(Allah) berfirman, "Apakah yang menghalangimu (sehingga) kamu tidak bersujud (kepada Adam) ketika Aku menyuruhmu?" (Iblis) menjawab, "Aku lebih baik daripada dia. Engkau ciptakan aku dari api, sedangkan dia Engkau ciptakan dari tanah
القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ
خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن قيلِه لإبليسَ إذ عصاه فلم يسجُدْ لآدمَ إذ أمَره بالسجودِ له. يقولُ: ﴿قَالَ﴾ اللهُ لإبليسَ: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾: أيُّ شيءٍ منَعك ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾: أن تدعَ السجودَ لآدم، ﴿إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ أَن تسجُدَ له؟ ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ﴾. يقولُ: قال إبليسُ: أنا خيرٌ [منه. يَعْنى: مِن آدمَ]، ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
فإن قال قائلٌ: فأخبِرْنا عن إبليسَ، أَلَحِقَتْه المَلامةُ على السجودِ أم على تركِ السجودِ؟ فإن تكنْ لِحقَته المَلامةُ على تركِ السجودِ، فكيف قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ [والنَّكِيرُ إذا كان على تركِ السجودِ فإنَّما يقالُ: ما منَعَك أن تسجدَ.
َته المَلامةُ على تركِ السجودِ، فكيف قيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾؟ [والنَّكِيرُ إذا كان على تركِ السجودِ فإنَّما يقالُ: ما منَعَك أن تسجدَ. وإن كان النكيرُ على السجودِ]، فذلك خلافُ ما جاء به التنزيلُ في سائرِ القرآنِ، وخلافُ ما يعرِفُه المسلمون؟
قيل: إن الملامةَ لم تلحَقْ إبليسَ إلا على معصيتِه ربَّه بتركِه السجودَ لآدمَ إذ أمَره بالسجودِ له، غيرَ أن في تأويلِ قولِه: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾. بينَ أهلِ المعرفةِ بكلامِ العربِ اختلافًا، أبدأُ بذكرِ ما قالوا، ثم أذكُرُ الذي هو أولى ذلك بالصوابِ.
فقال بعضُ نحويى البصرةِ: معنى ذلك: ما مَنَعك أن تسجُدَ. و "لا" ههنا زائدةٌ، كما قال الشاعرُ:
أبى جُودُه لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ به … نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلُهْ
وقال: فَسَّرته العربُ: أَبَى جُودُه البخلَ.
ما قال الشاعرُ:
أبى جُودُه لا البُخْلَ واسْتَعْجَلَتْ به … نَعَمْ مِنْ فَتًى لا يَمْنَعُ الجُوعَ قاتِلُهْ
وقال: فَسَّرته العربُ: أَبَى جُودُه البخلَ. وجعلوا "لا" زائدةً حشوًا ههنا، وَصَلوا بها الكلامَ.
قال: وزَعَم يونسُ أن أبا عمرٍو كان يَجُرُّ البخلَ، ويجعلُ "لا" مضافةً إليه، أراد: أبى جودُه "لا" التي هي للبخلِ. ويجعلُ "لا" مضافةً؛ لأن "لا" قد تكونُ للجودِ والبخلِ؛ لأنه لو قال له: امنعِ الحقَّ ولا تُعْطِ المساكينَ. فقال: "لا". كان هذا جودًا منه.
وقال بعضُ نحويى الكوفةِ نحوَ القولِ الذي ذكرْناه عن البصريِّ في معناه وتأويلِه، غيرَ أنه زَعَم أن العلةَ في دخولِ "لا" في قولِه: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾. أن في أولِ الكلامِ جحدًا، يعنى قولَه: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾.
وتأويلِه، غيرَ أنه زَعَم أن العلةَ في دخولِ "لا" في قولِه: ﴿أَلَّا تَسْجُدَ﴾. أن في أولِ الكلامِ جحدًا، يعنى قولَه: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾. وأن العربَ ربما أعادوا في الكلامِ الذي فيه جحدٌ، جحدًا، كالاستيثاقِ والتوكيدِ له، قال: وذلك كقولِهم:
ما إِنْ رَأَيْنا مِثْلَهُنَّ لمعشرٍ … سُودِ الرءوسِ فَوالجٌ وفُيُولُ
فأعادَ على الجحدِ الذي هو "ما" جحدًا، وهو قولُه: "إنْ".
فجَمَعَهما للتوكيدِ.
وقال آخرُ منهم: ليست "لا"، بحشوٍ في هذا الموضعِ ولا صلةٍ، ولكن المنعَ ههنا بمعنى القولِ.
قال: وإنما تأويلُ الكلامِ: من قال لك: لا تسجُدْ إذ أمرتُك بالسجودِ؟ ولكن دَخَل في الكلامِ "أنْ"، إذ كان المنعُ بمعنى القولِ لا في لفظِه، كما يُفْعَلُ ذلك في سائرِ الكلام الذي يضارعُ القولَ وهو له في اللفظِ مخالفٌ، كقولِهم: ناديتُ ألَّا تَقُمْ. و: حلَفتُ ألَّا تجلسْ. وما أشبهَ ذلك من الكلامِ.
وقال: [خفَض البخلَ] مَن رَوَى: أبى جودُه لا البخلِ.
في اللفظِ مخالفٌ، كقولِهم: ناديتُ ألَّا تَقُمْ. و: حلَفتُ ألَّا تجلسْ. وما أشبهَ ذلك من الكلامِ.
وقال: [خفَض البخلَ] مَن رَوَى: أبى جودُه لا البخلِ. بمعنى: كلمةَ البخلِ؛ لأن "لا" هي كلمةُ البخلِ، فكأنه قال: كلمةَ البخلِ.
وقال بعضُهم: معنى المنعِ الحولُ بينَ المرءِ وما يريدُه. قال: والممنوعُ مضطرٌّ إلى خلافِ ما مُنِعَ منه، كالممنوعِ مِن القيامِ وهو يريدُه، فهو مضطرٌّ مِن الفعلِ إلى ما كان خلافًا للقيامِ، إذ كان المختارُ للفعلِ هو الذي له السبيلُ إليه وإلى خلافِه، فيُؤثِرُ أحدَهما على الآخرِ فيفعلُه. قال: فلما كانت صفةُ المنعِ ذلك، فخوطِب إبليسُ بالمنعِ، فقيل له: ﴿مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ﴾. كان معناه: كأنه قيل له: أيُّ شيءٍ اضطرَّك إلى ألا تسجدَ؟
والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِنَّ في الكلامِ محذوفًا قد كَفَى دليلُ الظاهرِ منه، وهو أن معناه: ما مَنَعك من السجودِ فأحْوجَك ألا تسجدَ؟
والصوابُ عندى مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِنَّ في الكلامِ محذوفًا قد كَفَى دليلُ الظاهرِ منه، وهو أن معناه: ما مَنَعك من السجودِ فأحْوجَك ألا تسجدَ؟ فتَرَك ذكرَ "أحْوجك" استغناءً بمعرفةِ السامعين قولَه: ﴿إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ
السَّاجِدِينَ﴾. أن ذلك معنى الكلامِ، من ذكره، ثم عَمِلَ قولُه: ﴿مَا مَنَعَكَ﴾. في "أنْ" ما كان عاملًا فيه قبلَ "أحْوجَك" لو ظَهَر، إذ كان قد نابَ عنه.
وإنما قلنا: هذا القولُ أولى بالصوابِ؛ لِما قد مَضَى مِن دلالتِنا قبلُ على أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ في كتابِ اللهِ شيءٌ لا معنَى له، وأن لكلِّ كلمةٍ معنًى صحيحًا، فبَيِّنٌ بذلك فسادُ قولِ مَن قال: "لا" في الكلامِ حشوٌ لا معنَى لها.
وأما قولُ مَن قال: معنى المنعِ ههنا القولُ، فلذلك دخلَت "لا" مع "أن". فإن المنعَ وإن كان قد يكونُ قولًا وفعلًا، فليس المعروفَ في الناسِ استعمالُ المنعِ في الأمرِ بتركِ شيءٍ؛ لأن المأمورَ بتركِ الفعلِ إذا كان قادرًا على فعلِه وتركِه، ففعَلَه، لا يقالُ: فَعَله وهو ممنوعٌ مِن فعلِه.
لناسِ استعمالُ المنعِ في الأمرِ بتركِ شيءٍ؛ لأن المأمورَ بتركِ الفعلِ إذا كان قادرًا على فعلِه وتركِه، ففعَلَه، لا يقالُ: فَعَله وهو ممنوعٌ مِن فعلِه. إلا على اسْتكراهٍ للكلامِ. وذلك أن المنعَ من الفعلِ حَوْلٌ بينَه وبينَه، فغيرُ جائزٍ أن يكونَ وهو مَحُولٌ بينَه وبينه فاعلًا له؛ لأنه إن جازَ ذلك وَجَب أن يكونَ محولًا بينَه وبينَه، لا مَحولًا، وممنوعًا لا ممنوعًا.
وبعدُ، فإن إبليسَ لم يأتمِرْ لأمرِ اللهِ بالسجودِ لآدمَ كِبْرًا، فكيف كان يأتمرُ لغيرِه في تركِ أمرِ اللهِ وطاعتِه بتركِه السجودَ لآدمَ، فيجوزَ أن يقالَ له: أيُّ شيءٍ قال لك: لا تسجُدْ لآدمَ إذ أمرتُك بالسجودِ له؟ ولكن معناه إن شاء اللهُ ما قلتُ: ما منَعَك من السجودِ له فأحْوجَك، أو: فأخْرجك، أو: فاضْطرَّك إلى ألا تسجُدَ له. على ما بَيَّنتُ.
[وأمّا قولُه]: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
، أو: فأخْرجك، أو: فاضْطرَّك إلى ألا تسجُدَ له. على ما بَيَّنتُ.
[وأمّا قولُه]: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. فإنه خبرٌ مِن
اللهِ جلّ ثناؤه عن جوابِ إبليسَ إياه إذ سأله ما الذي منَعه من السجودِ لآدمَ فأحْوجَه إلى ألا يسجدَ له، واضْطرَّه إلى خلافِه [أمرَ ربِّه]، وتركه طاعتَه، أن المانعَ كان له من السجودِ، والداعيَ له إلى خلافِ أمرِ ربِّه في ذلك، أنه أشدُّ منه أيْدًا، وأقوى منه قوةً، وأفضلُ منه فضلًا؛ لفضلِ الجنسِ الذي منه خُلِقَ، وهو النارُ، على الذي منه خُلِق آدمُ، وهو الطينُ، فجَهِلَ عدوُّ اللهِ وجهَ الحقِّ، وأخْطأ سبيلَ الصوابِ، إذ كان معلومًا أن مِن جوهرِ النارِ الخِفَّةَ والطيشَ والاضْطرابَ والارتفاعَ علوًّا، والذي في جوهرِها مِن ذلك هو الذي حَمَل الخبيثَ بعد الشقاءِ الذي كان سَبَق له مِن اللهِ في الكتابِ السابقِ، على الاستكبارِ عن السجودِ لآدمَ، والاسْتخْفافِ بأمرِ ربِّه، فأورَثَه العَطَبَ والهلاكَ، وكان معلومًا أن مِن جوهرِ الطينِ الرَّزانةَ
ي الكتابِ السابقِ، على الاستكبارِ عن السجودِ لآدمَ، والاسْتخْفافِ بأمرِ ربِّه، فأورَثَه العَطَبَ والهلاكَ، وكان معلومًا أن مِن جوهرِ الطينِ الرَّزانةَ والأناةَ والحلمَ والحياءَ والتثبُّتَ، وذلك الذي [هو مِن] جوهرِه من ذلك، كان الداعيَ لآدمَ، بعدَ السعادةِ التي كانت سَبَقَت له مِن ربِّه في الكتابِ السابقِ، إلى التوبةِ مِن خطيئتِه، ومسألتِه ربَّه العفوَ عنه والمغفرةَ. ولذلك كان الحسنُ وابنُ سيرينَ يقولان: أولُ مَن قاسَ إبليسُ. يعنيان بذلك القياس الخطأَ.
إلى التوبةِ مِن خطيئتِه، ومسألتِه ربَّه العفوَ عنه والمغفرةَ. ولذلك كان الحسنُ وابنُ سيرينَ يقولان: أولُ مَن قاسَ إبليسُ. يعنيان بذلك القياس الخطأَ. وهو هذا الذي ذكرنا من خطإِ قولِه، وبُعْدِه مِن إصابةِ الحقِّ، في الفضلِ الذي خَصَّ اللهُ به آدمَ على سائرِ خلقِه، من خلقِه إياه بيدِه، ونفخِه فيه مِن روحه، وإسجادِه له ملائكتَه، وتعليمِه أسماءَ كلِّ شيءٍ، مع سائرِ ما خَصَّه اللهُ به مِن كرامتِه، فضَرَبَ عن ذلك كلِّه الجاهلُ صفحًا، وقَصَدَ إلى الاحتجاجِ بأنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، وهو في ذلك أيضًا له غيرُ كُفْءٍ، لو لم يكنْ لآدمَ مِن اللهِ تَكْرِمةٌ بشيءٍ غيرِه، فكيف والذي خُصَّ
به مِن كرامتِه يكثرُ تعدادُه، ويُمَلُّ إحصاؤُه.
حدَّثني عمرُو بنُ مالكٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيْمٍ الطائفيُّ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: أَوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، وما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ إلا بالمقاييسِ.
رُو بنُ مالكٍ، قال: ثنا يحيى بنُ سُلَيْمٍ الطائفيُّ، عن هشامٍ، عن ابن سيرينَ، قال: أَوَّلُ مَن قاسَ إبليسُ، وما عُبِدَت الشمسُ والقمرُ إلا بالمقاييسِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ كثيرٍ، عن ابن شَوْذَبٍ، عن مطرٍ الورَّاقِ، عن الحسنِ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. قال: قاسَ إبليسُ، وهو أولُ من قاسَ.
وبنحوِ ما قلنا في تأويلِ ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عمارةَ، عن أبي روقٍ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ، قال: لمَّا خَلَقَ الله آدمَ قال للملائكةِ الذين كانوا مع إبليسَ خاصةً دونَ الملائكةِ الذين في السماواتِ: اسْجُدُوا لآدمَ. فسَجَدوا كلُّهم أجمعون، إلا إبليسَ [أبَى و] استكبَر، لما كان [حدَّثَتْه به] نفسُه مِن كبرِه واعتزازِه. فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبرُ سِنًّا، وأقوى خَلْقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
َتْه به] نفسُه مِن كبرِه واعتزازِه. فقال: لا أسجدُ له، وأنا خيرٌ منه، وأكبرُ سِنًّا، وأقوى خَلْقًا؛ ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ
نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾. يقولُ: إن النارَ أقوى مِن الطينِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ﴾. قال: ثم جَعَل ذرِّيتَه مِن ماءٍ.
وهذا الذي قاله عدوُّ اللهِ ليس لِما سألَه عنه بجوابٍ، وذلك أن الله تعالى ذكرُه قال له: ما مَنَعك من السجودِ؟ فلم يُجِبْ بأن الذي منعه من السجودِ أنه خُلِقَ مِن نارٍ وخُلِقَ آدمُ من طينٍ، ولكنه ابتدَأ خبرًا عن نفسِه، فيه دليلٌ على موضعِ الجواب، فقال: ﴿أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ﴾.
﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (١٢)﴾
قال بعض النحاة في توجيه قوله تعالى: (مَا [مَنَعَكَ] أَلا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ) لا هاهنا زائدة.
وقال بعضهم: زيدت لتأكيد الجحد، كقول الشاعر:
ما إن رأيتُ ولا سمعتُ بمثله
فأدخل "إن" وهي للنفي، على "ما" النافية؛ لتأكيد النفي، قالوا: وكذلك هاهنا: (مَا مَنَعَكَ أَلا تَسْجُدَ) مع تقدم قوله: ﴿لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ﴾
حكاهما ابن جرير وردهما، واختار أن "منعك" تضمن معنى فعل آخر تقديره: ما أحوجك وألزمك واضطرك ألا تسجد إذ أمرتك، ونحو ذلك. وهذا القول قوي حسن، والله أعلم.
وقول إبليس لعنه الله: (أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ) من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟
نْهُ) من العذر الذي هو أكبر من الذنب، كأنه امتنع من الطاعة لأنه لا يؤمر الفاضل بالسجود للمفضول، يعني لعنه الله: وأنا خير منه، فكيف تأمرني بالسجود له؟ ثم بين أنه خير منه، بأنه خلق من نار، والنار أشرف مما خلقته منه، وهو الطين، فنظر اللعين إلى أصل العنصر، ولم ينظر إلى التشريف العظيم، وهو أن الله تعالى خلق آدم بيده، ونفخ فيه من روحه، وقاس قياسًا فاسدًا في مقابلة نص قوله تعالى: ﴿فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ﴾ [ص: ٧٢] فشذ من بين الملائكة بتَرْك السجود؛ فلهذا أبلس من الرحمة، أي: أيس من الرحمة، فأخطأ قَبَّحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح.
َّحه الله في قياسه ودعواه أن النار أشرف من الطين أيضًا، فإن الطين من شأنه الرزانة والحلم والأناة والتثبت، والطين محل النبات والنمو والزيادة والإصلاح. والنار من شأنها الإحراق والطيش والسرعة؛ ولهذا خان إبليس عنصره، ونفع آدم عنصره في الرجوع والإنابة والاستكانة والانقياد والاستسلام لأمر الله، والاعتراف وطلب التوبة والمغفرة.
وفي صحيح مسلم، عن عائشة، ﵂، قالت: قال رسول الله ﷺ: "خُلِقَت الملائكة من نور، وخُلقَ إبليس من مارج من نار، وخلق آدم مما وُصِفَ لكم" هكذا رواه مسلم.
وقال ابن مَرْدُوَيه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا إسماعيل، عن عبد الله بن مسعود، حدثنا نُعَيم بن حماد، حدثنا عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: "خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من [مارج من] نار، وخلق آدم
مما وُصِفَ لكم". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟
ل رسول الله ﷺ: "خلق الله الملائكة من نور العرش، وخلق الجان من [مارج من] نار، وخلق آدم
مما وُصِفَ لكم". قلت لنعيم بن حماد: أين سمعت هذا من عبد الرزاق؟ قال: باليمن وفي بعض ألفاظ هذا الحديث في غير الصحيح: "وخلقت الحور العين من الزعفران".
وقال ابن جرير: حدثنا القاسم، حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن كثير، عن ابن شَوْذَب، عن مطر الوَرَّاق، عن الحسن في قوله: (خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ) قال: قاس إبليس، وهو أول من قاس. إسناده صحيح.
وقال: حدثني عمرو بن مالك، حدثنى يحيى بن سليم الطائفي عن هشام، عن ابن سيرين قال: أول من قاس إبليس، وما عُبِدت الشمس والقمر إلا بالمقاييس إسناد صحيح أيضا.
قوله تعالى: ﴿قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ﴾ قال بعض العلماء: معناه ما منعك أن تسجد، و"لا" صلة، ويشهد لهذا قوله تعالى: في سورة "ص" ﴿قَالَ يَاإِبْلِيسُ مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾ الآية. وقد أوضحنا زيادة لفظة "لا" وشواهد ذلك من القرآن، ومن كلام العرب في سورة البلد في كتابنا "دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب" والعلم عند الله تعالى.
•
قوله تعالى: ﴿قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (٧٦)﴾ ذكر في هذه الآية الكريمة: أن إبليس -لعنه الله- خلق من نار، وعلى القول بأن إبليس هو الجان الذي هو أبو الجن فقد زاد في مواضع أخر أوصافاً للنار التي خلقه منها. من ذلك أنها نار السموم، كما في قوله: ﴿وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ (٢٧)﴾ ومن ذلك أنها خصوص المارج، كما في قوله: ﴿وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مَارِجٍ مِنْ نَارٍٍ (١٥)﴾ والمارج أخص من مطلق النار؛ لأنه اللهب الذي لا دخان فيه. وسميت نار السموم: لأنها تنفذ في مسام البدن لشدة حرها.
وفي صحيح مسلم عن عائشة ﵂ مرفوعاً "خلقت الملائكة من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما
وصف لكم" ورواه عنها أيضاً الإمام أحمد.
•