Sesungguhnya Safa dan Marwah merupakan sebagian syiar (agama) Allah.53) Maka barang siapa beribadah haji ke Baitullah atau berumrah, tidak ada dosa baginya mengerjakan sai54) antara keduanya. Dan barang siapa dengan kerelaan hati mengerjakan kebajikan, maka Allah Maha Mensyukuri, 55) Maha Mengetahui
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
يعنى جل ثناؤُه بقولِه ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أيُّ شيءٍ صرفَهم عن قبلتِهم؟ وهو من قولِ القائلِ: ولانى فلانٌ دُبُرَه. إذا حوَّل وجهَه عنه واستدْبَره، فكذلك قولُه: ﴿مَا وَلَّاهُمْ﴾: أىُّ شيءٍ حوَّل وجوهَهم؟
وأما قولُه: ﴿عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾ فإن قبلةَ كلِّ شيءٍ ما قابلَ وجهَه، وإنما هى فِعْلةٌ، بمنزلةِ الجِلْسَةِ والقِعْدةِ [وصِفوةِ الشئِ]، من قولِ القائلِ: قابلتُ فلانًا، إذا صرتَ قُبالتَه، أقابِلُه، فهو لى قِبلةٌ، وأنا له قِبلةٌ، إذا قابلَ كلُّ واحدٍ منهما بوجهِه وجهَ صاحبِه.
فتأويلُ الكلامِ إذن إذْ كان ذلك معناه: سيقولُ السفهاءُ من الناسِ لكم أيها المؤمنون باللهِ وبرُسلِه، إذا حوّلْتم وجوهَكَم عن قبلةِ اليهودِ التى كانت لكم قبلةً، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
، قبلَ أمرِى إياكم بتحويلِ وجوهِكم عنها شطرَ المسجدِ الحرامِ: أيُّ شيءٍ حوّل وجوهَ هؤلاء فصرَفها عن الموضعِ الذى كانوا يستقبِلونه بوجوهِهم في صلاتِهم؟
فأعلمَ اللهُ جل ثناؤه نبيَّه ﷺ ما اليهودُ والمنافقون قائِلون من القولِ عند تحويلِ اللهِ قبلتَه وقبلةَ أصحابِه، عن الشامِ إلى المسجدِ الحرامِ، وعلّمَه ما ينبغِى أن يكونَ مِن ردِّه عليهم من الجوابِ، فقال له: إذا قالوا ذلك لكَ يا محمدُ، فقلْ لهم: ﴿لِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ وكان سببَ ذلك أن النَّبِيَّ ﷺ صَلَّى نَحْوَ بيتِ المقدسِ مدةً سنذكُرُ مبلَغَها فيما بعدُ إن شاء اللهُ تعالي، ثم أرادَ اللهُ تعالى صرْفَ قبلةِ نبيِّه ﷺ إلى المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
المسجدِ الحرامِ، فأخبرَه عما اليهودُ قائلُوه من القولِ عند صرْفِه وجهَه ووُجوهَ أصحابِه شَطْرَه، وما الذى ينبغِى أن يكون من مَردِّه عليهم من الجوابِ.
ذكرُ المدةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ وأصحابُه نحوَ بيتِ المقدسِ، وما كان سببُ صلاتِه نحوَه، وما الذى دعا اليهودَ والمنافقين إلى قيلِ ما قالوا عند تحويلِ اللهِ قبلةَ المؤمنين عن بيتِ المقدسِ إلى الكعبةِ
اخْتلَفَ أهلُ العلْمِ في المدّةِ التى صلّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعدَ الهجرةِ؛ فقال بعضُهم بما حدَّثَنَا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، وحَدَّثَنَا ابنُ
بيعِ] بنِ أبى الحُقَيقِ، فقالوا له: يا محمدُ، ما ولَّاك عن قبلتِك التى كنت عليها وأنت تزعُمُ أنك على ملةِ إبراهيمَ ودينِه، ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نتبِعْك ونصدِّقْك. وإنما يُريدون فتنتَه عن دينِه، فأنزَل اللهُ فيهم: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ إلى قولِه: ﴿إِلَّا لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ﴾.
حَدَّثَنَا أبو كُريبٍ، قال: ثنا أبو بكرِ بنُ عَيّاشٍ، قال: قال البراءُ: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ سبعةَ عشرَ شهرًا. قال: وكان يشتهِى أن يُصرفَ إلى الكعبةِ. قال: فبينا نحن نصلِّى ذات يومٍ، فمرَّ بنا مارٌّ، فقال: ألا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟
ا هل علِمتم أن النَّبِيَّ ﷺ قد صُرِف إلى الكعبةِ؟ قال: وقد صلّينا ركعَتين إلى ههنا، وصلّينا ركعَتين إلى ههنا.
قال أبو كريبٍ: فقيل له: فيه أبو إسحاقَ؟ فسكَت.
وحَدَّثَنَا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا يحيى بنُ آدمَ، عن أبى بكرِ بنِ عياشٍ، عن أبى إسحاقَ، عن البراءِ، قال: صلَّينا بعدَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا إلى بيتِ المقدسِ.
وحَدَّثَنَا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا يحيي، عن سفيانَ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
إسحاقَ، عن البراءِ بنِ عازبٍ، قال: صلَّيتُ مع النَّبِيِّ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا أو سبعةَ عشرَ شهرًا -شكّ سفيانُ- ثم صُرِفْنا إلى الكعبةِ.
وحَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا النُّفيليُّ محمدُ بنُ عبدِ اللهِ، قال: ثنا زُهيرٌ، قال: ثنا أبو إسحاقَ، عن البراءِ أنَّ رسولَ اللهِ ﷺ كان أوّلَ ما قدِم المدينةَ نزلَ على أجدادِه أو أخوالِه من الأنصارِ، وأنه صلَّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ [أو سبعةَ عشرَ] شهرًا، وكان يُعْجِبُه أن تكونَ قبلتُه قِبَلَ البيتِ، وأنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ.
أنه صلَّى صلاةَ العصرِ ومعه قومٌ، فخرَج رجلٌ ممن صلَّى معه، فمرَّ على أهلِ المسجدِ وهم ركوعٌ، فقال: أشهَدُ لقد صليتُ مع رسولِ اللهِ ﷺ قِبَلَ مَكَّةَ. فدارُوا كما هم قِبَلَ البيتِ، وكان يُعجِبُه أن يحوَّلَ قِبَلَ البيتِ، وكان اليهودُ قد أعجَبَهم هذا؛ أن كان رسولُ اللهِ ﷺ
يصلِّى قِبَلَ بيتِ المقدسِ وأهلِ الكتابِ، فلما ولَّى وجْهَه قِبَلَ البيتِ أنكَروا ذلك.
وحَدَّثَنَا عمرانُ بنُ موسي، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا يحيى بنُ سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
سعيدٍ، عن ابنِ المسيَّبِ، قال: صلَّى رسولُ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ بعد أن قَدِم المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وُجِّه نحوَ الكعبةِ قبلَ بدرٍ بشهْرين.
وقال آخَرون بما حَدَّثَنَا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عثمان بنُ سعدِ الكاتبُ، قال: حَدَّثَنَا أنسُ بنُ مالكٍ، قال: صُرِف نبيُّ اللهِ ﷺ نحوَ بيتِ المقدسِ تسعةَ أشهرٍ أو عشرةَ أشهرٍ، فبينما هو قائمٌ يصلِّى الظهرَ بالمدينةِ، وقد صلَّى ركعتين نحوَ بيتِ المقدسِ، انصرفَ، بوجهِه إلى الكعبةِ، فقال السفهاءُ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾.
وقال آخَرون بما حدَّثَنَا محمدُ بنُ المُثَنَّى، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
ثنا المسعودِىُّ، عن عمرِو بنِ مُرّةَ، عن ابنِ أبي ليلي، عن معاذِ بنِ جبلٍ أن رسولَ اللهِ ﷺ قدِم المدينةَ، فصلَّى نحوَ بيتِ المقدسِ ثلاثةَ عشرَ شهرًا.
وحَدَّثَنِي أحمدُ بنُ المِقْدامِ، قال: ثنا المعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ أبي، قال: ثنا قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ أن الأنصارَ صلَّت القبلةَ الأُولَى قبلَ قدومِ النَّبِيِّ ﷺ بثلاثِ حِجَجٍ، وأن النَّبِيَّ ﷺ صلَّى القبلةَ الأولَى بعد قُدومِه المدينةَ ستةَ عشرَ شهرًا. أو كما قال. وكِلا الحديثين يحدِّث قتادةُ، عن سعيدِ بنِ المسيَّبِ.
ذكرُ السببِ الذى كان من أجلِه ﷺ يصلِّى نحوَ بيتِ المقدسِ، قبل أن يُفرضَ عليه التوجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
وجُّهُ شطرَ الكعبةِ
اختلَف أهلُ العلمِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: كان ذلك باختيارٍ من النَّبِيِّ ﷺ، [من غيرِ أن يكونَ اللهُ فرَض ذلك عليه].
ذِكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنَا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ أبو تُميلَةَ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، [عن عكرمةَ، و] عن يزيدَ النحوىِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصرىِّ، قالا: أوَّلُ ما نُسِخ من القرآنِ القبلةُ، وذلك أن النَّبِيَّ ﷺ كان يستقبِلُ صخرةَ بيتِ المقدسِ، وهى قبلةُ اليهودِ، فاستقبلَها النَّبِيُّ ﷺ سبعةَ عشرَ شهرًا، ليؤْمِنوا به ويتَّبِعوه، ويَدعُو بذلك الأمِّيين من العربِ، فقال اللهُ: ﴿وَلِلَّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ فَأَيْنَمَا تُوَلُّوا فَثَمَّ وَجْهُ اللهِ إِنَّ اللهَ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾
وحَدَّثَنِي المثنَّى بنُ إبراهيمَ، [قال: حَدَّثَنَا إسحاقُ]، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾: يعنُون بيتَ المقدسِ.
قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: إن نبيَّ اللهِ ﷺ خُيِّرَ بين أَنْ يُوجِّهَ وجهَه حيث شاء، فاختارَ بيتَ المقدسِ، لكى يتألَّفَ أهلَ الكتاب، فكانت قبلةً ستةَ عشرَ شهرًا، وهو في ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
ذلك يقلِّبُ وجْهَه في السماءِ، ثم وجَّهه اللهُ إلى البيتِ الحرامِ.
وقال آخرون: بل كان فعل ذلك من النبيِّ ﷺ وأصحابِه بفرضِ اللهِ عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي المثنَّي، قال: حَدَّثَنَا عبدُ الله بنُ صالحٍ، قال: حَدَّثَنَا معاوية بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحة، عن ابنِ عباسٍ قال: لما هاجرَ رسولُ اللهِ ﷺ إلى المدينةِ، وكان أكثرَ أهلِها اليهودُ، أمرَه اللهُ أن يستقْبِلَ بيتَ المقدسِ، ففرِحت اليهودُ، فاستقبَلها رسولُ اللهِ ﷺ بضعةَ عشرَ شهرًا، فكان رسولُ اللهِ ﷺ يحبُّ قبلةَ إبراهيمَ ﵇، وكان يدْعو وينظُرُ إلى السماءِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ﴾ الآية. فارْتاب من ذلك اليهودُ، وقالوا: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟
قدومِه ستةَ عشرَ شهرًا، ثم ولاه اللهُ إلى الكعبةِ.
ذكرُ السببِ الذى من أجلِه قال [من قال] ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فرُوى عن ابنِ عباسٍ فيه قولان؛ أحدُهما، ما حَدَّثَنَا به ابنُ حُميدٍ، قال: حَدَّثَنَا سلمةُ، قال: حَدَّثَنَا ابنُ إسحاقَ، قال: حَدَّثَنِي محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن عكرمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك.
رمةَ، أو عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، عن ابنِ عباسٍ، قال: قال ذلك قومٌ من اليهودِ للنبيِّ ﷺ، فقالوا له: ارجِعْ إلى قبلتِك التى كنتَ عليها نَتَّبِعْك ونصدِّقك. يُريدون فتنتَه عن دينِه.
والقولُ الآخرُ: ما ذكَرتُ من حديثِ علىِّ بنِ أبى طلحةَ عنه الذى مضَى قبلُ.
حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، عن سعيدٍ، عن قتادةَ قولَه: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾ قال: صلَّت الأنصارُ نحوَ بيتِ المقدسِ حولَين قبلَ قدومِ نبيِّ اللهِ ﷺ المدينةَ، وصلَّى نبيُّ اللهِ ﷺ بعدَ قدومِه المدينةَ مهاجرًا نحوَ بيتِ المقدسِ ستةَ عشرَ شهرًا، ثم وجَّهه اللهُ بعد ذلك إلى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه.
ى الكعبةِ البيتِ الحرامِ، فقال في ذلك قائلُون من الناسِ: ﴿مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا عَلَيْهَا﴾؟ لقد اشتاق الرَّجلُ إلى مولدِه. فقال اللهُ ﷿: ﴿قُلْ لِلَّهِ الْمَشْرِقُ
وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
[وقال آخَرون: بل قائِلو] هذه المقالةِ المنافقون، وإنما قالوا ذلك استهزاءً بالإسلامِ.
ذكرُ من قال ذلك
حَدَّثَنِي موسي، قال: حَدَّثَنَا عمرٌو، قال: حَدَّثَنَا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ، قال: لما وُجِّه النبيُّ ﷺ قِبلَ المسجدِ الحرامِ، اختلَفَ الناسُ فيها فكانوا أصنافًا، فقال المنافقون: ما بالُهم كانوا على قبلةٍ زمانًا ثم ترَكوها وتوجَّهوا غيرَها؟! فأنزَل اللهُ في المنافِقين: ﴿سَيَقُولُ السُّفَهَاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ﴾. الآية كلّها.
َ واللَّامَ؛ ليُعْلِمَ عبادَه أنه عنَى بذلك الجبلَينْ المعروفَيْن بهذَيْن الاسمَيْن، دون سائرِ الأصفاءِ والمرْوِ.
وأما قولُه: ﴿مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. فإنه يَعْني به: مِن معالم اللهِ التي جعَلَها جلَّ ثناؤُه لعبادِه مَعْلَمًا ومَشْعَرًا يعبدونَه عندَها إمَّا بالدُّعاءِ، وإمَّا بالذِّكرِ، وإما بأداءِ ما فُرضَ عليهم من العملِ عندَها، ومنه قولُ الكُميْتِ بنِ زيدٍ:
نُقَتِّلُهُمْ جِيلًا فجِيلًا نَرَاهُمُ … شَعائِرَ قُرْبانٍ بِهِمْ نَتَقَرَّبُ
وكان مجاهدٌ يقولُ في الشعائرِ ما حدَّثني محمدُ بنُ عَمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، حدثنا عيسى، وحدَّثني المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، جميعًا عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. قال: من الخيرِ الذي أَخبَركم عنه.
فكأنّ مجاهدًا كان يرى أن الشعائرَ إنما هو جمعُ شَعِيرةٍ من إشْعارِ اللهِ عبادَه أمْرَ الصفَا والمروةِ، وما عليهم في الطوافِ بهما، بمعنى إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ من المَفْهومِ بعيدٌ.
وإنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
هما، بمعنى إعلامِهم ذلك، وذلك تأويلٌ من المَفْهومِ بعيدٌ.
وإنما أعلَمَ اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾. عبادَه المؤمنين أن السَّعيَ بينهما مِن مَشاعرِ الحجِّ التي سنَّها لهم، وأمَر بها خليلَه إبراهيمَ ﷺ، إذْ سألَه أن يُرِيَه مناسكَ الحجِّ، وذلكَ وإنْ كان مَخرجُه مَخرَجَ الخبرِ، فإنه مرادٌ به الأمرُ؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه قد أمَر نبيَّه محمدًا ﷺ باتِّباعِ مِلةِ إبراهيمَ ﵇، فقال له: ﴿ثُمَّ أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٣] وجعَل تعالى ذِكرُه إبراهيمَ إمامًا لمن بعدَه، فإذا كان صحيحًا أن الطوافَ والسعيَ بينَ الصفَا والمروةِ مِن شعائرِ اللهِ ومن مَناسِكِ الحجِّ، فمعلومٌ أنَّ إبراهيمَ ﷺ، قد عمِل به، وسنَّه لمَنْ بعدَه، وقد أُمِرَ نبيُّنا ﷺ وأُمَّتُه باتِّباعِه، فعليهمُ العملُ بذلكَ على ما بيَّنه رسولُ اللهِ ﷺ.
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ﴾.
يعني تعالى ذِكرُه: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ﴾ فمَن أتاه عائدًا إليه بعدَ بدءٍ، وكذلك كلُّ مَن أكثَرَ الاختلافَ إلى شيْءٍ فهو حاجٌّ إليه، ومنه قولُ الشاعرِ:
وأَشْهدَ مِن عَوْفٍ حُلُولًا كَثيرةً … يَحُجُّونَ بيتَ الزِّبْرِقانِ المُزَعْفَرَا
يعني بقولِه يَحجُّون: يُكثِرون التردُّدَ إليه لسُؤْدَدِه ورِياسَتِه، وإنَّما قيل للحاجِّ: حاجٌّ. لأنه يأتي البيتَ قبلَ التعريفِ، ثم يعودُ إليه للطوافِ يومَ النَّحْرِ
بعدَ التعريفِ، ثم يَنْصَرِفُ عنه إلى مِنًى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ، فلِتَكْرَارِه العَوْدَ إليه مرَّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاجٌّ. وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ.
عنه إلى مِنًى، ثم يعودُ إليه لِطوافِ الصَّدَرِ، فلِتَكْرَارِه العَوْدَ إليه مرَّةً بعدَ أُخرى قيل له: حاجٌّ. وأما المعتمرُ فإنما قيلَ له: مُعْتَمِرٌ. لأنه إذا طاف به انْصَرَف عنه بعدَ زيارتِه إيّاه، وأما قولُه: ﴿أَوِ اعْتَمَرَ﴾ فإنه يعني: أو اعتمَرَ البيتَ، ويعني بالاعتمارِ الزيارَةَ، فكلُّ قاصدٍ لشيْءٍ فهو له مُعتمِرٌ، ومنه قولُ العَجَّاجِ:
لَقَدْ سَمَا ابنُ مَعْمَرٍ حينَ اعْتَمَرْ
مَغْزًى بَعيدًا مِن بَعيدٍ وضَبَرْ
يعني بقولِه حينَ اعْتَمر: حين قصَدَه وأَمَّه.
القولُ في تأويلِ قوله تعالى: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
يعني تعالى ذِكرُه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. يقولُ: فلا حَرَجَ عليه ولا مأْثَمَ في طوافِه بهما.
فإن قال قائلٌ: وما وجهُ هذا الكلامِ، وقد قلْتَ لنا: إنّ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ وإنْ كان ظاهرُه ظاهرَ الخبرِ، فإنَّه في معنى الأمْرِ بالطوافِ بهما؟ فكيف يكونُ أمْرًا بالطوافِ، ثم يقالُ: لا جُناحَ على مَن حَجَّ البيتَ أو اعْتَمر في الطوافِ بهما. وإنما يُوضعُ الجُناحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِه الجُناحَ والحَرَجَ،
فالأمرُ بالطوافِ بهما، والترخيصُ في الطوافِ بهما غيرُ جائزٍ اجتماعُهما في حالٍ واحدةٍ؟!
يُوضعُ الجُناحُ عمن أتَى ما عليه بإتيانِه الجُناحَ والحَرَجَ،
فالأمرُ بالطوافِ بهما، والترخيصُ في الطوافِ بهما غيرُ جائزٍ اجتماعُهما في حالٍ واحدةٍ؟! قيلَ: إنّ ذلك بخلافِ ما إليه ذهبتَ، وإنما معنَى ذلك عندَ أقوامٍ أن النبيَّ ﷺ لما اعتمَرَ عُمرةَ القضيَّةِ تَحَوَّبَ أقوامٌ كانوا يَطُوفون بهما في الجاهليةِ قبلَ الإسلامِ لصَنَمَيْن كانا عليْهما؛ تعظيمًا منهم لهما فقالوا: وكيف نطوفُ بهما، وقد علِمْنَا أن تعظيمَ الأصنامِ وجميعِ ما كانَ مِن ذلك يُعبدُ مِن دونِ اللهِ باللهِ شِركٌ، [وطوافُنا] بهذيْن الحَجَريْن أحدُ ذلك؛ لأن الطوافَ بهما في الجاهِليةِ إنما كان للصنمينِ اللذينِ كانَا عليهمَا، وقد جاء اللهُ اليومَ بالإسلامِ ولا سبيلَ إلى تعظيمِ شيْءٍ مع اللهِ بمعنى العبادةِ له؟! فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في ذلك مِن أمرِهمْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ يعني: إنّ الطوافَ بهما.
ع اللهِ بمعنى العبادةِ له؟! فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه في ذلك مِن أمرِهمْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ يعني: إنّ الطوافَ بهما. فترَك ذِكرَ الطوافِ بهما اكتفاءً بذكرِهما منه، إذْ كان معلومًا عند المخاطَبِينَ به أن معناهُ: من معالمِ اللهِ التي جعَلها عَلَمًا لعبادِه يَعبُدونَه عندَهما بالطوافِ بينَهما ويَذْكُرونه عليْهما وعندَهما، بما هو له أهلٌ من الذِّكرِ، فمَن حجَّ البيتَ أو اعتمَرَ فلا [يَتَحَوَّبَنَّ مِن] الطوافِ بهما، مِن أجلِ ما كان أهلُ الجاهليةِ يَطوفُون بهما، مِن أجلِ الصنَمَيْن اللّذيْن كانَا عليهما، فإنّ أهلَ الشركِ كانوا يَطوفُون بهما كفرًا، وأنتم تَطوفُون بهما إيمانًا بي وتصديقًا لرسولِي، وطاعةً لأمْرِي، فلا جُناحَ عليكم في الطوافِ بهما.
والجنُاحُ: الإثمُ. كما حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن
السُّديِّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
في الطوافِ بهما.
والجنُاحُ: الإثمُ. كما حدثني موسى، قال: ثنا عَمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن
السُّديِّ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. يقولُ: ليس عليه إثمٌ ولكنْ له أجرٌ.
وبمثلِ الذي قلْنا في ذلك تظاهرتِ الروايةُ عن السَّلفِ من الصحابةِ والتابعين.
ذِكرُ الأخبارِ التي رُويتْ بذلك
حدثني محمدُ بنُ عبدِ الملكِ بنِ أبي الشواربِ: قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا داودُ، عن الشَّعبيِّ، أن وَثَنًا كان في الجاهليةِ على الصَّفَا يُسمَّى إسَافًا، ووَثَنًا على المَرْوةِ يُسمَّى نائلةَ، فكان أهلُ الجاهليةِ إذا طافوا بالبيتِ مسَحُوا الوثَنَيْن؛ فلمَّا جاء الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ، قال المسلمون: إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من أجلِ الوثَنينْ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ.
َنَيْن؛ فلمَّا جاء الإسلامُ وكُسرت الأوثانُ، قال المسلمون: إن الصّفا والمروةَ إنما كان يُطافُ بهما من أجلِ الوثَنينْ، وليس الطوافُ بهما مِن الشعائرِ. قال: فأنزَل اللهُ أنهما من الشعائرِ: ﴿فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُليَّةَ، عن داودَ بنِ أبي هندٍ، عن الشَّعبيِّ، نحوَه، وزادَ فيه، قال: فجعَله اللهُ تَطوُّعَ خيرٍ.
حدثنا ابنُ المُثَنَّى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، قال: كان صَنمٌ بالصَّفا يُدعى إسافًا، ووَثَنٌ بالمروةِ يُدعَى نائلةَ. ثم ذكَر نحوَ حديثِ ابنِ أبي الشواربِ، وزادَ فيه، قال: فذُكِّرَ الصَّفا من أجل الوثَنِ الذي كان عليه مذكَّرًا، وأُنِّث المروةُ من أجلِ الوثنِ الذي كان عليه مؤنَّثًا.
حدثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن أبي زائدَةَ، قال: أخبَرني عاصمٌ الأحولُ، قال:
قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ؟
قال: ثنا ابن أبي زائدَةَ، قال: أخبَرني عاصمٌ الأحولُ، قال:
قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: أَكُنتم تكرهون الطوافَ بينَ الصَّفَا والمروةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ؟ فقال: نعم كنّا نَكرَهُ الطوافَ بينَهما؛ لأنهما مِن شعائرِ الجاهليةِ حتى نزَلتْ هذه الآيةُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ الرَّمْليُّ، قال: ثنا مُؤَمَّلُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سأَلتُ أنسًا عن الصفَا والمروةِ، فقال: كانتا من مشاعرِ أهلِ الجاهليةِ، فلما كان الإسلامُ أمْسَكوا عنهما، فنَزلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
السدِّيِّ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. قال: زعَم أبو مالكٍ، عن ابنِ عباسٍ أنه كان في الجاهليةِ شياطينُ تعزِفُ الليلَ أجمعَ بينَ الصفا والمروةِ، وكانت بينَهما آلهةٌ، فلمّا جاء الإسلامُ وظهَر، قال المسلمون: يا رسولَ اللهِ لا تَطُوفَنَّ بينَ الصفَا والمروةِ، فإنه شِرْكٌ كنّا نَصْنَعُه في الجاهليةِ فأنزَل اللهُ: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا ابنُ عُلَيَّةَ، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ قال: قالت الأنصارُ: إن السعيَ بينَ هذينِ الحَجَريْن مِن أمرِ الجاهليةِ، فأنزَل اللهُ تعالى ذِكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدثني محمدُ بنُ عَمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
هِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقرَأ: ﴿وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢] وسَنَّ رسولُ اللهِ ﷺ الطوافَ بهما.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلت لأنسِ بنِ مالكٍ: الصفَا والمروةَ أكنتمْ تكرَهون أنْ تطوفُوا بهما مع الأصنام التي نُهيتُم عنها؟ قال: نعمْ حتى نزَلتْ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: سَمِعتُ أنسَ بنَ مالكٍ يقولُ: إن الصفَا والمروةَ كانا من مشَاعرِ قريشٍ في الجاهليةِ، فلمَّا كان الإسلامُ تَرَكْنَاهُما.
وقال آخرون: بل أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه هذه الآيةَ في سببِ قومٍ كانوا في الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإسلامُ تَحَوَّبوا السعْيَ بينَهما كما
كانوا يَتَحَوَّبُونه في الجاهليةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
بِ قومٍ كانوا في الجاهليةِ لا يسعَوْنَ بينَهما، فلما جاءَ الإسلامُ تَحَوَّبوا السعْيَ بينَهما كما
كانوا يَتَحَوَّبُونه في الجاهليةِ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ الآيةَ، فكان حيٌّ مِن تِهامَةَ في الجاهليةِ لا يسعَوْن بينَهما، فأخبَرهمُ اللهُ أنّ الصفَا والمروةَ من شعائرِ اللهِ وكان من سُنةِ إبراهيمَ وإسماعيلَ الطوافُ بينَهما.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزَّاقِ، قال: أخبرَنا معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
معمرٌ، عن قتادةَ، قال: كان ناسٌ من أهلِ تِهامةَ لا يَطُوفُونَ بين الصفَا والمروةِ، فأنزلَ اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدَّثْنى المُثَنَّى، قال: ثنا عبد اللهِ قال: حدَّثني الليثُ، قال: حدَّثني عُقيلٌ، عن ابنِ شهابٍ، قال: حدَّثني عروةُ بنُ الزبيرِ، قال: سألتُ عائشةَ فقلتُ لها: أرأيتِ قولَ اللهِ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطُوف بالصفَا والمروةِ؟
حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ وقلتُ لعائشةَ: واللهِ ما على أحدٍ جُناحٌ أن لا يطُوف بالصفَا والمروةِ؟ فقالتْ عائشةُ: بئسَ ما قلتَ يا ابنَ أختِي، إن هذه الآيةَ لو كانت كما أوَّلتَها كانت: لا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما، ولكنها إنما أُنزِلتْ في الأنصارِ كانوا قبلَ أنْ يُسْلموا يُهِلُّونَ لمنَاةَ الطاغيةِ التي كانوا يَعْبُدونَ بالمُشَلَّلِ، وكان مَن أهَلَّ لها يَتَحرَّج أن يَطُوفَ بالصفَا والمروةِ، فلمّا أسلموا سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فقالوا: يا رسولَ اللهِ، إنّا كنّا نتحرّجُ أن نطوفَ بالصَّفَا والمروةِ. فلما
سألوا رسولَ اللهِ عن ذلك؛ أنزَل اللهُ تعالى ذكرُه: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
لطوافَ بهما مِن أجلِ الصّنميِنْ اللَّذيْنِ ذكَرهما الشعبيُّ، وبعضُهْم من أَجْلِ ما كان مِن كراهتِهم الطوافَ بهما في الجاهليةِ على ما رُويَ عن عائشةَ. وأيُّ الأمريْنِ كان مِن ذلك فليس قولِ اللهِ تعالى ذِكرُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ دَلالةٌ [في الآيةِ] على أنه عَنى به وضْعَ الحرَجِ عمَّن طاف بهما، مِن أجلِ أن الطوافَ بهما كان غيرَ جائزٍ بحظْرِ اللهِ ذلك، ثم جَعَل الطوافَ بهما رُخْصةً؛ لإجماعِ الجميعِ على أنَّ اللهَ تعالى ذِكرُه لم يَحظُرْ ذلك في وقتٍ، ثم رخَّص فيه بقولِه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وإنما الاختلافُ في ذلك بينَ أهلِ العلمِ على أوْجُهٍ؛ فرأَى بعضُهم أن تاركَ الطوافِ بينَهما تاركٌ من مَناسكِ حَجِّهِ ما لا يُجزئُه منه غيرُ قضائِه بعَيْنِه، كما لا
يُجْزِئُ تاركَ الطوافِ، الذي هو طوَافُ الإفاضةِ إلا قَضاؤُه بعَيْنِه، وقَالوا: هما طوافانِ أمَر اللهُ بهما؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بينَ الصفَا والمروةِ، [حُكْمُهما واحدٌ].
ولا يَلْزَمُه العوْدُ لقضَائِه بعينِه.
ورأى آخرون أنَّ الطوافَ بهما تطوُّعٌ؛ إنْ فعَله فاعلٌ كان مُحْسنًا، وإن ترَكه تاركٌ لم يلْزَمْه بترْكِه شيْءٌ. واللهُ تعالى أعلمُ.
ذِكرُ مَن قال: إنّ الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ واجبٌ ولا يُجزِئُ منه فديةٌ، ومَن ترَكهُ فعليه [العَوْدُ له]
حدثنا أبو كريب، قال: ثنا وكيعٌ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، عن عائشةَ، قالتْ: لعَمرِي ما حجَّ مَن لمْ يسْعَ بينَ الصَّفَا والمروةِ؛ لأنَّ اللهَ ﵎ يقولُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾.
حدثني يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال مالكُ بنُ أنسٍ: مَن نَسِيَ السعيَ بينَ الصفَا والمروةِ، حتى يَسْتَبْعِدَ مِن مكّةَ فلْيَرْجِعْ فلْيَسْعَ، وإن كان قد أصابَ النساءَ فعليه العُمْرةُ والهَدْيُ.
وكان الشافعيُّ يقولُ: على مَن ترَك الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ حتى يرجعَ إلى بلدِه، العوْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزئُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ.
قولُ: على مَن ترَك الطوافَ بينَ الصفا والمروةِ حتى يرجعَ إلى بلدِه، العوْدُ إلى مكةَ حتى يطوفَ بينَهما، لا يُجزئُه غيرُ ذلك، حدَّثنا بذلك عنه الربيعُ.
ذِكرُ مَن قال: يُجزئُ منه دمٌ وليس عليه عَوْدٌ لقضائِه
قال الثوريُّ فيما حدَّثني به عليُّ بنُ سهل، عن زيدِ بنِ أبي الزرقاءِ عنه، وأبو حنيفةَ، وأبو يوسفَ، ومحمدٌ: إن عاد تاركُ الطوافِ بينَهما لقضائِه فحسنٌ، وإن لم يعُدْ فعليه دَمٌ.
ذِكرُ مَن قال: الطوافُ بينَهما تطوُّعٌ ولا شيْءَ على مَن ترَكه، ومَن كان يقرأُ: (فلا جُناحَ عليه أن لا يطَّوَّف بهما)
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا ابنُ جُريجٍ، قال: قال عطاءٌ: لو أن حاجًّا أفاض بعدَ رَمْي الجَمْرةِ؛ جَمرةِ العقبةِ فطاف بالبيتِ ولم يَسْعَ، فأصابَها، يعني امرأتَه، لم يكن عليه شيْءٌ؛ لا حجٌّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: (فمَنْ حَجَّ البيتَ [أوِ اعتَمَرَ] فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف بهما).
يكن عليه شيْءٌ؛ لا حجٌّ ولا عمرةٌ، من أجلِ قولِ اللهِ في مصحفِ ابنِ مسعودٍ: (فمَنْ حَجَّ البيتَ [أوِ اعتَمَرَ] فلا جُناحَ عليه أن لا يَطَّوَّف بهما). فعاودْتُه بعدَ ذلك، فقلتُ له: إنه قد ترَك سُنةَ النبيِّ ﷺ قال: ألا تَسْمَعُه يقولُ: ﴿فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَهُوَ خَيْرٌ لَهُ﴾ [البقرة: ١٨٤] فأبَى أن يَجْعَلَ عليه شيئًا.
حدثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشيمٌ، قال: أخبرنا عبدُ الملكِ، عن عطاءٍ، عن ابنِ عباسٍ، أنه كان يقرأُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
حدثني عليُّ بنُ سهلٍ، قال: ثنا مؤملٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن عاصمٍ، قال: سمِعتُ أنسًا يقولُ: الطوافُ بهما تطوُّعٌ.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، قال: أخبرنا عاصمٌ الأحولُ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
رنا عاصمٌ الأحولُ، قال: قال أنسُ بنُ مالكٍ: هما تطوُّعٌ.
حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ نحوَه.
حدثني المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾ قال: فلم يُحرِّجْ من لم يَطفْ بهما.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا حجاجٌ، قال: ثنا حمادٌ، عن قيسٍ، عن عطاءٍ، أن عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ قال: هما تطوُّعٌ.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: السعيُ بينَ الصفَا والمروةِ تطوُّعٌ؟
عبدَ اللهِ بنَ الزبيرِ قال: هما تطوُّعٌ.
حدثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن عاصمٍ، قال: قلتُ لأنسِ بنِ مالكٍ: السعيُ بينَ الصفَا والمروةِ تطوُّعٌ؟ فقال: تطوُّعٌ.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا أن الطوافَ بهما فرضٌ واجبٌ، وأن على مَن ترَكه العَوْدَ لقضائِه، ناسيًا كان ترَكهَ أو عامدًا، لا يُجزِئُهُ غيرُ ذلك، لتظاهُرِ الأخبارِ عن النبيِّ ﷺ أنه حجَّ بالناسِ فكان مما علَّمهم من مناسكِ حجِّهم الطوافُ بهما.
ذِكرُ الروايةِ عنه بذلك
حدثني يوسُفُ بنُ سلمانَ البصريُّ، قال: ثنا حاتمُ بنُ إسماعيلَ، قال: ثنا جعفرُ بنُ محمدٍ، عن أبيه، عن جابرٍ، قال: لما دنا رسولُ اللهِ ﷺ من الصفَا في حجَّتِه، قال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، ابدَءُوا بِمَا بَدأ اللهُ به ".
فبدأَ بالصفَا فرقِى عليه.
لُ اللهِ ﷺ من الصفَا في حجَّتِه، قال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾، ابدَءُوا بِمَا بَدأ اللهُ به ".
فبدأَ بالصفَا فرقِى عليه.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا محمود بنُ ميمونٍ أبو الحسنِ، عن أبي بكرِ بنِ عياشٍ، عن ابنِ عطاءٍ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن النبيَّ ﷺ قال: " ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ﴾ ". فأتَى الصفَا فبَدأَ بها، فقام عليها، ثم أتى المروةَ فقام عليها وطاف سَبْعًا.
فإذ كان صحيحًا بإجماعِ الجميعِ مِن الأمَّةِ أن الطوافَ بهما [مما علَّم] النبيُّ أمَّتَه في مناسكِهم، وعَمِلَه في حجِّه وعُمرتِه، وكان بيانُه لأمَّتِه جُمَلَ ما نصَّ اللهُ في كتابِه، وفرَضه في تَنْزِيلِه، وأمَر به مما لا يُدْرَكُ عِلْمُه إلَّا بِبَيانِه ﵇، لازمًا العملُ به أمَّتَه، لما قد بَيَّنَّا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" إذا اخْتَلَفَت الأُمةُ في وُجُوبِه، ثم كان مُخْتَلَفًا في الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ واجبٍ - كان بيِّنًا وُجوبُ فَرْضِه على
أصولِ الأحكامِ" إذا اخْتَلَفَت الأُمةُ في وُجُوبِه، ثم كان مُخْتَلَفًا في الطوافِ بينَهما: هل هو واجِبٌ أم غيرُ واجبٍ - كان بيِّنًا وُجوبُ فَرْضِه على مَن حجَّ أو اعْتَمَر لما وصَفْنا.
وكذلك وجوبُ العوْدِ لقضاءِ الطوافِ بينَ الصفَا والمروةِ، لمَّا كان مُخْتَلَفًا فيها على مَن ترَكه، مع إجماعِ جَميعِهم، على أنَّ ذلك مما فعَله رسولُ اللهِ ﷺ، وعلَّمه أُمتَه في حجِّهم، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ، وعلَّمه أمتَه في حجِّهم وعُمرتِهم، إذْ علَّمهم مناسكَ حجِّهم وعمرتِهم.
ﷺ، وعلَّمه أُمتَه في حجِّهم، إذْ علَّمَهُم مَناسِكَ حجِّهم، كما طافَ بالبيتِ، وعلَّمه أمتَه في حجِّهم وعُمرتِهم، إذْ علَّمهم مناسكَ حجِّهم وعمرتِهم. ثم أجمع الجميعُ على أن الطوافَ بالبيتِ لا تُجزِئُ منه فِديةٌ ولا بَدَلٌ، ولا يُجْزِئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، كان نظيرًا له الطوافُ بالصفَا والمروةِ، لا تُجزِئُ منه فديةٌ ولا جزاءٌ، ولا يُجِزئُ تاركَه إلا العوْدُ لقضائِه، إذْ كانا كلاهُما طَوافين؛ أحدُهما بالبيتِ، والآخرُ بالصفَا والمروةِ، ومَن فرَّق بينَ حُكْميهما عُكِس عليه القولُ فيه، ثم سُئلَ البرهانَ على التفرقةِ بينَهما.
فإنِ اعْتَلَّ بقراءةِ مَن قرَأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما).
ينَ حُكْميهما عُكِس عليه القولُ فيه، ثم سُئلَ البرهانَ على التفرقةِ بينَهما.
فإنِ اعْتَلَّ بقراءةِ مَن قرَأ: (فلا جُنَاحَ عليه أن لا يطَّوَّفَ بهما). قيل: ذلك قراءةُ خلافِ ما في مصاحفِ المسلمينَ، غيرُ جائزٍ لأحدٍ أن يزيدَ في مصاحفِهم
ما ليس فيها، وسواءٌ قرَأ ذلك كذلك قارئٌ، أو قرَأ قارئٌ: ﴿ثُمَّ لْيَقْضُوا تَفَثَهُمْ وَلْيُوفُوا نُذُورَهُمْ وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾ [الحج: ٢٩]، (فلا جُناحَ عليهم أن لا يطَّوَّفوا به) فإنْ جازتْ إحدَى الزيادتينِ اللَّتيْن ليستَا في المصاحِفِ كانت الأخْرَى نظيرتَها، وإلَّا كان مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا، والتَّحَكُّمُ فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ، وقد رُوِيَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةَ.
ن مُجيزُ إحداهُما إذا منَع الأخرى مُتَحَكِّمًا، والتَّحَكُّمُ فلا يَعْجِزُ عنه أحدٌ، وقد رُوِيَ إنكارُ هذه القراءةِ وأن يكونَ التنزيلُ بها، عن عائشةَ.
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبرني مالكُ بنُ أنسٍ، عن هشامِ بنِ عروةَ، عن أبيه، قال: قلت لعائشةَ زوجِ النبيِّ ﷺ وأنا يومئذٍ حديثُ السِّنِّ: أرأيتِ قولَ اللهِ ﷿: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلَّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن لا يطوَّفَ بهما.
نْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾. فما نرَى على أحدٍ شيئًا أن لا يطوَّفَ بهما؟ فقالت عائشةُ: كلَّا لو كانتْ كما تقولُ كانتْ: فلا جُناحَ عليه أن لا يطوَّفَ بهما. إنما أُنزلتْ هذه الآيةُ في الأنصارِ؛ كانوا يُهِلُّونَ لِمَناةَ وكانتْ مَناةُ حَذْوَ قُدَيْدٍ، وكانوا يَتحرَّجون أن يَطُوفُوا بينَ الصفَا والمروَةِ؛ فلمَّا جاء الإسلامُ سألوا رسولَ اللهِ ﷺ عن ذلك، فأنزَل اللهُ: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا﴾.
وقد يَحتمِلُ قراءةُ مَن قرَأ: (فلا جناحَ عليه أن لا يطَّوَّف) [أن يكونَ معناها: فلا جناحَ عليه أن يطَّوَّف ﴿بِهِمَا﴾] - أن تكونَ "لا" التي هي مع "أن" صِلَةً في الكلامِ،
إذْ كان قد تقدَّمَها جَحْدٌ في الكلامِ قبلَها، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، فيكونُ نظيرَ قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢].
قبلَها، وهو قولُه: ﴿فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِ﴾، فيكونُ نظيرَ قولِ اللهِ تعالى ذكرُه: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ [الأعراف: ١٢]. بمعنى ما منعكَ أن تسجدَ، كما قال الشاعر:
ما كان يَرْضَى رسولُ اللهِ فعلَهمُ … والطيِّبان أبو بَكْرٍ ولا عُمَرُ
فلو كان رسمُ المصحفِ كذلك لم يكن فيه لمحتجٍّ به حجةٌ، مع احتمالِ الكلامِ ما وصفْنَا؛ لما بيَّنَّا من أنّ ذلك مما علَّم رسولُ اللهِ ﷺ أمَّتَه في مناسكِهم على ما ذَكَرْنا، ولدَلالةِ القياسِ على صحتِه، فكيف وهو خلافُ رُسومِ مصاحفِ المسلمين، ومما لوْ قرأ به اليومَ قارئٌ كان مُسْتَحِقًّا العقوبةَ؛ لزيادتِه في كتابِ اللهِ ﷿ ما ليس منه؟!
ا وصَفْنا، اعتبارًا بالذي ذكرْنا مِن قراءةِ عبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ، سوَى عاصمٍ فإنه وافَق المدنيِّينَ، فشدّدُوا الطاءَ طلبًا لإدغامِ التاءِ في الطاءِ. وكلْتَا القراءتَينْ معروفةٌ
صحيحةٌ متفِقٌ مَعْنيَاهما غيرُ مُخْتَلِفَينْ؛ لأن الماضِيَ من الفعلِ مع حروفِ الجزاءِ بمعنى المستقبلِ، فبأيِّ هاتَينْ القراءتَينْ قرَأ ذلك قارئٌ فمصيبٌ.
ومعنى ذلك: فمَن تطوَّع بالحجِّ والعمرةِ بعدَ قضاءِ حَجَّتِه الواجبةِ عليه، فإن اللهَ شاكرٌ له على تطوُّعِه له بما تطوَّع به من ذلك ابتغاءَ وجهِه فمجازِيه به، عليمٌ بما قصَد وأرادَ بتطوُّعِه بما تطوَّع منه.
وإنما قلنا: إنَّ الصوابَ في معنى قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا﴾ هو ما وصفْنَا دونَ قولِ مَن زعَم أنه معنيٌّ به: فمَن تطوَّعَ بالسعي والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ. لأن الساعيَ بينَهما لا يكونُ متطوعًا بالسعي بينَهما إلَّا في حجِّ تَطوُّعٍ أو عُمرةِ تطوُّعٍ، لمَا وصفْنَا قبلُ.
بالسعي والطوافِ بينَ الصفا والمروةِ. لأن الساعيَ بينَهما لا يكونُ متطوعًا بالسعي بينَهما إلَّا في حجِّ تَطوُّعٍ أو عُمرةِ تطوُّعٍ، لمَا وصفْنَا قبلُ. وإذ كان ذلك كذلك كان معلومًا أنه إنما عنَى بالتطوُّعِ بذلك، التطوّعَ بما يُعمَلُ ذلك فيه من حجٍّ أو عمرةٍ.
وأما الذين زعَمُوا أن الطوافَ بهما تطوُّعٌ لا واجبٌ، فإن الصوابَ أن يكونَ تأويلُ ذلك على قولِهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بهما فإن اللهَ شاكرٌ. لأنَّ للحاجِّ والمعتمرِ على قولِهم الطوافَ بهما إن شاءَ، وتَرْكَ الطوافِ، فيكونُ معنى الكلامِ على تأويلهم: فمَن تطوَّعَ بالطوافِ بالصفَا والمروةِ، فإنّ اللهَ شاكرٌ تطوعَه ذلك، عليمٌ بما أرادَ ونوَى الطائفُ بهما كذلك.
كما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾.
ما حدثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾. قال: مَن تطوَّعَ خيرًا فهو خيرٌ له، تطوَّع رسولُ اللهِ ﷺ فكانتْ من السُّنَنِ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ.
ذِكرُ مَن قال ذلك
حدثني يونسُ، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ﴾: ومَن تطوَّعَ خيرًا فاعتمرَ فإن اللهَ شاكرٌ عليمٌ؛ قال: فالحجُّ فريضَةٌ، والعمرةُ تطوُّعٌ، ليستِ العمرةُ واجبةً على أحدٍ من الناسِ.
﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا وَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ (١٥٨)﴾
قال الإمام أحمد: حدثنا سليمان بن داود الهاشمي، أخبرنا إبراهيم بن سعد، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة قالت: قلت: أرأيت قول الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ فَمَنْ حَجَّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) قلت: فوالله ما على أحد جناح أن لا يطَّوف بهما؟ فقالت عائشة: بئسما قلت يا ابن أختي إنها لو كانت على ما أوّلتَها عليه كانت: فلا جناح عليه
ألا يطوف بهما، ولكنها إنما أنزلت أن الأنصار كانوا قبل أن يسلموا كانوا يُهِلّون لمناة الطاغية، التي كانوا يعبدونها عند المُشلَّل. وكان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوَّف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطَّوف بالصفا والمروة في الجاهلية.
كان من أهلَّ لها يتحرج أن يطوَّف بالصفا والمروة، فسألوا عن ذلك رسول الله ﷺ، فقالوا: يا رسول الله، إنا كنا نتحرج أن نطَّوف بالصفا والمروة في الجاهلية. فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) إلى قوله: (فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطَّوَّفَ بِهِمَا) قالت عائشة: ثم قد سنّ رسول الله ﷺ الطواف بهما، فليس لأحد أن يَدع الطواف بهما. أخرجاه في الصحيحين.
وفي رواية عن الزهري أنه قال: فحدثت بهذا الحديث أبا بكر بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، فقال: إن هذا العلم، ما كنت سمعته، ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون إن الناس -إلا من ذكرتْ عائشة -كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية.
هذا العلم، ما كنت سمعته، ولقد سمعتُ رجالا من أهل العلم يقولون إن الناس -إلا من ذكرتْ عائشة -كانوا يقولون: إن طوافنا بين هذين الحجرين من أمر الجاهلية. وقال آخرون من الأنصار: إنما أمرنا بالطواف بالبيت، ولم نؤمر بالطواف بين الصفا والمروة، فأنزل الله تعالى: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) قال أبو بكر بن عبد الرحمن: فلعلها نزلت في هؤلاء وهؤلاء.
ورواه البخاري من حديث مالك، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة بنحو ما تقدم. ثم قال البخاري: حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عاصم بن سُليمان قال: سألت أنسًا عن الصفا والمروة قال: كنا نرى ذلك من أمر الجاهلية، فلما جاء الإسلام أمسكنا عنهما، فأنزل الله ﷿: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ).
وذكر القرطبي في تفسيره عن ابن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ، عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية.
ن عباس قال: كانت الشياطين تفرق بين الصفا والمروة الليل كله، وكانت بينهما آلهة، فلما جاء الإسلام سألوا رسول الله ﷺ، عن الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. وقال الشعبي: كان إساف على الصفا، وكانت نائلة على المروة، وكانوا يستلمونهما فتحرجوا بعد الإسلام من الطواف بينهما، فنزلت هذه الآية. قلت: وذكر ابن إسحاق في كتاب السيرة أن إسافا ونائلة كانا بشرين، فزنيا داخل الكعبة فمسخا حجرين فنصبتهما قُريش تجاه الكعبة ليعتبر بهما الناس، فلما طال عهدهما عبدا، ثم حولا إلى الصفا والمروة، فنصبا هنالك، فكان من طاف بالصفا والمروة يستلمهما، ولهذا يقول أبو طالب، في قصيدته المشهورة:
وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم … بمفضى السيول من إساف ونائل
وفي صحيح مسلم [من] حديثُ جابر الطويلُ، وفيه: أن رسول الله ﷺ لما فرغ من طوافه
بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به".
ه
بالبيت، عاد إلى الركن فاستلمه، ثم خرج من باب الصفا، وهو يقول: (إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ مِنْ شَعَائِرِ اللَّهِ) ثم قال: "أبدأ بما بدأ الله به". وفي رواية النسائي: "ابدؤوا بما بدأ الله به".
وقال الإمام أحمد: حدثنا شريح، حدثنا عبد الله بن المؤمل، عن عطاء بن أبي رباح، عن صفية بنت شيبة، عن حَبِيبة بنت أبي تجراة قالت: رأيت رسول الله ﷺ يطوف بين الصفا والمروة، والناس بين يديه، وهو وراءهم، وهو يسعى حتى أرى ركبتيه من شدة السعي يدور به إزاره، وهو يقول: "اسعَوا، فإن الله كتب عليكم السعي".
ثم رواه الإمام أحمد، عن عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن واصل -مولى أبي عُيَينة -عن موسى بن عبيدة عن صفية بنت شيبة، أن امرأة أخبرتها أنها سمعت النبي ﷺ بين الصفا والمروة يقول: "كتب عليكم السعي، فاسعوا".
وقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك].
وقد استُدلّ بهذا الحديث على مذهب من يرى أن السعي بين الصفا والمروة ركن في الحج، كما هو مذهب الشافعي، ومن وافقه [ورواية عن أحمد وهو المشهور عن مالك]. وقيل: إنه واجب، وليس بركن [فإن تركه عمدًا أو سهوا جبره بدم وهو رواية عن أحمد وبه تقول طائفة وقيل: بل مستحب، وإليه ذهب أبو حنيفة والثوري والشعبي وابن سيرين، وروي عن أنس وابن عمر وابن عباس، وحكي عن مالك في العتبية، قال القرطبي: واحتجوا بقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)]. وقيل: بل مستحب. والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم".
العتبية، قال القرطبي: واحتجوا بقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا)]. وقيل: بل مستحب. والقول الأول أرجح، لأنه ﵇ طاف بينهما، وقال: "لتأخذوا عني مناسككم". فكل ما فعله في حَجته تلك واجب لا بد من فعله في الحج، إلا ما خرج بدليل، والله أعلم [وقد تقدم قوله ﵇: "اسعوا فإن الله كتب عليكم السعي"].
فقد بين الله-تعالى -أن الطواف بين الصفا والمروة من شعائر الله، أي: مما شرع الله تعالى لإبراهيم الخليل في مناسك الحج، وقد تقدم في حديث ابن عباس أن أصل ذلك مأخوذ من تطواف هاجر وتردادها بين الصفا والمروة في طلب الماء لولدها، لما نفد ماؤها وزادُها، حين تركهما إبراهيم ﵇ -هنالك ليس عندهما أحد من الناس، فلما خافت الضيعة على ولدها هنالك، ونفد ما عندها قامت تطلب الغوث من الله، ﷿، فلم تزل تردد في هذه البقعة المشرفة بين الصفا والمروة متذللة خائفة وجلة مضطرة فقيرة إلى الله، ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته
له، ﷿، حتى كشف الله كربتها، وآنس غربتها، وفرج شدتها، وأنبع لها زمزم التي ماؤها طعام طعم، وشفاء سقم، فالساعي بينهما ينبغي له أن يستحضر فقره وذله وحاجته إلى الله في هداية قلبه وصلاح حاله وغفران ذنبه، وأن يلتجئ إلى الله،
﷿، ليُزيح ما هو به من النقائص والعيوب، وأن يهديه إلى الصراط المستقيم وأن يثبته عليه إلى مماته، وأن يحوّله من حاله الذي هو عليه من الذنوب والمعاصي، إلى حال الكمال والغُفران والسداد والاستقامة، كما فعل بهاجر ﵍.
وقوله: (فَمَنْ تَطَوَّعَ خَيْرًا) قيل: زاد في طوافه بينهما على قدر الواجب ثامنة وتاسعة ونحو ذلك. وقيل: يطوف بينهما في حجة تطوع، أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. حكى ذلك [فخر الدين] الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم.
طوف بينهما في حجة تطوع، أو عمرة تطوع. وقيل: المراد تطوع خيرًا في سائر العبادات. حكى ذلك [فخر الدين] الرازي، وعزي الثالث إلى الحسن البصري، والله أعلم. وقوله: (فَإِنَّ اللَّهَ شَاكِرٌ عَلِيمٌ) أي: يثيب على القليل بالكثير (عَلِيمٌ) بقدر الجزاء فلا يبخس أحدا ثوابه و ﴿لا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء: ٤٠].