(Sesungguhnya orang-orang yang beriman, orang-orang Yahudi, orang-orang Nasrani dan orang-orang ṣābiīn,31) siapa saja (diantara mereka) yang beriman kepada Allah dan hari akhir, dan melakukan kebajikan, mereka mendapat pahala dari Tuhannya, tidak ada rasa takut pada mereka, dan mereka tidak bersedih hati
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾.
أما ﴿الَّذِينَ آمَنُوا﴾، فهم المُصَدِّقُون رسولَ اللهِ ﷺ فيما أتاهم به مِن الحقِّ مِن عندِ اللهِ، وإيمانُهم بذلك تصديقُهم به، على ما قد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا.
وأما ﴿وَالَّذِينَ هَادُوا﴾، فهم اليهودُ، ومعنى ﴿هَادُوا﴾: تابوا، يقالُ منه: هادَ القومُ يَهودُون [هِوَادًا وَهِيَادةً]. وقيل: إنما سُمِّيَت اليهودُ يهودًا؛ مِن أجلِ قولِهم: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦].
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: إنما سُمِّيَتِ اليهودَ؛ مِن أجْلِ أنهم قالوا: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه ﴿وَالنَّصَارَى﴾.
﴿وَالنَّصَارَى﴾ جمعٌ، واحدُهم نَصْرَانُ، كما واحدُ السَّكارَى سَكْرانُ، وواحدُ النَّشَاوَى نَشْوانُ، وكذلك جمعُ كلِّ نعتٍ كان واحدُه على فَعْلانَ، فإن جمعَه على فَعَالَى، إلا أن المستفيضَ مِن كلامِ العربِ في واحدِ النَّصارَى نَصْرانيٌّ،
وقد حُكِى عنهم سَماعًا: نَصْرانُ. بطرحِ الياءِ، ومنه قولُ الشاعرِ:
تَرَاه إذا دَار العَشِيُّ مُحَنِّفًا … [ويُضْحِى لَدَيْهِ وَهْوَ نَصْرانُ] شامِسُ
وسُمِع منهم في الأنثى نَصْرانةٌ. قال الشاعر:
* [نَصْرانةٌ لم تَحَنَّفِ] *
وقد سُمِع في جَمْعِهم "أنصارٌ" بمعنى النَّصارَى. قال الشاعرُ:
لمَّا رأيْتُ نَبَطًا أنْصارَا
شَمَّرْتُ عن رُكْبَتِىَ الإزارَا
كنتُ لهم مِن النَّصارَى جارَا
وهذه الأبياتُ التى ذكَرْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا، وتَناصُرِهم بينَهم.
َتِىَ الإزارَا
كنتُ لهم مِن النَّصارَى جارَا
وهذه الأبياتُ التى ذكَرْتُها تَدُلُّ على أنهم سُمُّوا نَصارَى لنُصْرةِ بعضِهم بعضًا، وتَناصُرِهم بينَهم. وقد قيل: إنهم إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجْلِ أنهم نزَلوا أرضًا يقالُ لها: ناصِرةُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: النصارى إنما سُمُّوا نَصارَى؛ مِن أجلِ أنهم نزَلُوا أرضًا يقال لها: ناصِرةُ.
ويقولُ آخَرون: لقولِه: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللهِ﴾ [الصف: ١٤].
وقد ذُكِر عن ابنِ عباسٍ مِن طريقٍ غيرِ مُرْتَضًى أنه كان يقولُ: إنما سُمِّيَت النصارى نَصارَى؛ لأن قريةَ عيسى ابنِ مَرْيمَ كانت تُسَمَّى ناصِرةَ، وكان أصحابُه يُسَمَّوْن النَّاصِرِيِّين، وكان يقالُ لعيسى: الناصرىُّ.
حُدِّثْتُ بذلك عن هشامِ بنِ محمدٍ، عن أبيه، عن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ.
ن أبى صالحٍ، عن ابنِ عباسٍ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يزيدُ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ، قال: إنما سُمُّوا نَصارَى؛ لأنهم كانوا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. يَنْزِلُها عيسى ابنُ مريمَ، فهو اسمٌ تَسَمَّوْا به، ولم يُؤْمَروا به.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى﴾ [المائدة: ٨٢]. قال: تَسَمَّوْا بقريةٍ يقالُ لها: ناصِرةُ. كان عيسى ابنُ مريمَ صلى اللهُ عليه يَنْزِلُها.
ا. يعنى به: طلَع.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في مَن يَلْزَمُه هذا الاسمُ مِن أهلِ المِلَلِ، فقال بعضُهم: يَلْزَمُ ذلك كلَّ خارجٍ مِن دينٍ إلى غيرِ دينٍ. وقالوا: الذين عنَى اللهُ بهذا الاسمِ قومٌ لا دينَ لهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، جميعًا عن سُفيانَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ: الصَّابِئُون ليسوا بيهودَ ولا نَصارَى، ولا دينَ لهم.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: حدَّثنا عبدُ الرحمنِ، قال: حدَّثنا سفيانُ، عن الحجاجِ ابنِ أرْطاةَ، عن القاسمِ بنِ أبى بَزَّةَ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن الحجاجِ، عن مُجاهِدٍ، قال: الصابئون بينَ المجوسِ واليهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاجٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك.
يهودِ، لا تُؤْكَلُ ذَبائحُهم، ولا تُنْكَحُ نساؤُهم.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: حدَّثنا حكَّامٌ، عن عَنْبَسةَ، عن حجاجٍ، عن قَتادةَ، عن الحسنِ مثلَ ذلك.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: حدَّثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ اليهودِ والمجوسِ، لا دينَ لهم.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا أبو حُذَيفةَ، قال: حدَّثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مُجاهِدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، قال: قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مُجاهِدٌ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: بينَ المجوسِ واليهودِ، لا دينَ لهم. قال ابنُ جُرَيْجٍ: قلتُ لعَطاءٍ: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾: زعَموا أنها قَبيلةٌ مِن نحوِ السَّوَادِ، ليسوا بمجوسٍ ولا يهودَ ولا نَصارَى. قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبيِّ ﷺ: قد صَبَأ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
قال: قد سمِعْنا ذلك، وقد قال المشركون للنبيِّ ﷺ: قد صَبَأ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾. قال: الصابئون دينٌ مِن الأديانِ، كانوا [بالجزيرةِ، جزيرةِ] المَوْصِلِ، يقولون: لا إلهَ إلا اللهُ. وليس لهم عملٌ ولا كتابٌ ولا نبيٌّ، إلا قولَ: لا إلهَ إلا اللهُ. قال: ولم يُؤْمِنوا برسولِ اللهِ، فمِن أجْلِ ذلك كان المشركون يقولون للنبيِّ ﷺ وأصحابِه: هؤلاء الصابِئون. يُشَبِّهُونهم بهم.
وقال آخَرون: هم قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ ويُصَلُّون القبلةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعْلَى، قال: حدَّثنا المُعْتَمِرُ، عن أبيه، عن الحسنِ، قال: نُبِّئَ زيادٌ أن الصابئين يُصَلُّون القِبْلةَ، ويُصَلُّون الخمسَ، فأراد أن يَضَعَ عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ.
حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾.
عنهم الجِزْيةَ، قال: فخُبِّر بعدُ أنهم يَعْبُدون الملائكةَ.
حدَّثنا بشر، قال: حدَّثنا يزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ قولَه: ﴿وَالصَّابِئِينَ﴾. قال: الصابئون قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويُصَلُّون القِبْلةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ.
حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبي العاليةِ، قال: الصابئون فرقةٌ مِن أهلِ الكتابِ يَقْرَءون الزَّبورَ. قال أبو جعفرٍ -يَعْنِى الرازىَّ-: وبلَغَنى أيضًا أن الصابئين قومٌ يَعْبُدون الملائكةَ، ويَقْرَءون الزَّبورَ، ويُصَلُّون (١) القِبْلَةَ.
وقال آخَرون: بل هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: حدَّثنا أبي، عن سفيانَ، قال: سألتُ السُّدِّىَّ عن الصابِئِين، فقال: هم طائفةٌ مِن أهلِ الكتابِ.
لنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾؟ [قيل: تمامُه] جملةُ قولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. لأن معناه: مَن آمَن منهم باللهِ واليومِ الآخِرِ. فترَك ذكرَ "منهم" لدلالةِ الكلامِ عليه؛ اسْتِغْناءً بما ذكَر عمَّا ترَك ذكْرَه.
فإن قال: وما معنى هذا الكلامِ؟
قيل معناه: إن الذين آمنوا والذين هادوا والنصارى والصابئين، مَن يُؤْمِنْ منهم باللهِ واليومِ الآخِرِ فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم.
فإن قال: وكيف يُؤْمِنُ المؤمنُ؟
قيل: ليس المعنى في المؤمنِ المعنى الذي ظنَنْتَه، مِن انْتِقالٍ مِن دينِ إلى دينِ، كانتقالِ [اليهودِ والنصارى] إلى الإيمانِ -وإن كان قد قيل: إن الذين عُنُوا بذلك مَن كان مِن أهلِ الكتابِ على إيمانِه بعيسى صلى اللهُ عليه، وبما جاء به، حتى أدْرَك محمدًا ﷺ: فآمَن به وصدَّقه، فقيل لأولئك الذين كانوا مؤمنين بعيسى وبما جاء به إذْ أدْرَكوا محمدًا ﷺ: آمِنُوا بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به- ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ في هذا الموضعِ ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبديلَه.
ين بعيسى وبما جاء به إذْ أدْرَكوا محمدًا ﷺ: آمِنُوا بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به- ولكن معنى إيمانِ المؤمنِ في هذا الموضعِ ثباتُه على إيمانِه وتركُه تَبديلَه.
وأما إيمانُ اليهودِ والنصارى والصابئين، فالتصديقُ بمحمدٍ ﷺ، وبما جاء به، فمَن يُؤْمِنْ منهم بمحمدٍ وبما جاء به واليومِ الآخرِ، ويَعْمَلْ صالحًا، فلم يُبَدِّلْ ولم يُغَيِّرْ، حتى تُوُفِّى على ذلك كلِّه، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤُه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾.
حتى تُوُفِّى على ذلك كلِّه، فله ثوابُ عملِه وأجرُه عندَ ربِّه، كما وصَف جلَّ ثناؤُه.
فإن قال قائلٌ: وكيف قال: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾. وإنما لفظُ ﴿مَنْ﴾ لفظُ واحدٍ، والفعلُ معه مُوَحَّدٌ؟
قيل: إنَّ "مَن"، وإن كان الذي يليه مِن الفعلِ مُوَحَّدًا، فإن له معنى الواحدِ والاثنين والجمعِ، والتذكيرِ والتأنيثِ؛ لأنه في كلِّ هذه الأحوالِ على هيئةٍ واحدةٍ وصورةٍ واحدةٍ لا يَتَغَيَّرُ، فالعربُ تُوَحِّدُ معه الفعلَ وإن كان في معنى جَمْعٍ، للفظِه، وتَجْمَعُ أخرى معه الفعلَ لمعناه، كما قال تعالى ذكرُه: ﴿وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ (٤٢) وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنْتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُوا لَا يُبْصِرُونَ﴾ [يونس: ٤٢، ٤٣].
مَع ذكْرَهم في قولِه: ﴿فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ﴾ لمعناه؛ لأنه في معنى جمعٍ.
وأما قولُه: ﴿وَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾. فإنه يعني به جلَّ ذكرُه: ولا خوفٌ عليهم فيما قدِموا عليه مِن أهوالِ القيامةِ، ولا هم يَحْزَنون على ما خلَّفوا وراءَهم مِن الدنيا وعيشِها، عندَ مُعاينتِهم ما أعَدَّ اللهُ لهم مِن الثوابِ والنَّعيمِ المُقيمِ عندَه.
ذكْرُ مَن قال: عُنِى بقولِه: ﴿مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ﴾. مؤمنو أهلِ الكتابِ الذين أدْرَكوا رسولَ اللهِ ﷺ:
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية.
ﷺ:
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: حدَّثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: حدَّثنا أسْباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. قال: نزَلَت هذه الآيةُ في أصحابِ سَلْمانَ الفارسيِّ، وكان سلمانُ رجلًا مِن جُنْدَيْسَابُورَ، وكان مِن أشرافِهم، وكان ابنُ الملكِ صديقًا له مؤاخيًا، لا يقضي واحدٌ منهما أمرًا دونَ صاحبِه، وكانا يَركبانِ إلى الصيدِ جميعًا، فبينما هما في الصيدِ إذ رُفِع لهما بيتٌ مِن عَباءٍ، فأتَياه فإذا هما فيه برجلٍ بينَ يديه مُصْحفٌ يَقرَأُ فيه وهو يَبْكِى،
فسأَلاه: ما هذا؟ فقال: الذى يُرِيدُ أن يَعْلَمَ هذا لا يَقِفُ موقفَكما، فإن كنتما تُرِيدانِ أن تَعْلَما ما فيه فانْزِلا حتى أُعَلِّمَكما. فنزَلا إليه، فقال لهما: هذا كتابٌ جاء مِن عندِ اللهِ، أمَر فيه بطاعتِه، ونهَى [فيه عن معصيتِه:] ألا تزْنىَ، ولا تَسرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسٍ بالباطلِ -فقصَّ عليهما ما فيه- وهو الإنجيلُ الذي أنْزَل اللهُ على عيسى.
، ونهَى [فيه عن معصيتِه:] ألا تزْنىَ، ولا تَسرِقَ، ولا تَأْخُذَ أموالَ الناسٍ بالباطلِ -فقصَّ عليهما ما فيه- وهو الإنجيلُ الذي أنْزَل اللهُ على عيسى. فوقَع فى قلوبهما وتابَعاه فأسْلَما، وقال لهما: إن ذبيحةَ [قومِكما عليكما] حرامٌ. فلم يَزالا معه كذلك يَتَعَلَّمان منه، حتى كان عيدٌ للملكِ، فجعَل طعامًا، ثم جمَع الناسَ والأشرافَ، وأرْسَل إلى ابنِ الملكِ، فدعاه إلى صَنِيعِه ليَأْكُلَ مع الناس، فأبَي الفتى وقال: إنى عنك مَشْغولٌ، فكلْ أنت وأصحابُك. فلما أكْثَر عليه مِن الرسلِ، أخْبَرَهم أنه لا يَأْكُلُ مِن طعامِهم، فبعث الملكُ إلى ابنِه، فدعاه وقال: ما أمْرُك هذا؟ قال: إنا لا نَأْكُلُ مِن ذبائِحكم، إنكم كفارٌ، ليس تَحِلُّ ذبائحُكم. فقال له الملكُ: مَن أمَرَك بهذا؟ فأخْبَرَه أن الراهبَ أمَره بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟ قال: صدَق ابنُك. قال له: لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا. فأجَّلَه أجَلًا.
ره بذلك، فدعا الراهبَ فقال: ماذا يَقُولُ ابنى؟ قال: صدَق ابنُك. قال له: لولا أن الدمَ فينا عظيمٌ لقتَلْتُك، ولكن اخْرُجْ مِن أرضِنا. فأجَّلَه أجَلًا. قال سلمانُ: فقمْنا نَبْكِى عليه، فقال لهما: إن كنتما صادقَيْن، فإنا في بِيعةٍ بالموصلِ مع ستين رجلًا نَعْبُدُ اللهَ فيها، فائْتونا فيها. فخرَج الراهبُ، وبقِى سَلْمانُ وابنُ الملكِ، فجعَل سلمانُ يقولُ لابنِ الملكِ: انْطَلِقْ بنا. وابنُ الملكِ يقولُ: نعم. وجعَل ابنُ
الملكِ يَبيعُ مَتاعَه يُرِيدُ الجَهازَ، فلمَّا أبْطَأ على سلمانَ، خرَج سلمانُ حتى أتاهم، فنزَل على صاحبِه، وهو ربُّ البِيعةِ، وكان أهلُ تلك البِيعةِ [أفضلَ مرتبةً مِن] الرُّهْبانِ، فكان سَلْمانُ معه يَجْتَهِدُ في العبادةِ، ويُتْعِبُ نفسَه، فقال له الشَّيخُ: إنك غلامٌ حَدَثٌ، تَكَلَّفُ مِن العبادةِ ما لا تُطِيقُ، وأنا خائفٌ أن تَفْتُرَ وتَعْجِزَ، فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها. فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذى تَأْمُرُنى به، أهو أفضلُ أو الذي أَصْنَعُ؟ قال: لا، بل الذي تَصْنَعُ؟
فْتُرَ وتَعْجِزَ، فارْفُقْ بنفسِك وخَفِّفْ عنها. فقال له سلمانُ: أرَأَيْتَ الذى تَأْمُرُنى به، أهو أفضلُ أو الذي أَصْنَعُ؟ قال: لا، بل الذي تَصْنَعُ؟ قال: فخلِّ عنى. قال: ثم إن صاحبَ البِيعةِ دعاه، فقال: أتَعْلَمُ أن هذه البِيعةَ لي، وأنا أحَقُّ الناسِ بها، ولو شئتُ أن أُخْرِجَ هؤلاء منها لَفعَلْتُ! ولكنى رجلٌ أضْعُفُ عن عبادةِ هؤلاء، وأنا أُرِيدُ أن أتحوَّلَ مِن هذه البِيعةِ إلى بِيعةٍ أخرى، هم أهونُ عبادةً مِن هؤلاء، فإن شئتَ أن تُقِيمَ هاهنا فأقِمْ، وإن شئتَ أن تَنْطَلِقَ معى فانْطَلِقْ. فقال له سلمانُ: أىُّ البِيعَتَيْن أفضلُ أهلًا؟ قال: هذه. قال سلمانُ: فأنا أكونُ في هذه. فأقام سلمانُ بها، وأوْصَى صاحبُ البِيعةِ عالِمَ البِيعةِ بسَلمانَ، فكان سلمانُ يَتَعَبَّدُ معهم. ثم إن الشيخَ العالِمَ أراد أن يَأْتىَ بيتَ المقدسِ، [فدعا سلمانَ، فقال: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شئتَ] أن تَنْطلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شئتَ أن تُقِيمَ فأقِمْ.
مَ أراد أن يَأْتىَ بيتَ المقدسِ، [فدعا سلمانَ، فقال: إنى أريدُ أن آتىَ بيتَ المقدسِ، فإن شئتَ] أن تَنْطلِقَ معى فانطلِقْ، وإن شئتَ أن تُقِيمَ فأقِمْ. قال له سلمانُ: أيُّهما أفضلُ؛ أنْطَلِقُ معك أوْ أُقِيمُ؟ قال: لا، بل تَنْطَلِقُ معى. فانْطَلَق
معه، فمرُّوا بمُقْعَدٍ على ظهرِ الطريقِ مُلْقًى، فلما رآهما نادَى: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك اللهُ. فلم يُكَلِّمْه، ولم يَنْظُرْ إليه، وانْطَلَقا حتى أتَيَا بيتَ المقدسِ، فقال الشَّيخُ لسلمانَ: اخْرُجْ فاطْلُبِ العلمَ، فإنه يَحْضُرُ هذا المسجدَ عُلماءُ أهلِ الأرضِ. فخرَج سلمانُ يَسْمَعُ منهم، فرجَع يومًا حَزينًا، فقال له الشَّيخُ: ما لك يا سلمانُ؟ قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم.
انُ يَسْمَعُ منهم، فرجَع يومًا حَزينًا، فقال له الشَّيخُ: ما لك يا سلمانُ؟ قال: أَرَى الخيرَ كلَّه قد ذهَب به مَن كان قبلَنا مِن الأنبياءِ وأتباعِهم. قال له الشَّيخُ: يا سلمانُ، لا تَحْزَنْ، فإنه قد بقِى نبيٌّ ليس مِن نبيٍّ أفضلَ تَبَعًا منه، وهذا زمانُه الذي يَخْرُجُ فيه، ولا أُرَانى أُدْرِكُه، وأما أنت فشابٌّ فلعلك أن تُدْرِكَه، وهو يَخْرُجُ في أرضِ العربِ، فإن أدْرَكْتَه فآمِنْ به واتَّبِعْه. فقال له سلمانُ: فأخْبِرْنى عن علامتِه بشيءٍ. قال: نعم، هو مَخْتومٌ في ظهرِه بخاتمِ النُّبُوةِ، وهو يَأْكُلُ الهَديَّةَ، ولا يَأْكُلُ الصدقةَ. ثم رجَعا حتى بلَغا مكانَ المُقْعَدِ، فناداهما فقال: يا سيدَ الرُّهْبانِ، ارْحَمْنى رحِمك اللهُ. فعطَف إليه حمارَه، وأخَذ بيدِه فرَفَعه، وضرَب به الأرضَ، ودعا له، وقال: قُمْ بإذنِ اللهِ. فقام صحيحًا يَشْتَدُّ. فجعَل سلمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إليه يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ.
مْ بإذنِ اللهِ. فقام صحيحًا يَشْتَدُّ. فجعَل سلمانُ يَتَعَجَّبُ وهو يَنْظُرُ إليه يَشْتَدُّ، وسار الراهبُ، فتغَيَّب عن سلمانَ، ولا يَعْلَمُ سَلْمانُ. ثم إن سلمانَ فزِع، فطلَب الراهبَ، [فلقِى رجلين] مِن العربِ مِن كَلْبٍ، فسأَلهما: هل رأيْتُما الراهبَ؟ فأناخ أحدُهما راحلتَه، قال: نِعْمَ راعى الصِّرْمةِ هذا! فحمَله فانْطَلَق به إلى المدينةِ. قال سلمانُ: فأصابَنى مِن الحزنِ شيءٌ لم يُصِبْنى مثلُه قطُّ. فاشْتَرَتْه امرأةٌ مِن جُهَيْنةَ، فكان يَرْعَى عليها هو وغلامٌ لها يَتَراوَحان الغنمَ، هذا يومًا وهذا يومًا، وكان سلمانُ يَجْمَعُ الدراهمَ يَنْتَظِرُ خروجَ
محمدٍ ﷺ؛ فبينا هو يومًا يَرْعَى، إذ أتاه صاحبُه الذى يَعْقُبُه، فقال له: أشَعَرْتَ أنه قدِم اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبىٌّ؟ فقال له سلمانُ: أَقِمْ في الغنمِ حتى آتِيَك.
عَى، إذ أتاه صاحبُه الذى يَعْقُبُه، فقال له: أشَعَرْتَ أنه قدِم اليومَ المدينةَ رجلٌ يَزْعُمُ أنه نبىٌّ؟ فقال له سلمانُ: أَقِمْ في الغنمِ حتى آتِيَك. فهبَط سلمانُ إلى المدينةِ، فنظَر إلى النبيِّ ﷺ ودار حولَه، فلمَّا رآه النبيُّ ﷺ عرَف ما يُرِيدُ، فأرْسَل ثوبَه، حتى خرَج خاتمُه، فلمَّا رآه أتاه وكلَّمه، ثم انْطَلَق، فاشْتَرَى بدينارٍ، ببعضِه شاةً فشواها، وببعضِه خبزًا، ثم أتاه به، فقال: "ما هذا؟ " قال سلمانُ: هذه صدقةٌ، قال: "لا حاجةَ لى بها، فأخْرِجْها فلْيَأْكُلْها المُسْلِمون". ثم انْطَلَق فاشْتَرَى بدينارٍ آخرَ خبزًا ولحمًا، فأتَى به النبيَّ ﷺ، فقال: "ما هذا؟ " قال: هذه هديَّةٌ. قال: "فاقْعُدْ فكُلْ ". فقعَد فأكَلا جميعًا منها، فبينا هو يُحَدِّثُه إذ ذكَر أصحابَه، فأخْبَرَه خبرَهم، فقال: كانوا يَصُومون ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك، ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا. فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُّ اللهِ: "يا سَلْمانُ، هم مِن أهلِ النارِ".
ن ويُصَلُّون ويُؤْمِنون بك، ويَشْهَدون أنك ستُبْعَثُ نبيًّا. فلما فرَغ سلمانُ مِن ثنائِه عليهم قال له نبىُّ اللهِ: "يا سَلْمانُ، هم مِن أهلِ النارِ". فاشْتَدَّ ذلك على سلمانَ، وقد كان قال له سلمانُ: لو أدْرَكوك صدَّقوك واتَّبَعوك. فأنْزَل اللهُ هذه الآيةَ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. فكان إيمانُ اليهودِ أنه مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وسنةِ موسى [كان مؤمنًا]، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها، و يَتَّبِعْ عيسى كان هالكًا.
َوْراةِ وسنةِ موسى [كان مؤمنًا]، حتى جاء عيسى، فلما جاء عيسى كان مَن تمَسَّك بالتَّوْراةِ وأخَذ بسنةِ موسى فلم يَدَعْها، و يَتَّبِعْ عيسى كان هالكًا. وإيمانُ النصارى أنه مَن تمَسَّك بالإنجيلِ منهم وشرائعِ عيسى، كان مؤمنًا مَقْبولًا منه، حتى جاء محمدٌ ﷺ، فمن لم يَتَّبِعْ محمدًا ﷺ
منهم ويَدَعْ ما كان عليه مِن سنةِ عيسى والإنجيلِ، كان هالكًا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا﴾ الآية. قال: سأل سلمانُ الفارسىُّ النبيَّ ﷺ عن أولئك النصارى وما رأَى مِن أعمالِهم، قال: "لم يَمُوتوا على الإسلامِ". قال سلمانُ: فأظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ اجتهادَهم. فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: "نَزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابِك".
يَمُوتوا على الإسلامِ". قال سلمانُ: فأظْلَمَت علىَّ الأرضُ، وذكرتُ اجتهادَهم. فنزَلَت هذه الآيةُ، فدعا سلمانَ فقال: "نَزَلَت هذه الآيةُ فى أصحابِك". ثم قال النبىُّ ﷺ: "مَن مات على دينِ عيسى، ومن (٢) مات على دينِ الإسلامِ قبلَ أن يَسْمَعَ بى، فهو على خيرٍ، ومَن سمِع بىَ اليومَ ولم يُؤْمِنْ بى فقد هلَك".
وقال ابنُ عباسٍ بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: حدَّثنا أبو صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ﴾. إلى قولِه: ﴿وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾.
زيزِ فى قولِ اللهِ جلَّ وعزَّ: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾. قال: هى منسوخةٌ، نسخَتها: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا﴾].
وهذا الخبرُ يَدُلُّ على أن ابنَ عباسٍ كان يَرَى أن اللهَ تعالى ذكرُه قد كان وعَد مَن عمِل صالحًا مِن اليهودِ والنصارى والصابئين على عملِه في الآخرةِ الجنةَ، ثم نسَخ ذلك بقولِه: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ﴾.
فتأويلُ الآيةِ إذن على ما ذكَرْنا عن مجاهدٍ والسدىِّ: إن الذين آمَنوا مِن هذه الأمةِ، والذين هادُوا والنصارى والصابئين -مَن آمَن مِن اليهودِ والنصارى والصابئين باللهِ واليومِ الآخرِ- فلهم أجرُهم عندَ ربِّهم، ولا خوفٌ عليهم ولا هم يحزَنون.
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُمْ أَجْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ (٦٢)﴾
لما بين [الله] تعالى حال من خالف أوامره وارتكب زواجره، وتعدى في فعل ما لا إذن فيه وانتهك المحارم، وما أحلّ بهم من النكال، نبه تعالى على أن مَنْ أحسن من الأمم السالفة وأطاع، فإن له جزاء الحسنى، وكذلك الأمر إلى قيام الساعة؛ كُلّ من اتبع الرسول النبي الأمي فله السعادة الأبدية، ولا خوف عليهم فيما يستقبلونه، ولا هُمْ يحزنون على ما يتركونه ويخلفونه، كما قال تعالى: ﴿أَلا إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ [يونس: ٦٢] وكما تقول الملائكة للمؤمنين عند الاحتضار في قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ
ُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلائِكَةُ أَلا تَخَافُوا وَلا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠].
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر العَدني، حدثنا سفيان، عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، قال: قال سلمان: سألت النبي ﷺ عن أهل دين كنت معهم، فذكرتُ من صلاتهم وعبادتهم، فنزلت: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) إلى آخر الآية.
وقال السدي: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَعَمِلَ صَالِحًا) الآية: نزلت في أصحاب سلمان الفارسي، بينا هو يحدث النبي ﷺ إذْ ذكر أصحابه، فأخبره خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله ﷺ: "يا سلمان، هم من أهل النار".
خبرهم، فقال: كانوا يصومون ويصلون ويؤمنون بك، ويشهدون أنك ستبعث نبيًا، فلما فرغ سلمان من ثنائه عليهم، قال له نبي الله ﷺ: "يا سلمان، هم من أهل النار". فاشتد ذلك على سلمان، فأنزل الله هذه الآية، فكان إيمان اليهود: أنه من تمسك بالتوراة وسنة موسى، ﵇؛ حتى جاء عيسى. فلما جاء عيسى كان من تمسك بالتوراة وأخذ بسنة موسى، فلم يدعها ولم يتبع عيسى، كان هالكًا. وإيمان النصارى أن من تمسك بالإنجيل منهم وشرائع عيسى كان مؤمنًا مقبولا منه حتى جاء محمد ﷺ، فمن لم يتبعْ محمدًا ﷺ منهم ويَدَعْ ما كان عليه من سنة عيسى والإنجيل -كان هالكا.
وقال ابن أبي حاتم: وروي عن سعيد بن جبير نحو هذا.
قلت: وهذا لا ينافي ما روى عَليّ بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالنَّصَارَى وَالصَّابِئِينَ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ) الآية فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
ِ) الآية فأنزل الله بعد ذلك: ﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾ [آل عمران: ٨٥].
فإن هذا الذي قاله [ابن عباس] إخبار عن أنه لا يقبل من أحد طريقة ولا عملا إلا ما كان موافقًا لشريعة محمد ﷺ بعد أن بعثه [الله] بما بعثه به، فأما قبل ذلك فكل من اتبع الرسول في زمانه فهو على هدى وسبيل ونجاة، فاليهود أتباع موسى، ﵇، الذين كانوا يتحاكمون إلى التوراة في زمانهم.
واليهود من الهوادة وهي المودة أو التهود وهي التوبة؛ كقول موسى، ﵇: ﴿إِنَّا هُدْنَا إِلَيْكَ﴾ [الأعراف: ١٥٦] أي: تبنا، فكأنهم سموا بذلك في الأصل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.
[وقيل: لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب ﵇، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة].
صل لتوبتهم ومودتهم في بعضهم لبعض.
[وقيل: لنسبتهم إلى يهوذا أكبر أولاد يعقوب ﵇، وقال أبو عمرو بن العلاء: لأنهم يتهودون، أي: يتحركون عند قراءة التوراة].
فلما بعث عيسى ﷺ وجب على بني إسرائيل اتباعه والانقياد له، فأصحابه وأهل دينه هم النصارى، وسموا بذلك لتناصرهم فيما بينهم، وقد يقال لهم: أنصار أيضًا، كما قال عيسى، ﵇: ﴿مَنْ أَنْصَارِي إِلَى اللَّهِ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ نَحْنُ أَنْصَارُ اللَّهِ﴾ [آل عمران: ٥٢] وقيل: إنهم إنما سُمّوا بذلك من أجل أنهم نزلوا أرضًا يقال لها ناصرة، قاله قتادة وابن جُرَيج، وروي عن ابن عباس أيضًا، والله أعلم.
والنصارى: جمع نصران كنشاوى جمع نشوان، وسكارى جمع سكران، ويقال للمرأة: نصرانة، قال الشاعر:
نصرانة لم تَحَنَّفِ
فلما بعث الله محمدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقُه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون [حقا].
مدًا ﷺ خاتمًا للنبيين، ورسولا إلى بني آدم على الإطلاق، وجب عليهم تصديقُه فيما أخبر، وطاعته فيما أمر، والانكفاف عما عنه زجر. وهؤلاء هم المؤمنون [حقا]. وسميت أمة محمد ﷺ مؤمنين لكثرة إيمانهم وشدة إيقانهم، ولأنهم يؤمنون بجميع الأنبياء الماضية والغيوب الآتية. وأما الصابئون فقد اختلف فيهم؛ فقال سفيان الثوري، عن ليث بن أبي سليم، عن
مجاهد، قال: الصابئون قوم بين المجوس واليهود والنصارى، ليس لهم دين. وكذا رواه ابن أبي نجيح، عنه وروي عن عطاء وسعيد بن جبير نحو ذلك.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس، والسدي، وأبو الشعثاء جابر بن زيد، والضحاك [وإسحاق بن راهويه] الصابئون فرقة من أهل الكتاب يقرؤون الزبور.
[ولهذا قال أبو حنيفة وإسحاق: لا بأس بذبائحهم ومناكحتهم].
وقال هشيم عن مطرف: كنا عند الحكم بن عتيبة فحدثه رجل من أهل البصرة عن الحسن أنه كان يقول في الصابئين: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين، فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
ن: إنهم كالمجوس، فقال الحكم: ألم أخبركم بذلك.
وقال عبد الرحمن بن مهدي، عن معاوية بن عبد الكريم: سمعت الحسن ذكر الصابئين، فقال: هم قوم يعبدون الملائكة.
[وقال ابن جرير: حدثنا محمد بن عبد الأعلى، حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه، عن الحسن قال: أخبر زياد أن الصابئين يصلون إلى القبلة ويصلون الخمس. قال: فأراد أن يضع عنهم الجزية. قال: فخبر بعد أنهم يعبدون الملائكة].
وقال أبو جعفر الرازي: بلغني أن الصابئين قوم يعبدون الملائكة، ويقرؤون الزبور، ويصلون إلى القبلة.
وكذا قال سعيد بن أبي عروبة، عن قتادة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا يونس بن عبد الأعلى، أخبرنا ابن وهب، أخبرني ابن أبي الزناد، عن أبيه، قال: الصابئون قوم مما يلي العراق، وهم بكوثى، وهم يؤمنون بالنبيين كلهم، ويصومون من كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وهب بن منبه عن الصابئين، فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرًا.
كل سنة ثلاثين يوما ويصلون إلى اليمن كل يوم خمس صلوات.
وسئل وهب بن منبه عن الصابئين، فقال: الذي يعرف الله وحده، وليست له شريعة يعمل بها ولم يحدث كفرًا.
وقال عبد الله بن وهب: قال عبد الرحمن بن زيد: الصابئون أهل دين من الأديان، كانوا بجزيرة الموصل يقولون: لا إله إلا الله، وليس لهم عمل ولا كتاب ولا نبي إلا قول: لا إله إلا الله، قال: ولم يؤمنوا برسول، فمن أجل ذلك كان المشركون يقولون للنبي ﷺ وأصحابه: هؤلاء الصابئون، يشبهونهم بهم، يعني في قول: لا إله إلا الله.
وقال الخليل هم قوم يشبه دينهم دين النصارى، إلا أن قبلتهم نحو مهب الجنوب، يزعمون
أنهم على دين نوح، ﵇. وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، قال ابن عباس: ولا تنكح نساؤهم.
على دين نوح، ﵇. وحكى القرطبي عن مجاهد والحسن وابن أبي نجيح: أنهم قوم تركب دينهم بين اليهود والمجوس، ولا تؤكل ذبائحهم، قال ابن عباس: ولا تنكح نساؤهم. قال القرطبي: والذي تحصل من مذهبهم فيما ذكره بعض العلماء أنهم موحدون ويعتقدون تأثير النجوم، وأنها فاعلة؛ ولهذا أفتى أبو سعيد الإصطخري بكفرهم للقادر بالله حين سأله عنهم، واختار فخر الدين الرازي أن الصابئين قوم يعبدون الكواكب؛ بمعنى أن الله جعلها قبلة للعبادة والدعاء، أو بمعنى أن الله فوض تدبير أمر هذا العالم إليها، قال: وهذا القول هو المنسوب إلى الكشرانيين الذين جاءهم إبراهيم الخليل، ﵇، رادًا عليهم ومبطلا لقولهم.
وأظهر الأقوال، والله أعلم، قول مجاهد ومتابعيه، ووهب بن منبه: أنهم قوم ليسوا على دين اليهود ولا النصارى ولا المجوس ولا المشركين، وإنما هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
هم قوم باقون على فطرتهم ولا دين مقرر لهم يتبعونه ويقتفونه؛ ولهذا كان المشركون ينبزون من أسلم بالصابئي، أي: أنه قد خرج عن سائر أديان أهل الأرض إذ ذاك.
وقال بعض العلماء: الصابئون الذين لم تبلغهم دعوة نبي، والله أعلم.