Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 125

QS 2:125

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 125

2:125
وَإِذۡ جَعَلۡنَا ٱلۡبَيۡتَ مَثَابَةٗ لِّلنَّاسِ وَأَمۡنٗا وَٱتَّخِذُواْ مِن مَّقَامِ إِبۡرَٰهِـۧمَ مُصَلّٗىۖ وَعَهِدۡنَآ إِلَىٰٓ إِبۡرَٰهِـۧمَ وَإِسۡمَٰعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيۡتِيَ لِلطَّآئِفِينَ وَٱلۡعَٰكِفِينَ وَٱلرُّكَّعِ ٱلسُّجُودِ
Dan (ingatlah), ketika Kami menjadikan rumah (Ka'bah) tempat berkumpul dan tempat yang aman bagi manusia. Dan jadikanlah maqam Ibrahim 45) itu tempat salat. Dan telah Kami perintahkan kepada Ibrahim dan Ismail, "Bersihkanlah rumah-Ku untuk orang-orang yang tawaf, orang yang itikaf, orang yang rukuk dan orang yang sujud
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 124Ayat 126 →

Tafsir dalam korpus (100 potongan)

QS 2:125 (jilid 2 hlm. 522) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 522 · #52068
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. اختلف القَرَأَةُ في قراءةِ ذلك؛ فقرَأه بعضُهم: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. بكسرِ الخاءِ على وجهِ الأمرِ باتخاذِه مصلًّى، وهى قراءةُ عامةِ قَرَأَةِ المِصْرَيْنِ؛ الكوفَةِ والبصرةِ، وقراءةُ عامةِ قَرَأَةِ أهلِ مكةَ، وبعضِ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ. [وذهَب الذين قرءوا ذلك إلى] الخبرِ الذى حدَّثنا أبو كُريبٍ ويعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى!
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 522) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 522 · #52069
راهيمَ، قالا: حدَّثنا هُشَيمٌ، قال: أخبرَنا حُميدٌ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ، لو اتخذْتَ المَقامَ مُصَلًّى! فأَنزل اللهُ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وحدثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي عَدِيٍّ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، جميعًا عن حُميدٍ، عن أنَسٍ، عن عمرَ، عن النبيِّ ﷺ مثلَه. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا حُمَيدٌ، عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ: يا رسولَ اللهِ. فذكَر مثلَه. قالوا: فإنما أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ أمرًا منه نبيَّه ﷺ باتِّخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فغيرُ جائزةٍ قراءتُها وهى أمرٌ، على وجهِ الخبرِ. وقد زعَم بعضُ نحويِّى البصرةِ أن قولَه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. جزمٌ معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 523) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 523 · #52070
َخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. جزمٌ معطوفٌ على قولِه: ﴿يَابَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾ واتَّخِذوا مصلًّى من مَقام إبراهيمَ. فكان الأمرُ بهذه الآيةِ، وباتخاذِ المصلَّى من مَقامِ إبراهيمَ -على قولِ هذا القائِلِ- لليهودِ مِن بنى إسرائيلَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ. [وقال] الربيعُ بنُ أنسٍ بما حدِّثْت به عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، [عن الرَّبيع بنِ أنَسٍ]، قال: من الكلماتِ التى ابتُلِىَ بها إبراهيمُ قولُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. يأمُرُهم أن يَتَّخِذُوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ. فتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 524) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 524 · #52071
براهيمَ مُصَلًّى، فهم يُصَلُّون خلفَ المَقامِ. فتأويلُ قائلِ هذا القولِ: وإذ ابتلَى إبراهيمَ ربُّه بكلماتٍ فأتمهُنَّ، قال: إني جاعِلُك للناسِ إمامًا. قال: اتَّخِذوا من مَقامِ إبراهيمَ مصلًّى. والخبرُ الذى ذكَرْناه عن عمرَ بنِ الخطابِ عن رسولِ اللهِ ﷺ قبلُ، يَدُلُّ على خلافِ الذى قاله هؤلاء، وأنه أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه بذلك رسولَ اللهِ ﷺ، والمؤمنين به، وجميعَ الخلقِ المكلَّفِين. وقرَأه بعضُ قرأةِ أهلِ المدينةِ والشامِ: (واتَّخَذوا). بفتحِ الخاءِ، على وجهِ الخبرِ. ثم اختُلِف في الذى عُطِف عليه بقولِه: (واتَّخَذوا). إذا قُرِئ كذلك على وجهِ الخبرِ، فقال بعضُ نحويِّى البَصْرةِ: تأويلُه إذا قُرِئ كذلك: وإذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 524) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 524 · #52072
ذ جعَلْنا البيتَ مَثابةً للناسِ وأمْنًا، [وإذِ اتخَذُوا] من مقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى. وقال بعضُ نحويِّى الكوفةِ: بل ذلك معطوفٌ على قولِه: ﴿جَعَلْنَا﴾. فكأن معنى الكلامِ على قولِه: وإذ جعَلْنا البيتَ مثابةً للناسِ، واتَّخَذُوه مُصَلَّى. والصوابُ من القولِ والقراءةِ في ذلك عندنا: ﴿وَاتَّخِذُوا﴾. بكسرِ الخاءِ، على تأويلِ الأمرِ باتخاذِ مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى، للخبرِ الثابتِ عن رسولِ اللهِ ﷺ الذى ذكَرْناه آنفًا، وأن عمرَو بنَ عليٍّ حدثنا، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، قال: حدثني أبي، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، أن رسولَ اللهِ ﷺ قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 524) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 524 · #52073
قرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. ثم اختلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وفى مقامِ إبراهيمَ؛ فقال بعضُهم: مقامُ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه. ذكرُ من قال ذلك حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا ابنُ جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: الحجُّ كلُّه مقامُ إبراهيمَ. وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 525) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 525 · #52074
وحدثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحجُّ كلُّه. وحدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن سفيانَ، عن ابنِ جريجٍ، عن عطاءٍ، قال: الحجُّ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ. وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ. ذكرُ من قال ذلك حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءِ بنِ أبي رَباحٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: لأنى قد جعَلْتُه إمامًا، فمَقامُه عَرَفةُ والمُزْدَلِفَةُ والجِمارُ. وحدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزّاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه جَمْعٌ وعَرَفةُ ومِنًى.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 525) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 525 · #52075
ال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه جَمْعٌ وعَرَفةُ ومِنًى. لا أعلمُه إلا وقد ذكَر مكةَ. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصِمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مَقامُه عَرفةُ. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشعبيِّ، قال: نزلَتْ عليه وهو واقفٌ بعرفةَ مَقامِ إبراهيمَ ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾ الآية [المائدة: ٣]. وحدثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا بشرُ بنُ المفُضَّلِ، قال: ثنا داودُ بنُ أبي هندٍ، عن الشعبىِّ مثلَه. وقال آخرون: مَقامُ إبراهيمَ الحرمُ. ذكرُ من قال ذلك حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 526) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 526 · #52076
راهيمَ الحرمُ. ذكرُ من قال ذلك حدِّثْتُ عن حمادِ بنِ زيدٍ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: الحرمُ كلُّه مَقامُ إبراهيمَ. وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ هو الحَجَرُ الذى قام عليه إبراهيمُ حين ارتفَع بناؤُه، وضَعُف عن رَفْعِ الحِجارةِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا ابنُ سِنانٍ القَزّازُ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ بنُ عبدِ المجيدِ أبو عليٍّ الحنفيُّ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ نافعٍ، قال: سمِعتُ كَثيرَ بنَ كَثيرٍ يُحدِّثُ عن سعيدِ بنِ جُبَيْرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 527) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 527 · #52077
، عن ابنِ عباسٍ، قال: جعَل إبراهيمُ يَبْنيه، وإسماعيلُ يُناوِلُه الحجارةَ، ويقولان: ﴿رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾. فلمّا ارتفع البنيانُ وضعُف الشيخُ عن رَفْعِ الحجارةِ، قام على حجَرٍ، فهو مَقامُ إبراهيمَ. وقال آخرون: بل مَقامُ إبراهيمَ، هو مَقامُه الذى هو في المسجدِ الحرامِ. ذكرُ من قال ذلك حدثنا بشرُ بن معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بن زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: إنما أمِروا أن يُصلُّوا عندَه ولم يُؤْمَروا بمَسْحِه، ولقد تَكَلَّفَت هذه الأمةُ شيئًا ما تَكَلَّفَتْه الأممُ قبلَها، ولقد ذكَر لنا بعضُ مَن رأى أثَرَ عَقِبِه وأصابِعِه، فما زالت هذه الأمةُ يمسَحُونه حتى اخْلَوْلَق وانْمَحَى وحدِّثْت عن عمّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى]، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 528) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 528 · #52078
بيه، عن الربيعِ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: [يَأْمُرُهم أن يتَّخِذوا مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصَلًّى]، فهم يُصلُّون خلفَ المقامِ. وحدثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾: وهو الصلاةُ عند مَقامِه في الحَجِّ. والمقامُ هو الحَجَرُ الذى كانت زوجةُ إسماعيلَ وَضَعَتْ تحت قَدَمِ إبراهيمَ حين غسَلتْ رأسَه، فوضَع إبراهيمُ رِجْلَه عليه وهو راكِبٌ، فغسَلتْ شِقَّه، ثم رفَعتْه من تحتِه وقد غابت رِجْلُه في الحَجَرِ، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 528) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 528 · #52079
، فوضَعتْه تحت الشِّقِّ الآخَرِ فغسَلتْه، فغابت رِجْلُه أيضًا فيه، فجعَلها اللهُ من شعائِرِه، فقال: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. وأولى هذه الأقوالِ بالصوابِ عندنا ما قاله القائلون: إنَّ مَقامَ إبراهيمَ هو المَقامُ المعروفُ بهذا الاسمِ، الذى هو في المسجدِ الحرامِ؛ لما روَيْنا آنفًا عن عمرَ بنِ الخطابِ، ولما حدَّثنا به يوسفُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ ابنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: استلَم رسولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 528) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 528 · #52080
ل: استلَم رسولُ اللهِ ﷺ الرُّكْنَ، فرَمَل ثلاثًا، ومشَى أربعًا، ثم نفَذ إلى مَقامِ إبراهيمَ فقرَأ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فجعَل المَقامَ بينَه وبينَ البيتِ، فصلَّى ركعتين. فهذان الخبرانِ يُنْبِئان أنَّ اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما عَنَى بمَقامِ إبراهيمَ الذى أمَرنا باتخاذِه مصلًّى منه، هو الذى وصَفْنا، ولو لم يكنْ على صِحَّةِ ما اختَرْنا في تأويلِ ذلك خبرٌ عن رسولِ اللهِ ﷺ، لكان الواجبُ من القولِ فيه ما قلْنا؛ وذلك أنَّ الكلامَ مَحْمولٌ معناه على ظاهِرِه المعروفِ دونَ باطِنِه المجهولِ، حتى يأتىَ ما يدلُّ على خِلافِ ذلك مما يَجِبُ التسليمُ له. ولا شكَّ أنَّ المعروفَ في الناسِ بمَقامِ إبراهيمَ، هو [ما وصَفتُ دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها. وأمّا] المُصَلَّى الذى قال الله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 529) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 529 · #52081
دونَ جميعِ الحَرَمِ، ودونَ مَواقِفِ الحجِّ كلِّها. وأمّا] المُصَلَّى الذى قال الله تعالى ذِكْرُه: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. فإنَ أهلَ التأويلِ مُختلِفون في معناه؛ فقال بعضُهم: هو المُدَّعَى. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا سفيانُ بنُ عُيَيْنَةَ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾. قال: مصلَّى إبراهيمَ مُدَّعًى. وقال آخرون: بل معنى ذلك: بل اتخِذُوا مصلَّى تصلُّون عنده. ذكرُ من قال ذلك حدَّثنا بِشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: أُمِروا أن يُصلُّوا عنده. وحدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حَمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: هو الصلاةُ عندَه. فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ. بمعنى: دعوتُ.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 530) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 530 · #52082
و الصلاةُ عندَه. فكأنَّ الذين قالوا: تأويلُ المُصَلَّى ههنا المُدَّعَى. وجَّهوا المُصَلَّى إلى أنه مُفَعَّل، مِن قولِ القائلِ: صلَّيتُ. بمعنى: دعوتُ. وقائلو هذه المقالةِ هم الذين قالوا: إن مَقامَ إبراهيمَ هو الحجُّ كلُّه. فكأنَّ معناهم في تأويلِ هذه الآيةِ: واتَّخِذوا عرفةَ والمُزْدَلِفَةَ والمَشْعرَ والجَمَراتِ وسائرَ أماكنِ الحجِّ التى كان إبراهيمُ يقومُ بها، مُدَّعًى تَدْعونَنى عندَها، وتَأْتَمُّون بإبراهيمَ خليلى صلواتُ اللهِ عليه فيها، فإنى قد جعَلتُه لمَن بعدَه -مِن أوليائى وأهلِ طاعَتى- إمامًا يَقْتَدون به وبآثارِه، فاقْتَدوا به. وأما تأويلُ القائلين القولَ الآخرَ، فإنه: اتَّخِذوا أيها الناسُ مِن مَقامِ إبراهيمَ مُصلًّى تُصَلُّون عندَه، عِبادةً مِنكم لى، وتَكْرِمةً منى لإبراهيمَ. وهذا القولُ هو أوْلَى بالصوابِ عندَنا؛ لما ذَكَرنا مِن الخبَرِ عن عمرَ بنِ الخطّابِ وجابِرِ بنِ عبدِ اللهِ، عن رسولِ اللهِ ﷺ.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 530) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 530 · #52083
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَعَهِدْنَا﴾: وأَمَرْنا. كما حدثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قُلتُ لعطاءٍ: ما عَهْدُه؟ قال: أَمْرُه. وحدَّثنى يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ﴾. قال: أَمَرْناه. فمعنى الآيةِ: وأَمَرْنا إبراهيمَ وإسماعيلَ بتطهيرِ بيتى للطائِفين. و"التَّطهيرُ" الذى أمَرَهما اللهُ به في البيتِ هو تطهيرُه مِن الأصنامِ، وعبادةِ الأوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ. فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾؟
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 531) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 531 · #52084
أوثانِ فيه، ومِن الشركِ باللهِ. فإن قال قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾؟ وهل كان أيامَ إبراهيمَ -قبلَ بنائِه البيتَ- بيتٌ يُطَهَّرُ مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ في الحَرَمِ، فيجوزَ أن يكونا أُمِرا بتَطْهيرِه؟ قِيل: لذلك وجهانِ مِن التأويلِ، قد [قال بكلِّ] واحدٍ مِن الوَجْهين مِن أهلِ التأويلِ جماعةٌ؛ أحدُهما: أن يكونَ معناه: وعَهِدْنا إلى إبراهيمَ وإسماعيلَ أن ابْنِيَا بَيْتىَ مُطَهَّرًا مِن الشركِ والرَّيْبِ، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فكذلك قولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 531) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 531 · #52085
َنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩]. فكذلك قولُه: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. أى: ابْنِيا بَيْتىَ على طُهْرٍ مِن الشِّركِ بى والرَّيْبِ. كما حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. يقولُ: ابْنِيا بيتى للطائفين. فهذا أحدُ وَجْهَيْهِ. والوجهُ الآخرُ منهما: أن يكونا أُمِرا بأن يُطَهِّرا مكانَ البيتِ قبلَ بِنائِه والبيتَ بعدَ بِنائِه، مما كان أهلُ الشركِ باللهِ يَجْعَلونه فيه، على عهدِ نوحٍ ومَن قبلَه مِن الأوثانِ؛ ليكونَ ذلك سُنَّةً لمنَ بعدَهما، إذ كان اللهُ جلَّ ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به بعدَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 532) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 532 · #52086
ثناؤُه قد جعَل إبراهيمَ إمامًا يُقْتَدَى به بعدَه. كما حدَّثنى يونسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾. قال: مِن الأصنامِ التى يَعْبُدون، التى كان المشركون يُعَظِّمونها. [ذكرُ مَن قال: معنى قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ﴾ أى: طهِّراه من الشِّرْكِ والرَّيْبِ] حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهوازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبيدِ بنِ عُمَيرٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾ قال: مِن الآفاتِ والرَّيْبِ. وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن عطاءٍ، عن عُبَيْدِ بنِ عُمَيْرٍ مثلَه. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن الشركِ. وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى حَصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 533) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 533 · #52087
يثٍ، عن مجاهدٍ، قال: مِن الشركِ. وحدَّثنا أحمدُ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن أبى حَصينٍ، عن مجاهدٍ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: مِن الأوثانِ. وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ في قوله: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: مِن الشركِ وعبادةِ الأوثانِ. حدثنا بِشْرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ بمثلِه، وزاد فيه: وقولِ الزُّورِ.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 533) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 533 · #52088
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾. اختَلفَ أهلُ التأويلِ في معنى "الطائِفين" في هذا الموضِعِ؛ فقال بعضُهم: هم الغرباءُ الذين يَنْتابون البيتَ الحرامَ مِن غربةٍ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُريبٍ، قال ثنا أبو بكرِ بنُ عَياشٍ، قال: ثنا أبو حَصِينٍ، عن سعيدِ ابنِ جُبَيْرٍ في قولِه: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾ قال: مَن أتاه مِن غربةٍ. وقال آخرون: بل الطائفون هم الذين يَطُوفون به، [غريبًا كان] أو مِن أهلِه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا محمدُ بنُ العلاءِ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ، عن عطاءٍ: ﴿لِلطَّائِفِينَ﴾. قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين. وأوْلَى التأويلين بالآيةِ ما قاله عطاءٌ، لأن الطائفَ هو الذي يَطُوفُ بالشيءِ دونَ غيرِه، والطَّارِئُ مِن غربةٍ لا يَسْتحِقُّ اسمَ طائفٍ بالبيتِ إن لم يَطُفْ به.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 534) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 534 · #52089
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾. يعنى تعالى ذِكْرُه بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾: والمُقِيمين به. والعاكِفُ على الشيءِ: المُقِيمُ عليه، كما قال نابغةُ بنى ذُبْيانَ: عُكُوفًا لَدَى أبْياتِهِمْ يَثْمِدُونَهُم … رَمَى اللهُ فِى تِلكَ الأكُفِّ الكوَانِعِ وإنما قيل للمُعْتكِفِ: مُعْتكِفٌ. مِن أجلِ مُقامِه في الموضِعِ الذي حَبَس نفسَه فيه للهِ تعالى. ثم اخْتَلف أهلُ التأويلِ في مَن عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾؛ فقال بعضُهم: عَنَى به الجالسَ في البيتِ الحرامِ بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذلِيِّ، عن عطاءٍ، قال: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين. وقال بعضُهم: العاكفون: هم المُعْتَكِفون المُجاوِرون. ذِكْرُ مَن قال ذلك
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 535) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 535 · #52090
: إذا كان طائفًا بالبيتِ، فهو مِن الطائفين، وإذا كان جالسًا، فهو مِن العاكفين. وقال بعضُهم: العاكفون: هم المُعْتَكِفون المُجاوِرون. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزُّبيرىُّ، قال: ثنا شريكٌ، عن جابرٍ، عن مُجاهدٍ وعكرمةَ: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾. قال: العاكِفون المُجاوِرون. وقال بعضُهم: العاكفون هم أهلُ البلد الحرامِ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدثنا أبو كُرَيبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عياشٍ، قال: ثنا أبو حَصينٍ، عن سعيدِ ابنِ جبيرٍ في قولِه: ﴿وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: أهلُ البلدِ. وحدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: العاكفون أهلُه. وقال آخرون: العاكفون هم المُصلُّون. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: العاكِفون المصلون.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 536) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 536 · #52091
الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيجٍ، قال: قال ابنُ عباسٍ في قولِه: ﴿طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ﴾ قال: العاكِفون المصلون. وأوْلَى هذه التأويلاتِ بالصوابِ ما قاله عطاءٌ، وهو أن العاكفَ في هذا الموضِعِ المقيمُ في البيتِ مجاورًا فيه بغيرِ طوافٍ ولا صلاةٍ؛ لأن صِفَةَ العُكوفِ ما وصَفنا مِن الإقامةِ بالمكانِ؛ والمقيمُ بالمكانِ قد يكونُ مقيمًا به وهو جالسٌ ومصلٍّ وطائفٌ ونائمٌ، وعلى غيرِ ذلك مِن الأحوالِ، فلما كان جلَّ ثناؤُه قد ذكَر في قولِه: ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ المُصلِّين والطائفين، عُلِمَ بذلك أن الحالَ التي عَنَى جلَّ ثناؤُه مِن العاكِفِ غيرُ حالِ المُصلِّى والطائفِ، وأن الذي عَنَى مِن أحوالِه هو العُكوفُ بالبيتِ على سبيلِ الجِوارِ فيه، وإن لم يَكُنْ مُصلِّيًا فيه ولا راكعًا ولا ساجدًا.
QS 2:125 (jilid 2 hlm. 536) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 536 · #52092
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥)﴾. يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَالرُّكَّعِ﴾ جماعةَ القومِ الراكعين فيه له، واحدُهم "راكِعٌ". وكذلك ﴿السُّجُودِ﴾ هم جماعةُ القومِ الساجدين فيه له، واحدُهم "ساجِدٌ"، كما يُقالُ: رجلٌ قاعِدٌ، ورجالٌ قُعودٌ، ورجلٌ جالسٌ، ورجالٌ جُلوسٌ. وكذلك: رجلٌ ساجدٌ، ورجالٌ سجودٌ. وقيل: عُنِى بـ ﴿الرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾: المصلُّون. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: حدَّثنا وكيعٌ، عن أبي بكرٍ الهُذليِّ، عن عطاءٍ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ قال: إذا كان يُصَلِّى فهو مِن الرُّكَّعِ السُّجودِ. حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾، أهلُ الصلاةِ. وقد أتينا فيما مضَى على بيانِ معنى "الركوعِ" و"السجودِ"، فأغْنَى ذلك عن إعادتِه.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 412) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 412 · #81665
﴿وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى (١٢٥)﴾ قال العوفي، عن ابن عباس: قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) يقول: لا يقضون منه وطرًا، يأتونه، ثم يرجعون إلى أهليهم، ثم يعودون إليه. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَثَابَةً لِلنَّاسِ) يقول: يثوبون. رواهما ابن جرير. وقال ابن أبي حاتم: أخبرنا أبي، أخبرنا عبد الله بن رجاء، أخبرنا إسرائيل، عن مسلم، عن مجاهد، عن ابن عباس، في قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) قال: يثوبون إليه ثم يرجعون. قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير-في رواية -وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك، نحو ذلك.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 412) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 412 · #81666
نَّاسِ) قال: يثوبون إليه ثم يرجعون. قال: وروي عن أبي العالية، وسعيد بن جبير-في رواية -وعطاء، ومجاهد، والحسن، وعطية، والربيع بن أنس، والضحاك، نحو ذلك. وقال ابن جرير: حدثني عبد الكريم بن أبي عمير، حدثني الوليد بن مسلم قال: قال أبو عمرو -يعني الأوزاعي -حدثني عبدة بن أبي لبابة، في قوله تعالى: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) قال: لا ينصرف عنه منصرف وهو يرى أنه قد قضى منه وطرًا. وحدثني يونس، عن ابن وهب، قال: قال ابن زيد: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ) قال: يثوبون إليه من البُلْدان كلها ويأتونه. [وما أحسن ما قال الشاعر في هذا المعنى، أورده القرطبي: جعل البيت مثابًا لهم … ليس منه الدهر يقضون الوَطَرْ] وقال سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى -وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني (مَثَابَةً لِلنَّاسِ) أي: مجمعا. (وَأَمْنًا) قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 412) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 412 · #81667
سعيد بن جبير -في الرواية الأخرى -وعكرمة، وقتادة، وعطاء الخراساني (مَثَابَةً لِلنَّاسِ) أي: مجمعا. (وَأَمْنًا) قال الضحاك عن ابن عباس: أي أمنًا للناس. وقال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية: (وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْنًا) يقول: أمنًا من العدو، وأن يُحْمَل فيه السلاح، وقد كانوا في الجاهلية يُتَخَطَّف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون. وروي عن مجاهد، وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا: من دخله كان آمنًا.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 413) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 413 · #81668
قد كانوا في الجاهلية يُتَخَطَّف الناس من حولهم، وهم آمنون لا يُسْبَون. وروي عن مجاهد، وعطاء، والسدي، وقتادة، والربيع بن أنس، قالوا: من دخله كان آمنًا. ومضمون ما فسر به هؤلاء الأئمة هذه الآية: أن الله تعالى يذكر شرف البيت وما جعله موصوفًا به شرعًا وقدرًا من كونه مثابة للناس، أي: جعله مَحَلا تشتاق إليه الأرواح وتحن إليه، ولا تقضي منه وطرًا، ولو ترددَت إليه كلَّ عام، استجابة من الله تعالى لدعاء خليله إبراهيم، ﵇، في قوله: ﴿فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٧ - ٤٠] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 413) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 413 · #81669
هِمْ﴾ إلى أن قال: ﴿رَبَّنَا وَتَقَبَّلْ دُعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٧ - ٤٠] ويصفه تعالى بأنه جعله أمنًا، من دخله أمن، ولو كان قد فعل ما فعل ثم دخله كان آمنًا. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: كان الرجل يلقى قاتل أبيه أو أخيه فيه فلا يَعْرض له، كما وصفها في سورة المائدة بقوله تعالى ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ﴾ [المائدة: ٩٧] أي: يُرْفَع عنهم بسبب تعظيمها السوءُ، كما قال ابن عباس: لو لم يحج الناسُ هذا البيت لأطبق الله السماءَ على الأرض، وما هذا الشرف إلا لشرف بانيه أولا وهو خليل الرحمن، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا﴾ [الحج: ٢٦] وقال تعالى: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِلْعَالَمِينَ * فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. وفي هذه الآية الكريمة نَبَّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 413) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 413 · #81670
َيِّنَاتٌ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٦، ٩٧]. وفي هذه الآية الكريمة نَبَّه على مقام إبراهيم مع الأمر بالصلاة عنده. فقال: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقد اختلف المفسرون في المراد بالمقام ما هو؟ فقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شَبَّة النميري، حدثنا أبو خلف -يعني عبد الله بن عيسى-حدثنا داود بن أبي هند، عن مجاهد، عن ابن عباس: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قال: مقام إبراهيم: الحرم كله. وروي عن مجاهد وعطاء مثل ذلك. وقال [أيضا] حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا حجاج، عن ابن جريج، قال: سألت عطاء عن (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فقال: سمعت ابن عباس قال: أما مقام إبراهيم الذي ذكر هاهنا، فمقام إبراهيم هذا الذي في المسجد، ثم قال: و (مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ) يعد كثير، " مقام إبراهيم " الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 413) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 413 · #81671
بْرَاهِيمَ) يعد كثير، " مقام إبراهيم " الحج كله. ثم فسره لي عطاء فقال: التعريف، وصلاتان بعرفة، والمشعر، ومنى، ورمي الجمار، والطواف بين الصفا والمروة. فقلت: أفسره ابن عباس؟ قال: لا ولكن قال: مقام إبراهيم: الحج كله. قلت: أسمعت ذلك؟ لهذا أجمع. قال: نعم، سمعته منه. وقال سفيان الثوري، عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قال: الحَجر مقام إبراهيم نبي الله، قد جعله الله رحمة، فكان يقوم عليه ويناوله إسماعيل الحجارة. ولو غَسل رأسَه كما يقولون لاختلف رجلاه. [وقال السدي: المقام: الحجر الذي وضعته زوجة إسماعيل تحت قدم إبراهيم حتى غسلت رأسه. حكاه القرطبي، وضعفه ورجحه غيره، وحكاه الرازي في تفسيره عن الحسن البصري وقتادة والربيع بن أنس]. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الحسن بن محمد بن الصباح، حدثنا عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جُرَيج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 414) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 414 · #81672
عبد الوهاب بن عطاء، عن ابن جُرَيج، عن جعفر بن محمد، عن أبيه، سمع جابرًا يحدث عن حجة النبي ﷺ قال: لما طاف النبي ﷺ قال له عمر: هذا مقام أبينا إبراهيم؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فأنزل الله، ﷿: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وقال عثمان بن أبي شيبة: أخبرنا أبو أسامة، عن زكريا، عن أبي إسحاق، عن أبي ميسرة قال: قال عمر: قلت: يا رسول الله، هذا مقام خليل ربنا؟ قال: نعم، قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى). وقال ابن مَرْدويه: حدثنا دَعْلَج بن أحمد، حدثنا غيلان بن عبد الصمد، حدثنا مسروق بن المرزبان، حدثنا زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربنا؟ قال: "بلى". قال: أفلا نتخذه مصلى؟
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 414) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 414 · #81673
ن أبي إسحاق عن عمرو بن ميمون عن عمر بن الخطاب أنه مَرَّ بمقام إبراهيم فقال: يا رسول الله، أليس نقوم مقام خليل ربنا؟ قال: "بلى". قال: أفلا نتخذه مصلى؟ فلم يلبث إلا يسيرًا حتى نزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقال ابن مردويه: حدثنا محمد بن أحمد بن محمد القزويني، حدثنا علي بن الحسين بن الجنيد، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا الوليد، عن مالك بن أنس، عن جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر، قال: لما وقف رسول الله ﷺ يوم فتح مكة عند مقام إبراهيم، قال له عمر: يا رسول الله، هذا مقام إبراهيم الذي قال الله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى)؟ قال: "نعم". قال الوليد: قلت لمالك: هكذا حدثك (وَاتَّخِذُوا) قال: نعم. هكذا وقع في هذه الرواية. وهو غريب. وقد روى النسائي من حديث الوليد بن مسلم نحوه. وقال البخاري: باب قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) مثابة يثوبون يرجعون. حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 414) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 414 · #81674
ه. وقال البخاري: باب قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) مثابة يثوبون يرجعون. حدثنا مُسدَّد، حدثنا يحيى، عن حميد، عن أنس بن مالك. قال: قال عمر بن الخطاب وافقتُ ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقلت: يا رسول الله يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقال: وبلغني مُعَاتبة النبي ﷺ بعض نسائه، فدخلت عليهن فقلت: إن انتهيتن أو ليبدلَن الله رسوله خيرًا منكن، حتى أتيت إحدى نسائه، فقالت: يا عمر، أما في رسول الله ما يعظ نساءه حتى تَعظهن أنت؟! فأنزل الله: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ الآية [التحريم: ٥]. وقال ابن أبي مريم: أخبرنا يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنسًا عن عمر، ﵄. هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 415) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 415 · #81675
يحيى بن أيوب، حدثني حميد، قال: سمعت أنسًا عن عمر، ﵄. هكذا ساقه البخاري هاهنا، وعلق الطريق الثانية عن شيخه سعيد بن الحكم المعروف بابن أبي مريم المصري. وقد تفرد بالرواية عنه البخاري من بين أصحاب الكتب الستة. وروى عنه الباقون بواسطة، وغرضه من تعليق هذا الطريق ليبين فيه اتصال إسناد الحديث، وإنما لم يسنده؛ لأن يحيى بن أيوب الغافقي فيه شيء، كما قال الإمام أحمد فيه: هو سيئ الحفظ، والله أعلم. وقال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيم، حدثنا حُمَيد، عن أنس، قال: قال عمر ﵁ وافقت ربي ﷿ في ثلاث، قلت: يا رسول الله، لو اتخذنا من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقلت: يا رسول الله، إن نساءكَ يدخلُ عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 415) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 415 · #81676
لت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقلت: يا رسول الله، إن نساءكَ يدخلُ عليهن البر والفاجر، فلو أمرتهن أن يحتجبن؟ فنزلت آية الحجاب. واجتمع على رسول الله ﷺ نساؤه في الغيرة فقلت لهن: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥] فنزلت كذلك ثم رواه أحمد، عن يحيى وابن أبي عدي، كلاهما عن حميد، عن أنس، عن عمر أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، أو وافقني ربي في ثلاث فذكره. وقد رواه البخاري عن عَمْرو بن عَوْن والترمذي عن أحمد بن منيع، والنسائي عن يعقوب بن إبراهيم الدورقي، وابن ماجه عن محمد بن الصباح، كلهم عن هُشَيم بن بشير، به. ورواه الترمذي -أيضًا-عن عبد بن حُميد، عن حجاج بن مِنهال، عن حماد بن سلمة، والنسائي عن هناد، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زُرَيع، عن حميد به.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 415) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 415 · #81677
، عن يحيى بن أبي زائدة، كلاهما عن حميد، وهو ابن تيرويه الطويل، به. وقال الترمذي: حسن صحيح. ورواه الإمام علي بن المديني عن يزيد بن زُرَيع، عن حميد به. وقال: هذا من صحيح الحديث، وهو بصري، ورواه الإمام مسلم بن الحجاج في صحيحه بسند آخر، ولفظ آخر، فقال: حدثنا عقبة بن مُكْرَم، أخبرنا سعيد بن عامر، عن جويرية بن أسماء، عن نافع، عن ابن عمر، عن عمر، قال: وافقت ربي في ثلاث: في الحجاب، وفي أسارى بدر، وفي مقام إبراهيم. وقال أبو حاتم الرازي: حدثنا محمد بن عبد الله الأنصاري، حدثنا حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: قال عمر بن الخطاب: وافقني ربي في ثلاث -أو وافقت ربي-قلت يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فنزلت: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقلت: يا رسول الله لو حجبت النساء؟ فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق!
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 416) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 416 · #81678
الله لو حجبت النساء؟ فنزلت آية الحجاب. والثالثة: لما مات عبد الله بن أبي جاء رسول الله ﷺ ليصلي عليه. قلت: يا رسول الله، تصلي على هذا الكافر المنافق! فقال: "إيهًا عنك يا بن الخطاب"، فنزلت: ﴿وَلا تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِنْهُمْ مَاتَ أَبَدًا وَلا تَقُمْ عَلَى قَبْرِهِ﴾ [التوبة: ٨٤]. وهذا إسناد صحيح أيضًا، ولا تعارض بين هذا ولا هذا، بل الكل صحيح، ومفهوم العدد إذا عارضه منطوق قُدم عليه، والله أعلم. وقال ابن جريج أخبرني جعفر بن محمد، عن أبيه عن جابر: أن رسول الله ﷺ رمل ثلاثة أشواط، ومشى أربعًا، حتى إذا فرغ عَمَد إلى مقام إبراهيم فصلى خلفه ركعتين، ثم قرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) وقال ابن جرير: حدثنا يوسف بن سلمان حدثنا حاتم بن إسماعيل، حدثنا جعفر بن محمد عن أبيه، عن جابر قال: استلم رسول الله ﷺ الركن، فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 416) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 416 · #81679
فرمل ثلاثًا، ومشى أربعًا، ثم تقدم إلى مقام إبراهيم، فقرأ: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فجعل المقام بينه وبين البيت، فصلى ركعتين. وهذا قطعة من الحديث الطويل الذي رواه مسلم في صحيحه، من حديث حاتم بن إسماعيل. وروى البخاري بسنده، عن عمرو بن دينار، قال: سمعت ابن عمر يقول: قدم رسول الله ﷺ فطاف بالبيت سبعا، وصلى خلف المقام ركعتين. فهذا كله مما يدل على أن المراد بالمقام إنما هو الحَجَرُ الذي كان إبراهيم ﵇، يقوم عليه لبناء الكعبة، لما ارتفع الجدار أتاه إسماعيل، ﵇، به ليقومَ فوقه ويناوله الحجارة فيضعها بيده لرفع الجدار، كلَّما كَمَّل ناحية انتقل إلى الناحية الأخرى، يطوف حول الكعبة، وهو واقف عليه، كلما فرغ من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 417) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 417 · #81680
من جدار نقله إلى الناحية التي تليها هكذا، حتى تم جدارات الكعبة، كما سيأتي بيانه في قصة إبراهيم وإسماعيل في بناء البيت، من رواية ابن عباس عند البخاري. وكانت آثار قدميه ظاهرة فيه، ولم يزل هذا معروفًا تعرفه العرب في جاهليتها؛ ولهذا قال أبو طالب في قصيدته المعروفة اللامية: ومَوطئُ إبراهيم في الصخر رطبة … على قدميه حافيًا غير ناعل وقد أدرك المسلمون ذلك فيه أيضا. وقال عبد الله بن وهب: أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب: أن أنس بن مالك حدثهم، قال: رأيت المقام فيه أثر أصابعه ﵇، وإخْمَص قدميه، غير أنه أذهبه مسح الناس بأيديهم. وقال ابن جرير: حدثنا بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 417) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 417 · #81681
بشر بن معاذ، حدثنا يزيد بن زُرَيع، حدثنا سعيد، عن قتادة: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) إنما أمروا أن يصلوا عنده ولم يؤمروا بمسحه. ولقد تكلفت هذه الأمة شيئًا ما تكلفته الأمم قبلها، ولقد ذُكِرَ لنا من رأى أثر عَقِبِه وأصابعه فيه فما زالت هذه الأمة يمسحونه حتى اخلولق وانمحى. قلت: وقد كان المقام ملصقًا بجدار الكعبة قديمًا، ومكانه معروف اليوم إلى جانب الباب مما يلي الحجر يمنة الداخل من الباب في البقعة المستقلة هناك، وكان الخليل، ﵇ لما فرغ من بناء البيت وضعه إلى جدار الكعبة أو أنه انتهى عنده البناء فتركه هناك؛ ولهذا -والله أعلم-أمر بالصلاة هناك عند فراغ الطواف، وناسب أن يكون عند مقام إبراهيم حيث انتهى بناء الكعبة فيه، وإنما أخره عن جدار الكعبة أمير المؤمنين عُمَرُ بن الخطاب ﵁ [وهو] أحدُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر".
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 417) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 417 · #81682
ُ الأئمة المهديين والخلفاء الراشدين، الذين أُمِرْنا باتباعهم، وهو أحد الرجلين اللذين قال فيهما رسول الله ﷺ: "اقتدوا باللَّذَين من بعدي أبي بكر وعمر". وهو الذي نزل القرآن بوفاقه في ا، لصلاة عنده؛ ولهذا لم ينكر ذلك أحد من الصحابة، ﵃ أجمعين. قال عبد الرزاق، عن ابن جُرَيج، حدثني عطاء وغيره من أصحابنا: قالوا: أول من نقله عمر بن الخطاب ﵁ وقال عبد الرزاق أيضًا عن معمر عن حَمِيد الأعرج، عن مجاهد قال: أول من أخر المقام إلى موضعه الآن، عمر بن الخطاب ﵁. وقال الحافظ أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي أخبرنا أبو [الحسين بن] الفضل القطان، أخبرنا القاضي أبو بكر أحمد بن كامل، حدثنا أبو إسماعيل محمد بن إسماعيل السلمي، حدثنا أبو ثابت، حدثنا الدراوردي، عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁ وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 418) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 418 · #81683
ن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة ﵂: أن المقام كان في زمان رسول الله ﷺ وزمان أبي بكر ملتصقًا بالبيت، ثم أخره عمر بن الخطاب ﵁ وهذا إسناد صحيح مع ما تقدم. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدَني قال: قال سفيان -[يعني ابن عيينة] وهو إمام المكيين في زمانه-كان المقام في سُقْع البيت على عهد رسول الله ﷺ فحوله عمر إلى مكانه بعد النبي ﷺ وبعد قوله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) قال: ذهب السيل به بعد تحويل عمر إياه من موضعه هذا، فرده عمر إليه. وقال سفيان: لا أدري كم بينه وبين الكعبة قبل تحويله. قال سفيان: لا أدري أكان لاصقًا بها أم لا؟. فهذه الآثار متعاضدة على ما ذكرناه، والله أعلم. وقد قال الحافظ أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا أبو عَمْرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: قال عمر: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 418) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 418 · #81684
يه: حدثنا أبو عَمْرو، حدثنا محمد بن عبد الوهاب، حدثنا آدم، حدثنا شريك، عن إبراهيم بن مهاجر، عن مجاهد، قال: قال عمر: يا رسول الله لو صلينا خلف المقام؟ فأنزل الله: (وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى) فكان المقام عند البيت فحوله رسول الله ﷺ إلى موضعه هذا. قال مجاهد: قد كان عمر يرى الرأي فينزل به القرآن. هذا مرسل عن مجاهد، وهو مخالف لما تقدم من رواية عبد الرزاق، عن معمر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد أن أول من أخَّر المقام إلى موضعه الآن عمر بن الخطاب ﵁ وهذا أصح من طريق ابن مَرْدُويه، مع اعتضاد هذا بما تقدم، والله أعلم.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 418) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 418 · #81685
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾ قال الحسن البصري: قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: أمرناه. كذا قال.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 419) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 419 · #81686
يصيبه من ذلك شيء. وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا. وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) قال: من الأوثان. وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير: (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس. قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: بلا إله إلا الله، من الشرك. وأما قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) يعني: من أتاه من غُرْبة، (وَالْعَاكِفِينَ) المقيمين فيه.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 419) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 419 · #81687
لطَّائِفِينَ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) يعني: من أتاه من غُرْبة، (وَالْعَاكِفِينَ) المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير. وقال يحيى [بن] القطَّان، عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عن عطاء في قوله: (وَالْعَاكِفِينَ) قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا -ونحن مجاورون-: أنتم من العاكفين. وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويُحدثون.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 419) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 419 · #81688
ماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون. [ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، به]. قلت: وقد ثبت في الصحيح أنّ ابن عمرَ كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عَزَب. وأما قوله تعالى: (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء وقتادة. وقال ابن جَرير ﵀: فمعنى الآية: وأمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 420 · #81689
هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سُنَّة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها. قلت: وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد ﷺ.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 420 · #81690
التي كان المشركون يعظمونها. قلت: وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد ﷺ. الجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا [في] بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والرَّيْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال: فكذلك قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) ابنيا بيتي للطائفين.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 420 · #81691
َاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) ابنيا بيتي للطائفين. وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات [الحج: ٢٦ - ٣٧]. [وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 420) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 420 · #81692
ْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات [الحج: ٢٦ - ٣٧]. [وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام]. والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 421 · #81693
الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥]. ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك -أيضًا-رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 421 · #81694
ذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵈، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤]. وتقدير الكلام إذًا: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [أي: تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصًا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له".
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 421 · #81695
السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له". وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة. وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل: آدم ﵇ رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 421) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 421 · #81696
اه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا. وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث، ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين. وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها". وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 422 · #81697
اهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها". وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به. وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري. وقال ابن جرير -أيضًا-: حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير".
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 422 · #81698
عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير". وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة، ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 422) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 422 · #81699
وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم. ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كُريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خَديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها". انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال: "هذا جبل يُحبُّنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم".
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 423 · #81700
بليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري: يعني: أهل المدينة. ولهما أيضا عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، ﵁، عن النبي ﷺ: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحَرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة" رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة". وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 423) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 423 · #81701
َ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين". الحديث رواه مسلم. والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة. [وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى]. وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 424 · #81702
وات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا" فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم. ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك. ثم قال البخاري بعد ذلك: قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ، مثله. وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 424 · #81703
أرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: "إلا الإذْخَر". وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي -أيها الأمير -أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله ﷺ الغَد من يوم الفتح، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 424) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 424 · #81704
لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرَبَة. رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه. فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم، ﵇، حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم، ﵇، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم، ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 425 · #81705
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام". أي: أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله. وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة. وقوله: تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 425 · #81706
َنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح". وقال في هذه السورة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [إبراهيم: ٣٥] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانًيا بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 425 · #81707
هذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩] وقوله تعالى: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير) قال هو قول الله تعالى.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 425) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 425 · #81708
أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير) قال هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا. وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا) يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 426 · #81709
بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا) يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم، ﵇، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية -انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه، بخبر الله له بذلك -قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا. وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهْني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 426 · #81710
على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير. ثم قرأ ابن عباس: ﴿كُلا نُمِدُّ هَؤُلاءِ وَهَؤُلاءِ مِنْ عَطَاءِ رَبِّكَ وَمَا كَانَ عَطَاءُ رَبِّكَ مَحْظُورًا﴾ [الإسراء: ٢٠]. رواه ابن مَرْدُويه. ورُوي عن عكرمة ومجاهد نحو ذلك أيضًا. وهذا كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لا يُفْلِحُونَ * مَتَاعٌ فِي الدُّنْيَا ثُمَّ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ ثُمَّ نُذِيقُهُمُ الْعَذَابَ الشَّدِيدَ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾، [يونس: ٦٩، ٧٠] وقوله تعالى: ﴿وَمَنْ كَفَرَ فَلا يَحْزُنْكَ كُفْرُهُ إِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ فَنُنَبِّئُهُمْ بِمَا عَمِلُوا إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ * نُمَتِّعُهُمْ قَلِيلا ثُمَّ نَضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣، ٢٤]، وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 426 · #81711
ضْطَرُّهُمْ إِلَى عَذَابٍ غَلِيظٍ﴾ [لقمان: ٢٣، ٢٤]، وقوله: ﴿وَلَوْلا أَنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ * وَلِبُيُوتِهِمْ أَبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ * وَزُخْرُفًا وَإِنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [الزخرف: ٣٣، ٣٥] وقوله (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير.
QS 2:125-126 (jilid 1 hlm. 426) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 426 · #81712
وقوله (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨]، وفي الصحيحين: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" وفي الصحيح أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. [هود: ١٠٢].
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 707) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 707 · #110301
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ١٢٥] وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) تَدَرُّجٌ فِي ذِكْرِ مَنْقَبَةِ إِبْرَاهِيمَ إِذْ جَعَلَ اللَّهُ بَيْتَهُ بِهَذِهِ الْفَضِيلَة. و (إِذْ) أَضَافَهَا إِلَى جَلَالَتِهِ فَقَالَ: (بَيْتِي) ، وَاسْتِهْلَالٌ لِفَضِيلَةِ الْقِبْلَةِ الْإِسْلَامِيَّةِ، فَالْوَاوُ عَاطِفَةٌ على ابْتَلى [الْبَقَرَة: ١٢٤] وَأُعِيدَتْ (إِذْ) لِلتَّنْبِيهِ عَلَى اسْتِقْلَالِ الْقِصَّةِ وَأَنَّهَا جَدِيرَةٌ بِأَنْ تُعَدَّ بِنِيَّةٍ أُخْرَى، وَلَا الْتِفَاتَ إِلَى حُصُولِ مَضْمُونِ هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الْأُخْرَى أَوْ قَبْلَهُ إِذْ لَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ فِي مَقَامِ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110302
هَذِهِ بَعْدَ حُصُولِ الْأُخْرَى أَوْ قَبْلَهُ إِذْ لَا غَرَضَ فِي ذَلِكَ فِي مَقَامِ ذِكْرِ الْفَضَائِلِ، وَلِأَنَّ الْوَاوَ لَا تُفِيدُ تَرْتِيبًا. وَالْبَيْتُ اسْمُ جِنْسٍ لِلْمَكَانِ الْمُتَّخَذِ مَسْكَنًا لِوَاحِدٍ أَوْ عَدَدٍ مِنَ النَّاسِ فِي غَرَضٍ مِنَ الْأَغْرَاضِ، وَهُوَ مَكَانٌ مِنَ الْأَرْضِ يُحِيطُ بِهِ مَا يُمَيِّزُهُ عَنْ بَقِيَّةِ بُقْعَتِهِ مِنَ الْأَرْضِ لِيَكُونَ السَّاكِنُ مُسْتَقِلًّا بِهِ لِنَفْسِهِ وَلِمَنْ يَتْبَعُهُ فَيَكُونُ مُسْتَقِرًّا لَهُ وَكُنَّا يَكُنَّهُ مِنَ الْبَرْدِ وَالْحَرِّ وَسَاتِرًا يَسْتَتِرُ فِيهِ عَنِ النَّاسِ ومحطا لأثاثه وشؤونه، وَقَدْ يَكُونُ خَاصًّا وَهُوَ الْغَالِبُ وَقَدْ يَكُونُ لِجَمَاعَةٍ مِثْلَ دَارِ النَّدْوَةِ فِي الْعَرَبِ وَخَيْمَةِ الِاجْتِمَاعِ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَقَدْ يَكُونُ مُحِيطَ الْبَيْتِ مِنْ حَجَرٍ وَطِينٍ كَالْكَعْبَةِ وَدَارِ النَّدْوَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَدِيمٍ مِثْلَ الْقِبَابِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110303
دْ يَكُونُ مُحِيطَ الْبَيْتِ مِنْ حَجَرٍ وَطِينٍ كَالْكَعْبَةِ وَدَارِ النَّدْوَةِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ أَدِيمٍ مِثْلَ الْقِبَابِ، وَقَدْ يَكُونُ مِنْ نَسِيجِ صُوفٍ أَوْ شَعْرٍ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ جُلُودِ الْأَنْعامِ بُيُوتاً تَسْتَخِفُّونَها [النَّحْل: ٨٠] ، وَلَا يَكُونُ بَيْتًا إِلَّا إِذَا كَانَ مَسْتُورًا أَعْلَاهُ عَنِ الْحَرِّ وَالْقَرِّ وَذَلِكَ بِالسَّقْفِ لِبُيُوتِ الْحَجَرِ وَبُيُوتِ الْأَدِيمِ وَالْخِيَامِ. وَالْبَيْتُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا غُلِبَ النَّجْمُ عَلَى الثُّرَيَّا.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110304
ِ لِبُيُوتِ الْحَجَرِ وَبُيُوتِ الْأَدِيمِ وَالْخِيَامِ. وَالْبَيْتُ عَلَمٌ بِالْغَلَبَةِ عَلَى الْكَعْبَةِ كَمَا غُلِبَ النَّجْمُ عَلَى الثُّرَيَّا. وَأَصْلُ أَلِ الَّتِي فِي الْأَعْلَامِ بِالْغَلَبَةِ هِيَ أَلِ الْعَهْدِيَّةِ وَذَلِكَ إِذَا كَثُرَ عَهْدُ فَرْدٍ مِنْ أَفْرَادِ جِنْسٍ بَيْنَ طَائِفَةٍ أَوْ قَوْمٍ صَارَ اسْمُ جِنْسِهِ مَعَ أَلِ الْعَهْدِيَّةِ كَالْعَلَمِ لَهُ ثُمَّ قَدْ يَتَعَهَّدُونَ مَعَ ذَلِكَ الْمَعْنَى الْأَصْلِيِّ كَمَا فِي النَّجْمِ لِلثُّرَيَّا وَالْكِتَابِ لِلْقُرْآنِ وَالْبَيْتِ لِلْكَعْبَةِ، وَقَدْ يُنْسَى الْمَعْنَى الْأَصْلِيَّ إِمَّا بِقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَإِمَّا بِانْحِصَارِ الْجِنْسِ فِيهِ كَالشَّمْسِ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110305
الْأَصْلِيَّ إِمَّا بِقِلَّةِ الْحَاجَةِ إِلَيْهِ كَالصَّعِقِ عَلَمٌ عَلَى خُوَيْلِدِ بْنِ نُفَيْلٍ وَإِمَّا بِانْحِصَارِ الْجِنْسِ فِيهِ كَالشَّمْسِ. وَالْكَعْبَةُ بَيْتٌ بَنَاهُ إِبْرَاهِيمُ ﵇ لِعِبَادَةِ اللَّهِ وَحْدَهُ دُونَ شَرِيكٍ فَيَأْوِي إِلَيْهِ مَنْ يَدِينُ بِالتَّوْحِيدِ وَيَطُوفُ بِهِ مَنْ يَقْصِدُ تَعْظِيمَ اللَّهِ تَعَالَى وَلِذَلِكَ أَضَافَهُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى بِاعْتِبَارِ هَذَا الْمَعْنَى كَمَا قَالَ: أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَفِي قَوْلِهِ: عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنا لِيُقِيمُوا الصَّلاةَ [إِبْرَاهِيم: ٣٧] وَقَدْ عُرِفَتِ الْكَعْبَةُ بَاسِمِ الْبَيْتِ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ زُهَيْرٌ: فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ...
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110306
يم: ٣٧] وَقَدْ عُرِفَتِ الْكَعْبَةُ بَاسِمِ الْبَيْتِ مِنْ عَهْدِ الْجَاهِلِيَّةِ قَالَ زُهَيْرٌ: فَأَقْسَمْتُ بِالْبَيْتِ الَّذِي طَافَ حَوْلَهُ ... رِجَالٌ بَنَوْهُ مِنْ قُرَيْشٍ وَجُرْهُمِ وَالْمَثَابَةُ مَفْعَلَةٌ مِنْ ثَابَ يَثُوبُ إِذَا رَجَعَ وَيُقَالُ مَثَابَةٌ وَمُثَابٌ مِثْلَ مَقَامَةٍ وَمَقَامٍ، وَالْمُرَادُ بِالْمَثَابَةِ أَنَّهُ يَقْصِدُهُ النَّاسُ بِالتَّعْظِيمِ وَيَلُوذُونَ بِهِ. وَالْمُرَادُ مِنَ النَّاسِ سُكَّانُ مَكَّةَ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ وَكُلُّ مَنْ يُجَاوِرُهُمْ وَيَدْخُلُ فِي حَلِفِهِمْ، فَتَعْرِيفُ النَّاسِ لِلْجِنْسِ الْمَعْهُودِ، وَتَعْلِيقٌ لِلنَّاسِ بِمَثَابَةٍ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ يَزُورُهُ نَاسٌ وَيَذْهَبُونَ فَيَخْلُفُهُمْ نَاسٌ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 708) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 708 · #110307
ْرِيفُ النَّاسِ لِلْجِنْسِ الْمَعْهُودِ، وَتَعْلِيقٌ لِلنَّاسِ بِمَثَابَةٍ عَلَى التَّوْزِيعِ أَيْ يَزُورُهُ نَاسٌ وَيَذْهَبُونَ فَيَخْلُفُهُمْ نَاسٌ. وَلَمَّا كَانَ الْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا ذِكْرَ مَنْقَبَةِ الْبَيْتِ وَالْمِنَّةُ عَلَى سَاكِنِيهِ كَانَ الْغَرَضُ التَّذْكِيرَ بِنِعْمَةِ اللَّهِ أَنْ جَعْلَهُ لَا يَنْصَرِفُ عَنْهُ قَوْمٌ إِلَّا وَيَخْلُفُهُمْ قَوْمٌ آخَرُونَ، فَكَانَ الَّذِينَ يَخْلُفُونَ الزَّائِرِينَ قَائِمِينَ مَقَامَهُمْ بِالنِّسْبَةِ لِلْبَيْتِ وَسُكَّانِهِ، وَيَجُوزُ حَمْلُ تَعْرِيفِ النَّاسِ عَلَى الْعَهْدِ أَيْ يَثُوبُ إِلَيْهِ النَّاسُ الَّذِينَ أَلِفُوهُ وَهُمْ كُمَّلُ الزَّائِرِينَ فَهُمْ يَعُودُونَ إِلَيْهِ مِرَارًا، وَكَذَلِكَ كَانَ الشَّأْنُ عِنْدَ الْعَرَبِ. وَالْأَمْنُ مَصْدَرٌ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْبَيْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَبَبُ أَمْنٍ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْأَمْنِ مُبَالَغَةً.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 709) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 709 · #110308
نْدَ الْعَرَبِ. وَالْأَمْنُ مَصْدَرٌ أَخْبَرَ بِهِ عَنِ الْبَيْتِ بِاعْتِبَارِ أَنَّهُ سَبَبُ أَمْنٍ فَجُعِلَ كَأَنَّهُ نَفْسُ الْأَمْنِ مُبَالَغَةً. وَالْأَمْنُ حُفِظُ النَّاسِ مِنَ الْأَضْرَارِ فَتَشْرِيدُ الدَّعَّارِ وَحِرَاسَةُ الْبِلَادِ وَتَمْهِيدُ السُّبُلِ وَإِنَارَةُ الطُّرُقِ أَمْنٌ، وَالِانْتِصَافُ مِنَ الْجُنَاةِ وَالضَّرْبُ عَلَى أَيْدِي الظَّلَمَةِ وَإِرْجَاعُ الْحُقُوقِ إِلَى أَهْلِهَا أَمْنٌ، فَالْأَمْنُ يُفَسَّرُ فِي كُلِّ حَالٍ بِمَا يُنَاسِبُهُ، وَلَمَّا كَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَحْوَالِ الْجَاهِلِيَّةِ أَخَذَ الْقَوِيِّ مَالَ الضَّعِيفِ وَلَمْ يَكُنْ بَيْنَهُمْ تَحَاكُمٌ وَلَا شَرِيعَةٌ كَانَ الْأَمْنُ يَوْمَئِذٍ هُوَ الْحَيْلُولَةُ بَيْنَ الْقَوِيِّ وَالضَّعِيفِ، فَجعل الله لَهُم الْبَيْتَ أَمْنًا لِلنَّاسِ يَوْمَئِذٍ أَيْ يَصُدُّ الْقَوِيَّ عَنْ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِيهِ الضَّعِيفَ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 709) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 709 · #110309
أَيْ يَصُدُّ الْقَوِيَّ عَنْ أَنْ يَتَنَاوَلَ فِيهِ الضَّعِيفَ قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنا حَرَماً آمِناً وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ [العنكبوت: ٦٧] فَهَذِهِ مِنَّةٌ عَلَى أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ، وَأَمَّا فِي الْإِسْلَامِ فَقَدْ أَغْنَى اللَّهُ تَعَالَى بِمَا شَرَعَهُ مِنْ أَحْكَامِهِ وَمَا أَقَامَهُ مِنْ حُكَّامِهِ فَكَانَ ذَلِكَ أَمْنًا كَافِيًا. قَالَ السُّهَيْلِيُّ فَقَوْلُهُ تَعَالَى: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] إِنَّمَا هُوَ إِخْبَارٌ عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نِعْمَةٌ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِذَرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ ﵇.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 709) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 709 · #110310
عَنْ تَعْظِيمِ حُرْمَتِهِ فِي الْجَاهِلِيَّةِ نِعْمَةٌ مِنْهُ تَعَالَى عَلَى أَهْلِ مَكَّةَ فَكَانَ فِي ذَلِكَ مَصْلَحَةٌ لِذَرِّيَّةِ إِسْمَاعِيلَ ﵇. وَقَدِ اخْتَلَفَ الْفُقَهَاءُ فِي الِاسْتِدْلَالِ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَأَضْرَابِهَا عَلَى حُكْمِ إِقَامَةِ الْحُدُودِ وَالْعُقُوبَاتِ فِي الْحَرَمِ وَسَيَأْتِي تَفْصِيلُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩١] الْآيَةَ وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذِهِ الْآيَةِ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 709) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 709 · #110311
َفْصِيلُهَا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تُقاتِلُوهُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ [الْبَقَرَة: ١٩١] الْآيَةَ وَلَيْسَ مِنْ غَرَضِ هَذِهِ الْآيَةِ. وَالْمُرَادُ مِنَ الْجَعْلِ فِي الْآيَةِ إِمَّا الْجَعْلُ التَّكْوِينِيُّ لِأَنَّ ذَلِكَ قَدَّرَهُ اللَّهُ وَأَوْجَدَ أَسْبَابَهُ فَاسْتَقَرَّ ذَلِكَ بَيْنَ أَهْلِ الْجَاهِلِيَّةِ وَيَسَّرَهُمْ إِلَى تَعْظِيمِهِ، وَإِمَّا الْجَعْلُ أَنْ أَمَرَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ بِذَلِكَ فَأَبْلَغَهُ إِبْرَاهِيمُ ابْنَهُ إِسْمَاعِيلَ وَبَثَّهُ فِي ذُرِّيَّتِهِ فَتَلْقَاهُ أَعْقَابُهُمْ تَلَقِّي الْأُمُورِ الْمُسَلَّمَةِ، فَدَامَ ذَلِكَ الْأَمْنُ فِي الْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى أَنْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ بِمَا شَرَعَ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 709) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 709 · #110312
مُورِ الْمُسَلَّمَةِ، فَدَامَ ذَلِكَ الْأَمْنُ فِي الْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ إِلَى أَنْ أَغْنَى اللَّهُ عَنْهُ بِمَا شَرَعَ مِنْ أَحْكَامِ الْأَمْنِ فِي الْإِسْلَامِ فِي كُلِّ مَكَانٍ وَتَمَّ مُرَادُ اللَّهِ تَعَالَى، فَلَا يُرِيبُكُمْ مَا حَدَثَ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ مِنَ الْخَوْفِ فِي حِصَارِ الْحَجَّاجِ فِي فِتْنَةِ ابْنِ الزُّبَيْرِ وَلَا مَا حَدَثَ فِيهِ مِنَ الرُّعْبِ وَالْقَتْلِ وَالنَّهْبِ فِي زَمَنِ الْقَرَامِطَةِ حِينَ غَزَاهُ الْحَسَنُ ابْن بَهْرَامَ الْجُنَّابِيُّ (نِسْبَةٌ إِلَى بَلْدَةٍ يُقَالُ لَهَا جُنَّابَةُ بِتَشْدِيدِ النُّونِ) كَبِيرُ الْقَرَامِطَةِ إِذْ قَتَلَ بِمَكَّةَ آلَافًا مِنَ النَّاسِ وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ يَا كِلَابُ أَلَيْسَ قَالَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الْمَكِّيُّ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] أَيُّ أَمْنٍ هُنَا؟
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110313
نَّاسِ وَكَانَ يَقُولُ لَهُمْ يَا كِلَابُ أَلَيْسَ قَالَ لَكُمْ مُحَمَّدٌ الْمَكِّيُّ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] أَيُّ أَمْنٍ هُنَا؟ وَهُوَ جَاهِلٌ غَبِيٌّ لِأَنَّ اللَّهَ أَرَادَ الْأَمْرَ بِأَنْ يَجْعَلَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ مَأْمَنًا فِي مُدَّةِ الْجَاهِلِيَّةِ إِذْ لَمْ يَكُنْ لِلنَّاسِ وَازِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ مِثْلَ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] .
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110314
ِعٌ عَنِ الظُّلْمِ، أَوْ هُوَ خَبَرٌ مُرَادٌ بِهِ الْأَمْرُ مِثْلَ وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلاثَةَ قُرُوءٍ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] . وَقَوْلُهُ: وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى قَرَأَهُ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ بِصِيغَةِ الْمَاضِي عَطْفًا عَلَى جَعَلْنَا فَيَكُونُ هَذَا الِاتِّخَاذُ مِنْ آثَارِ ذَلِكَ الْجَعْلِ فَالْمَعْنَى أَلْهَمْنَا النَّاسَ أَنْ يَتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى، أَوْ أَمَرْنَاهُمْ بِذَلِكَ عَلَى لِسَانِ إِبْرَاهِيمَ فَامْتَثَلُوا وَاتَّخَذُوهُ، فَهُوَ لِلدَّلَالَةِ عَلَى حُصُولِ الْجَعْلِ بِطَرِيقِ دَلَالَةِ الِاقْتِضَاءِ فَكَأَنَّهُ قِيلَ جَعَلْنَا ذَلِكَ فَاتَّخَذُوا، وَقَرَأَهُ بَاقِي الْعَشَرَةِ بِكَسْرِ الْخَاءِ بِصِيغَةِ الْأَمْرِ عَلَى تَقْدِيرِ الْقَوْلِ أَيْ قُلْنَا اتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ الْخِطَابِ فَيَكُونُ الْعَامِلُ الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفًا بِالْقَرِينَةِ وَبَقِيَ مَعْمُولُهُ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ:
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110315
ْلِ أَيْ قُلْنَا اتَّخِذُوا بِقَرِينَةِ الْخِطَابِ فَيَكُونُ الْعَامِلُ الْمَعْطُوفُ مَحْذُوفًا بِالْقَرِينَةِ وَبَقِيَ مَعْمُولُهُ كَقَوْلِ لَبِيَدٍ: فَعَلَا فُرُوعُ الْأَيْهَقَانِ وَأَطْفَلَتْ ... بِالْجَلْهَتَيْنِ ظِبَاؤُهَا وَنَعَامُهَا أَرَادَ وَبَاضَتْ نَعَامُهَا فَإِنَّهُ لَا يُقَالُ لِأَفْرَاخِ الطَّيْرِ أَطْفَالٌ، فَمَآلُ الْقِرَاءَتَيْنِ إِلَى مُفَادٍ وَاحِدٍ. ومقام إِبْرَاهِيمَ يُطْلَقُ عَلَى الْكَعْبَةِ لِأَنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ يَقُومُ عِنْدَهَا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِهِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ...
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110316
ومُ عِنْدَهَا يَعْبُدُ اللَّهَ تَعَالَى وَيَدْعُو إِلَى تَوْحِيدِهِ، قَالَ زَيْدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ نُفَيْلٍ: عُذْتُ بِمَا عَاذَ بِهِ إِبْرَاهِمْ ... مُسْتَقْبِلَ الْكَعْبَةِ وَهُوَ قَائِمْ وَبِهَذَا الْإِطْلَاقِ جَاءَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: مَقامُ إِبْراهِيمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً [آل عمرَان: ٩٧] إِذِ الدُّخُولُ مِنْ عَلَائِقِ الْبَيْتِ، وَيُطْلَقُ مَقَامُ إِبْرَاهِيمَ عَلَى الْحَجْرِ الَّذِي كَانَ يَقِفُ عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ ﵇ حِينَ بِنَائِهِ الْكَعْبَةَ لِيَرْتَفِعَ لِوَضْعِ الْحِجَارَةِ فِي أَعْلَى الْجِدَارِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ فِي الْحَجَرِ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110317
لْكَعْبَةَ لِيَرْتَفِعَ لِوَضْعِ الْحِجَارَةِ فِي أَعْلَى الْجِدَارِ كَمَا أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيُّ، وَقَدْ ثَبَتَتْ آثَارُ قَدَمَيْهِ فِي الْحَجَرِ. قَالَ أَنَسُ بْنُ مَالِكٍ رَأَيْتُ فِي الْمَقَامِ أَثَرَ أَصَابِعِهِ وَأَخْمَصَ قَدَمَيْهِ غَيْرَ أَنَّهُ أَذْهَبَهُ مَسْحُ النَّاسِ بِأَيْدِيهِمْ، وَهَذَا الْحَجَرُ يُعْرَفُ إِلَى الْيَوْمِ بِالْمَقَامِ، وَقَدْ رَكَعَ النَّبِيءُ ﷺ فِي مَوْضِعِهِ رَكْعَتَيْنِ بَعْدَ طَوَافِ الْقُدُومِ فَكَانَ الرُّكُوعُ عِنْدَهُ مِنْ سُنَّةِ الْفَرَاغِ مِنَ الطَّوَافِ. وَالْمُصَلَّى مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَصَلَاتُهُمْ يَوْمَئِذٍ الدُّعَاءُ وَالْخُضُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُُُ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 710) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 710 · #110318
اغِ مِنَ الطَّوَافِ. وَالْمُصَلَّى مَوْضِعُ الصَّلَاةِ وَصَلَاتُهُمْ يَوْمَئِذٍ الدُّعَاءُ وَالْخُضُوعُ إِلَى اللَّهِ تَعَالَى، وَكَانَ إِبْرَاهِيمُُُ قَدْ وَضَعَ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ حَوْلَ الْكَعْبَةِ وَوَضَعَ الْحَجَرَ الَّذِي كَانَ يَرْتَفِعُ عَلَيْهِ لِلْبِنَاءِ حَوْلَهَا فَكَانَ الْمُصَلَّى عَلَى الْحَجَرِ الْمُسَمَّى بِالْمَقَامِ فَذَلِكَ يَكُونُ الْمُصَلَّى مُتَّخَذًا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ عَلَى كِلَا الْإِطْلَاقَيْنِ. وَالْقِرَاءَتَانِ تَقْتَضِيَانِ أَنَّ اتِّخَاذَ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلَّى كَانَ مِنْ عَهْدِ إِبْرَاهِيمَ ﵇ وَلَمْ يَكُنِ الْحَجَرُ الَّذِي اعْتَلَى عَلَيْهِ إِبْرَاهِيمُ فِي الْبِنَاءِ مَخْصُوصًا بِصَلَاةٍ عِنْدَهُ وَلَكِنَّهُ مَشْمُولٌ لِلصَّلَاةِ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَلَمَّا جَاءَ الْإِسْلَامُ بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ كَانَ عَامُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ عَامُ الْفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَعَهُ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 711) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 711 · #110319
بَقِيَ الْأَمْرُ عَلَى ذَلِكَ إِلَى أَنْ كَانَ عَامُ حَجَّةِ الْوَدَاعِ أَوْ عَامُ الْفَتْحِ دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ وَمَعَهُ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ ثُمَّ سُنَّتِ الصَّلَاةُ عِنْدَ الْمَقَامِ فِي طَوَافِ الْقُدُومِ. رَوَى الْبُخَارِيُّ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ أَنَّهُ قَالَ: «وَافَقْتُ رَبِّي فِي ثَلَاثٍ: قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ لَوِ اتَّخَذْنَا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى فَنَزَلَتْ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى، وَهَذِهِ الرِّوَايَةُ تُثِيرُ مَعْنًى آخَرَ لِلْآيَةِ وَهِيَ أَنْ يَكُونَ الْخِطَابُ مُوَجَّهًا لِلْمُسْلِمِينَ فَتَكُونُ جُمْلَةُ وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى مُعْتَرِضَةً بَيْنَ جُمْلَةِ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَجُمْلَةِ وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ اعْتِرَاضًا اسْتِطْرَادِيًّا، وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْآيَةِ يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ عُمَرَ «فَنَزَلَتْ»
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 711) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 711 · #110320
إِبْراهِيمَ اعْتِرَاضًا اسْتِطْرَادِيًّا، وَلِلْجَمْعِ بَيْنَ الِاحْتِمَالَاتِ الثَّلَاثَةِ فِي الْآيَةِ يَكُونُ تَأْوِيلُ قَوْلِ عُمَرَ «فَنَزَلَتْ» أَنَّهُ نَزَلَ عَلَى النَّبِيءِ ﷺ شَرْعُ الصَّلَاةِ عِنْدَ حَجَرِ الْمَقَامِ بَعْدَ أَنْ لَمْ يَكُنْ مَشْرُوعًا لَهُمْ لِيَسْتَقِيمَ الْجَمْعُ بَيْنَ مَعْنَى الْقِرَاءَتَيْنِ وَاتَّخَذُوا بِصِيغَةِ الْمَاضِي وَبِصِيغَةِ الْأَمْرِ فَإِنَّ صِيغَةَ الْمَاضِي لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ حِكَايَةِ مَا كَانَ فِي زَمَنِ إِبْرَاهِيمَ وَصِيغَةَ الْأَمْرِ تَحْتَمِلُ ذَلِكَ وَتَحْتَمِلُ أَنْ يُرَادَ بِهَا مَعْنَى التَّشْرِيعِ لِلْمُسْلِمِينَ، إِعْمَالًا لِلْقُرْآنِ بِكُلِّ مَا تَحْتَمِلُهُ أَلْفَاظُهُ حَسْبَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 711) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 711 · #110321
َعْنَى التَّشْرِيعِ لِلْمُسْلِمِينَ، إِعْمَالًا لِلْقُرْآنِ بِكُلِّ مَا تَحْتَمِلُهُ أَلْفَاظُهُ حَسْبَمَا بَيَّنَاهُ فِي الْمُقَدِّمَةِ التَّاسِعَةِ. وَقَوْلُهُ: وَعَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَإِسْماعِيلَ، الْعَهْدُ أَصْلُهُ الْوَعْدُ الْمُؤَكَّدُ وُقُوعَهُ وَقَدْ تَقَدَّمَ آنِفًا عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالَ لَا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ [الْبَقَرَة: ١٢٤] ، فَإِذَا عُدِّيَ بِإِلَى كَانَ بِمَعْنَى الْوَصِيَّةِ الْمُؤَكِّدِ عَلَى الْمُوصَى الْعَمَلِ بِهَا فَعَهِدَ هُنَا بِمَعْنَى أَرْسَلَ عَهْدًا إِلَيْهِ أَيْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عَهْدًا، فَالْمَعْنَى وَأَوْصَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 711) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 711 · #110322
َا بِمَعْنَى أَرْسَلَ عَهْدًا إِلَيْهِ أَيْ أَرْسَلَ إِلَيْهِ يَأْخُذُ مِنْهُمْ عَهْدًا، فَالْمَعْنَى وَأَوْصَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ. وَقَوْلُهُ: أَنْ طَهِّرا أَنْ تَفْسِيرِيَّةَ لِأَنَّ الْوَصِيَّةَ فِيهَا مَعْنَى الْقَوْلِ دُونَ حُرُوفِهِ فَالتَّفْسِيرُ لِلْقَوْلِ الضِّمْنِيِّ وَالْمُفَسِّرِ هُوَ مَا بَعْدَ (أَنْ) فَلَا تَقْدِيرَ فِي الْكَلَامِ وَلَوْلَا قَصْدُ حِكَايَةِ الْقَوْلِ لَمَا جَاءَ بَعْدَ (أَنْ) بِلَفْظِ الْأَمْرِ، وَلَقَالَ بِتَطْهِيرِ بَيْتِي إِلَخْ. وَالْمُرَادُ مِنْ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ مَا يَدُلُّ عَلَيْهِ لَفْظُ التَّطْهِيرِ مِنْ مَحْسُوسٍ بِأَنْ يُحْفَظَ مِنَ الْقَاذُورَاتِ وَالْأَوْسَاخِ لِيَكُونَ الْمُتَعَبِّدُ فِيهِ مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ دُونَ تَكْدِيرٍ، وَمِنْ تَطْهِيرٍ مَعْنَوِيٍّ
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 712) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 712 · #110323
يُحْفَظَ مِنَ الْقَاذُورَاتِ وَالْأَوْسَاخِ لِيَكُونَ الْمُتَعَبِّدُ فِيهِ مُقْبِلًا عَلَى الْعِبَادَةِ دُونَ تَكْدِيرٍ، وَمِنْ تَطْهِيرٍ مَعْنَوِيٍّ وَهُوَ أَنْ يُبْعَدَ عَنْهُ مَا لَا يَلِيقُ بِالْقَصْدِ مِنْ بِنَائِهِ مِنَ الْأَصْنَامِ وَالْأَفْعَالِ الْمُنَافِيَةِ لِلْحَقِّ كَالْعُدْوَانِ وَالْفُسُوقِ، وَالْمُنَافِيَةِ لِلْمُرُوءَةِ كَالطَّوَافِ عُرْيًا دُونَ ثِيَابِ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ. وَفِي هَذَا تَعْرِيضٌ بِأَنَّ الْمُشْرِكِينَ لَيْسُوا أَهْلًا لِعِمَارَةِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ لِأَنَّهُمْ لَمْ يُطَهِّرُوهُ مِمَّا يَجِبُ تَطْهِيرُهُ مِنْهُ قَالَ تَعَالَى: وَما كانُوا أَوْلِياءَهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الْأَنْفَال: ٣٤] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التَّوْبَة: ٢٨] .
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 712) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 712 · #110324
َهُ إِنْ أَوْلِياؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُونَ [الْأَنْفَال: ٣٤] وَقَالَ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ [التَّوْبَة: ٢٨] . وَالطَّائِفُونَ وَالْعَاكِفُونَ وَالرَّاكِعُونَ وَالسَّاجِدُونَ أَصْنَافُ الْمُتَعَبِّدِينَ فِي الْبَيْتِ مِنْ طَوَافٍ وَاعْتِكَافٍ وَصَلَاةٍ، وَهُمْ أَصْنَافُ الْمُتَلَبِّسِينَ بِتِلْكَ الصِّفَاتِ سَوَاءٌ انْفَرَدَتْ بَعْضُ الطَّوَائِفِ بِبَعْضِ هَذِهِ الصِّفَاتِ أَوِ اجْتَمَعَتِ الصِّفَاتُ فِي طَائِفَةٍ أَوْ طَوَائِفٍ، وَذَلِكَ كُلُّهُ فِي الْكَعْبَةِ قَبْلَ وَضْعِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ إِسْمَاعِيلُ وَأَبْنَاؤُهُ وَأَصْهَارُهُ مِنْ جُرْهُمٍ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِدِينِ الْحَنِيفِيَّةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ.
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 712) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 712 · #110325
جِدِ الْحَرَامِ، وَهَؤُلَاءِ هُمْ إِسْمَاعِيلُ وَأَبْنَاؤُهُ وَأَصْهَارُهُ مِنْ جُرْهُمٍ وَكُلُّ مَنْ آمَنَ بِدِينِ الْحَنِيفِيَّةِ مِنْ جِيرَانِهِمْ. وَقَدْ جَمَعَ الطَّائِفَ وَالْعَاكِفَ جَمْعَ سَلَامَةِ، وَجَمْعَ الرَّاكِعَ وَالسَّاجِدَ جَمْعَ تَكْسِيرٍ، تَفَنُّنًا فِي الْكَلَامِ وَبُعْدًا عَنْ تَكْرِيرِ الصِّيغَةِ أَكْثَرَ مِنْ مَرَّةٍ بِخِلَافِ نَحْوَ قَوْلِهِ: مُسْلِماتٍ مُؤْمِناتٍ قانِتاتٍ تائِباتٍ [التَّحْرِيم: ٥] الْآيَةَ، وَقَوْلِهِ: إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِماتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْأَحْزَاب: ٣٥] الْآيَةَ، وَقَالَ ابْنُ عَرَفَةَ «جَمَعَ الطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ جَمْعَ سَلَامَةٍ لِأَنَّهُ أَقْرَبُ إِلَى لَفْظِ الْفِعْلِ بِمَنْزِلَةِ يَطُوفُونَ أَيْ يُجَدِّدُونَ الطَّوَافَ لِلْإِشْعَارِ بِعِلَّةِ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ وَهُوَ قُرْبُ هَذَيْنِ مِنَ الْبَيْتِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا فِي الْبَيْتِ وَلَا
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 712) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 712 · #110326
ِ تَطْهِيرِ الْبَيْتِ وَهُوَ قُرْبُ هَذَيْنِ مِنَ الْبَيْتِ بِخِلَافِ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ فَإِنَّهُ لَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَا فِي الْبَيْتِ وَلَا عِنْدَهُ فَلِذَلِكَ لَمْ يُجْمَعْ جَمْعَ سَلَامَةٍ» ، وَهَذَا الْكَلَامُ يُؤْذِنُ بِالْفَرْقِ بَيْنَ جَمْعِ السَّلَامَةِ وَجَمْعِ التَّكْسِيرِ مِنْ حَيْثُ الْإِشْعَارِ بِالْحُدُوثِ وَالتَّجَدُّدِ، وَيَشْهَدُ لَهُ كَلَامُ أَبِي الْفَتْحِ ابْن جِنِّي فِي «شَرْحِ الْحَمَاسَةِ» عِنْدَ قَوْلِ الْأَحْوَصِ الْأَنْصَارِيِّ: فَإِذَا تَزُولُ تَزُولُ عَنْ مُتَخَمِّطٍ ... تُخْشَى بَوَادِرُهُ عَلَى الْأَقْرَانِ قَالَ أَبُو الْفَتْحِ: «جَازَ أَنْ يَتَعَلَّقَ عَلَى بِبَوَادِرِ، وَإِنْ كَانَ جَمْعًا مُكَسَّرًا وَالْمَصْدَرُ إِذَا كُسِرَ بَعُدَ بِتَكْسِيرِهِ عَنْ شِبْهِ الْفِعْلِ، وَإِذَا جَازَ تَعَلُّقُ الْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ مُكَسَّرًا نَحْوَ «مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ أَخَاهُ» كَانَ تَعَلُّقُ حَرْفِ الْجَرِّ بِهِ أَجْوَزَ» .
QS 2:125 (jilid 1 hlm. 712) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 712 · #110327
ذَا جَازَ تَعَلُّقُ الْمَفْعُولِ بِهِ بِالْمَصْدَرِ مُكَسَّرًا نَحْوَ «مَوَاعِيدُ عُرْقُوبٍ أَخَاهُ» كَانَ تَعَلُّقُ حَرْفِ الْجَرِّ بِهِ أَجْوَزَ» . فَصَرِيحُ كَلَامِهِ أَنَّ التَّكْسِيرَ يُبْعِدُ مَا هُوَ بِمَعْنَى الْفِعْلِ عَنْ شِبْهِ الْفِعْلِ. وَخُولِفَ بَيْنَ الرُّكُوعِ وَالسُّجُودِ زِيَادَةٌ فِي التَّفَنُّنِ وَإِلَّا فَإِنَّ السَّاجِدَ يُجْمَعُ عَلَى سُجَّدٍ إِلَّا أَنَّ الْأَكْثَرَ فِيهِمَا إِذَا اقْتَرَنَا أَنْ يُخَالَفَ بَيْنَ صِيغَتَيْهِمَا قَالَ كُثَيِّرٌ: لَوْ يَسْمَعُونَ كَمَا سَمِعْتُ كَلَامَهَا ... خَرُّوا لِعَزَّةَ رُكَّعًا وَسُجُودَا وَقَدْ عَلِمْتُمْ مِنَ النَّحْوِ وَالصَّرْفِ أَنَّ جَمْعَ فَاعِلٍ عَلَى فُعُولٍ سَمَاعِيٌّ فَمِنْهُ شُهُودٌ وَهُجُوعٌ وَهُجُودٌ وَسُجُودٌ. وَلَمْ يَعْطِفِ السُّجُودَ عَلَى (الركع) لِأَن الوصفين مُتَلَازِمَانِ وَلَوْ عَطَفَ لَتُوُهِّمَ أَنَّهُمَا وصفان مفترقان. [١٢٦]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 2:127QS 3:35QS 9:109QS 5:3QS 9:84QS 10:69QS 16:116QS 22:25QS 22:48QS 24:36QS 29:67QS 31:24QS 43:35

Dirujuk oleh

Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.

QS 2:124