Dan (ingatlah), ketika Ibrahim berdoa, "Ya Tuhanku, jadikanlah (negeri Mekkah) ini negeri yang aman dan berilah rezeki berupa buah-buahan kepada penduduknya, yaitu diantara mereka yang beriman kepada Allah dan hari kemudian," Dia (Allah) berfirman, "Dan kepada orang yang kafir akan Aku beri kesenangan sementara, kemudian akan Aku paksa dia ke dalam azab neraka dan itulah seburuk-buruk tempat kembali
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾: واذْكُروا إذ قال إبراهيمُ: ربِّ اجْعَل هذا البلدَ بلدًا آمنًا. يعنى بقولِه: ﴿آمِنًا﴾: آمنًا مِن الجبابرةِ وغيرِهم، أن يُسَلَّطوا عليه، ومِن عقوبةِ اللهِ أن تنالَه، كما تنالُ سائرَ البلدانِ، مِن خَسْفِ وائتفاكٍ وغرقٍ، وغيرِ ذلك مِن سخطِ اللهِ ومَثُلاتِه التي تُصيبُ سائرَ
البلادِ غيرَه.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ، قال: ذُكِرَ لنا أن الحرَمَ حُرِّمَ [بحيالِه إلى العرشِ]. وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ هبَط، قال اللهُ له: أُهْبِطُ معك بيتي يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِي.
رَمَ حُرِّمَ [بحيالِه إلى العرشِ]. وذُكِر لنا أن البيتَ هبَط مع آدمَ حينَ هبَط، قال اللهُ له: أُهْبِطُ معك بيتي يُطافُ حولَه كما يُطافُ حولَ عَرْشِي. فطافَ حولَه آدمُ ومَن كان بعدَه مِن المؤمنين، حتى إذا كان زمنُ الطُّوفانِ -حين أغْرَق اللهُ قومَ نوحٍ- رفَعه وطَهَّره فلم تُصِبْه عُقوبةُ أهلِ الأرضِ، فتَتبَّع منه إبراهيمُ أثرًا، فبَناه على أساسٍ قديمٍ كان قبلَه.
فإن قال لنا قائلٌ: أو ما كان الحرمُ آمنًا إلا بعدَ ما سأَل إبراهيمُ ربَّه له الأمانَ؟
قيل: قد اخْتُلِفَ في ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، منذُ خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ.
َّه له الأمانَ؟
قيل: قد اخْتُلِفَ في ذلك؛ فقال بعضُهم: لم يَزَلِ الحرمُ آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، منذُ خُلِقَتِ السماواتُ والأرضُ.
واعْتَلُّوا في ذلك بما حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، عن محمدِ بنِ إسحاقَ، قال: حدَّثني سعيدُ بنُ أبي سعيدٍ المَقْبُريُّ، قال: سمِعت أبا شُريحٍ الخُزاعيَّ يقولُ: إن رسولَ اللهِ ﷺ لما افْتَتح مكةَ قَتَلت خُزَاعةُ رجلًا مِن هُذَيلٍ، فقام رسولُ اللهِ ﷺ خطيبًا فقال: "يا أيُّها الناسُ، إن اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ، فهى حرامٌ بحرامِ اللهِ إلى يومِ القيامةِ، لا يَحِلُّ لامرئٍ يُؤْمنُ باللهِ واليومِ الآخرِ أن يَسْفِكَ فيها دمًا، أو يَعْضِدَ بها شجرًا، وإنها لا تَحِلُّ لأحدٍ بعدِي،
لا تَحِلُّ لي إلا هذه الساعةَ غضبًا على أهلِها، ألا فهي قد رجَعت على حالِها بالأمسِ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قد قتَل بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك".
ى حالِها بالأمسِ، أَلَا لِيُبَلِّغِ الشاهدُ الغائِبَ، فمَن قال: إن رسولَ اللهِ ﷺ قد قتَل بها، فقولوا: إنَّ اللهَ قد أحلَّها لرسولِه ولم يُحِلَّها لك".
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عبدُ الرحيمِ بنُ سليمانَ، وحدَّثنا ابنُ حميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، جميعًا عن يزيدَ بنِ أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ لمكةَ حين افتتَحها: "هذه حَرَمٌ حرَّمها اللهُ يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ وخلَق الشمسَ [والقمرَ] ووضَع هذين الأخْشَبَيْنِ، لم تَحِلَّ لأحدٍ قبلِي، ولا تَحِلُّ لأحدٍ بعدي، أُحِلَّت لى ساعةً من نهارٍ".
قالوا: فمكةُ لم تَزَلْ منذ خُلِقت حرَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ الجبابرةِ.
قالوا: وقد أَخبَرَت عن صحةِ ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكرناها.
ذ خُلِقت حرَمًا آمنًا مِن عقوبةِ اللهِ وعقوبةِ الجبابرةِ.
قالوا: وقد أَخبَرَت عن صحةِ ما قلنا مِن ذلك الروايةُ الثابتةُ عن رسولِ اللهِ ﷺ التي ذكرناها.
قالوا: ولم يسألْ إبراهيمُ ربَّه أن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ الجبابرةِ، ولكنه سأله أن يؤمِّنَ أهلَه من الجدوبِ والقحوطِ، وأن يرزُقَ ساكنيه من الثمراتِ، كما أخبر ربُّه عنه أنه سأله بقولِه: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ
الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾.
قالوا: وإنما سأل ربَّه ذلك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكَهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر عليهم منه.
لك؛ لأنه أَسْكَن فيه ذرِّيَّتَه، وهو غيرُ ذي زَرْعٍ ولا ضَرْعٍ، فاستعاذ بربِّه من أن يُهلكَهم بها جوعًا وعطشًا، فسأله أن يؤمِّنَهم مما حذِر عليهم منه.
قالوا: وكيف يجوزُ أن يكونَ إبراهيمُ صلواتُ اللهِ عليه سأل ربَّه تحريمَ الحرمِ، وأن يؤمِّنَه من عقوبتِه وعقوبةِ جبابرةِ خلقِه، وهو القائلُ حينَ حلَّه ونزَله بأهلِه وولدِه: ﴿رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧].
قالوا: فلو كان إبراهيمُ هو الذي حرَّم الحرمَ أو سأل ربَّه تحريمَه لَمَا قال: ﴿عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ﴾ [إبراهيم: ٣٧]، عندَ نزولِه به، ولكنه حُرِّم قبلَه وحُرِّم بعدَه.
وقال آخرون: كان الحرَمُ حلالًا قبلَ دعوةِ إبراهيمَ كسائرِ البلادِ غيرِه، وإنما صار حرامًا بتحريمِ إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ حلالًا قبل تحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها، [فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها].
نما صار حرامًا بتحريمِ إبراهيمَ إياه، كما كانت مدينةُ رسولِ اللهِ ﷺ حلالًا قبل تحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها، [فصارت حرامًا بتحريمِ رسولِ اللهِ ﷺ إياها].
قالوا: والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك ما حدَّثنا به ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ مهديٍّ، قال: ثنا سفيانُ، عن أبي الزُّبيرِ، عن جابرِ بنِ عبدِ اللهِ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إن إبراهيمَ حرَّم بيتَ اللهِ وأمَّنه، وإني حرَّمت المدينةَ ما بينَ لابَتَيْها، فلا يصادُ صَيْدُها، ولا تُقْطَعُ عِضاهُها ".
حدثنا أبو كريبٍ وأبو السائبِ، قالا: [حدثنا ابنُ إدريسَ، وحدثنا أبو كريبٍ، قال] ثنا عبدُ الرحيمِ الرازىُّ، [قالا جميعًا: سمِعنا] أشعثَ، عن نافعٍ، عن أبي هريرةَ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ كانَ عبدَ اللهِ وخَلِيلَهُ، وإنى عبدُ اللهِ ورسولُه، وإنَّ إبراهيمَ حرَّم مكَّةَ وإنى حرَّمتُ المَدِينَةَ ما بينَ لابَتَيْها؛ عِضَاهَها وَصَيْدَها، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُقْطَعُ منها شَجَرةٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ".
َةَ وإنى حرَّمتُ المَدِينَةَ ما بينَ لابَتَيْها؛ عِضَاهَها وَصَيْدَها، ولا يُحْمَلُ فيها سلاحٌ لقتالٍ، ولا يُقْطَعُ منها شَجَرةٌ إلا لعَلَفِ بَعِيرٍ".
وحدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا قتيبةُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بكرُ بنُ مُضَرَ، عن ابنِ الهادِ، عن أبي بكرِ بنِ محمدٍ، عن عبدِ اللهِ بنِ عمرِو بنِ عثمانَ، عن رافعِ بنِ خَديجٍ، قال: قال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ، وإنى أُحَرِّمُ ما بينَ لابَتَيْها".
وما أشبَه ذلك مِن الأخبارِ التي يطولُ باستيعابِ ذكرِها الكتابُ.
قالوا: وقد أخبَر اللهُ تعالى ذكرُه في كتابِه أنَّ إبراهيمَ قال: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا﴾ ولم يخبرْ عنه أنَّه سأَله أن يجعَلَه آمنًا مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ، فليس لأحدٍ أن يَدَّعِىَ أن الذى سأَله مِن ذلك الأمانُ له مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
قالوا: وأما خبرُ أبي شُرَيحٍ وابنِ عباسٍ فخبران لا تَثْبُتُ بمثلِهما في الدينِ حجةٌ
ُ له مِن بعضِ الأشياءِ دونَ بعضٍ إلا بحُجَّةٍ يَجِبُ التسليمُ لها.
قالوا: وأما خبرُ أبي شُرَيحٍ وابنِ عباسٍ فخبران لا تَثْبُتُ بمثلِهما في الدينِ حجةٌ
لما في أسانيدِهما مِن الأسبابِ التي [يَجِبُ التثبتُ] فيها مِن أجلِها.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن اللهَ جلَّ ثناؤُه جعَل مكةَ حَرَمًا حينَ خلَقها وأنشأَها، كما أخبَر النبىُّ ﷺ أنه حرَّمها يومَ خلَق السماواتِ والأرضَ بغيرِ تحريمٍ منه لها على لسانِ أحدٍ مِن أنبيائِه ورسلِه، ولكنْ بمنعِه جلَّ ثناؤُه مَن أرادها بسوءٍ، وبدفعِه عنها مِن الآفاتِ والعقوباتِ وعن ساكنيها، ما أحلّ بغيرِها وغيرِ ساكنيها مِن النِّقْماتِ، فلم يَزَلْ ذلك أمرَها حتى بَوَّأَها اللهُ إبراهيمَ خليلَه، وأسكَن بها أهلَه هاجرَ وولدَه إسماعيلَ، فسأَل حينَئذٍ إبراهيمُ ربَّه إيجابَ فرضِ تحريمِها على عبادِه على لسانِه؛ ليكونَ ذلك سنةً لمن بعدَه مِن خلقِه يَسْتَنُّون به فيها، إذ كان جلَّ ثناؤُه قد اتَّخَذَه خليلًا، وأخبَرَه أنَّه جاعلُه للناسِ إمامًا يُقْتَدى به، فأجابَه
ونَ ذلك سنةً لمن بعدَه مِن خلقِه يَسْتَنُّون به فيها، إذ كان جلَّ ثناؤُه قد اتَّخَذَه خليلًا، وأخبَرَه أنَّه جاعلُه للناسِ إمامًا يُقْتَدى به، فأجابَه ربُّه إلى ما سأَله، وألزَم عبادَه حينَئذٍ فرضَ تحريمِه على لسانِه.
فصارت مكةُ بعدَ أن كانت ممنوعةً بمنعِ اللهِ إياها بغيرِ إيجابِ اللهِ فرضَ الامتناعِ منها على عبادِه، ومحرّمةً بدفعِ اللهِ عنها بغيرِ تحريمِه إياها على لسانِ أحدٍ مِن رسلِه -فرضًا تحريمُها على خلقِه على لسانِ خليلِه إبراهيمَ ﵇، وواجبًا على عبادِه الامتناعُ مِن استحلالِها، واستحلالِ صيدِها وعِضاهِها، بإيجابِه الامتناعَ مِن ذلك؛ ببلاغِ إبراهيمَ رسالةَ اللهِ إليه بذلك إليهم، فلذلك أُضيف تحريمُها إلى إبراهيمَ صلواتُ اللهِ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَكّةَ"؛ لأن فرضَ تحريمِها الذى ألزَم اللهُ عبادَه على وجهِ العبادةِ له بِه- دونَ التحريمِ
واتُ اللهِ عليه، فقال رسولُ اللهِ ﷺ: "إنَّ إبراهيمَ حَرَّمَ مَكّةَ"؛ لأن فرضَ تحريمِها الذى ألزَم اللهُ عبادَه على وجهِ العبادةِ له بِه- دونَ التحريمِ
الذى لم يَزَلِ [اللهُ منفردًا] لها به على وجهِ الكِلاءَةِ والحفظِ لها قبلَ ذلك - كان عن مسألةِ إبراهيمَ ربَّه إيجابَ فرضِ ذلك على لسانِه، لزِم العبادَ فرضُه دونَ غيرِه.
فقد تبيَّن إذن بما قلنا صحةُ معنى الخبرين؛ أعنى خبرَ أبي شريحٍ وابنِ عباسٍ، عن النبيِّ ﷺ أنه قال: "إنَّ اللهَ حرَّم مكةَ يومَ خلَق الشمسَ والقمرَ". وخبرَ جابرٍ وأبى هريرةَ ورافعِ بنِ خَدِيجٍ وغيرِهم، أنَّ النبىَّ ﷺ قال: "اللهمَّ إنَّ إبراهيمَ حرَّم مكةَ".
مِ الْآخِرِ﴾ فإنه نصبٌ على الترجمةِ والبيانِ عن "الأهلِ"، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ [البقرة: ٢١٧]. بمعنى: يسألونك عن قتالٍ في الشهرِ الحرامِ. وكما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾ [آل عمران: ٩٧]. بمعنى: وللهِ حِجُّ البيتِ على مَن استطاع إليه سبيلًا.
وإنما سأَل إبراهيمُ ربَّه ما سأَل مِن ذلك؛ لأنه حلَّ بوادٍ غيرِ ذى زرعٍ ولا ماءٍ ولا أهلٍ، فسأَل أن يَرْزُقَ أهلَه ثمرًا، وأن يَجْعَلَ أفئدةً من الناسِ تَهْوِى إليهم. فذُكِرَ أنَّ إبراهيمَ لما سأَل ذلك ربَّه، نقَل اللهُ الطائفَ مِن فلسطينَ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ بنُ الحجاجِ، قال: ثنا هشامٌ، قال: قرَأتُ على محمدِ بنِ مسلمٍ الطائفىِّ أنَّ إبراهيمَ لما دعا للحَرَمِ: ﴿وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ﴾: نقَل اللهُ الطائف مِن فلسطينَ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾.
اختلف أهلُ التأويلِ في قائلِ هذا القولِ، وفى وجهِ قراءتِه؛ فقال بعضُهم: قائلُ
هذا القولِ ربُّنا تعالى ذكرُه. وتأويلُه على قولِهم: قال اللهُ: ومَن كفَر بى فأُمَتِّعُه برِزقى مِن الثمراتِ قليلًا في الدنيا إلى أن يَأْتِيَه أجلُه. وقرَأ قائلو هذه المقالةِ ذلك: ﴿فَأُمَتِّعُهُ﴾ بتشديدِ التاءِ ورفعِ العينِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدَّثنى أبو العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾.
عفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: حدَّثنى أبو العاليةِ، عن أُبىِّ بنِ كعبٍ في قولِه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ﴾. قال: هو قولُ الربِّ ﵎.
وحدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: قال ابنُ إسحاقَ: لما قال إبراهيمُ: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ وعزَل الدعوةَ عمن أبَى اللهُ أن يَجْعَلَ له الوِلايةَ؛ انقطاعًا إلى اللهِ ومحبتِه، وفِراقًا لمن خالَف أمرَه، وإن كانوا مِن ذريتِه حينَ عرَف أنه كائنٌ منهم ظالمٌ لا ينالُ عهدَه، بخبره عن ذلك حين أخبَره، فقال اللهُ: ومن كفر، فإنى أَرْزُقُ البَرَّ والفاجرَ فأُمَتِّعُه قَلِيلًا.
وقال آخرون: بل قال ذلك إبراهيمُ خليلُ الرحمنِ على وجهِ المسألةِ منه ربَّه أن يَرْزُقَ الكافرَ أيضًا مِن الثمراتِ بالبلدِ الحرامِ، مثلَ الذى يَرْزُقُ به المؤمنَ، ويُمَتِّعُه بذلك قليلًا [في حياتِه حتى تَخْتَرِمَه مَنِيَّتُه.
أن يَرْزُقَ الكافرَ أيضًا مِن الثمراتِ بالبلدِ الحرامِ، مثلَ الذى يَرْزُقُ به المؤمنَ، ويُمَتِّعُه بذلك قليلًا [في حياتِه حتى تَخْتَرِمَه مَنِيَّتُه. وقرأ قائلو ذلك: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا] ثُمَّ
اضْطَرَّه إِلَى عَذَابِ النَّارِ). بتخفيفِ التاءِ وجزمِ العينِ، وفتحِ الراءِ من (اضْطَرَّه)، ووصلِ (ثم اضطَرَّه) بغيرِ قطعِ ألفِها، على وجهِ الدعاءِ مِن إبراهيمَ ربَّه لهم والمسألةِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاق، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: قال أبو العاليةِ: كان ابنُ عباسٍ يقولُ: ذلك قولُ إبراهيمَ يَسْأَلُ ربَّه أن (مَن كفَر فأَمْتِعْه قليلًا).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، [عن أبيه]، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (وَمَنْ كَفَرَ فأَمْتِعْه قَلِيلًا).
أَمْتِعْه قليلًا).
وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبي جعفرٍ، [عن أبيه]، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: (وَمَنْ كَفَرَ فأَمْتِعْه قَلِيلًا). يقولُ: ومَن كفَر فارْزُقْه أيضًا (ثم اضْطَرَّه إلى عذابِ النارِ).
والصوابُ مِن القراءةِ في ذلك عندَنا والتأويلِ ما قاله أبىُّ بنُ كعبٍ [وقرَأ به]، لقيامِ الحجةِ بالنقلِ المستفيضِ وراثةً بتصويبِ ذلك، وشذوذِ ما خالَفه مِن القراءةِ، وغيرُ جائزٍ الاعتراضُ بمن كان جائزًا عليه في نقلِه الخطأُ والسهوُ على مَن كان ذلك غيرَ جائزٍ عليه في نقلِه.
وإذ كان ذلك كذلك، فتأويلُ الآيةِ: قال اللهُ: يا إبراهيمُ، قد أجبتُ دعوتَك ورزَقتُ مؤمنى أهلِ هذا البلدِ مِن الثمراتِ وكفارَهم متاعًا لهم إلى بلوغِ آجالهِم، ثم
أضطرُّ كفارَهم بعدَ ذلك إلى عذاب النارِ.
وأما قولُه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فإنه يعنى: فأَجْعَلُ ما أَرْزُقُه مِن ذلك في حياتِه متاعًا يَتَمَتَّعُ به إلى وقتِ مماتِه.
َ ذلك إلى عذاب النارِ.
وأما قولُه: ﴿فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا﴾ فإنه يعنى: فأَجْعَلُ ما أَرْزُقُه مِن ذلك في حياتِه متاعًا يَتَمَتَّعُ به إلى وقتِ مماتِه.
وإنما قلنا: إنَّ ذلك كذلك؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما قال ذلك لإبراهيمَ جوابًا لمسألتِه ما سأل مِن رزقِ الثمراتِ لمؤمنى أهلِ مكةَ، فكان معلومًا بذلك أن الجوابَ إنما هو فيما سألَه إبراهيمُ لا في غيرِه. وبالذى قلنا في ذلك قاله مجاهدٌ، وقد ذكَرنا الروايةَ بذلك عنه.
وقال بعضُهم: تأويلُه: فأمتِّعُه بالبقاءِ في الدنيا.
وقال غيرُه: فأمتِّعُه قليلًا في كفرِه ما أقام بمكةَ، حتى أبعَثَ محمدًا ﷺ فيَقْتُلَه إن أقام على كفرِه أو يُجْلِيَه عنها. وذلك وإن كان وجهًا يَحْتَمِلُه الكلامُ، فإن دليلَ ظاهرِ الكلامِ على خلافِه؛ لما وصَفنا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾.
قد دلَّلنا على أنَّ "بئس" أصلُه "بئِس" مِن "البُؤْسِ"، سُكِّنَ ثانيه ونُقِلت حركةُ ثانيه إلى أولِه، كما قيل للكبِدِ: كِبْدٌ، وما أشبَه ذلك.
فمعنى الكلامِ: وساء المصيرُ عذابُ النارِ، بعدَ الذى كانوا فيه مِن متاعِ الدنيا الذى مَتَّعْتُهم فيها.
وأما "المصيرُ" فإنه "مَفْعِلٌ" مِن قولِ القائلِ: صِرْتُ مَصيرًا صِلْحًا. وهو الموضعُ الذى يَصِيرُ إليه [من جهنمَ. فتأويلُ الكلامِ: وبئس المكانُ الذى يصيرُ إليه] الكافرُ باللهِ عذابُ النارِ.
﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ (١٢٥) وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٢٦)﴾
قال الحسن البصري: قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ) قال: أمرهما الله أن يطهراه من الأذى والنَّجَس ولا يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: أمرناه. كذا قال.
يصيبه من ذلك شيء.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: ما عهده؟ قال: أمره.
وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ) أي: أمرناه. كذا قال. والظاهر أن هذا الحرف إنما عُدِّيَ بإلى، لأنه في معنى تقدمنا وأوحينا.
وقال سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قوله: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ) قال: من الأوثان.
وقال مجاهد وسعيد بن جُبَير: (طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ) إن ذلك من الأوثان والرفث وقول الزور والرجس.
قال ابن أبي حاتم: ورُوي عن عُبَيد بن عمير، وأبي العالية، وسعيد بن جبير، ومجاهد، وعطاء وقتادة: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: بلا إله إلا الله، من الشرك.
وأما قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) يعني: من أتاه من غُرْبة، (وَالْعَاكِفِينَ) المقيمين فيه.
لطَّائِفِينَ) فالطواف بالبيت معروف. وعن سعيد بن جبير أنه قال في قوله تعالى: (لِلطَّائِفِينَ) يعني: من أتاه من غُرْبة، (وَالْعَاكِفِينَ) المقيمين فيه. وهكذا روي عن قتادة، والربيع بن أنس: أنهما فسرا العاكفين بأهله المقيمين فيه، كما قال سعيد بن جبير.
وقال يحيى [بن] القطَّان، عن عبد الملك -هو ابن أبي سليمان-عن عطاء في قوله: (وَالْعَاكِفِينَ) قال: من انتابه من الأمصار فأقام عنده وقال لنا -ونحن مجاورون-: أنتم من العاكفين.
وقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي عن عطاء عن ابن عباس قال: إذا كان جالسًا فهو من العاكفين.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا حماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في
المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويُحدثون.
ماد بن سلمة، حدثنا ثابت قال: قلت لعبد الله بن عبيد بن عمير: ما أراني إلا مُكَلِّم الأمير أن أمنع الذين ينامون في
المسجد الحرام فإنهم يجنبون ويُحدثون. قال: لا تفعل، فإن ابن عمر سئل عنهم، فقال: هم العاكفون.
[ورواه عبد بن حميد عن سليمان بن حرب عن حماد بن سلمة، به].
قلت: وقد ثبت في الصحيح أنّ ابن عمرَ كان ينام في مسجد الرسول ﷺ وهو عَزَب.
وأما قوله تعالى: (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) فقال وكيع، عن أبي بكر الهذلي، عن عطاء، عن ابن عباس (وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ) قال: إذا كان مصليًا فهو من الركع السجود. وكذا قال عطاء وقتادة.
وقال ابن جَرير ﵀: فمعنى الآية: وأمَرْنا إبراهيم وإسماعيل بتطهير بيتي للطائفين. والتطهير الذي أمرهما به في البيت هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟
هو تطهيرُه من الأصنام وعبادة الأوثان فيه ومن الشرك. ثم أورد سؤالا فقال: فإن قيل: فهل كان قبل بناء إبراهيم عند البيت شيء من ذلك الذي أمر بتطهيره منه؟ وأجاب بوجهين: أحدهما: أنه أمرهما بتطهيره مما كان يعبد عنده زَمَان قوم نوح من الأصنام والأوثان ليكون ذلك سُنَّة لمن بعدهما إذ كان الله تعالى قد جعل إبراهيم إمامًا يقتدى به كما قال عبد الرحمن بن زيد: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) قال: من الأصنام التي يعبدون، التي كان المشركون يعظمونها.
قلت: وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد ﷺ.
التي كان المشركون يعظمونها.
قلت: وهذا الجواب مُفَرَّع على أنه كان يُعْبَدُ عنده أصنام قبل إبراهيم ﵇، ويحتاج إثبات هذا إلى دليل عن المعصوم مُحَمَّد ﷺ.
الجواب الثاني: أنه أمرهما أن يخلصا [في] بنائه لله وحده لا شريك له، فيبنياه مطهرًا من الشرك والرَّيْب، كما قال جل ثناؤه: ﴿أَفَمَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى تَقْوَى مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ خَيْرٌ أَمْ مَنْ أَسَّسَ بُنْيَانَهُ عَلَى شَفَا جُرُفٍ هَارٍ﴾ [التوبة: ١٠٩] قال: فكذلك قوله: (وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) ابنيا بيتي للطائفين.
َاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) أي: ابنيا بيتي على طهر من الشرك بي والريب، كما قال السدي: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ) ابنيا بيتي للطائفين.
وملخص هذا الجواب: أن الله تعالى أمر إبراهيم وإسماعيل ﵉، أن يبنيا الكعبة على اسمه وحده لا شريك له للطائفين به والعاكفين عنده، والمصلين إليه من الركع السجود، كما قال تعالى: ﴿وَإِذْ بَوَّأْنَا لإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات [الحج: ٢٦ - ٣٧].
[وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟
ْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ الآيات [الحج: ٢٦ - ٣٧].
[وقد اختلف الفقهاء: أيما أفضل، الصلاة عند البيت أو الطواف؟ فقال مالك: الطواف به لأهل الأمصار أفضل من الصلاة عنده، وقال الجمهور: الصلاة أفضل مطلقا، وتوجيه كل منهما يذكر في كتاب الأحكام].
والمراد من ذلك الرد على المشركين الذين كانوا يشركون بالله عند بيته، المؤسس على عبادته وحده لا شريك له، ثم مع ذلك يصدون أهله المؤمنين عنه، كما قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
الَّذِي جَعَلْنَاهُ لِلنَّاسِ سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ وَمَنْ يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾ [الحج: ٢٥].
ثم ذكر أن البيت إنما أسس لمن يعبد الله وحده لا شريك له، إما بطواف أو صلاة، فذكر في سورة الحج أجزاءها الثلاثة: قيامها، وركوعها، وسجودها، ولم يذكر العاكفين لأنه تقدم ﴿سَوَاءً الْعَاكِفُ فِيهِ وَالْبَادِ﴾ وفي هذه الآية الكريمة ذكر الطائفين والعاكفين، واجتزأ بذكر الركوع والسجود عن القيام؛ لأنه قد علم أنه لا يكون ركوع ولا سجود إلا بعد قيام. وفي ذلك -أيضًا-رَدّ على من لا يحجه من أهل الكتابين: اليهود والنصارى؛ لأنهم يعتقدون فضيلة إبراهيم الخليل وعظمته، ويعلمون أنه بنى هذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟
ذا البيت للطواف في الحج والعمرة وغير ذلك وللاعتكاف والصلاة عنده وهم لا يفعلون شيئًا من ذلك، فكيف يكونون مقتدين بالخليل، وهم لا يفعلون ما شرع الله له؟ وقد حَجَّ البيتَ موسى بن عمران وغيره من الأنبياء ﵈، كما أخبر بذلك المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى ﴿إِنْ هُوَ إِلا وَحْيٌ يُوحَى﴾ [النجم: ٤].
وتقدير الكلام إذًا: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ﴾ [أي: تقدمنا لوحينا إلى إبراهيم وإسماعيل] ﴿أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾ أي: طهراه من الشرك والريب وابنياه خالصًا لله، معقلا للطائفين والعاكفين والركع السجود. وتطهير المساجد مأخوذ من هذه الآية، ومن قوله تعالى: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ﴾ [النور: ٣٦] ومن السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له".
السنة من أحاديث كثيرة، من الأمر بتطهيرها وتطييبها وغير ذلك، من صيانتها من الأذى والنجاسات وما أشبه ذلك. ولهذا قال ﵇: "إنما بنيت المساجد لما بنيت له". وقد جَمَعْتُ في ذلك جزءًا على حدة ولله الحمد والمنة.
وقد اختلف الناس في أول من بنى الكعبة، فقيل: الملائكة قبل آدم، وروي هذا عن أبي جعفر الباقر محمد بن علي بن الحسين، ذكره القرطبي وحكى لفظه، وفيه غرابة، وقيل: آدم ﵇ رواه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا.
اه عبد الرزاق عن ابن جريج عن عطاء وسعيد بن المسيب وغيرهم: أن آدم بناه من خمسة أجبل: من حراء وطور سيناء وطور زيتا وجبل لبنان والجودي، وهذا غريب أيضًا. وروي نحوه عن ابن عباس وكعب الأحبار وقتادة وعن وهب بن منبه: أن أول من بناه شيث، ﵇، وغالب من يذكر هذا إنما يأخذه من كتب أهل الكتاب، وهي مما لا يصدق ولا يكذب ولا يعتمد عليها بمجردها، وأما إذا صح حديث في ذلك فعلى الرأس والعين.
وقوله تعالى: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال الإمام أبو جعفر بن جرير: حدثنا ابن بشار قال: حدثنا عبد الرحمن بن مَهْدي، حدثنا سفيان، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها".
وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به.
اهيم حَرَّم بيت الله وأمَّنَه وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها فلا يُصَادُ صيدها ولا يقطع عضاهها".
وهكذا رواه النسائي، عن محمد بن بشار عن بُنْدَار به.
وأخرجه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وعَمْرو الناقد، كلاهما عن أبي أحمد الزبيري، عن سفيان الثوري.
وقال ابن جرير -أيضًا-: حدثنا أبو كُرَيْب وأبو السائب قالا حدثنا ابن إدريس، وحدثنا أبو كريب، حدثنا عبد الرحيم الرازي، قالا جميعًا: سمعنا أشعث عن نافع عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم كان عبد الله وخليله وإني عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير".
عبدُ الله ورسوله وإن إبراهيم حَرَّم مكة وإني حرمت المدينة ما بين لابتيها، عضاهَها وصيدَها، لا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يقطع منها شجرة إلا لعلف بعير".
وهذه الطريق غريبة، ليست في شيء من الكتب الستة، وأصل الحديث في صحيح مسلم من وجه آخر، عن أبي هريرة، ﵁، قال: كان الناس إذا رأوا أول الثمر، جاؤوا به إلى رسول الله ﷺ، فإذا أخذه رسول الله ﷺ قال: "اللهم بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا، وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مُدِّنا، اللهم إن إبراهيمَ عبدُك وخليلك ونبيك، وإني عبدك ونبيك وإنه دعاك لمكة وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان.
وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك لمكة ومثله معه" ثم يدعو أصْغَرَ وليد له، فيعطيه ذلك الثمر. وفي لفظ: "بركة مع بركة" ثم يعطيه أصغر من يحضره من الولدان. لفظ مسلم.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كُريب، حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا بكر بن مضر، عن ابن الهاد، عن أبي بكر بن محمد، عن عبد الله بن عمرو بن عثمان، عن رافع بن خَديج، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن إبراهيم حرم مكة، وإني أحرم ما بين لابتيها".
انفرد بإخراجه مسلم، فرواه عن قتيبة، عن بكر بن مضر، به. ولفظه كلفظه سواء. وفي
الصحيحين عن أنس بن مالك، قال: قال رسول الله ﷺ لأبي طلحة: "التمس لي غلامًا من غلمانكم يخدمني" فخرج بي أبو طلحة يردفني وراءه، فكنت أخدم رسول الله ﷺ كلما نزل. وقال في الحديث: ثم أقْبَلَ حتى إذا بدا له أُحد قال: "هذا جبل يُحبُّنا ونحبه". فلما أشرف على المدينة قال: "اللهم إني أحرم ما بين جبليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم".
بليها، مثلما حرم به إبراهيم مكة، اللهم بارك لهم في مُدِّهم وصاعهم". وفي لفظ لهما: "اللهم بارك لهم في مكيالهم، وبارك لهم في صاعهم، وبارك لهم في مدهم". زاد البخاري: يعني: أهل المدينة.
ولهما أيضا عن أنس: أن رسول الله ﷺ قال: "اللهم اجعل بالمدينة ضِعْفَي ما جعلته بمكة من البركة" وعن عبد الله بن زيد بن عاصم، ﵁، عن النبي ﷺ: " إن إبراهيم حرم مكة ودعا لها، وحَرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، ودعوت لها في مدها وصاعها مثل ما دعا إبراهيم لمكة"
رواه البخاري وهذا لفظه، ومسلم ولفظه: أن رسول الله ﷺ قال: "إن إبراهيم حرم مكة ودعا لأهلها. وإني حرَّمتُ المدينة كما حرم إبراهيم مكة، وإني دعوت لها في صاعها ومدها بمثل ما دعا إبراهيم لأهل مكة".
وعن أبي سعيد، ﵁، عن النبي ﷺ قال: "اللهم إنَّ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف.
َ إبراهيم حَرَّم مكة فجعلها حرامًا، وإني حرمت المدينة حرامًا ما بين مأزميها، لا يهراق فيها دم، ولا يحمل فيها سلاح لقتال، ولا يخبط فيها شجرة إلا لعلف. اللهم بارك لنا في مدينتنا، اللهم بارك لنا في صاعنا، اللهم بارك لنا في مُدِّنا، اللهم اجعل مع البركة بركتين". الحديث رواه مسلم.
والأحاديث في تحريم المدينة كثيرة، وإنما أوردنا منها ما هو متعلق بتحريم إبراهيم، ﵇، لمكة، لما في ذلك في مطابقة الآية الكريمة.
[وتَمسَّك بها من ذهب إلى أن تحريم مكة إنما كان على لسان إبراهيم الخليل، وقيل: إنها محرمة منذ خلقت مع الأرض وهذا أظهر وأقوى].
وقد وردت أحاديث أخَرُ تدل على أن الله تعالى حرم مكة قبل خلق السموات والأرض، كما
جاء في الصحيحين، عن عبد الله بن عباس، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حَرَّمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة.
وات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. وإنه لم يحِل القتال فيه لأحد قبلي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة. لا يُعْضَد شوكه ولا ينفر صيده، ولا تُلْتَقَط لُقَطَتُه إلا من عرَّفها، ولا يختلى خَلاهَا" فقال العباس: يا رسول الله، إلا الإذْخَر فإنه لقَينهم ولبيوتهم. فقال: "إلا الإذخر" وهذا لفظ مسلم.
ولهما عن أبي هريرة نحو من ذلك.
ثم قال البخاري بعد ذلك: قال أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم، عن صفية بنت شيبة: سمعت النبي ﷺ، مثله.
وهذا الذي علقه البخاري رواه الإمام أبو عبد الله بن ماجة، عن محمد بن عبد الله بن نُمَير، عن يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، عن أبان بن صالح، عن الحسن بن مسلم بن يَنَّاق، عن صفية بنت شيبة، قالت: سمعت النبي ﷺ يخطب عام الفتح، فقال: "يا أيها الناس، إن الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور.
أرض، فهي حَرَام إلى يوم القيامة، لا يُعْضَد شجرها ولا يُنَفَّر صيدُها، ولا يأخذ لُقَطَتَها إلا مُنْشِد" فقال العباس: إلا الإذخر؛ فإنه للبيوت والقبور. فقال رسول الله ﷺ: "إلا الإذْخَر".
وعن أبي شُرَيح العدوي أنَّه قال لعَمْرو بن سعيد -وهو يبعث البعوث إلى مكة -: ائذن لي -أيها الأمير -أن أحدثَك قولا قام به رسولُ الله ﷺ الغَد من يوم الفتح، سَمِعَته أذناي ووعاه قلبي، وأبصرته عيناي حين تَكَلَّم به، إنه حمد الله وأثنى عليه، ثم قال: "إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، فلا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك بها دمًا، ولا يعضد بها شجرة، فإن أحد تَرَخَّصَ بقتال رسول الله ﷺ فقولوا: إن الله أذن لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟
لرسوله ﷺ ولم يأذن لكم. وإنما أذن لي فيها ساعة من نهار، وقد عادت حرمتها اليوم كحرمتها بالأمس، فليبلغ الشاهد الغائب". فقيل لأبي شُرَيح: ما قال لك عمرو؟ قال: أنا أعلم بذلك منك يا أبا شريح، إن الحرم لا يعيذ عاصيًا، ولا فارًّا بدم، ولا فارًّا بخَرَبَة.
رواه البخاري ومسلم، وهذا لفظه.
فإذا علم هذا فلا منافاة بين هذه الأحاديث الدالة على أن الله حَرَّم مكة يوم خلق السموات
والأرض، وبين الأحاديث الدالة على أن إبراهيم، ﵇، حَرَّمها؛ لأن إبراهيم بَلَّغ عن الله حُكْمه فيها وتحريمه إياها، وأنها لم تزل بلدًا حرامًا عند الله قبل بناء إبراهيم، ﵇، لها، كما أنه قد كان رسول الله ﷺ مكتوبًا عند الله خاتم النبيين، وإن آدم لمنجَدل في طينته، ومع هذا قال إبراهيم، ﵇: ﴿رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك.
وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ﴾ وقد أجاب الله دعاءه بما سبق في علمه وقَدَره. ولهذا جاء في الحديث أنهم قالوا: يا رسول الله، أخبرنا عن بَدْءِ أمرك. فقال: "دعوة أبي إبراهيم، وبشرى عيسى ابن مريم، ورأت أمي كأنه خرج منها نور أضاءت له قصور الشام".
أي: أخْبِرْنا عن بدء ظهور أمرك. كما سيأتي قريبًا، إن شاء الله.
وأما مسألة تفضيل مَكَّة على المدينة، كما هو قول الجمهور، أو المدينة على مكة، كما هو مذهب مالك وأتباعه، فتذكر في موضع آخر بأدلتها، إن شاء الله، وبه الثقة.
وقوله: تعالى إخبارًا عن الخليل أنه قال: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: من الخوف، لا يَرْعَبُ أهله، وقد فعل الله ذلك شرعًا وقدرًا. كقوله تعالى ﴿وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ [آل عمران: ٩٧] وقوله ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها.
َنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ﴾ [العنكبوت: ٦٧] إلى غير ذلك من الآيات. وقد تقدمت الأحاديث في تحريم القتال فيها. وفي صحيح مسلم عن جابر: سمعت رسول الله ﷺ يقول: "لا يحل لأحد أن يحمل بمكة السلاح". وقال في هذه السورة: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا) أي: اجعل هذه البقعة بلدًا آمنًا، وناسب هذا؛ لأنه قبل بناء الكعبة. وقال تعالى في سورة إبراهيم: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا الْبَلَدَ آمِنًا) [إبراهيم: ٣٥] وناسب هذا هناك لأنه، والله أعلم، كأنه وقع دعاء ثانًيا بعد بناء البيت واستقرار أهله به، وبعد مولد إسحاق الذي هو أصغر سنًّا من إسماعيل بثلاث عشرة سنة؛ ولهذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]
هذا قال في آخر الدعاء: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي وَهَبَ لِي عَلَى الْكِبَرِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبِّي لَسَمِيعُ الدُّعَاءِ﴾ [إبراهيم: ٣٩]
وقوله تعالى: (وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) قال أبو جعفر الرازي، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير) قال هو قول الله تعالى.
أبي العالية، عن أبي بن كعب: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قليلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إلى عَذَابِ النَّارِ وَبِئسَ الْمَصِير) قال هو قول الله تعالى. وهذا قول مجاهد وعكرمة وهو الذي صوبه ابن جرير، رحمه الله تعالى: قال: وقرأ آخرون: (قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) فجعلوا ذلك من تمام دعاء إبراهيم، كما رواه أبو جعفر، عن الربيع، عن أبي العالية قال: كان ابن عباس يقول: ذلك قول إبراهيم، يسأل ربه أن من كفر فأمتعه قليلا.
وقال أبو جعفر، عن ليث بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا) يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
بن أبي سليم، عن مجاهد: (وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلا) يقول: ومن كفر فأرزقه أيضًا (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ)
وقال محمد بن إسحاق: لما عزل إبراهيم، ﵇، الدعوة عمَّن أبى الله أن يجعل له الولاية -انقطاعًا إلى الله ومحبته، وفراقًا لمن خالف أمره، وإن كانوا من ذريته، حين عرف أنه كائن منهم أنه ظالم ألا يناله عهدُه، بخبر الله له بذلك -قال الله: ومن كفر فإني أرزق البر والفاجر وأمتعه قليلا.
وقال حاتم بن إسماعيل عن حُمَيد الخرَّاط، عن عَمَّار الدُّهْني، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في قوله تعالى: (رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) قال ابن عباس: كان إبراهيم يحجُرها على المؤمنين دون الناس، فأنزل الله ومن كفر أيضًا أرزقهم كما أرزق المؤمنين أأخلق خلقًا لا أرزقهم؟! أمتعهم قليلا ثم أضطرهم إلى عذاب النار وبئس المصير.
وقوله (ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) أي: ثم ألجئه بعد متاعه في الدنيا وبسطنا عليه من ظلها إلى عذاب النار وبئس المصير. ومعناه: أن الله تعالى يُنْظرُهم ويُمْهلهُم ثم يأخذهم أخذ عزيز مقتدر، كقوله تعالى: ﴿وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [الحج: ٤٨]، وفي الصحيحين: "لا أحد أصبر على أذى سمعه من الله؛ إنهم يجعلون له ولدا، وهو يرزقهم ويعافيهم" وفي الصحيح أيضًا: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته". ثم قرأ قوله تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيدٌ﴾. [هود: ١٠٢].