Milik Allahlah apa yang ada di langit dan apa yang ada di bumi. Jika kamu nyatakan apa yang ada di dalam hatimu atau kamu sembunyikan, niscaya Allah memperhitungankannya (tentang perbuatan itu) bagimu. Dia mengampuni siapa yang Dia kehendaki dan mengazab siapa yang Dia kehendaki. Allah Mahakuasa atas segala sesuatu
ُه ذلك؛ لأنى بكلِّ شيءٍ عليمٌ، وبيَدى صرفُ كلِّ شيءٍ في السماواتِ والأرضِ وملْكُه، أعلمُ خفيَّ ذلك وجَليَّه، فاتقوا عقابي إياكم على كتمانكم الشهادةَ. وعيدًا مِن اللَّهِ بذلك مَن كتَمها، وتخويفًا منه له به.
ثم أخبَرهم عما هو فاعلٌ بهم في آخرتِهم، وبمَن كان مِن نُظَرائِهم ممن انْطَوى كَشْحًا على معصيةٍ فأضمَرَها، أو أظهَر مُوبِقةً فأبداها مِن نفسِه، مِن المحاسبةِ عليها، فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾. يقولُ: وإِن تُظهِرُوا فيما عندَكم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾.
كم مِن الشهادةِ على حقِّ ربِّ المالِ الجحودَ والإنكارَ، أو تُخْفوا ذلك فتُضْمِروه في أنفسِكم، وغيرَ ذلك مِن سيِّئ أعمالكم، ﴿يُحَاسِبْكُم بِهِ اللهُ﴾. يَعْنى بذلك: يَحْتَسبْ به عليه مِن أعمالِه، فمجازٍ مِن شاء منكم مِن المسيئين سوءَ عملِه، وغافرٌ لمن شَاء منكم مِن المسيئين.
ثم اختلَف أهلُ التأويلِ فيما عنَى بقولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ فقال بعضُهم بما قلنا، مِن أنه عنى به الشهودَ في كِتمانِهم الشهادةَ، وأنه لاحقٌ بهم كلُّ مَن كان مِن نُظرائِهم ممن أضْمَر معصيةً أو أبداها.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني أبو زائدةَ زكريا بنُ يحيى بن أبي زائدةَ، قال: ثنا [ابن فُضيلٍ]، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
ن فُضيلٍ]، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مجاهدٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يَعْنى في الشهادةِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن يزيدَ بن أبي زيادٍ، عن مِقْسمٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الأعلى، قال: سئِل داودُ عن قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فحدَّثنا عن عكرمةَ، قال: هي الشهادةُ إذا كتَمتَها.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾.
مدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمرٍو أبي سعيدٍ، أنه سمِع عكرمةَ يقولُ في هذه في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن السدِّيِّ، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: في الشهادةِ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال أخبَرنا يزيدُ بنُ أبي زيادٍ، عن مِقْسَمٍ، عن ابن عباسٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نزَلت في كِتمانِ الشهادةِ وإقامتِها.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن عكرمةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يعنى: كِتمانَ الشهادةِ وإقامتَها على وجهِها.
وقال آخرون: بل نزَلت هذه الآيةُ إعلامًا مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه عباده أنه مُؤاخذُهم بما كسَبته أيديهم، وحدَّثتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلوه.
ثم اختلف متأوِّلو ذلك كذلك؛ فقال بعضُهم: ثم نسخ اللَّهُ ذلك بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا إسحاقُ بنُ سليمانَ، عن مصعبِ بن ثابتٍ، عن العلاءِ بن عبدِ الرحمنِ بن يعقوبَ، عن أبيه، عن أبي هريرةَ، قال: لما نزَلت: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا! هلَكنا.
ُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فاشتدَّ ذلك على القومِ، فقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، إنا لمُؤاخَذون بما نُحَدِّثُ به أنفسنا! هلَكنا. فأنزَل الله ﷿: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ الآية، إلى قوله: ﴿رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال اللَّهُ: نعم". ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال أبي: قال أبو هريرةَ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "قال الله: نعم".
حدَّثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا [أبي، عن] (١) سفيانَ، عن آدمَ بن سليمانَ، مولى خالدِ بن خالدٍ، قال: سمِعت سعيدَ بنَ جبيرٍ يُحدِّث، عن ابن عباسٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
طَأْنَا﴾] (١) - قال: فقال: قد فعَلتُ. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ مَا عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: قد فعلتُ. ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: قد فعَلتُ.
حدَّثني أبو الردَّادِ المصريُّ عبدُ اللَّهِ بنُ عبدِ السلامِ، قال: ثنا أبو زرعةَ وهبُ اللَّهِ بن راشدٍ، عن حَيْوةَ بن شريحٍ، قال: سمِعت يزيدَ بنَ أبي حبيبٍ يقولُ: قال ابن شهابٍ: حدَّثني سعيدُ بنُ مَرْجانةَ، قال: جئتُ عبدَ اللَّهِ بنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ:
﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه.
للَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. ثم قال ابن عمرَ: لئن آخَذَنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سالت دُموعُه. قال: ثم جئتُ عبد اللَّهِ بنَ العباسِ، فقلت: يا أبا العباسِ، إني جئتُ ابنَ عمرَ، فتلا هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. ثم قال: لئن واخذنا بهذه الآيةِ لنَهْلِكَنَّ. ثم بكَى حتى سالت دُموعُه، فقال ابن عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لعبدِ اللَّهِ بن عمرَ، لقد فَرِق أصحابُ رسولِ الله ﷺ منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
الله ﷺ منها كما فرِق ابن عمرَ منها، فأنزَل اللَّهُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. فنسَخ اللَّهُ الوَسْوَسَةَ، وأثبَت القولَ والفعلَ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: أخبَرني يونسُ بنُ يزيدَ، عن ابن شهابٍ، عن سعيدِ بن مَرْجانَةَ يُحَدِّثُ أنه بينَا هو جالسٌ مع عبدِ اللَّهِ بن عمرَ تلا هذه الآيةَ: ﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه.
َإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فقال: واللَّهِ لئن أخَذَنا اللَّهُ بهذا لنَهْلِكُنَّ. ثم بكَى ابن عمرَ حتى سُمِع نَشِيجُه. فقال ابن مَرْجانةَ: فقُمْت حتى أَتَيْتُ ابن عباس، فذكَرتُ له ما تلا ابن عمرَ، وما فعَل حينَ تلاها، فقال عبدُ اللَّهِ بنُ عباسٍ: يَغْفِرُ اللَّهُ لأبي عبدِ الرحمنِ، لَعَمْرِي لقد وجَد المسلمون منها حين أُنْزِلَت مثلَ مَا وَجَدَ عبدُ اللَّهِ بنُ عمرَ، فأنزَل الله: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ إلى آخرِ السورةِ. قال ابن عباسٍ: له فكانت هذه الوَسْوَسَةُ مما لا طاقةَ للمسلمين بها، وصار الأمرُ إلى أن قضَى اللَّهُ أن للنَفْس ما كسَبت، وعليها ما اكتَسَبَت في القولِ والفعلِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمَرٌ، قال: سمعت الزهريَّ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا.
َ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: قرَأها ابن عمرَ، فبكَى وقال: إنا لمَأخُوذون بما نحدِّثُ به أَنفُسَنا. فبكى حتى سُمِع نشيجُه، فقام رجلٌ مِن عندِه، فأتى ابنَ عباسٍ، فذكَر ذلك له، فقال: يرحَمُ اللَّهُ ابنَ عمرَ، لقد وجَد المسلمون نحوًا مما وجَد، حتى نزَلت: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدَّثني المثنى، قال: ثني إسحاقُ، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، عن جعفرِ بن سليمانَ، عن حميدٍ الأعرجِ، عن مجاهدٍ، قال: كُنْتُ عندَ ابن عمرَ فقال: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية. فبكَى، حتى دَخلتُ على ابن عباسٍ، فذكَرتُ له ذلك، فضحِك ابن عباسٍ فقال: يَرْحَمُ اللَّهُ ابْنَ عَمرَ، أَوَمَا يَدْرِى فيم أنْزِلَت [وكيف أنزلت]؟ إن هذه الآيةَ حينَ أُنْزِلَت غَمَّت أصحابَ رسولِ اللَّهِ ﷺ غَمًّا شديدًا، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، هلَكنا.
بنُ هارونَ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الزهريِّ، عن سالمٍ أن أباه قرَأ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فدمَعت عَيْناه، فبلغ صنيعُه ابنَ عباسٍ، فقال: يَرْحَمُ
الله أبا عبدِ الرحمنِ، لقد صنَع كما صنَع أصحابُ رسولِ اللَّهِ ﷺ حينَ أُنْزِلَت، فنسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال حدَّثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن عطاءِ بن السائبِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: نسَخت هذه الآيةَ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه].
َهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: حدثنا أبو أحمدَ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ مولى خالدٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ بمثلِه].
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن آدمَ بن سليمانَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ قالوا: أنُؤاخَذُ بما حدَّثنا به أنفسَنا ولم تَعْمَلْ به جَوارِحُنا؟ قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾. قال: ويقولُ: قد فَعَلْت. ﴿رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾. قال: ويقولُ: فَعَلْتُ].
ْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَختها الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ وقولُه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا﴾. قال: يُحَاسَبُ بما أبَدى مِن سرٍّ أو أخْفى مِن سرٍّ، فنسَختها التي بعدَها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا هُشَيمٌ، قال: أخبَرنا سيارٌ، عن الشعبيِّ، قال: لما نزَلت هذه الآية: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. قال: فكان فيها شدةٌ، حتى نزَلت هذه الآيةُ التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. قال: فنسَخَت ما كان قبلَها.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيةَ، عن ابن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. حتى بلغ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
بن عونٍ، قال: ذكَروا عندَ الشعبيِّ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. حتى بلغ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. قال: فقال الشعبيُّ: إلى هذا صار، رجَعتْ إلى آخرِ الآيةِ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ، في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
ُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾. قال: فقال ابن مسعودٍ: كانت المحاسبةُ قبل أن تَنْزِلَ: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾. فلما
نزَلت نسَخت الآيةَ التي كانت قبلَها.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يَذْكُرُ عن ابن مسعودٍ نحوَه.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن بيانٍ، عن الشعبيِّ، قال: نسَخت: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾، ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن موسى بن عُبيدة، عن محمدِ بن كعبٍ، وسفيانَ، عن جابرٍ، عن مجاهدٍ، وعن إبراهيمَ بن مهاجرٍ، عن مجاهدٍ، قال: نسَخت هذه الآيةُ: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾ الآية.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسرائيلَ، عن جابرٍ، عن عكرمةَ وعامرٍ بمثلِه.
ال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَخَتْها قولُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: ثني ابن زيدٍ، قال: لما نزَلت هذه الآيةُ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ إلى آخرِ الآيةِ: اشتدَّت على المسلمين، وشقَّت مشقةً شديدةً، وقالوا: يا رسولَ اللَّهِ، لو وقَع في أنفسِنا شيءٌ لم نَعْمَلْ به، واخَذنا اللَّهُ به؟ قال: "فلعلكم تقولُون كما قالت بنو إسرائيلَ لموسى: سمِعنا وعصَينا". قالوا: بل سمِعنا وأطعْنا يا رسولَ اللَّهِ. قال: فنزل القرآنُ يُفَرِّجُها عنهم: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾.
َنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ إلى قولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ﴾. قال: فصيَّره إلى الأعمالِ، وترَك ما يَقَعُ في القلوبِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا الحجَّاجُ، قال: ثنا هُشيمٌ، عن سيّارٍ أبي الحكمِ، عن الشعبيِّ، عن أبي عُبَيدةَ بن عبدِ اللَّهِ بن مسعودٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: نسَخت هذه الآية التي بعدَها: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
حدَّثني موسى، قال: ثنا عمرقو، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: يومَ نزَلت هذه الآيةُ كانوا يؤاخَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به! واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ.
خَذون بما وَسْوسَت به أنفسُهم وما عمِلوا، فشَكَوا ذلك إلى النبيِّ ﷺ، فقالوا: إن عمِل أحَدُنا وإن لم يعملْ أُخِذنا به! واللَّهِ ما نملِكُ الوَسْوسَةَ. فنسَخها اللَّهُ بهذه الآيةِ التي بعدَها بقولِه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فكان حديثُ النفسِ مما لم يُطِيقُوا. الآية.
حدِّثت عن عمارٍ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبي جعفرٍ، عن أبيه قتادةَ، أن عائشةَ أمَّ المؤمنين قالت: نسَخها قوله: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾.
وقال آخَرون - ممن قال: معنى ذلك الإعلامُ من اللَّهِ جَلَّ ثناؤُه عبادَه أنه مؤاخِذُهم بما كسَبته أيديهم وعمِلته جوارحُهم، وبما حدَّثَتهم به أنفسُهم مما لم يَعْمَلُوه -: هذه الآيةُ محكمةٌ غيرُ منسوخةٍ، واللَّهُ محاسبٌ خلقَه على ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
ما عمِلوا مِن عمَلٍ وما لم يَعْمَلوه مما أضمَروه في أنفسهم ونوَوه وأَرَادُوه، فيَغْفِرُه للمؤمنين، ويُؤاخِذُ به أهلَ الكفرِ والنفاقِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فإنها لم تُنْسَخُ، ولكنَّ الله ﷿ إذا جمَع بين الخلائقِ يومَ القيامةِ، يقولُ: إنى أخْبِرُكم بما أخفَيتم في أنفسِكم، مما لم تَطَّلِعْ عليه ملائكتي. فأما المؤمنون فيُخْبِرُهم ويَغْفِرُ لهم ما حدَّثوا به أنفسَهم، وهو قولُه: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾. يقولُ: يُخْبِرُكم. وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
يقولُ: يُخْبِرُكم. وأما أهلُ الشكِّ والرَّيبِ فيُخْبِرُهم بما أخْفَوا مِن التكذيبِ، وهو قولُه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾. وهو قولُه: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٥] من الشكِّ والنفاقِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾: فذلك سرُّ عملك وعلانيَتُه، يحاسبُك به اللَّهُ، فليس مِن عبدٍ مؤمنٍ يُسِرُّ في نفسه خيرًا ليَعْمَلَ به، فإن عمل به كُتِبَت له به عَشْرُ حسناتٍ، وإن هو لم يُقَدَّرْ له أن يَعْمَلَ به كُتِبَت له به حسنةٌ من أجلِ أنه مؤمنٌ، واللَّهُ يَرْضَى سرَّ المؤمنين وعلانيَتَهم، وإن كان سوءًا حدَّث به نفسَه اطَّلَعِ اللَّهُ عليه، أخبَرهَ به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ
به يومَ تُبْلَى السرائرُ، وإن هو لم يَعْمَلْ به لم يُؤاخِذْه اللَّهُ به حتى يَعْمَلَ به، فإن عمِل به تجاوَز اللَّهُ عنه، كما قال: ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ﴾ [الأحقاف: ١٦].
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. قال: قال ابن عباسٍ: إن الله ﵎ يقولُ يومَ القيامةِ: إِنَّ كُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شئِتُ، وأُعَذِّبُ مَن شِئتُ.
ُتَّابي لم يَكْتُبُوا من أعمالِكم إلا ما ظهَر منها، فأما ما أَسْرَرْتُم في أنفسِكم فأنا أُحاسبُكم به اليوم؛ فأَغْفِرُ لمن شئِتُ، وأُعَذِّبُ مَن شِئتُ.
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا عليُّ بن عاصمٍ، قال: أخبَرنا بيانٌ، عن بشرٍ، عن قيسِ بن أبي حازمٍ، قال: إذا كان يومُ القيامةِ قال اللَّهُ ﵎ يُسمِعُ الخلائقَ: إنما كان كُتّابى يكْتُبون عليكم ما ظهرَ منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شِئْتُ، وأعَذِّبُ مَن شِئْتُ.
منكم، فأما ما أَسْرَرْتُم فلم يَكُونُوا يَكْتُبُونه ولا يَعْلَمُونه، أنا اللَّهُ أَعْلَمُ بذلك كلِّه منكم، فأَغْفِرُ لمن شِئْتُ، وأعَذِّبُ مَن شِئْتُ.
حدِّثت عن الحسينِ بن الفرجِ، قال سمِعت أبا معاذٍ، قال: أخبَرنا عبيدُ بنُ عن سليمانَ، قال: سمِعت الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ﴾: كان ابن عباسٍ يقولُ: إذا دُعِى الناسُ للحسابِ، أخبَرهم اللَّهُ بما كانوا يُسِرُّون في أنفسِهم مما لم يَعْمَلوه، فيقولُ: إنه كان لا يَعْزُبُ عنى شيءٌ، وإنى مخبِرُكم بما كنتم تُسِرُّون من السوء، ولم تَكُنْ حَفَظَتى عليكم يطَّلِعون عليه. فهذه المحاسبةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو تُميلةَ، عن عُبَيدِ بن سليمانَ، عن الضحاكِ، عن ابن عباسٍ نحوَه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
ل: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قوله: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: هي مُحْكَمةٌ لم يَنْسَحُها شيءٌ، يقولُ: ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يقولُ: يُعَرِّفُه اللَّهُ
يومَ القيامةِ أنَّك أخفَيت في صدرِك كذا وكذا؛ لا يُؤَاخِذُه.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابن أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن عمرِو بن عُبَيدٍ، عن الحسنِ، قال: هي مُحْكمةٌ لم تُنْسَخُ.
حدَّثني يعقوبُ، قال: ثنا ابن عُلَيَّةَ، قال: ثنا ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: مِن الشكِّ واليقينِ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
أبو عاصمٍ، عن عيسى، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. يَقُولُ: في اليقينِ والشكِّ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
فتأويلُ هذه الآيةِ على قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عليُّ بنُ أبي طلحةَ: وإن تُبْدوا ما في أُنفسِكم مِن سيِّئِ الأعمالِ، فتُظْهِروه بأبدانِكم وجَوارِحِكم، أو تُخفوه فتُسِرُّوه في أنفسِكم، فلم يَطَّلِعْ عليه أحدٌ مِن خلقى، أُحاسِبْكم به، فأَغْفِرُ كلَّ ذلك لأهلِ الإيمانِ بي، وأُعَذِّبُ أهلَ الشكِّ والنفاقِ في ديني.
وأما على الروايةِ التي رَواها عنه الضحاكُ مِن روايةِ عُبيدِ بن سليمانَ عنه، وعلى ما قاله الربيعُ بن أنسٍ، فإن تأويلَها: إن تُظْهِروا ما في أنُفْسِكم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.
كم فتَعْمَلوه مِن المعاصي، أو تُضْمِروا إرادتَه في أنفسِكم فتُخْفُوه، يُعْلِمْكم اللَّهُ به يومَ القيامةِ، فيَغْفِرُ لمن يشاءُ ويُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ.
وأما قولُ مجاهدٍ فشبيهٌ معناه بمعنى قولِ ابن عباسٍ الذي رَواه عنه عليُّ بن أبي طلحةَ.
وقال آخرون ممن قال: هذه الآيةُ محكمةٌ، وهي غيرُ منسوخةٍ. ووافَقوا الذين قالوا: معنى ذلك أن اللَّهَ أعلَمَ عبادَه به ما هو فاعلٌ بهم، فيما أبدَوا وأخفَوا مِن أعمالِهم -: معناها أن اللَّهَ محاسبٌ خلقَه بجميعِ ما أبدَوه مِن سيِّئِ أعمالِهم وجميعِ ما أسروه، ومعاقبُهم عليه، غيرَ أن عقوبتَه إياهم على ما أخفَوه مما لم يَعْمَلوه، ما يَحْدُثُ لهم في الدنيا مِن المصائبِ والأمورِ التي يَحْزَنون عليها ويألَمون لها.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثني يحيى بنُ أبي طالبٍ، قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية.
قال: أخبَرنا يزيدُ، قال: أخبَرنا جويبرٌ، عن الضحاكِ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ الآية. قال: كانت عائشةُ تقولُ: مَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها أرسل اللَّهُ عليه مِن الهمِّ والحزنِ مثلَ الذي همَّ به مِن السيئةِ فلم يَعْمَلُها فكانت كفارتَه.
حدِّثت عن الحسينِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾.
ا معاذٍ يقولُ: أخبَرنا عُبيدٌ، قال: سمِعت الضحاكَ يَقُولُ في قولِه: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. قال: كانت عائشةُ تقولُ: كلُّ عبدٍ يَهُمُّ بمعصيةٍ أو يُحَدِّثُ بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَهْتَمُّ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا أبو تُمَيلةَ، عن عُبيدٍ، عن الضحاكِ، قال: قالت عائشةُ في ذلك: كلُّ عبدٍ همَّ بسوءٍ ومعصيةٍ، وحدَّث بها نفسَه، حاسَبه اللَّهُ بها في الدنيا، يَخَافُ ويَحْزَنُ ويَشْتَدُّ همُّه، لا يَنَالُه مِن ذلك شيءٌ، كما همَّ بالسوءِ ولم يَعْمَلْ منه شيئًا.
حدَّثنا الربيعُ بنُ سليمانَ، قال: ثنا أَسَدُ بنُ موسى، قال: ثنا حمادَ بنُ سلمةَ، عن عليِّ بن زيدٍ، عن أميةَ أنها سألَت عائشةَ هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، و ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣].
شةَ هذه الآيةِ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، و ﴿مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ﴾ [النساء: ١٢٣]. فقالت: ما سألني عنها أحدٌ مُذ سألتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ، فقال: "يا عائشةُ، هذه متابعةُ اللَّهِ العبدَ بما يُصيبُه مِن الحمَّى والنكْبةِ والشَّوكةِ، حتى البِضاعةِ يَضَعُها في كمِّه يَفْقِدُها، فيُرَوَّعُ لها، فيجدُها في ضِبْنِه، حتى إن المؤمنَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ".
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ
منَ ليَخْرُجُ مِن ذُنوبِه كما يَخْرُجُ التِّبْرُ الأحمرُ مِن الكِيرِ".
وأولى هذه الأقوالِ التي ذكَرناها بتأويلِ هذه الآيةِ قولُ مَن قال: إنها مُحْكمةٌ
وليست بمنسوخةٍ، وذلك أن النسخَ لا يكونُ في حكمٍ إلا يَنْفِيه بآخرَ له نافٍ من كلِّ وجوهِه، وليس في قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ نفيُ الحكمِ الذي أعلَم عبادَه بقولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾؛ أن المحاسبةَ ليست بموجبةٍ عقوبةَ اللَّهِ، ولا مُؤاخذةً بما حُوسِب عليه العبدُ مِن ذُنوبِه، وقد أخبَر اللَّهُ جلَّ ثناؤُه عن المجرمين أنهم حينَ تُعْرَضُ عليهم كُتبُ أعمالِهم يومَ القيامةِ يَقُولون: ﴿يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا﴾ [الكهف: ٤٩].
قال في تنزيلِه: ﴿إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا﴾ [النساء: ٣١]. فكذلك محاسبةُ اللَّهِ عبادَه المؤمنينَ بما هو محاسبُهم به من الأمورِ التي أخْفَتها أنفسُهم، غيرُ موجِبةٍ لهم منه عقوبةً، بل محاسبتُه إياهم، إن شاء اللَّهُ، عليها ليُعرِّفَهم بفَضْلِه عليهم بعفوِه لهم عنها، كما بلَغنا عن رسولِ الله ﷺ في الخبرِ الذي حدَّثني به أحمدُ بنُ المِقدامِ، قال: ثنا المُعتمرُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت أبي، عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، عن ابن عمرَ، عن نبيِّ اللَّهِ ﷺ، قال: "يُدْنِي اللَّهُ ﷿ عبدَه المؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم. فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ.
مؤمنَ يومَ القيامةِ حتى يَضَعَ عليه كنَفَه، فيُقَرِّرُه بسيئاتِه، يَقولُ: هل تَعْرِفُ؟ فيَقُولُ: نعم. فيَقُولُ: ستَرتُها في الدنيا وأغْفِرُها اليومَ. ثم يُظْهِرُ له حسناتِه، فَيَقُولُ: ﴿هَاؤُمُ اقْرَءُوا كِتَابِيَهْ﴾ [الحاقة: ١٩] - أو كما قال - وأما الكافرُ فإنه يُنادَى به على
رُءوسِ الأشهادِ".
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبي عَدَيٍّ، عن سعيدٍ وهشامٍ، وحدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: أخبَرنا ابن عُلَيَّةَ، قال: أخبَرنا هشامٌ، قالا جميعًا في حديثِهما: عن قتادةَ، عن صفوانَ بن مُحرِزٍ، قال: بينما نحن نَطُوفُ بالبيتِ مع عبدِ اللهِ بن عمرَ وهو يَطُوفُ، إذ عرَض له رجلٌ، فقال: يابنَ عمرَ، ما سمِعتَ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ في النَّجْوَى؟ فقال: سمِعتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ.
تُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يَقُولُ: "يَدْنُو المؤمنُ مِن ربِّه حتى يَضَعَ عليه كَنَفَه، فيُقَرِّرُه بذُنوبه، فيَقُولُ: هل تَعْرِفُ كذا؟ فيقولُ: ربِّ، أعرِفُ. مرتين، حتى إذا بلَغ به ما شاء اللَّهُ أَن يَبْلُغَ به، قال: فإني قد ستَرتُها عليك في الدنيا وأنا أغْفِرُها لك اليومَ". قال: "فيُعْطَى صحيفةَ حسناتِه أو كتابَه بيمينِه. وأما الكفارُ والمنافقون، فينادَى بهم على رُءوسِ الأشهادِ: ﴿هَؤُلَاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلَا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه يَفْعَلُ بعبدِه المؤمنِ مِن تعريفِه إياه سيئاتِ، أعمالِه، حتى يُعرِّفَهُ تَفَضُّلَه عليه بعفوه له عنها، فكذلك فعلُه، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ بعدَ
تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه.
، تعالى ذكرُه، في محاسبتِه إياه بما أبداه من نفسه وبما أخفاه مِن ذلك، ثم يَغْفِرُ له كلَّ ذنبٍ بعدَ
تعريفِه بفَضْلِه وبكَرَمِه عليه، فيَسْتُرُه عليه. وذلك هو المغفرةُ التي قد وعَد عبادَه المؤمنين، فقال: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾.
فإن قال قائلٌ: فإن قوله ﷿: ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ ينبئُ عن أن جميعَ الخلقِ غير مؤاخَذين إلا بما كسَبَتْه أنفسُهم مِن ذنبٍ، ولا مثابين إلا بما اكتسبته مِن خيرٍ. قيل: إن ذلك كذلك، وغيرُ مؤاخذٍ العبدُ بشيءٍ من ذلك إلا بفعلِ ما نُهى عن فعلِه، أو تركِ ما أُمِر بفعلِه.
فإن قال: فإذ كان ذلك كذلك، فما معنى وعيدِ اللَّهِ ﷿ إيانا على ما أخْفَته أنفسُنا بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ إن كان ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟
كان ﴿لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾، وما أضمرته قلوبُنا وأخْفَته أنفسُنا؛ من همٍّ بذنبٍ، أو إرادةٍ لمعصيةٍ، لم تَكْتَسِبْه جَوارحُنا؟
قيل له: إن اللَّهَ جلَّ ثناؤُه قد وعَد المؤمنين أن يعفوَ لهم عما هو أعظمُ من همٍّ همَّ به أحدُهم مِن المعاصى فلم يَفْعَلْه، وهو ما ذكرنا من وعْدِه إياهم العفوَ عن صغائرِ ذُنوبِهم إذا هم اجْتَنَبوا كبائرَها، وإنما الوعيدُ مِن اللَّهِ جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾ على ما أخفَته نفوسُ الذين كانت أنفسُهم تُخْفِى الشكَّ في اللَّهِ والمريةَ في وحدانيتِه، أو في نبوّةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وما جاء به مِن عندِ اللَّهِ، أو في المَعَادِ والبعثِ من المنافقين، على نحوِ ما قال ابن عباسٍ ومجاهدٌ، ومَن قال بمثلِ قولِهما؛ من أن تأويلَ قولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ﴾.
ولِه: ﴿أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾ على الشكِّ واليقينِ، غيرَ أنَّا نقولُ: إن المُتوعَّدَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ﴾. هو مَن كان إخفاءُ نفسِه ما تُخْفِيه الشكَّ والمِرْيةَ في اللَّهِ، وفيما يكونُ الشكُّ فيه باللَّهِ كفرًا، والموعودَ الغُفْران بقولِه: ﴿فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ﴾ هو الذي إخفاؤه ما يُخْفِيه الهمَّةُ
بالتقدمِ على بعضِ ما نهاه اللهُ عنه، مِن الأمورِ التي كان جائزًا ابتداءُ تحليلِه وإباحتِه، فحرَّمه على خلقِه جل ثناؤُه، أو على تركِ بعض ما أمَره اللهُ بفعلِه، مما كان جائزًا ابتداءُ إباحةِ تركِه، فأوْجَب فعلَه على خلقِه. فإن الذي يَهِمُّ بذلك مِن المؤمنين إذا هو لم يُصَحِّحْ همَّه بما يَهِمُّ به، ويُحَقِّقْ ما أخْفَتْه نفسُه مِن ذلك بالتقدمِ عليه، لم يَكُنْ مأخوذًا، كما رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه".
كُنْ مأخوذًا، كما رُوى عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "مَن همَّ بحسنةٍ فلم يَعْمَلُها كُتِبَت له حسنةٌ، ومَن همَّ بسيئةٍ فلم يَعْمَلْها لم تُكْتَبْ عليه". فهذا الذي وصَفْنا هو الذي يُحاسِبُ اللهُ ﵎ به مؤمنى عبادِه، ثم لا يُعاقِبُهم عليه.
فأما مَن كان ما أَخْفَتْه نفسُه شكًّا في اللهِ، وارْتِيابًا في نبوةِ أنبيائِه، فذلك هو الهالكُ المُخَلَّدُ في النارِ، الذي أوْعَده جلَّ ثناؤُه أن يعذِّبَه العذاب الأليمَ بقولِه: ﴿وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ﴾.
فتأويلُ الآيةِ إذنْ: ﴿وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ﴾ أَيُّهَا النَّاسُ فَتُظْهِروه ﴿أَوْ تُخْفُوهُ﴾ فتَنْطَوِى عليه نفوسُكم ﴿يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾، فيُعرِّفُ مؤمنكم تفَضُّلَه بعفوِه عنه ومغفرتَه له، فيَغْفِرُه له، ويُعَذِّبُ مُنافقِكم على شكِّه الذي انْطَوَت عليه نفسُه في وَحْدانيةِ خالقِه ونبوةِ أنبيائِه.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾
يعنى بذلك جلَّ ثناؤُه: والله على العفوِ عما أخْفَتْه نفسُ هذا المؤمنِ مِن الهِمَّةِ بالخَطيئةِ، وعلى عقابِ هذا الكافرِ على ما أخْفَتْه نفسُه مِن الشكِّ في توحيدِ
اللهِ ونبوةِ أنبيائِه، ومُجازاةِ كلِّ واحدٍ منهما على ما كان منه، وعلى غيرِ ذلك مِن الأمور - قادرٌ.
﴿لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢٨٤)﴾
يخبر تعالى أن له ملك السموات والأرض وما فيهن وما بينهن، وأنه المطلع على ما فيهن، لا تخفى عليه الظواهر ولا السرائر والضمائر، وإن دقت وخفيت، وأخبر أنه سَيُحاسب عباده على ما فعلوه وما أخفوه في صدورهم كما قال: ﴿قُلْ إِنْ تُخْفُوا مَا فِي صُدُورِكُمْ أَوْ تُبْدُوهُ يَعْلَمْهُ اللَّهُ وَيَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ [آل عمران: ٢٩]، وقال: ﴿يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى﴾ [طه: ٧]، والآيات في ذلك كثيرة جدا، وقد أخبر في هذه بمزيد على العلم، وهو: المحاسبة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
بة على ذلك، ولهذا لما نزلت هذه الآية اشتد ذلك على الصحابة، ﵃، وخافوا منها، ومن محاسبة الله لهم على جليل الأعمال وحقيرها، وهذا من شدة إيمانهم وإيقانهم.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم، حدثني أبو عبد الرحمن -
يعني العلاء -عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: لما نزلت على رسول الله ﷺ: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ) اشتد ذلك على أصحاب رسول الله ﷺ، فأتوا رسول الله ﷺ، ثم جثوا على الركب، وقالوا: يا رسول الله، كلفنا من الأعمال ما نُطيق: الصلاة والصيام والجهاد والصدقة، وقد أنزل عليك هذه الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير".
الآية ولا نطيقها. فقال رسول الله ﷺ "أتريدون أن تقولوا كما قال أهل الكتابين من قبلكم: سمعنا وعصينا؟ بل قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير". فلما أقَر بها القوم وذلت بها ألسنتهم، أنزل الله في أثرها: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ فلما فعلوا ذلك نسخها الله فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره.
لِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ إلى آخره.
ورواه مسلم منفردًا به، من حديث يزيد بن زريع، عن روح بن القاسم، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، فذكر مثله ولفظه: "فلما فعلوا [ذلك] نسخها الله، فأنزل: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: نعم، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم".
لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: نعم، ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾ قال: نعم".
حديث ابن عباس في ذلك: قال الإمام أحمد: حدثنا وَكِيع، حدثنا سفيان، عن آدم بن سليمان، سمعت سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله، ﷺ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا". فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله.
َه) قال: دخل قلوبهم منها شيء لم يدخل قلوبهم من شيء، قال: فقال رسول الله، ﷺ: "قولوا سمعنا وأطعنا وسَلَّمنا". فألقى الله الإيمان في قلوبهم، فأنزل الله. ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ﴾ إلى قوله: ﴿فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ﴾
وهكذا رواه مسلم، عن أبي بكر بن أبي شيبة، وأبي كُريب، وإسحاق بن إبراهيم، ثلاثتهم عن وكيع، به وزاد: ﴿رَبَّنَا لا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا﴾ قال: قد فعلت ﴿رَبَّنَا وَلا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا﴾ قال: قد فعلت، ﴿رَبَّنَا وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [فَانْصُرْنَا]﴾ قال: قد فعلت.
وَلا تُحَمِّلْنَا مَا لا طَاقَةَ لَنَا بِهِ﴾ قال: قد فعلت ﴿وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلانَا [فَانْصُرْنَا]﴾ قال: قد فعلت.
طريق أخرى عن ابن عباس: قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر، عن حميد الأعرج، عن مجاهد، قال: دخلت على ابن عباس فقلت: يا أبا عباس، كنت عند ابن عمر فقرأ
هذه الآية فبكى. قال: أيَّة آية؟ قلت: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قال ابن عباس، إن هذه الآية حين أنزلت غَمَّت أصحاب رسول الله ﷺ غمًا شديدًا، وغاظتهم غيظًا شديدًا، يعني، وقالوا: يا رسول الله، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله، ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا". قالوا: سمعنا وأطعنا.
يا رسول الله، هلكنا، إن كنا نؤاخذ بما تكلمنا وبما نعمل، فأما قلوبنا فليست بأيدينا، فقال لهم رسول الله، ﷺ: "قولوا: سمعنا وأطعنا". قالوا: سمعنا وأطعنا. قال: فنسختها هذه الآية: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ﴾ إلى ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ﴾ فتَجوز لهم عن حديث النفس وأخذوا بالأعمال.
طريق أخرى عنه: قال ابن جرير: حدثني يونس، أخبرنا ابن وهب، أخبرني يونس بن يزيد، عن ابن شهاب، عن سعيد بن مَرْجانة، سمعه يحدث أنه بينما هو جالس مع عبد الله بن عمر تلا هذه الآية: (لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) الآية. فقال: والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه.
ْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ) الآية. فقال: والله لئن واخذنا الله بهذا لنهلكن، ثم بكى ابن عمر حتى سُمع نشيجه. قال ابن مَرْجانة: فقمت حتى أتيت ابن عباس، فذكرت له ما قال ابن عمر، وما فعل حين تلاها، فقال عبد الله بن عباس: يغفر الله لأبي عبد الرحمن. لَعَمْري لقد وَجَدَ المسلمون منها حين أنزلت مثل ما وجد عبد الله بن عمر، فأنزل الله بعدها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾ إلى آخر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله، ﷿، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
خر السورة، قال ابن عباس: فكانت هذه الوسوسة مما لا طاقة للمسلمين بها، وصار الأمر إلى أن قضى الله، ﷿، أن للنفس ما كسبت وعليها ما اكتسبت في القول والفعل.
طريق أخرى: قال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا إسحاق، حدثنا يزيد بن هارون، عن سفيان بن حسين، عن الزهري، عن سالم: أن أباه قرأ: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فدمعت عيناه، فبلغ صنيعه ابن عباس، فقال: يرحم الله أبا عبد الرحمن، لقد صنع كما صنع أصحاب رسول الله ﷺ حين أنزلت، فنسختها الآية التي بعدها: ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾.
فهذه طرق صحيحة عن ابن عباس، وقد ثبت عن ابن عمر كما ثبت عن ابن عباس.
قال البخاري: حدثنا إسحاق، حدثنا روح، حدثنا شعبة، عن خالد الحذاء، عن مَرْوان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -أحسبُه ابن عمر - (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قال: نسختها الآية التي بعدها.
حذاء، عن مَرْوان الأصفر، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ -أحسبُه ابن عمر - (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ) قال: نسختها الآية التي بعدها.
وهكذا رُوي عن علي، وابن مسعود، وكعب الأحبار، والشعبي، والنخَعي، ومحمد بن كعب القُرَظي، وعكرمة، وسعيد بن جُبَير، وقتادة: أنها منسوخة بالتي بعدها.
وقد ثبت بما رواه الجماعة في كتبهم الستة من طريق قتادة، عن زرارة بن أوفى، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله تجاوز لي عن أمتي ما حدثت به أنفسها، ما لم تكلَّم أو
تعمل ".
وفي الصحيحين، من حديث سفيان بن عُيَينة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: إذا هَم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنَة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا".
الله ﷺ: "قال الله: إذا هَم عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه، فإن عملها فاكتبوها سيئة، وإذا هم بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنَة، فإن عملها فاكتبوها عشرًا". لفظ مسلم وهو في أفراده من طريق إسماعيل بن جعفر، عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ قال: "قال الله: إذا هم عبدي بحسنة ولم يعملها كتبتها له حسنة، فإن عملها كتبتها عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، وإذا هم بسيئة فلم يعملها لم أكتبها عليه، فإن عملها كتبتها سيئة واحدة".
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن هَمام بن منبه قال: هذا ما حدثنا أبو هريرة، عن محمد رسول الله ﷺ قال: قال رسول الله ﷺ: "قال الله: إذا تحدث عبدي بأن يعمل حسنة، فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها".
تبها له حسنة ما لم يعمل، فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له، ما لم يعملها، فإن عملها فأنا أكتبها له بمثلها". وقال رسول الله ﷺ: "قالت الملائكة: رب، وإن عبدك يريد أن يعمل سيئة -وهو أبصر به -فقال: ارقُبوه، فإن عملها فاكتبوها له بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة، وإنما تركها من جَراي". وقال رسول الله ﷺ: "إذا أحسن أحد إسلامه، فكل حسنة يعملها تكتب بعشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف، وكل سيئة تكتب بمثلها حتى يلقى الله ﷿".
تفرد به مسلم عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق بهذا السياق واللفظ وبعضه في صحيح البخاري.
وقال مسلم أيضا: حدثنا أبو كريب، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن هشام، عن ابن سيرين، عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: "من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [عشرا] إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتِبَت".
ﷺ: "من هَمَّ بحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة، ومن هم بحسنة فعملها كتبت له [عشرا] إلى سبعمائة ضعف، ومن هم بسيئة فلم يعملها لم تكتب، وإن عملها كُتِبَت". تفرد به مسلم دون غيره من أصحاب الكتب.
[وقال مسلم] حدثنا شيبان بن فروخ، حدثنا عبد الوارث، عن الجَعْد أبي عثمان، حدثنا أبو رجاء العُطَاردي، عن ابن عباس، عن رسول الله ﷺ فيما يروي عن ربه تعالى قال: "إن الله كتب الحسنات والسيئات، ثم بين ذلك، فمن هَمّ بحسنة فلم يعملها كَتَبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف، إلى أضعاف كثيرة. وإن هم بسيئة فلم
يعملها كتبها الله عنده حسنة كاملة، وإن هم بها فعملها كتبها الله سيئة واحدة".
ثم رواه مسلم، عن يحيى بن يحيى، عن جعفر بن سليمان، عن الجعد أبي عثمان في هذا الإسناد بمعنى حديث عبد الوارث وزاد: "ومحاها الله، ولا يَهلك على الله إلا هالك".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به.
لك على الله إلا هالك".
وفي حديث سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة قال: جاء ناس من أصحاب رسول الله ﷺ، فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: "وقد وجدتموه؟ " قالوا: نعم. قال: "ذاك صريح الإيمان".
لفظ مسلم وهو عند مسلم أيضًا من طريق الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن رسول الله ﷺ، به. وروى مسلم [أيضا] من حديث مغيرة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبد الله، قال: سئل رسول الله ﷺ عن الوسوسة، قال: "تلك صريح الإيمان". وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّه) فإنها لم تُنْسَخ، ولكن الله إذا جمع الخلائق يوم القيامة يقول: إني أخبركم بما أخفيتم في أنفسكم، مما لم يطلع عليه ملائكتي، فأما المؤمنون فيخبرهم ويغفر لهم ما حدثوا به أنفسهم، وهو قوله: (يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء) وهو قوله: (وَلَكِنْ
َهُ) يقول: يخبركم، وأما أهل الشك والريب فيخبرهم بما أخفوا من التكذيب وهو قوله: (فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاء) وهو قوله: (وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ) [البقرة: ٢٢٥] أي: من الشك والنفاق. وقد روى العوفي والضحاك عنه قريبًا من هذا.
وروى ابن جرير، عن مجاهد والضحاك، نحوه. وعن الحسن البصري أنه قال: هي مُحْكمة لم تنسخ. واختار ابن جرير ذلك، واحتج على أنه لا يلزم من المحاسبة المعاقبة، وأنه تعالى قد يحاسب ويغفر، وقد يحاسب ويعاقب بالحديث الذي رواه عند هذه الآية، قائلا حدثنا ابن بشار، حدثنا ابن أبي عدي، عن سعيد وهشام، (ح) وحدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا ابن عُلَيَّة، حدثنا هشام، قالا جميعًا في حديثهما: عن قتادة، عن صفوان بن مُحْرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر، وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟
ادة، عن صفوان بن مُحْرز، قال: بينما نحن نطوف بالبيت مع عبد الله بن عمر، وهو يطوف، إذ عرض له رجل فقال: يا ابن عمر، ما سمعت رسول الله ﷺ يقول في النجوى؟ فقال: سمعت نبي الله ﷺ يقول: "يدنو المؤمن مِنْ ربه، ﷿، حتى يضع عليه كَنَفَه، فيقرره بذنوبه فيقول: هل تعرف كذا؟ فيقول: رب أعْرف -مرتين -حتى إذا بلغ به ما شاء الله أن يبلغ قال: فإني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم". قال: "فيعطى صحيفة حسناته -أو كتابه -بيمينه، وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الأشهاد: ﴿هَؤُلاءِ الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة، عن قتادة، به.
ينَ كَذَبُوا عَلَى رَبِّهِمْ أَلا لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ﴾ [هود: ١٨] ".
وهذا الحديث مخرج في الصحيحين وغيرهما من طرق متعددة، عن قتادة، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سليمان بن حرب، حدثنا حماد بن سلمة، عن علي بن زيد، عن أمية قالت: سألت عائشة عن هذه الآية: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ) فقالت: ما سألني عنها أحد منذ سألت رسول الله ﷺ عنها فقال: "هذه مبايعة الله العبد، وما يصيبه من الحمى، والنَّكبة، والبضاعة يضعها في يد كمه، فيفتقدها فيفزع لها، ثم يجدها في ضِبْنِه، حتى إن المؤمن ليخرج من ذنوبه كما يخرج التبر الأحمر [من الكير] ".
وكذا رواه الترمذي، وابن جرير من طريق حماد بن سلمة، به. وقال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديثه.
قلت: وشيخه علي بن زيد بن جُدْعان ضعيف، يغرب في رواياته وهو يروي هذا الحديث عن امرأة أبيه: أم محمد أمية بنت عبد الله، عن عائشة، وليس لها عنها في الكتب سواه.