاعرِ؛ الطوافُ، والسعىُ بينَ الصَّفا والمروةِ، ورمىُ الجِمارِ، والإفاضةُ.
وقال آخَرون: بل ذلك: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾، و مناسكُ الحجِّ.
ذكرُ مَن قال ذلك
عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى
نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾. قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: إنى مُبْتَلِيك بأمرٍ، فما هو؟ قال: تَجْعَلُنِى للناسِ إمامًا؟ قال: نعم. قال: ومِن ذُرِّيَّتِى؟ قال: لا يَنالُ عهدى الظالمين. قال. تَجْعَلُ البيتَ مثابةً للناسِ؟ قال: نعم. وأَمْنًا؟ قال: نعم. وتَجْعَلُنا مُسْلِمَين لك ومِن ذُرِّيَّتِنا أمةً مسلمةً لك؟ قال: نعم. وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟ قال: نعم. قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن؟
لمةً لك؟ قال: نعم. وتُرِينا مناسكَنا وتَتُوبُ علينا؟ قال: نعم. قال: وتَجْعَلُ هذا البلدَ آمِنًا؟ قال: نعم. قال: تَرْزُقُ أهلَه مِن الثمراتِ مَن آمَن؟ قال: نعم.
وحدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، أخبرَه به عن عكرمةَ، قال: فعرَضتُه على مجاهدٍ فلم يُنْكِرْه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ بنحوِه.
هيمَ، والرزقُ الذى رُزِق ساكنو البيتِ، ومحمدٌ بُعِث في ذُرِّيَّتِهما صلى اللهُ عليهم (٢).
وقال آخَرون: بل ذلك مناسكُ الحَجِّ خاصَّةً.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا عمرُو بنُ نَبْهانَ، عن قتادةَ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ.
وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان
ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
نا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان
ابنُ عباسٍ يقولُ فى قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: هى المناسكُ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ، قال: قال ابنُ عباسٍ: ابتلاه بالمناسكِ.
وحُدِّثْتُ عن عمَّارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، قال: بلغَنا عن ابنِ عباسٍ أنه قال: إن الكلماتِ التى ابْتُلِى بها إبراهيمُ، المناسكُ.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيْرىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: مناسكُ الحجِّ (١).
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا الحِمَّانىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
قال: ثنا الحِمَّانىُّ، قال: ثنا شَرِيكٌ، عن أبى إسحاقَ، عن التَّمِيمىِّ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهنَّ مناسكُ الحجِّ (١).
وقال آخَرون: هى أمورٌ، منهن الخِتانُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، عن يونسَ بنِ أبى إسحاقَ، عن
الشَّعْبىِّ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهن الخِتانُ.
وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ.
رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: منهن الخِتانُ.
وحدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ يقولُ. فذكَر مثلَه.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا يونسُ بنُ أبى إسحاقَ، قال: سمِعتُ الشعبىَّ -وسألَه أبو إسحاقَ عن قولِ اللهِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾ - قال: منهن الختانُ يا أبا إسحاقَ.
وقال آخَرون: بل ذلك الخلالُ الستُّ؛ الكوكبُ، والقمرُ، والشمسُ، والنارُ، والهجرةُ، والختانُ، التى ابْتُلِى بهنَّ فصبَر عليهنَّ.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟
َثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن أبى رجاءٍ، قال: قلتُ للحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ﴾؟ قال: ابتلاه بالكوكبِ فرضِى عنه، وابتلاه بالقمرِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالشمسِ فرضِى عنه، وابْتَلاه بالنارِ فرضِى عنه، وابتلاه بالهجرةِ، وابتلاه بالختانِ.
وحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: كان الحسنُ يقولُ: إى واللهِ، لابتلاه بأمرٍ فصبَر عليه، ابتلاه بالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ، فأحسَنَ في ذلك، وعرَف أن ربَّه دائمٌ لا يَزولُ،
فوجَّه وجهَه للذى فطَر السماواتِ والأرضَ حنيفًا، وما كان مِن المشركينَ، ثم ابتلاه بالهجرةِ، فخرَج مِن بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك.
بلادِه وقومِه حتى لحِق بالشامِ مهاجرًا إلى اللهِ، ثم ابتلاه بالنارِ قبلَ الهجرةِ، فصبَر على ذلك، وابتلاه الله بذَبْحِ ابنِه وبالختانِ، فصبَر على ذلك.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عمَّن سمِع الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. قال: ابتلاه بذَبْحِ ولدِه، وبالنارِ، وبالكوكبِ، والشمسِ، والقمرِ.
وحدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا سَلْمُ بنُ قُتَيْبَةَ، قال: ثنا أبو هلالٍ، عن الحسنِ: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾.
َر عبادَه أنه اخْتَبَر إبراهيمَ خليلَه بكلماتٍ أوحاهنَّ إليه، وأمَره أن يَعمَلَ بهنَّ، [فعمِل بهن]
وأتمَّهنَّ، كما أخبرَ اللهُ جل ثناؤه عنه أنه فعَل. وجائزٌ أن تكونَ تلك الكلماتُ جميعَ ما ذكَره مَن ذكَرْنا قولَه في تأويلِ الكلماتِ، وجائزٌ أن تكونَ بعضَه؛ لأن إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه قد كان امْتُحِنَ فيما بلغَنا بكلِّ ذلك، فعمِل به، وقام فيه بطاعةِ اللهِ وأمرِه الواجبِ عليه فيه.
وإذ كان ذلك كذلك، فغيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يقولَ: عنَى اللهُ بالكلماتِ اللواتى ابتَلى بهنَّ إبراهيمَ شيئًا مِن ذلك بعينِه دونَ شيءٍ، ولا عنَى به كلَّ ذلك. إلَّا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها، مِن خبرٍ عن الرسولِ ﷺ، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيءٍ من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التى يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه.
عن الرسولِ ﷺ، أو إجماعٍ مِن الحُجَّةِ، ولم يصحَّ بشيءٍ من ذلك خبرٌ عن الرسولِ بنقلِ الواحدِ، ولا بنقلِ الجماعةِ التى يَجِبُ التسليمُ لِما نَقَلَتْه. غيرَ أنه قد رُوِى عن النبيِ ﷺ في نظيرِ معنى ذلك خبران لو ثَبَتا أو أحدُهما، كان القولُ به في تأويلِ ذلك هو الصوابَ:
أحدُهما ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا رِشْدِينُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى زَبّانُ بنُ فائدٍ، عن سهلِ بنِ مُعاذِ بنِ أنسٍ، عن أبيه، قال: كان النبىُّ ﷺ يقول: "ألا أُخْبِرُكم لِمَ سَمَّى اللهُ، إبراهيمَ خَلِيلَه، الذى وفَّى؛ لأنَّه كان يَقُولُ كُلَّما أصْبَحَ وكُلَّما أمْسَى: ﴿فَسُبْحَانَ اللهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى يَخْتِمَ الآيةَ".
والآخَرُ ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا الحسنُ بنُ عطيَّةَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن جعفرِ بنِ الزبيرِ، عن القاسمِ، عن أبى أُمامةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ:
﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]. قال: "تدْرُونَ ما وَفَّى؟ " قالوا: اللهُ ورسولُه أعلمُ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾.
ويعنى جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾: فأتمَّ إبراهيمُ الكلماتِ. وإتمامُه إيَّاهنَّ إكمالُه إيَّاهنَّ بالقيامِ للهِ بما أوجَب عليه فيهنَّ، وهو الوفاءُ الذى قال جلَّ ثناؤه: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾. يعنى بذلك: وفَّى بما عَهِد إليه بالكلماتِ فأمَره به،
مِن فرائِضه ومِحَنِه فيها.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: فأدَّاهنَّ.
وحدَّثنى بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ فأتمهنَّ.
وحُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَأَتَمَّهُنَّ﴾. أى: عمِل بهنَّ وأتمهنَّ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾.
يعْنى جلَّ ثناؤه بذلك: قال إبراهيمُ -لمَّا رفَع اللهُ منزلتَه وكرَّمه، وأعلَمَه ما هو صانعٌ به، مِن تصييرِه إمامًا في الخيراتِ لمن في عصرِه، ولمن جاء بعدَه مِن ذُرِّيَّته وسائرِ الناسِ غيرِهم، يُهْتَدَى بهدْيِه ويُقْتَدى بأفعالِه وأخلاقِه - يا ربِّ، ومِن ذُرِّيَّتى فاجعلْ أئمةً يُقْتَدَى بهم، كالذى جعَلْتنى إمامًا يُؤْتَمُّ بى ويُقْتَدَى بى. مسألةٌ مِن إبراهيمَ ربَّه سأله إيَّاها.
كما حُدِّثْتُ عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيع، قال: قال إبراهيمُ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. يقولُ: واجْعَلْ مِن ذُرِّيَّتى مَن يُؤْتَمُّ ويُقْتَدَى به.
وقد زعَم بعضُ الناسِ أن قولَ إبراهيمَ: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥].
َمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ مسألةٌ منه ربَّه لعَقِبهِ أن يكونوا على عهدِه ودِينِه، كما قال: ﴿وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَنْ نَعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾ [إبراهيم: ٣٥]. فأخبَرَ اللهُ جلَّ ثناؤه أن في عَقِبِه الظالمَ المخالفَ له في دِينِه، بقولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
والظاهرُ مِن التنزيلِ يَدُلُّ على غيرِ الذى قاله صاحبُ هذه المقالةِ؛ لأن قولَ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. في إثرِ قولِ اللهِ له جلَّ ثناؤه: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا﴾. فمعلومٌ أن الذى سأَل إبراهيمُ لذُرِّيَّته لو كان غيرَ الذى أخبَره ربُّه أنه أعطاه إيَّاه، لكان مُبَيَّنًا، ولكنَّ المسألةَ لمَّا كانت ممَّا قد جرَى ذكرُه، اكْتُفِىَ بالذكْرِ الذى قد مضَى مِن تكريرِه وإعادتِه، فقال: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾. بمعنى: ومِن
ذُرِّيَّتى فاجْعَلْ مثلَ الذى جعَلْتنى به مِن الإمامةِ للناسِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾.
وهذا خبرٌ من اللهِ جل ثناؤُه عن أن الظالمَ لا يكونُ إمامًا يَقْتَدِى به أهلُ الخيرِ. وهو مِن اللهِ جلَّ ثناؤه جوابٌ لإبراهيمَ في مسألتِه إياه أن يجعلَ من ذرِّيتِه أئمةً مثلَه. فأخبَره أنه فاعلٌ ذلك إلا بمن كان من أهلِ الظلمِ منهم، فإنه غيرُ مُصَيِّرِه كذلك، ولا جاعلِه في محلِّ أوليائِه عنده بالتَّكْرمةِ بالإمامةِ؛ لأن الإمامةَ إنما هى لأوليائِه وأهلِ طاعتِه، دون أعدائِه والكافرين به.
واختَلف أهلُ التأويلِ في العهدِ الذى حرَم اللهُ تعالى ذكرُه الظالمين أن ينالُوه؛ فقال بعضُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ).
ُهم: ذلك العهدُ هو النُّبوَّةُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدِّىِّ: (قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ). يقولُ: عهدى: نبوّتى.
فمعنى تأويلِ هذا القولِ في تأويله الآيةَ: لا ينالُ النُّبوَّةَ أهلُ الظلمِ والشركِ.
وقال آخَرون: معنى العهدِ عهدُ الإمامةِ.
فتأويلُ الآيةِ على قولِهم: لا أجعلُ من كان من ذرِّيتِك [يإبراهيمُ] ظالمًا،
إمامًا لعبادى يُقْتَدَى به.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ونُ إمامًا ظالمٌ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ، قال: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ [لى إمامًا ظالمٌ].
وحدَّثنى المثنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن عكرمةَ بمثلِه.
وحدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عامِرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ يُقْتَدَى به.
وحدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأَهْوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبَيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانٍ الخطّابُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
مجاهدٍ مثلَه.
وحدَّثنا مُشَرَّفُ بنُ أبانٍ الخطّابُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا أجعلُ إمامًا
ظالمًا يُقْتَدَى به.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عُبيدٍ المحاربىُّ، قال: ثنا مُسلمُ بنُ خالدٍ الزنْجىُّ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا أجعلُ إمامًا ظالمًا يُقْتَدَى به.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا يكونُ إمامًا ظالمٌ.
قال ابنُ جُريجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا. قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟
يجٍ: وأما عطاءٌ فإنه قال: ﴿إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي﴾ فأبَى أن يجعلَ من ذريته ظالمًا إمامًا. قلت لعطاءٍ: ما عهدُه؟ قال: أمرُه.
وقال آخرون: معنى ذلك أنه لا عهْدَ عليك لظالمٍ أن تطيعَه فى ظلمِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. يعنى: لا عهدَ لظالمٍ عليك فى ظلمِه أن تطيعَه فيه.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾.
ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ عبدِ اللهِ، عن إسرائيلَ، عن مسلمٍ الأعورِ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: ليس للظالمين عهدٌ، وإن عاهدْتَه فانقُضْه.
وحدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حجاجٌ، عن سفيانَ، عن هارونَ بنِ عنترةَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: ليس لظالمٍ عهدٌ.
وقال آخرون: معنى العهدِ فى هذا الموضعِ الأمانُ.
فتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادى.
س لظالمٍ عهدٌ.
وقال آخرون: معنى العهدِ فى هذا الموضعِ الأمانُ.
فتأويلُ الكلامِ على معنى قولِهم: قال اللهُ: لا ينالُ أمانى أعدائى وأهلَ الظلمِ لعبادى. أى: لا أُؤمِّنُهم مِن عذابى فى الآخرةِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾: ذلكم يومَ القيامةِ عندَ اللهِ، لا ينالُ عهدَه ظالمٌ، فأما فى الدنيا فقد نالُوا عهدَ اللهِ، فوارثوا به المسلمين وعادُّوهم وناكَحوهم به، فلما كان يومُ القيامةِ قصَر اللهُ عهدَه وكرامتَه على أوليائِه.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به]، وأكَل به وعاشَ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (٥)، عن
لظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ [فأمِن به]، وأكَل به وعاشَ.
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ [بنُ عبدِ اللهِ] (٥)، عن
إسرائيلَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ: ﴿قَالَ لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾ قال: لا ينالُ عهدَ اللهِ فى الآخرةِ الظالمون، فأما فى الدنيا، فقد ناله الظالمُ فأَمِن به، وأكَل وأبصَر وعاشَ.
وقال آخرون: بل العهدُ الذى ذكَره اللهُ فى هذا الموضعِ دينُ اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال اللهُ لإبراهيمَ: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: فعهدُ اللهِ الذى عَهِد إلى عبادِه دينُه. يقولُ: لا ينالُ دينُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣].
نُه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]. يقولُ: ليس كلُّ ذرِّيتِك يا إبراهيمُ على الحقِّ.
وحدَّثنى محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: أخبرَنا يزيدُ، قال: أخبرَنا جُويبرٌ، عن الضحاكِ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: لا ينالُ طاعَتى عدوٌّ لى يَعْصِينى، ولا أَنحَلُها إلا وَلِيًّا لى يُطيعُنى.
وهذا الكلامُ وإن كان ظاهرُه ظاهرَ خبرٍ عن أنه لا ينالُ مِن ولدِ إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه عهدُ اللهِ -الذى هو النبوّةُ والإمامةُ لأهلِ الخيرِ، بمعنى الاقتداءِ به فى الدنيا، والعهدُ الذى بالوفاءِ [به للهِ] ينجو فى الآخرةِ مَن وفَّى للهِ به فى الدنيا- مَن كان
منهم ظالمًا مُعْتَدِيًا، جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه.
جائرًا عن قصدِ سبيل الحقِّ، فهو إعلامٌ من اللهِ تعالَى ذكرُه لإبراهيمَ أنَّ مِن ولدِه من يُشرِكُ به، ويَزولُ عن قصدِ السبيلِ، ويَظلِمُ نفسَه وعبادَه.
كالذى حدثنى إسحاقُ بنُ إبراهيمَ بنِ حبيبِ بنِ الشهيدِ، قال: ثنا عَتّابُ بنُ بشرٍ، عن خُصَيفٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿لَا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ﴾. قال: إنه سيكونُ فى ذرّيتِك ظالمون.
وأما نَصْبُ ﴿الظَّالِمِينَ﴾، فلأن العهدَ هو الذى لا يَنالُ الظالمينَ. وقد ذُكر أنه فى قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (لا يَنَالُ عَهْدِى الظالمون). بمعنى أن الظالمين هم الذين لا ينالون عهدَ اللهِ.
وإنما جاز الرفعُ فى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والنصبُ، وكذلك فى "العهدِ"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه.
.
وإنما جاز الرفعُ فى ﴿الظَّالِمِينَ﴾ والنصبُ، وكذلك فى "العهدِ"، لأن كلَّ ما نال المرءَ فقد ناله المرءُ. كما يقالُ: نالنى خيرُ فلانٍ، ونِلْتُ خيرَه. فيُوجَّهُ الفعلُ مرةً إلى الخيرِ، ومرةً إلى نفسِه.
وقد بيّنّا معنى الظُّلمِ فيما مضَى فكَرِهْنا إعادتَه.
القول فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
أما قولُه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ﴾. فإنه عطَف بـ ﴿إِذْ﴾ على قولِه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ﴾. وقولُه: ﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي
إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾. واذكُروا إذ ابتَلَى إبراهيمَ رُّبه، وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً.
والبيتُ الذى جعَله اللهُ مَثابةً للناسِ هو البيتُ الحرامُ.
وأما المثابةُ، فإن أهلَ العربيةِ مختلِفون فى معناها، والسببِ الذى من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ فى المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ.
فى معناها، والسببِ الذى من أجلِه أُنِّثَتْ؛ فقال بعضُ نحويِّى البصرةِ: أُلْحِقَت الهاءُ فى المثابةِ لمّا كَثُر مَن يَثوبُ إليه، كما يقالُ: سَيّارةٌ. لمن يُكْثِرُ ذلك، ونَسّابةٌ.
وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل المَثابُ والمثابةُ بمعنًى واحدٍ، نطيرُ المَقامِ والمَقامَةِ. والمَقامُ ذُكِّر -على قولِه- لأنه أُريدَ به الموضعُ الذى يُقامُ فيه، وأُنِّثَتِ المَقامَةُ لأنه أريد بها البُقْعَةُ. وأَنكرَ هؤلاء أن تكونَ المثابةُ للسيّارةِ والنّسّابةِ نَطيرَةً. وقالوا: إنما أُدخلتِ الهاءُ فى السيّارةِ والنسّابةِ تشبيهًا لها بالداهيةِ.
والمَثابةُ مَفْعَلَةٌ من: ثاب القومُ إلى الموضعِ، إذا رجَعوا إليه، فهم يَثُوبون إليه مَثابًا ومَثابةً وثوابًا.
فمعنى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا.
جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾: وإذ جعَلْنا البيتَ مَرجِعًا للناسِ ومَعاذًا، يَأْتُونه كلَّ عامٍ، ويَرجِعون إليه فلا يَقْضُون منه وَطَرًا. ومن المثابِ قولُ وَرَقَةَ ابنِ نوفلٍ فما صفةِ الحَرَمِ:
مَثابٌ لأفْنَاءِ القبائلِ كلِّها … تَخُبُّ إليه اليَعْمَلاتُ الطَّلائِحُ
ومنه قيل: ثاب إليه عقلُه، إذا رجَع إليه بعد عُزوبِه عنه. وبنحوِ ما قلْنا فى تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
مجاهدٍ مثلَه.
وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يثوبون إليه، لا يَقْضُون منه وَطَرًا.
وحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: أما المثابةُ، فهو الذى يثوبون إليه كلَّ سنةٍ، لا يَدَعُه الإنسانُ إذا أتاه مرّةً أن يعودَ إليه.
وحدثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدثنى أبى، قال: حدثنى عمى، قال: حدثنى أبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ يقولُ: لا يَقْضُون منه وَطَرًا، يَأتونه، ثم يَرجِعون إلى أهليهم، ثم يَعُودون إليه.
وحدثنى عبدُ الكريمِ بنُ أبى عُمَيرٍ، قال: حدثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدثنى عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
عُمَيرٍ، قال: حدثنى الوليدُ بنُ مسلمٍ، قال: قال أبو عمرٍو: حدثنى عَبْدةُ بنُ أبى لُبابةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال لا يَنْصَرِفُ عنه مُنْصَرِفٌ وهو يَرى أنه قد قضَى منه وَطَرًا.
وحدثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثوبون إليه من كلِّ مكانٍ، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا.
وحدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا جريرٌ، عن عبدِ الملكِ، عن عطاءٍ مثلَه.
وحدثنى محمدُ بنُ عُمارةَ الأسدىُّ، قال: ثنا سهلُ بنُ عامرٍ، قال: ثنا مالكُ بنُ مِغْوَلٍ، عن عطيةَ فى قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: لا يَقْضون منه وَطَرًا.
وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
شارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبى الهُذَيلِ، قال: سمِعتُ سعيدَ بنَ جُبيرٍ يقولُ: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَحُجُّون ويَثُوبون.
وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنَا الثورىُّ، عن أبى الهُذَيلِ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ فى قولِه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾ قال: يَحُجُّون [ويَثوبونَ].
[وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: حدَّثنا عبد الرزّاقِ، قال: أخبرنا الثَّوريُّ، عن أبي الهُذَيْلِ، عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ قولَه: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يحُجُّون]، ثم يَحُجُّون، ولا يَقْضُون منه وَطَرًا.
وحدثنى المثنى، قال: ثنا ابنُ دُكَيْنٍ، قال: ثنا مِسْعَرٌ، عن غالبٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه.
وحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾.
َثُوبون إليه.
وحدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: مَجْمَعًا.
وحدثنى المُثَنّى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال حدثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبي طَلْحَةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه.
وحُدِّثْت عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. يقولُ: يَثُوبون إليه.
وحدثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ﴾. قال: يَثُوبون إليه من البُلْدانِ كلِّها ويَأتُونه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَمْنًا﴾.
والأمنُ مصدرٌ؛ من قولِ القائلِ: أَمِن يَأمَنُ أَمْنًا. وإنما سَمّاه اللهُ أَمْنًا؛ لأنه كان في الجاهليةِ مَعاذًا لمن اسْتعاذَ به، وكان الرجلُ منهم لو لَقِىَ به قاتلَ أبيه أو أخيه لم يَهِجْه ولم يَعْرِضْ له حتى يَخرُجَ منه، وكان كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧].
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: مَن أَمَّ إليه فهو آمِنٌ، كان الرجلُ يَلقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فلا يَعْرِضُ له.
حدثني موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: أما ﴿أَمْنًا﴾ فمَن دخَله كان آمنًا.
[حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾].
﴿أَمْنًا﴾ فمَن دخَله كان آمنًا.
[حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَأَمْنًا﴾]. قال: تحريمُه، لا يخافُ فيه مَن دخَله.
وحُدِّثْت عن عَمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. يقولُ: أمنًا مِن العدوِّ أن يَحْمِلَ فيه السلاحَ، وقد كان في الجاهليةِ
يُتَخَطَّفُ الناسُ مِن حولِهم وهم آمنون لا يُسْبَوْنَ.
وحُدِّثْت عن المِنجابِ، قال: أخبرَنا بشرٌ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضحاكِ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: أمنًا للناسِ.
وحدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثني حَجّاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿وَأَمْنًا﴾. قال: تحريمُه، لا يَخافُ فيه مَن دخَله.
﴿وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ قَالَ إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾
يقول تعالى مُنَبِّهًا على شرف إبراهيم خليله، ﵇ وأن الله تعالى جعله إماما للناس يقتدى به في التوحيد، حتى قام بما كلفه الله تعالى به من الأوامر والنواهي؛ ولهذا قال: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) أي: واذكر -يا محمد -لهؤلاء المشركين وأهل الكتابين الذين ينتحلون ملَّة إبراهيم وليسوا عليها، وإنما الذي هو عليها مستقيم فأنت والذين معك من المؤمنين، اذكر لهؤلاء ابتلاء الله إبراهيم، أي: اختباره له بما كلفه به من الأوامر والنواهي (فَأَتَمَّهُنَّ) أي: قام بهن كلهن، كما قال تعالى: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]، أي: وفى جميع ما شرع له، فعمل به صلوات الله عليه، وقال تعالى: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ * شَاكِرًا لأَنْعُمِهِ
نَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْرَاهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَهَذَا النَّبِيُّ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧، ٦٨]
وقوله تعالى: (بِكَلِمَاتٍ) أي: بشرائع وأوامر ونواه، فإن الكلمات تطلق، ويراد بها الكلمات القدرية، كقوله تعالى عن مريم، ﵍،: ﴿وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ﴾ [التحريم: ١٢]. وتطلق ويراد بها الشرعية، كقوله تعالى: ﴿وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا [لا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِه] ِ﴾ [الأنعام: ١١٥] أي: كلماته الشرعية. وهي إما خبر صدق، وإما طلب عدل إن كان أمرًا أو نهيًا، ومن ذلك هذه الآية الكريمة: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) أي: قام بهن. قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) أي: جزاء على ما فَعَل، كما قام بالأوامر وتَرَكَ الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختلف [العلماء] في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل، ﵇.
وامر وتَرَكَ الزواجر، جعله الله للناس قدوة وإمامًا يقتدى به، ويحتذى حذوه.
وقد اختلف [العلماء] في تفسير الكلمات التي اختبر الله بها إبراهيم الخليل، ﵇. فروي عن ابن عباس في ذلك روايات:
فقال عبد الرزاق، عن معمر، عن قتادة، قال ابن عباس: ابتلاه الله بالمناسك. وكذا رواه أبو إسحاق السَّبِيعي، عن التميمي، عن ابن عباس.
وقال عبد الرزاق -أيضًا -: أخبرنا معمر، عن ابن طاووس، عن أبيه، عن ابن عباس: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قَص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس.
هِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) قال: ابتلاه الله بالطهارة: خمس في الرأس، وخمس في الجسد؛ في الرأس: قَص الشارب، والمضمضة، والاستنشاق، والسواك، وفَرْق الرأس. وفي الجسد: تقليم الأظفار، وحلق العانة، والختان، ونَتْف الإبط، وغسل أثر الغائط والبول بالماء.
قال ابن أبي حاتم: ورُوِي عن سعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، والنَّخَعي، وأبي صالح، وأبي الجلد، نحو ذلك.
قلت: وقريب من هذا ما ثبت في صحيح مسلم، عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "عَشْرٌ من الفطرة: قص الشارب، وإعفاء اللحية، والسواك، واستنشاق الماء، وقص الأظفار، وغسل البرَاجم، ونتف الإبط، وحلق العانة، وانتقاص الماء" [قال مصعب] ونسيت العاشرة إلا أن تكون المضمضة.
قال وَكِيع: انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء.
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط".
: انتقاص الماء، يعني: الاستنجاء.
وفي الصحيح، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ، قال: "الفطرة خمس: الختان، والاستحداد، وقص الشارب، وتقليم الأظفار، ونتف الإبط". ولفظه لمسلم.
وقال ابن أبي حاتم: أنبأنا يونس بن عبد الأعلى، قراءة، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن لهيعة، عن ابن هُبيرة، عن حَنَش بن عبد الله الصنعاني، عن ابن عباس: أنه كان يقول في هذه الآية: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال: عَشْرٌ، ست في الإنسان، وأربع في المشاعر. فأما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة.
أما التي في الإنسان: حلق العانة، ونتف الإبط، والختان. وكان ابن هبيرة يقول: هؤلاء الثلاثة واحدة. وتقليم الأظفار، وقص الشارب، والسواك، وغسل يوم الجمعة. والأربعة التي في المشاعر: الطواف، والسعي بين الصفا والمروة، ورمي الجمار، والإفاضة.
وقال داود بن أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس أنه قال: ما ابتلي بهذا الدين أحد فقام به
كله إلا إبراهيم، قال الله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قلت له: وما الكلماتُ التي ابتلى الله إبراهيم بهن فأتمهن؟ قال: الإسلام ثلاثون سهمًا، منها عشر آيات في براءة: ﴿التَّائِبُونَ الْعَابِدُونَ [الْحَامِدُونَ]﴾ إلى آخر الآية [التوبة: ١١٢] وعشر آيات في أول سورة (قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ) و (سَأَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) وعشر آيات في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الآية: ٣٥] إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة.
أَلَ سَائِلٌ بِعَذَابٍ وَاقِعٍ) وعشر آيات في الأحزاب: ﴿إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ﴾ [الآية: ٣٥] إلى آخر الآية، فأتمهن كلهن، فكتبت له براءة. قال الله: ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧].
هكذا رواه الحاكم، وأبو جعفر بن جرير، وأبو محمد بن أبي حاتم، بأسانيدهم إلى داود بن أبي هند، به. وهذا لفظ ابن أبي حاتم.
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس، قال: الكلمات التي ابتلى الله بهن إبراهيم فأتمهن: فراق قومه -في الله -حين أمر بمفارقتهم. ومحاجَّته نمروذ -في الله -حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه -في الله -على هول ذلك من أمرهم.
ومحاجَّته نمروذ -في الله -حين وقفه على ما وقفه عليه من خطر الأمر الذي فيه خلافه. وصبره على قذفه إياه في النار ليحرقوه -في الله -على هول ذلك من أمرهم. والهجرة بعد ذلك من وطنه وبلاده -في الله -حين أمره بالخروج عنهم، وما أمره به من الضيافة والصبر عليها بنفسه وماله، وما ابتلي به من ذبح ابنه حين أمره بذبحه، فلما مضى على ذلك من الله كله وأخلصه للبلاء قال الله له: ﴿أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ على ما كان من خلاف الناس وفراقهم.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا إسماعيل بن عُلَيَّة، عن أبي رجاء، عن الحسن -يعني البصري -: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ]) قال: ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
ابتلاه بالكوكب فرضي عنه، وابتلاه بالقمر فرضي عنه، وابتلاه بالشمس فرضي عنه، وابتلاه بالهجرة فرضي عنه، وابتلاه بالختان فرضي عنه، وابتلاه بابنه فرضي عنه.
وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة، قال: كان الحسن يقول: إي والله، ابتلاه بأمر فصبر عليه: ابتلاه بالكوكب والشمس والقمر، فأحسن في ذلك، وعرف أن ربه دائم لا يزول، فوجه وجهه للذي فطر السموات والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك.
ت والأرض حنيفًا وما كان من المشركين. ثم ابتلاه بالهجرة فخرج من بلاده وقومه حتى لحق بالشام مهاجرًا إلى الله، ثم ابتلاه بالنار قبل الهجرة فصبر على ذلك. وابتلاه الله بذبح ابنه والختان فصبر على ذلك.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عمن سمع الحسن يقول في قوله: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ [فَأَتَمَّهُنَّ])
قال: ابتلاه الله بذبح ولده، وبالنار، والكواكب والشمس، والقمر.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار، حدثنا سَلْم بن قتيبة، حدثنا أبو هلال، عن الحسن (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.
حدثنا سَلْم بن قتيبة، حدثنا أبو هلال، عن الحسن (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ) قال: ابتلاه بالكوكب، وبالشمس، والقمر، فوجده صابرًا.
وقال العوفي في تفسيره، عن ابن عباس: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) فمنهن: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) ومنهن: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ ومنهن: الآيات في شأن المنسك والمقام الذي جعل لإبراهيم، والرزق الذي رزق ساكنو البيت، ومحمد بعث في دينهما.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا شبابة، عن ورقاء، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد في قوله تعالى: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال الله لإبراهيم: إني مبتليك بأمر فما هو؟ قال: تجعلني للناس إمامًا. قال: نعم. قال: ومن ذريتي؟ (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم.
تجعلني للناس إمامًا. قال: نعم. قال: ومن ذريتي؟ (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: تجعل البيت مثابة للناس؟ قال: نعم. قال: وأمنًا. قال: نعم. قال: وتجعلنا مسلمين لك ومن ذريتنا أمة مسلمة لك؟ قال: نعم. قال: وترزق أهله من الثمرات من آمن منهم بالله؟ قال: نعم.
قال ابن أبي نَجِيح: سمعته من عكرمة، فعرضته على مجاهد، فلم ينكره.
وهكذا رواه ابن جرير من غير وجه، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد.
وقال سفيان الثوري، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد: (وَإِذِ ابْتَلَى إِبْرَاهِيمَ رَبُّهُ بِكَلِمَاتٍ فَأَتَمَّهُنَّ) قال: ابتلي بالآيات التي بعدها: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
عِيلَ﴾ الآية، وقوله: ﴿وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ﴾ الآية، قال: فذلك كله من الكلمات التي ابتلي بهن إبراهيم.
وقال السدي: الكلمات التي ابتلى بهن إبراهيم رَبُّه: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ * رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ﴾، ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ [يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ]﴾.
[وقال القرطبي: وفي الموطأ وغيره، عن يحيى بن سعيد أنه سمع سعيد بن المسيب يقول: إبراهيم، ﵇، أول من اختتن وأول من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قَلَّم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا.
ل من ضاف الضيف، وأول من استحد، وأول من قَلَّم أظفاره، وأول من قص الشارب، وأول من شاب فلما رأى الشيب، قال: ما هذا؟ قال: وقار، قال: يا رب، زدني وقارًا. وذكر ابن أبي شيبة، عن سعد بن إبراهيم، عن أبيه، قال: أول من خطب على المنابر إبراهيم، ﵇، قال غيره: وأول من برَّد البريد، وأول من ضرب بالسيف، وأول من استاك، وأول من استنجى بالماء، وأول من لبس السراويل، وروي عن معاذ بن جبل قال: قال رسول الله ﷺ: "إن أتخذ المنبر فقد اتخذه أبي إبراهيم، وإن أتخذ العصا فقد اتخذها أبي إبراهيم" قلت: هذا حديث لا يثبت، والله أعلم. ثم شرع القرطبي يتكلم على ما يتعلق بهذه الأشياء من الأحكام الشرعية].
قال أبو جعفر بن جرير ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميعُ ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزمُ بشيء منها أنه المرادُ على التعيين إلا بحديث أو إجماع.
ما حاصله: أنه يجوز أن يكون المراد بالكلمات جميعُ ما ذكر، وجائز أن يكون بعض ذلك، ولا يجوز الجزمُ بشيء منها أنه المرادُ على التعيين إلا بحديث أو إجماع. قال: ولم يصح في ذلك خبر بنقل الواحد ولا بنقل الجماعة الذي يجب التسليم له.
قال: غَيْرَ أنه قد روي عن النبي ﷺ في نظير معنى ذلك خبران، أحدهما ما حدثنا به أبو كُرَيْب، حدثنا رشدين بن سعد، حدثني زبان بن فائد، عن سهل بن معاذ بن أنس، قال: كان النبي ﷺ يقول: "ألا أخبركم لم سمى الله إبراهيم خليله ﴿الَّذِي وَفَّى﴾ [النجم: ٣٧]؟ لأنه كان يقول كلما أصبح وكلما أمسى: ﴿فَسُبْحَانَ اللَّهِ حِينَ تُمْسُونَ وَحِينَ تُصْبِحُونَ﴾ [الروم: ١٧] حتى يختم الآية".
قال: والآخر منهما: حدثنا به أبو كريب، أخبرنا الحسن، عن عطية، أخبرنا إسرائيل، عن جعفر بن الزبير، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: قال رسول الله ﷺ: " ﴿وَإِبْرَاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أتدرون ما وفى؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة.
َاهِيمَ الَّذِي وَفَّى﴾ أتدرون ما وفى؟ ". قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: "وفَّى عمل يومه، أربع ركعات في النهار".
ورواه آدم في تفسيره، عن حماد بن سلمة. وعبد بن حميد، عن يونس بن محمد، عن حماد بن سلمة، عن جعفر بن الزبير، به.
ثم شرع ابن جرير يضعف هذين الحديثين، وهو كما قال؛ فإنه لا تجوز روايتهما إلا ببيان ضعفهما، وضعفهما من وجوه عديدة، فإن كلا من السندين مشتمل على غير واحد من الضعفاء، مع ما في متن الحديث مما يدل على ضعفه [والله أعلم].
ثم قال ابن جرير: ولو قال قائل: إن الذي قاله مجاهد وأبو صالح والربيع بن أنس أولى
بالصواب من القول الذي قاله غيرهم كان مذهبًا، فإن قوله: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا) وقوله: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.
ْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ وسائر الآيات التي هي نظير ذلك، كالبيان عن الكلمات التي ذكر الله أنه ابتلى بهن إبراهيم.
قلت: والذي قاله أولا من أن الكلمات تشمل جميع ما ذكر، أقوى من هذا الذي جوزه من قول مجاهد ومن قال مثله؛ لأن السياق يعطي غير ما قالوه والله أعلم.
وقوله: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) لما جعل الله إبراهيم إمامًا، سأل الله أن تكون الأئمةُ من بعده من ذريته، فأجيب إلى ذلك وأخبر أنه سيكون من ذريته ظالمون، وأنه لا ينالهم عهد الله، ولا يكونون أئمة فلا يقتدى بهم، والدليل على أنه أجيب إلى طَلِبَتِهِ قول الله تعالى في سورة العنكبوت: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.
َلْنَا فِي ذُرِّيَّتِهِ النُّبُوَّةَ وَالْكِتَابَ﴾ [العنكبوت: ٢٧] فكل نبي أرسله الله وكل كتاب أنزله الله بعد إبراهيم ففي ذريته صلوات الله وسلامه عليه.
وأما قوله تعالى: (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) فقد اختلفوا في ذلك، فقال خَصِيف، عن مجاهد في قوله: (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: إنه سيكون في ذريتك ظالمون.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا يكون لي إمام ظالم [يقتدى به]. وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به.
بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا يكون لي إمام ظالم [يقتدى به]. وفي رواية: لا أجعل إمامًا ظالمًا يقْتَدَى به. وقال سفيان، عن منصور، عن مجاهد في قوله تعالى: (قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا يكون إمام ظالم يقتدى به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثني أبي، حدثنا مالك بن إسماعيل، حدثنا شريك، عن منصور، عن مجاهد، في قوله: (وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) قال: أما من كان منهم صالحًا فسأجعله إمامًا يقتدى به، وأما من كان ظالما فلا ولا نُعْمَةَ عَيْنٍ.
وقال سعيد بن جبير: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) المراد به المشرك، لا يكون إمام ظالم. يقول: لا يكون إمام مشرك.
وقال ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء: ما عهده؟
قال ابن جُرَيج، عن عطاء، قال: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فأبى أن يجعل من ذريته إمامًا ظالمًا. قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا عمرو بن ثور القيساري فيما كتب إلي، حدثنا الفريابي، حدثنا إسرائيل، حدثنا سماك بن حرب، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: قال الله لإبراهيم: (إِنِّي جَاعِلُكَ لِلنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي) فأبى أن يفعل، ثم قال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ)
وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن أبي محمد، عن سعيد أو عكرمة، عن ابن عباس: (قَالَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِي قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يخبره أنه كائن في ذريته ظالم لا ينال عهده -ولا ينبغي [له] أن يوليه شيئا من أمره وإن كان من ذرية خليله -ومحسن ستنفذ فيه دعوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: يعني لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
عوته، وتبلغ له فيه ما أراد من مسألته.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: يعني لا عهدَ لظالم عليك في ظلمه، أن تطيعه فيه.
وقال ابن جرير: حدثنا المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا عبد الرحمن بن عبد الله، عن إسرائيل، عن مسلم الأعور، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: ليس للظالمين عهد، وإن عاهدته فانتقضه.
وروي عن مجاهد، وعطاء، ومقاتل بن حيان، نحو ذلك.
وقال الثوري، عن هارون بن عنترة، عن أبيه، قال: ليس لظالم عهد.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة، في قوله: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: لا ينال عهدُ الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
لِمِينَ) قال: لا ينال عهدُ الله في الآخرة الظالمين، فأما في الدنيا فقد ناله الظالم فأمن به، وأكل وعاش.
وكذا قال إبراهيم النخعي، وعطاء، والحسن، وعكرمة.
وقال الربيع بن أنس: عهد الله الذي عهد إلى عباده: دينه، يقول: لا ينال دينه الظالمين، ألا ترى أنه قال: ﴿وَبَارَكْنَا عَلَيْهِ وَعَلَى إِسْحَاقَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ﴾ [الصافات: ١١٣]، يقول: ليس كل ذريتك يا إبراهيم على الحق.
وكذا روي عن أبي العالية، وعطاء، ومقاتل بن حيان.
وقال جويبر، عن الضحاك: لا ينال طاعتي عدو لي يعصيني، ولا أنحلها إلا وليًّا لي يطيعني.
وقال الحافظ أبو بكر بن مَرْدويه: حدثنا عبد الرحمن بن محمد بن حامد، حدثنا أحمد بن عبد الله بن سعيد الأسدي، حدثنا سليم بن سعيد الدامغاني، حدثنا وَكِيع، عن الأعمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ، قال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: "لا طاعة إلا في المعروف".
عمش، عن سعد بن عبيدة، عن أبي عبد الرحمن السلمي، عن علي بن أبي طالب، عن النبي ﷺ، قال: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) قال: "لا طاعة إلا في المعروف".
وقال السدي: (لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ) يقول: عهدي نبوتي.
فهذه أقوال مفسري السلف في هذه الآية على ما نقله ابن جرير، وابن أبي حاتم، رحمهما الله تعالى. واختار ابن جرير أن هذه الآية -وإن كانت ظاهرة في الخبر -أنه لا ينال عهد الله بالإمامة ظالما. ففيها إعلام من الله لإبراهيم الخليل، ﵇، أنه سيوجد من ذريتك من هو ظالم لنفسه، كما تقدم عن مجاهد وغيره، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ لا يَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ (١٢٤)﴾ يفهم من هذه الآية أن الله علم أن من ذرية إبراهيم ظالمين. وقد صرح تعالى في مواضع أخر بأن منهم ظالما وغير ظالم. كقوله: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا مُحْسِنٌ وَظَالِمٌ لِنَفْسِهِ مُبِينٌ (١١٣)﴾. وقوله: ﴿وَجَعَلَهَا كَلِمَةً بَاقِيَةً فِي عَقِبِهِ﴾ الآية.
•