QS 2:61
Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 61
2:61
وَإِذۡ قُلۡتُمۡ يَٰمُوسَىٰ لَن نَّصۡبِرَ عَلَىٰ طَعَامٖ وَٰحِدٖ فَٱدۡعُ لَنَا رَبَّكَ يُخۡرِجۡ لَنَا مِمَّا تُنۢبِتُ ٱلۡأَرۡضُ مِنۢ بَقۡلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَاۖ قَالَ أَتَسۡتَبۡدِلُونَ ٱلَّذِي هُوَ أَدۡنَىٰ بِٱلَّذِي هُوَ خَيۡرٌۚ ٱهۡبِطُواْ مِصۡرٗا فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلۡتُمۡۗ وَضُرِبَتۡ عَلَيۡهِمُ ٱلذِّلَّةُ وَٱلۡمَسۡكَنَةُ وَبَآءُو بِغَضَبٖ مِّنَ ٱللَّهِۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمۡ كَانُواْ يَكۡفُرُونَ بِـَٔايَٰتِ ٱللَّهِ وَيَقۡتُلُونَ ٱلنَّبِيِّـۧنَ بِغَيۡرِ ٱلۡحَقِّۚ ذَٰلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعۡتَدُونَ
Dan (ingatlah), ketika kamu berkata, "Wahai Musa! Kami tidak tahan hanya (makan) dengan satu macam makanan saja, maka mohonkanlah kepada Tuhanmu untuk kami, agar Dia memberi kami apa yang ditumbuhkan bumi, seperti: sayur-mayur, mentimun, bawang putih, kacang adas dan bawang merah." Dia (Musa) menjawab, "Apakah kamu meminta sesuatu yang buruk sebagai ganti dari sesuatu yang baik? Pergilah ke suatu kota, pasti kamu memperoleh apa yang kamu minta." Kemudian mereka ditimpa kenistaan dan kemiskinan, dan mereka (kembali) mendapat kemurkaan dari Allah. Hal itu (terjadi) karena mereka mengingkari ayat-ayat Allah dan membunuh para nabi tanpa hak (alasan yang benar). Yang demikian itu karena mereka durhaka dan melampaui batas
Tanya tentang ayat ini
Kata per kata
Lafadz, lema, dan akar tiap kata. Klik sebuah kata untuk melihat
seluruh ayat yang memakai akar yang sama.
Tafsir dalam korpus (85 potongan)
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 19) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 19 ·
#51089
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قال موسى لهم: أتَأْخُذون الذى هو أخسُّ خَطَرًا وقيمةً وقَدْرًا مِن العيشِ، بدلًا بالذى هو خيرٌ منه خطرًا وقيمةً وقدرًا؟ وذلك كان استبدالَهم.
وأصلُ الاسْتِبْدالِ هو تركُ شيءٍ لآخرَ غيرِه مكانَ المتروكِ.
ومعنى قولِه: ﴿أَدْنَى﴾: أخَسُّ وأوضعُ وأصغرُ قَدْرًا وخَطَرًا. وأصلُه مِن قولِهم: هذا رجلٌ دَنِيٌّ بَيِّنُ الدَّناءةِ، وإنه ليُدَنِّى في الأمورِ. بغيرِ همزٍ. إذا كان يَتَتَبَّعُ خسائسَها. وقد ذُكِر الهمزُ عن بعضِ العربِ فيه سماعًا منهم، يقولون: ما كنتَ دَنِيئًا، ولقد دَنأْتَ. وأنْشَدنى بعضُ أصحابِنا عن غيرِه أنه سمِع بعضَ بنى كِلابٍ
يُنْشِدُ بيتًا للأعْشَى:
باسِلةُ الوَقْعِ سَرابِيلُها … بِيضٌ إلى دانئِها الظاهرِ
يَهْمِزُ الدانئَ. وأنه سمِعهم يقولون: إنه لَدانئٌ خَبيثٌ. بالهمزِ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 20) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 20 ·
#51090
يُنْشِدُ بيتًا للأعْشَى:
باسِلةُ الوَقْعِ سَرابِيلُها … بِيضٌ إلى دانئِها الظاهرِ
يَهْمِزُ الدانئَ. وأنه سمِعهم يقولون: إنه لَدانئٌ خَبيثٌ. بالهمزِ. فإن كان ذلك عنهم صحيحًا، فالهمزُ فيه لغةٌ، وتركُه أخْرَى.
ولا شكَّ أن من اسْتَبْدَل بالمنِّ والسلْوى البَقْلَ والقِثَّاءَ والعَدَسَ والبَصَلَ والثُّومَ، فقد اسْتَبْدَلَ الوَضِيعَ مِن العيشِ بالرفيعِ منه.
وقد تأوَّل بعضُهم قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾ بمعنى: الذى هو أقربُ. ووجَّه قولَه: ﴿أَدْنَى﴾ إلى أنه أفْعَلُ؛ مِن الدُّنُوِّ الذى هو بمعنى القربِ.
وبنحوِ الذى قلنا في معنى قولِه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قاله عددٌ مِن أهلِ التأويلِ في تأويلِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 20) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 20 ·
#51091
ه.
ذكرُ من قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: حدَّثنا يَزيدُ، قال: حدَّثنا سعيدٌ، عن قَتادةَ: ﴿أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ﴾. يقولُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الذى هو شرٌّ بالذى هو خيرٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنا حجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهدٍ قولَه: ﴿الَّذِي هُوَ أَدْنَى﴾. قال: أَرْدَأُ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 21) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 21 ·
#51092
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
وتأويلُ ذلك: فدعا موسي، فاسْتَجَبْنا له، فقلْنا لهم: اهْبِطوا مصرًا. وهو مِن المحذوفِ الذى اجْتُزِئ بدَلالةِ ظاهرِه عن ذِكْرِ ما حُذِف وتُرِك منه.
وقد دلَّلْنا فيما مضَى على أنَّ معنى الهبوطِ إلى المكانِ إنما هو النزول إليه والحُلولُ به.
فتأويلُ الآيةِ إذن: وإذ قلتُم: يا موسي، لن نصبِرَ على طعامٍ واحدٍ، فادْعُ لنا ربَّك يُخْرِجْ لنا مما تُنْبِتُ الأرضُ من بقلِها وقثَّائِها وفُومِها وعدَسِها وبصلِها. قال موسى لهم: أَتَسْتَبْدِلُون الذى هو أَخَسُّ وأَرْدَأُ مِن العيشِ بالذى هو خيرٌ منه؟ فدعا لهم موسى ربَّه أن يُعْطِيَهم ما سأَلوه، فاسْتَجاب اللهُ له دعاءَه، فأعْطاهم ما طلَبوا، وقال اللهُ تعالى ذكره لهم: اهْبِطُوا مِصْرًا فإن لكم ما سألتُم.
ثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ "المِصْرِ" وإجْرائِه.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 21) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 21 ·
#51093
ما سألتُم.
ثم اخْتَلفت القَرأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. فقرَأته عامَّةُ القَرأةِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ بتَنْوينِ "المِصْرِ" وإجْرائِه. وقرَأه بعضُهم بتركِ التنوينِ وحذفِ الألفِ منه. فأما الذين نَوَّنوه وأجْرَوْه، فإنهم عنَوْا به مصرًا مِن الأمصارِ لا مصرًا بعينِه. فتأويلُه على قراءتِهم: اهْبِطوا مصرًا مِن الأمصارِ، لأنكم في [البَرِّ و] البَدْوِ، والذى طلَبْتُم لا يكونُ في البَوادِى والفَيافِي، وإنما يكونُ في القُرى والأمصارِ؛ فإنَّ لكم إذا هبَطْتُموه ما سألْتُم مِن العيشِ. وقد يجوزُ أن يكونَ بعضُ
مَن قرَأ ذلك بالإجْراءِ والتَّنْوينِ، كان تأويلُ الكلامِ عندَه: اهْبِطوا مصرًا البلدةَ التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ، وهى مصرُ التى خرَجوا عنها. غيرَ أنه أجْراها ونوَّنها اتِّباعًا منه خَطَّ المصحفِ؛ لأنَّ في المصحفِ ألفًا ثابتةً في "مصرَ"، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك بالإجْراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةِ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا (١٥) قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥، ١٦].
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 22) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 22 ·
#51094
ي "مصرَ"، فيَكونُ سبيلُ قراءتِه ذلك بالإجْراءِ والتنوينِ سبيلَ قراءةِ مَن قرأ: (كَانَتْ قَوَارِيرًا (١٥) قَوَارِيرًا مِنْ فِضَّةٍ) [الإنسان: ١٥، ١٦]. مُنَوَّنةً، اتِّباعًا منه خطَّ المُصْحفِ.
وأما الذى لَمْ يُنَوِّنْ "مصرَ"، فإنه لا شكَّ أنه عنَى "مصرَ" التى تُعْرَفُ بهذا الاسمِ بعينِها دونَ سائرِ البُلْدانِ غيرِها.
وقد اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في تأويلِ ذلك نظيرَ اخْتِلافِ القَرأةِ في قراءتِه؛ فحدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، عن سعيدٍ، عن قَتادةَ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾ أىْ: مِصرًا مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾.
حدَّثني موسي، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّديِّ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾: مِن الأمصارِ، ﴿فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ﴾. فلمَّا خرَجوا مِن التِّيهِ رُفع المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثَنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 22) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 22 ·
#51095
المنُّ والسَّلْوَى وأكَلوا البُقولَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثَنا الحسينُ، قال: حدَّثني حجاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مُجاهِدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، زعَموا أنهم لَمْ يَرْجِعوا إلى مصرَ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن قَتادةَ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: يعنى مصرًا مِن الأمصارِ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: مِصْرًا مِن الأمصارِ، ومصرُ لا تُجْرَى في الكتابِ. فقالوا: أىُّ مصرٍ؟ قال: الأرضُ المقدَّسةُ. وقرَأ قولَ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ﴾ [المائدة: ٢١].
وقال آخَرون: هى مصرُ التى كان بها فرعونُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 23) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 23 ·
#51096
فرعونُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. قال: يعنى به مصرَ فرعونَ.
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ مثلَه.
ومِن حُجَّةِ مَن قال: إن اللهَ تعالى ذكرُه إنما عنَى بقولِه: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. مصرًا مِن الأمصارِ دون مصرِ فرعونَ بعينِها - أن اللهَ ﵎ جعَل أرضَ الشامِ لبنى إسرائيلَ مَساكنَ بعدَ أن أخْرَجَهم مِن مصرَ، وإنما ابْتَلاهم بالتِّيهِ بامتناعِهم على موسى صلى اللهُ عليه في حربِ الجبَابرةِ، إذ قال لهم: ﴿يَاقَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ﴾. ﴿قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤].
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 23) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 23 ·
#51097
قَالُوا يَامُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ
وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ﴾ [المائدة: ٢٤]. فحرَّم اللهُ ﷿ على قائلِى ذلك -فيما ذُكِر لنا- دخولَها حتى هلَكوا في التِّيهِ، وابْتَلاهم بالتَّيَهانِ في الأرضِ أربعين سنةً، ثم أهْبَط ذرِّيّتَهم الشامَ، فأسْكَنَهم الأرضَ المقدَّسةَ، وجعَل هلاكَ الجبَابرةِ على أيديهم مع يُوشَعَ بنِ نُونٍ، بعدَ وفاةِ موسى ﵇. قالوا: فرَأَيْنا اللهَ جلَّ ثناؤُه قد أخْبَر عنهم أنه كتَب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم يُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إخراجِه إيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ: (اهبِطوا مصرَ).
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 24) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 24 ·
#51098
خْبَر عنهم أنه كتَب لهم الأرضَ المقدسةَ، ولم يُخْبِرْنا عنهم أنه ردَّهم إلى مصرَ بعدَ إخراجِه إيَّاهم منها، فيَجُوزَ لنا أن نَقْرَأَ: (اهبِطوا مصرَ). ونتَأَوَّلَه أنه ردَّهم إليها.
قالوا: فإن احْتَجَّ مُحْتَجٌّ بقولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ [الشعراء: ٥٧ - ٥٩].
قيل له: فإن اللهَ جلّ ثناؤُه إنما أوْرَثهم ذلك فملَّكهم إيَّاها، ولم يَرُدَّهم إليها، وجعَل مَساكنَهم الشامَ.
وأما الذين قالوا: إنما عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿اهْبِطُوا﴾. مصرَ، فإن مِن حُجَّتِهم التى احْتَجُّوا بها الآيةَ التى قال فيها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 24) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 24 ·
#51099
الآيةَ التى قال فيها: ﴿فَأَخْرَجْنَاهُمْ مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٥٧) وَكُنُوزٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٥٨) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. وقولَه: ﴿كَمْ تَرَكُوا مِنْ جَنَّاتٍ وَعُيُونٍ (٢٥) وَزُرُوعٍ وَمَقَامٍ كَرِيمٍ (٢٦) وَنَعْمَةٍ كَانُوا فِيهَا فَاكِهِينَ (٢٧) كَذَلِكَ وَأَوْرَثْنَاهَا قَوْمًا آخَرِينَ﴾ [الدخان: ٢٥ - ٢٨]. قالوا: فأخْبَر اللهُ تعالى ذكرُه أنه قد ورَّثهم ذلك وجعَلها لهم، فلم يكونوا ليَرِثوها ثم لا يَنْتَفِعوا بها.
قالوا: ولا يَكونون مُنْتَفِعِين بها إلا [بمصيرِهم أو] بمَصيرِ بعضِهم إليها، وإلا فلا وجهَ للانتفاعِ بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها.
قالوا: وأُخرى أنها في قراءةِ أبيِّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبِطوا مصرَ). بغيرِ ألفٍ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 24) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 24 ·
#51100
لانتفاعِ بها إن لم يَصِيروا، أو يَصِرْ بعضُهم إليها.
قالوا: وأُخرى أنها في قراءةِ أبيِّ ابنِ كعبٍ وعبدِ اللهِ بنِ مسعودٍ: (اهبِطوا مصرَ). بغيرِ ألفٍ. قالوا: ففى ذلك الدَّلالةُ البينةُ على أنها مصرُ بعينِها.
والذى نقولُ به في ذلك أنه لا دَلالةَ في كتابِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على الصوابِ مِن هذين التأويلَيْن، ولا خبرَ به عن الرسولِ ﷺ يَقْطَعُ مجيئُه العذرَ، وأهلُ التأويلِ مُتَنازِعون تأويلَه.
فأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ أن يُقالَ: إن موسى سأَل ربَّه أن يُعْطِىَ قومَه ما سأَلوه مِن نباتِ الأرضِ -على ما بيَّنه اللهُ جلَّ ثناؤُه في كتابِه- وهم في الأرضِ تائِهون، فاسْتَجاب اللهُ لموسى دعاءَه، وأمَره أن يَهْبِطَ بمَن معه مِن قومِه قَرارًا مِن الأرضِ التى تُنْبِتُ ما سأَل لهم مِن ذلك، إذ كان ما سأَلوه لا يُنْبِتُه إلَّا القُرَى والأمصارُ، فإنَّه قد أعْطاهم ذلك إذا صاروا إليه.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 25) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 25 ·
#51101
ِه قَرارًا مِن الأرضِ التى تُنْبِتُ ما سأَل لهم مِن ذلك، إذ كان ما سأَلوه لا يُنْبِتُه إلَّا القُرَى والأمصارُ، فإنَّه قد أعْطاهم ذلك إذا صاروا إليه. وجائزٌ أن يَكونَ ذلك القَرارُ مصرَ، وجائزٌ أن يكونَ الشامَ.
فأما القراءةُ فإنها بالألفِ والتنوينِ: ﴿اهْبِطُوا مِصْرًا﴾. وهى القراءةُ التى لا يَجوزُ عندى غيرُها؛ لإجماعِ خُطوطِ مصاحفِ المسلمين، واتفاقِ قراءةِ القَرأَةِ على ذلك، ولم يَقْرَأْ بتركِ التنوينِ فيه وإسقاطِ الألفِ منه إلا مَن لا يَجوزُ الاعْتِراضُ به على الحُجَّةِ فيما جاءَت به مِن القراءةِ مُسْتَفِيضًا فيها.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 25) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 25 ·
#51102
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾.
يعنى جلّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَضُرِبَتْ﴾. أى: فُرِضَت ووُضِعَت عليهم الذِّلةُ وأُلْزِمُوها، مِن قولِ القائلِ: ضرَب الإمامُ الجِزْيةَ على أهلِ الذِّمةِ، وضرَب الرجلُ على عبدِه الخَراجَ. يعنى بذلك [أنَّه فرَضه ووظَّفه وألزمه] إيَّاه، وهو من قولِهم: ضرَب الأميرُ على الجيشِ البَعْثَ. يُرادُ به: ألْزَمَهموه.
وأما "الذِّلةُ" فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً. كالصِّفْوةِ، مِن: صفا هذا الأمرُ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 26) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 26 ·
#51103
َ. يُرادُ به: ألْزَمَهموه.
وأما "الذِّلةُ" فإنَّها الفِعْلةُ، مِن قولِ القائلِ: ذلَّ فلانٌ يَذِلُّ ذُلًّا وذِلَّةً. كالصِّفْوةِ، مِن: صفا هذا الأمرُ. والقِعْدةِ، مِن: قعَد.
و"الذِّلةُ" هى الصَّغارُ الذى أمَر اللهُ عبادَه المؤمنين ألا يُعْطُوهم أمانًا -على القَرارِ على ما هم عليه مِن كفرِهم به وبرسلِه - إلا أن يَبْذُلوا الجزيةَ عليه لهم، فقال تبارك اسمُه: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾ [التوبة: ٢٩].
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرَنا مَعْمَرٌ، عن الحسنِ وقتادةَ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾. قالا: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون.
وأما "المَسْكَنةُ" فإنّها مصدرُ المِسْكينِ، يقالُ: ما فيهم أسْكَنُ مِن فلانٍ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 26) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 26 ·
#51104
بَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ﴾. قالا: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون.
وأما "المَسْكَنةُ" فإنّها مصدرُ المِسْكينِ، يقالُ: ما فيهم أسْكَنُ مِن فلانٍ. و: ما كان مِسْكينًا. و: لقد تَمَسْكن تمَسْكُنًا. ومِن العربِ مَن يقولُ: تسكَّن
تسكُّنًا. و "المَسْكَنةُ" في هذا الموضعِ مَسْكَنةُ الفاقةِ والحاجةِ، وهى خُشوعُها وذُلُّها.
كما حدَّثنى المثنَّى، قال: حدَّثنا آدمُ، قال: حدَّثنا أبو جعفرٍ، عن الرَّبيعِ، عن أبى العاليةِ في قولِه: ﴿وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفاقةُ.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسْباطُ، عن السُّدىِّ قولَه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: الفقرُ.
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ بنى إسرائيلَ. قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 27) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 27 ·
#51105
ا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ﴾. قال: هؤلاء يهودُ بنى إسرائيلَ. قلتُ له: هم قِبْطُ مصرَ؟ قال: وما لقِبْطِ مصرَ وهذا، لا واللهِ ما هم هم، ولكنهم اليهودُ، يهودُ بنى إسرائيلَ.
فأخْبَرَ اللهُ ﷿ أنه أَبْدَلهم بالعِزِّ ذُلًّا، وبالنِّعْمةِ بُؤْسًا، وبالرِّضا عنهم غَضَبًا، جَزاءً منه لهم على كُفرِهم بآياتِه، وقتلِهم أنبياءَه ورسلَه؛ اعتداءً وظلمًا منهم بغيرِ حقٍّ، و [عصيانًا منهم] له، وخلافًا عليه، تعالى ربُّنا وجلَّ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 27) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 27 ·
#51106
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.
يعنى بقولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾: انْصَرَفوا ورجَعوا. ولا يُقالُ: باءُوا. إلَّا موصولًا؛ إمَّا بخيرٍ وإما بشرٍّ، يُقالُ منه: باء فلانٌ بذنبِه، يَبُوءُ به بَوْءًا وبَواءً. ومنه
قولُ اللهِ ﷿: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩]. يعنى: تَنْصَرِفَ مُتَحَمِّلَهما وتَرْجِعَ بهما، قد صارا عليك دُونى.
فمعنى الكلامِ إذن: فرجَعوا مُنْصَرِفِين مُتَحَمِّلِين غَضَبَ اللهِ، قد صار عليهم مِن اللهِ غَضَبٌ، ووجَب عليهم منه سَخَطٌ. كما حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾. فحدَث عليهم غَضَبٌ مِن اللهِ.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 28) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 28 ·
#51107
بٌ مِن اللهِ.
حدَّثنا يحيى بنُ أبى طالبٍ، قال: أخْبَرَنا يَزيدُ، قال: أخْبَرَنا جُوَيْبِرٌ، عن الضَّحَّاكِ في قولِه: ﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ﴾. قال: اسْتَحَقُّوا الغضَبَ مِن اللهِ.
وقد بيَّنَّا معنى غضَبِ اللهِ جلَّ ثناؤُه على عبدِه فيما مضَى مِن كتابِنا هذا، فأغْنَى عن إعادتِه في هذا المكانِ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 28) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 28 ·
#51108
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾.
يعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ﴾. ضرْبَ الذِّلةِ والمَسْكَنةِ عليهم، وإحلالَ [غضبِه بهم]، فدلَّ بقولِه: ﴿ذَلِكَ﴾ -وهو يعنى به ما وصَفْنا- على أن قولَ القائلِ: ذلك. يَشْمَلُ المعانىَ الكثيرةَ إذا أُشِير به إليها.
ويعنى بقولِه: ﴿بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون. يقولُ: فعَلْنا [الذى فعلْنا] بهم -مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم- مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ، ويَقْتُلون النَّبِيين بغيرِ الحقِّ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 29) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 29 ·
#51109
[الذى فعلْنا] بهم -مِن إحلالِ الذُّلِّ والمَسْكَنةِ والسَّخَطِ بهم- مِن أجْلِ أنهم كانوا يَكْفُرون بآياتِ اللهِ، ويَقْتُلون النَّبِيين بغيرِ الحقِّ. كما قال أعْشَى بنى ثَعْلبةَ:
مَلِيكيَّةٌ جاوَرَتْ بالحِجَا … زِ قَوْمًا عُدَاةً وأرضًا شَطِيرَا
بما قد ترَبَّعُ روْضَ القَطَا … وروْضَ التَّناضِبِ حتى تَصِيرَا
يعنى بذلك: جاوَرَتْ هذه المرأةُ قومًا عُدَاةً وأرضًا بَعيدةً مِن أهلِه، مكانَ قُرْبِها كان منه ومِن قومِه وبدلًا؛ مِن تَرُّبعِها رَوْضَ القَطَا ورَوْضَ التَّناضِبِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 29) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 29 ·
#51110
ضَ التَّناضِبِ.
فكذلك قولُه: ﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾. يقولُ: كان ذلك منا [مِنْ أجلِ كفرِهم] بآياتِنا، وجَزاءً لهم بقتلِهم أنْبياءَنا.
وقد بيَّنَّا فيما مضَى مِن كتابِنا أن معنى الكفرِ تَغْطيةُ الشيءِ وسترُه، وأن آياتِ اللهِ حُججُه وأعلامُه وأدلتُه على توحيدِه وصدقِ رسلِه.
فمعنى الكلامِ إذن: فعَلْنا بهم ذلك مِن أجْلِ أنهم كانوا يَجْحَدون حُجَجَ اللهِ على توحيدِه وتصديقِ رسلِه، [ويُدَافِعون حقيقتَها]، ويُكَذِّبون بها.
ويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾: ويَقْتُلون رسلَ اللهِ الذين ابْتَعَثَهم لإنباءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أُرْسِلوا إليه.
وهم جِماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللهِ، فهو يُنْبِئُ عنه إنْباءً.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 30) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 30 ·
#51111
اءِ ما أرْسَلَهم به عنه لمن أُرْسِلوا إليه.
وهم جِماعٌ، واحدُهم نبىٌّ بغيرِ همزٍ، وأصلُه الهمزُ؛ لأنه مِن: أنْبَأ عن اللهِ، فهو يُنْبِئُ عنه إنْباءً. وإنما الاسمُ منه مُنْبِئٌ، ولكنه صُرِف وهو مُفْعِلٌ إلى فَعِيلٍ، كما صُرِف سَميعٌ إلى فَعِيلٍ مِن مُفْعِلٍ، وبَصِيرٌ مِن مُبْصِرٍ، وأشْبَاهُ ذلك. أُبْدِلَ مكانَ الهمزةِ مِن النبئِ الياءُ، فقيل: نبىٌّ. هذا ويُجْمَعُ النبىُّ أيضًا أنْبياءَ، وإنما جمَعوه كذلك لإلحاقِهم النبىَّ، بإبدالِ الهمزةِ منه ياءً، بالنُّعوتِ التى تَأْتى على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذَواتِ الياءِ والواوِ، وذلك أنهم إذا جمَعوا ما كان مِن النُّعوتِ على تقديرِ فَعِيلٍ مِن ذواتِ الياءِ والواوِ، جمَعُوه على أَفْعِلاءَ، كقولهم: ولىٌّ وأوْلِياءُ، ووَصِىٌّ وأَوْصِياءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ. ولو جمَعوه على أصلِه الذى هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبئٌ مَهْموزٌ، لجَمَعوه على فُعَلاءَ، فقيل: همُ النُّبآءُ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 30) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 30 ·
#51112
ىٌّ وأَوْصِياءُ، ودَعِىٌّ وأَدْعِياءُ. ولو جمَعوه على أصلِه الذى هو أصلُه، وعلى أن الواحدَ نبئٌ مَهْموزٌ، لجَمَعوه على فُعَلاءَ، فقيل: همُ النُّبآءُ. على مثالِ النُّبَغاءِ، لأن ذلك جمعُ ما كان على فَعِيلٍ مِن غيرِ ذَواتِ الياءِ والواوِ مِن النُّعوتِ، كجمعِهم الشريكَ شُرَكاءَ، والعليمَ عُلَماءَ، والحَكِيمَ حُكَماءَ، وما أشْبَهَ ذلك. قد حُكِى سَماعًا مِن العربِ في جمعِ النبىِّ: النُّبآءُ. وذلك مِن لغةِ الذين يَهْمِزون النبئَ ثم يَجْمَعونه النُّبآءَ، على ما قد بيَّنْتُ. ومِن ذلك قولُ عباسِ بنِ مِرْداسٍ السُّلَمىِّ، في مدحِ النبيِّ ﷺ:
يا خاتَمَ النُّبآءِ إنك مُرْسَلٌ … [بالحقِّ خيرُ هُدَى الإلهِ] هُدَاكا
فقال: يا خاتمَ النُّبآءِ. على أن واحدَهم نبئٌ مَهْموزٌ.
وقد قال بعضُهم: النبىُّ والنبوَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ، لأنهما مأْخوذان مِن النَّبوَةِ، وهى مثلُ النَّجْوةِ، وهما المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ: إن أصلَ النبيِّ الطريقُ.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 31) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 31 ·
#51113
لنبىُّ والنبوَّةُ غيرُ مَهْموزَيْنِ، لأنهما مأْخوذان مِن النَّبوَةِ، وهى مثلُ النَّجْوةِ، وهما المكانُ المرتفعُ، وكان يقولُ: إن أصلَ النبيِّ الطريقُ. ويَسْتَشْهِدُ على ذلك ببيتِ القُطَاميِّ:
لمَّا وَرَدْنَ نبِيًّا واسْتَتَبَّ لنا … مُسْحَنْفِرٌ كخُطوطِ السَّيْحِ مُنْسَحِلُ
ويقولُ: إنما سُمِّى الطريقُ نبيًّا؛ لأنه ظاهرٌ مُسْتَبِينٌ، مِن النَّبْوةِ. ويقولُ: لم أسْمَعْ أحدًا يَهْمِزُ النبيَّ. وقد ذكَرْنا ما في ذلك، وبيَّنَّا ما فيه الكفايةُ إن شاء اللهُ.
ويعنى بقولِه: ﴿وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. أنهم كانوا يَقْتُلون رُسُلَ اللهِ بغيرِ إذنِ اللهِ لهم بقتلِهم، مُنْكِرِين رسالتَهم، جاحِدِين نبوتَهم.
QS 2:61 (jilid 2 hlm. 31) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 2 · hlm. 31 ·
#51114
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾.
وقولُه: ﴿ذَلِكَ﴾ ردٌّ على ﴿ذَلِكَ﴾ الأولِ. ومعنى الكلامِ: وضُرِبَت عليهم الذِّلَّةُ والمَسْكَنةُ، وباءوا بغضبٍ مِن اللهِ؛ مِن أجْلِ كفرِهم بآياتِ اللهِ وقتلِهم النبيِّين بغيرِ الحقِّ، ومِن أجْلِ عِصْيانِهم ربَّهم واعتدائِهم حدودَه. فقال جل ثناؤُه: ﴿ذَلِكَ
بِمَا عَصَوْا﴾. والمعنى: ذلك بعصيانِهم وكونِهم مُعْتَدِين.
والاعتداءُ تَجاوُزُ الحدِّ الذى حدَّه اللهُ تعالى ذكرُه لعبادِه إلى غيرِه، وكلُّ مُتجاوِزٍ حدَّ شيءٍ إلى غيرِه فقد تَعَدَّاه إلى ما تجاوَز إليه. فمعنى الكلامِ: فعَلْتُ بهم ما فعَلْتُ مِن ذلك بما عصَوْا أمرى، وتَجاوَزوا حدِّى إلى ما نهَيْتُهم عنه.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 282) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 282 ·
#81217
﴿وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)﴾
يقول تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) أي: وضعت عليهم وألزموا بها شَرْعًا وقدرًا، أي: لا يزالون مستذلين، من وجدهم استذلهم وأهانهم، وضرب عليهم الصغار، وهم مع ذلك في أنفسهم أذلاء متمسكنون.
قال الضحاك عن ابن عباس في قوله: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ) قال: هم أصحاب النيالات يعني أصحاب الجزية.
وقال عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الحسن وقتادة، في قوله تعالى: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ) قال: يعطون الجزية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) قال: الذل. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 282) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 282 ·
#81218
زية عن يد وهم صاغرون، وقال الضحاك: (وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ) قال: الذل. وقال الحسن: أذلهم الله فلا منعة لهم، وجعلهم الله تحت أقدام المسلمين. ولقد أدركتهم هذه الأمة وإن المجوس لتجبيهم الجزية.
وقال أبو العالية والربيع بن أنس والسدي: المسكنة الفاقة. وقال عطية العوفي: الخراج. وقال الضحاك: الجزية.
وقوله تعالى: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) قال الضحاك: استحقوا الغضب من الله، وقال الربيع بن أنس: فحدَثَ عليهم غضب من الله. وقال سعيد بن جبير: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) يقول: استوجبوا سخطًا، وقال ابن جرير: يعني بقوله: (وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ) انصرفوا ورجعوا، ولا يقال: باؤوا إلا موصولا إما بخير وإما بشر، يقال منه: باء فلان بذنبه يبوء به بَوْءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 282) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 282 ·
#81219
بَوْءًا وبواء. ومنه قوله تعالى: ﴿إِنِّي أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ﴾ [المائدة: ٢٩] يعني: تنصرف متحملهما وترجع بهما، قد صارا عليك دوني. فمعنى الكلام إذًا: فرجعوا منصرفين متحملين غضب الله، قد صار عليهم من الله غضب، ووجب عليهم من الله سخط.
وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ) يقول تعالى:
هذا الذي جازيناهم من الذلة والمسكنة، وإحلال الغضب بهم بسبب استكبارهم عن اتباع الحق، وكفرهم بآيات الله، وإهانتهم حملة الشرع وهم الأنبياء وأتباعهم، فانتقصوهم إلى أن أفضى بهم الحال إلى أن قتلوهم، فلا كبْر أعظم من هذا، أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "الكبر بَطَر الحق، وغَمْط الناس".
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 283) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 283 ·
#81220
من هذا، أنهم كفروا بآيات الله وقتلوا أنبياء الله بغير الحق؛ ولهذا جاء في الحديث المتفق على صحته أن رسول الله ﷺ قال: "الكبر بَطَر الحق، وغَمْط الناس".
وقال الإمام أحمد: حدثنا إسماعيل، عن ابن عون، عن عمرو بن سعيد، عن حميد بن عبد الرحمن، قال: قال ابن مسعود: كنت لا أحجب عن النَّجْوى، ولا عن كذا ولا عن كذا قال: فأتيت رسول الله ﷺ وعنده مالك بن مرارة الرهاوي، فأدركته من آخر حديثه، وهو يقول: يا رسول الله، قد قسم لي من الجمال ما ترى، فما أحب أن أحدًا من الناس فَضَلني بشراكين فما فوقهما أفليس ذلك هو البغي؟ فقال: "لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي مَنْ بطر -أو قال: سفه الحق-وغَمط الناس". يعني: رد الحق وانتقاص الناس، والازدراء بهم والتعاظم عليهم.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 283) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 283 ·
#81221
هو البغي؟ فقال: "لا ليس ذلك من البغي، ولكن البغي مَنْ بطر -أو قال: سفه الحق-وغَمط الناس". يعني: رد الحق وانتقاص الناس، والازدراء بهم والتعاظم عليهم. ولهذا لما ارتكب بنو إسرائيل ما ارتكبوه من الكفر بآيات الله وقتل أنبيائهم، أحل الله بهم بأسه الذي لا يرد، وكساهم ذلا في الدنيا موصولا بذل الآخرة جزاء وفاقًا.
قال أبو داود الطيالسي: حدثنا شعبة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن أبي معمر، عن عبد الله بن مسعود، قال: كانت بنو إسرائيل في اليوم تقتل ثلاثمائة نبي، ثم يقيمون سوق بقلهم في آخر النهار.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا عبد الصمد، حدثنا أبان، حدثنا عاصم، عن أبي وائل، عن عبد الله -يعني ابن مسعود-أن رسول الله ﷺ قال: "أشد الناس عذابًا يوم القيامة رجل قتله نبي، أو قتل نبيًا، وإمام ضلالة وممثل من الممثلين".
وقوله تعالى: (ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 283) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 283 ·
#81222
ْتَدُونَ) وهذه علة أخرى في مجازاتهم بما جوزوا به، أنهم كانوا يعصون ويعتدون، فالعصيان فعل المناهي، والاعتداء المجاوزة في حد المأذون فيه أو المأمور به. والله أعلم.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 520) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 520 ·
#109384
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٦١]
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ (٦١)
وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسى لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ فَادْعُ لَنا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِها وَقِثَّائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 520) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 520 ·
#109385
ائِها وَفُومِها وَعَدَسِها وَبَصَلِها قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ
هِيَ مَعْطُوفَةٌ عَلَى الْجُمَلِ قَبْلَهَا بِأُسْلُوبٍ وَاحِدٍ، وَإِسْنَادُ الْقَوْلِ إِلَى ضَمِيرِ الْمُخَاطَبِينَ جَارٍ عَلَى مَا تَقَدَّمَ فِي نَظَائِرِهِ وَمَا تَضَمَّنَتْهُ الْجُمَلُ قَبْلَهَا هُوَ مِنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ عَلَيْهِمْ مَحْضَةً أَوْ مَخْلُوطَةً بِسُوءِ شُكْرِهِمْ وَبِتَرَتُّبِ النِّعْمَةِ عَلَى ذَلِكَ الصَّنِيعِ بِالْعَفْوِ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نِعْمَةً أَيْضًا.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 520) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 520 ·
#109386
ِ النِّعْمَةِ عَلَى ذَلِكَ الصَّنِيعِ بِالْعَفْوِ وَنَحْوِهِ كَمَا تَقَدَّمَ، فَالظَّاهِرُ أَنْ يَكُونَ مَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ نِعْمَةً أَيْضًا.
وَلِلْمُفَسِّرِينَ حَيْرَةٌ فِي الْإِشَارَةِ إِلَيْهَا فَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْفَخْرِ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: اهْبِطُوا مِصْراً فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ هُوَ كَالْإِجَابَةِ لِمَا طَلَبُوهُ يَعْنِي وَالْإِجَابَةُ إِنْعَامٌ وَلَوْ كَانَ مُعَلَّقًا عَلَى دُخُولِ قَرْيَةٍ مِنَ الْقُرَى، وَلَا يَخْفَى أَنَّهُ بَعِيدٌ جِدًّا لِأَنَّ إِعْطَاءَهُمْ مَا سَأَلُوهُ لَمْ يَثْبُتْ وُقُوعُهُ.
وَيُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الْمُفَسِّرِينَ الَّذِي صَدَّرَ الْفَخْرُ بِنَقْلِهِ وَوَجَّهَهُ عَبْدُ الْحَكِيمِ أَنَّ سُؤَالَهُمْ تَعْوِيضَ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى بِالْبَقْلِ وَنَحْوِهِ مَعْصِيَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَرَاهَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ إِذْ عَبَّرُوا عَنْ تَنَاوُلِهَاُُ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 520) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 520 ·
#109387
بِالْبَقْلِ وَنَحْوِهِ مَعْصِيَةٌ لِمَا فِيهِ مِنْ كَرَاهَةِ النِّعْمَةِ الَّتِي أَنْعَمَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْهِمْ إِذْ عَبَّرُوا عَنْ تَنَاوُلِهَاُُ
بِالصَّبْرِ- وَالصَّبْرُ هُوَ حَمْلُ النَّفْسِ عَلَى الْأَمْرِ الْمَكْرُوهِ- وَيَدُلُّ لِذَلِكَ أَنَّهُ أَنْكَرَ عَلَيْهِمْ بِقَوْلِهِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى فَيَكُونُ مَحَلُّ النِّعْمَةِ هُوَ الصَّفْحَ عَنْ هَذَا الذَّنْبِ وَالتَّنَازُعَ مَعَهُمْ إِلَى الْإِجَابَةِ بِقَوْلِهِ: اهْبِطُوا وَلَا يَخْفَى أَنَّ هَذَا بَعِيدٌ إِذْ لَيْسَ فِي قَوْلِهِ اهْبِطُوا إِنْعَامٌ عَلَيْهِمْ وَلَا فِي سُؤَالِهِمْ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَصَوْا لِأَنَّ طَلَبَ الِانْتِقَالِ مِنْ نِعْمَةٍ لِغَيْرِهَا لِغَرَضٍ مَعْرُوفٍ لَا يُعَدُّ مَعْصِيَةً كَمَا بَيَّنَهُ الْفَخْرُ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 521) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 521 ·
#109388
ُّ عَلَى أَنَّهُمْ عَصَوْا لِأَنَّ طَلَبَ الِانْتِقَالِ مِنْ نِعْمَةٍ لِغَيْرِهَا لِغَرَضٍ مَعْرُوفٍ لَا يُعَدُّ مَعْصِيَةً كَمَا بَيَّنَهُ الْفَخْرُ.
فَالَّذِي عِنْدِي فِي تَفْسِيرِ الْآيَةِ أَنَّهَا انْتِقَالٌ مِنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ الْمُعْقَبَةِ بِنِعَمٍ أُخْرَى إِلَى بَيَان سوى اخْتِيَارِهِمْ فِي شَهَوَاتِهِمْ وَالِاخْتِيَارُ دَلِيلُ عَقْلِ اللَّبِيبِ، وَإِنْ كَانَ يَخْتَارُ مُبَاحًا، مَعَ مَا فِي صِيغَةِ طَلَبِهِمْ مِنَ الْجَفَاءِ وَقِلَّةِ الْأَدَبِ مَعَ الرَّسُولِ وَمَعَ الْمُنْعِمِ إِذْ قَالُوا: لَنْ نَصْبِرَ فَعَبَّرُوا عَنْ تَنَاوُلِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى بِالصَّبْرِ الْمُسْتَلْزِمِ الْكَرَاهِيَةَ وَأَتَوْا بِمَا دَلَّ عَلَيْهِ (لَنْ) فِي حِكَايَةِ كَلَامِهِمْ مِنْ أَنَّهُمْ لَا يَتَنَاوَلُونَ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى مِنَ الْآنَ فَإِنَّ (لَنْ) تَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ لِأَزْمِنَةِ فِعْلِ نَصْبِرَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا وَهُوَ مَعْنَى التَّأبِيدِ وَفِي
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 521) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 521 ·
#109389
لْآنَ فَإِنَّ (لَنْ) تَدُلُّ عَلَى اسْتِغْرَاقِ النَّفْيِ لِأَزْمِنَةِ فِعْلِ نَصْبِرَ مِنْ أَوَّلِهَا إِلَى آخِرِهَا وَهُوَ مَعْنَى التَّأبِيدِ وَفِي ذَلِكَ إِلْجَاءٌ لِمُوسَى أَنْ يُبَادِرَ بِالسُّؤَالِ يَظُنُّونَ أَنَّهُمْ أَيْأَسُوهُ مِنْ قَبُولِ الْمَنِّ وَالسَّلْوَى بَعْدَ ذَلِكَ الْحِينِ فَكَانَ جَوَابُ اللَّهِ لَهُمْ فِي هَذِهِ الطَّلِبَةِ أَنْ قَطَعَ عِنَايَتَهُ بِهِمْ وَأَهْمَلَهُمْ وَوَكَلَهُمْ إِلَى نُفُوسِهِمْ وَلَمْ يُرِهِمْ مَا عَوَّدَهُمْ مِنْ إِنْزَالِ الطَّعَامِ وَتَفْجِيرِ الْعُيُونِ بَعْدَ فَلْقِ الْبَحْرِ وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ بَلْ قَالَ لَهُمُ:
اهْبِطُوا مِصْراً فَأَمَرَهُمْ بِالسَّعْيِ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا وَتَوْبِيخًا.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 521) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 521 ·
#109390
لْبَحْرِ وَتَظْلِيلِ الْغَمَامِ بَلْ قَالَ لَهُمُ:
اهْبِطُوا مِصْراً فَأَمَرَهُمْ بِالسَّعْيِ لِأَنْفُسِهِمْ وَكَفَى بِذَلِكَ تَأْدِيبًا وَتَوْبِيخًا.
قَالَ الشَّيْخُ ابْنُ عَطَاءِ اللَّهِ ﵀: مِنْ جَهْلِ الْمُرِيدِ أَنْ يُسِيءَ الْأَدَبَ فَتُؤَخَّرَ الْعُقُوبَةُ عَنْهُ فَيَقُولُ لَوْ كَانَ فِي هَذَا إِسَاءَةٌ لَعُوقِبْتُ فَقَدْ يُقْطَعُ الْمَدَدُ عَنْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَشْعُرُ وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا مَنْعُ الْمَزِيدِ، وَقَدْ يُقَامُ مَقَامَ الْبُعْدِ مِنْ حَيْثُ لَا يَدْرِي، وَلَوْ لَمْ يَكُنْ إِلَّا أَنْ يُخَلِّيَكَ وَمَا تُرِيدُ، وَالْمَقْصِدُ مِنْ هَذَا أَنْ يَنْتَقِلَ مِنْ تَعْدَادِ النِّعَمِ إِلَى بَيَانِ تَلَقِّيهِمْ لَهَا بِالِاسْتِخْفَافِ لِيَنْتَقِلَ مِنْ ذَلِكَ إِلَى ذِكْرِ انْقِلَابِ أَحْوَالِهِمْ وَأَسْبَابِ خِذْلَانِهِمْ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُقْتَضِي كَوْنِ السُّؤَالِ مَعْصِيَةً فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ وَحِرْمَانَ الْفَضَائِلِ لَيْسَتْ مِنْ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 521) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 521 ·
#109391
ِمْ وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْ ذَلِكَ بِمُقْتَضِي كَوْنِ السُّؤَالِ مَعْصِيَةً فَإِنَّ الْعُقُوبَاتِ الدُّنْيَوِيَّةَ وَحِرْمَانَ الْفَضَائِلِ لَيْسَتْ مِنْ آثَارِ خِطَابِ التَّكْلِيفِ وَلَكِنَّهَا مِنْ أَشْبَاهِ خِطَابِ الْوَضْعِ تَرْجِعُ إِلَى تَرَتُّبِ الْمُسَبَّبَاتِ عَلَى أَسْبَابِهَا وَذَلِكَ مِنْ نَوَامِيسِ
نِظَامِ الْعَالَمِ وَإِنَّمَا الَّذِي يَدُلُّ عَلَى كَوْنِ الْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً هُوَ الْعِقَابُ الْأُخْرَوِيُّ وَبِهَذَا زَالَتِ الْحَيْرَةُ وَانْدَفَعَ كُلُّ إِشْكَالٍ وَانْتَظَمَ سِلْكُ الْكَلَامِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 521) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 521 ·
#109392
ْمَجْزِيِّ عَلَيْهِ مَعْصِيَةً هُوَ الْعِقَابُ الْأُخْرَوِيُّ وَبِهَذَا زَالَتِ الْحَيْرَةُ وَانْدَفَعَ كُلُّ إِشْكَالٍ وَانْتَظَمَ سِلْكُ الْكَلَامِ.
وَقَدْ أَشَارَتِ الْآيَةُ إِلَى قِصَّةٍ ذَكَرَتْهَا التَّوْرَاةُ مُجْمَلَةً مُنْتَثِرَةً وَهِيَ أَنَّهُمْ لَمَّا ارْتَحَلُوا مِنْ بَرِّيَّةِ سِينَا مِنْ «حُورِيبَ» وَنَزَلُوا فِي بَرِّيَّةِ «فَارَانَ» فِي آخِرِ الشَّهْرِ الثَّانِي مِنَ السَّنَةِ الثَّانِيَةِ مِنَ الْخُرُوجِ سَائِرِينَ إِلَى جِهَاتِ «حَبْرُونَ» فَقَالُوا: تَذَكَّرْنَا السَّمَكَ الَّذِي كُنَّا نَأْكُلُهُ فِي مِصْرَ
مَجَّانًا (أَيْ يَصْطَادُونَهُ بِأَنْفُسِهِمْ) وَالْقِثَّاءَ وَالْبِطِّيخَ وَالْكُرَّاثَ وَالْبَصَلَ وَالثُّومَ وَقَدْ يَبِسَتْ نفوسنا فَلَا ترى إِلَّا هَذَا الْمَنَّ فَبَكَوْا فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَأَلَهُ مُوسَى الْعَفو فعنا عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوَى فَادَّخَرُوا مِنْهَا طَعَامَ شَهْرٍ كَامِلٍ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 522) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 522 ·
#109393
َوْا فَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَسَأَلَهُ مُوسَى الْعَفو فعنا عَنْهُمْ وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمُ السَّلْوَى فَادَّخَرُوا مِنْهَا طَعَامَ شَهْرٍ كَامِلٍ.
وَالتَّعْبِيرُ بِلَنِ الْمُفِيدَةِ لِتَأْبِيدِ النَّفْيِ فِي اللُّغَةِ الْعَرَبِيَّةِ لِأَدَاءِ مَعْنَى كَلَامِهِمُ الْمَحْكِيِّ هُنَا فِي شِدَّةِ الضَّجَرِ وَبُلُوغِ الْكَرَاهِيَةِ مِنْهُمْ حَدَّهَا الَّذِي لَا طَاقَةَ عِنْدَهُ، فَإِنَّ التَّأْبِيدَ يُفِيدُ اسْتِغْرَاقَ النَّفْيِ فِي جَمِيعِ أَجْزَاءِ الْأَبَدِ أَوَّلِهَا وَآخِرِهَا فَلَنْ فِي نَفْيِ الْأَفْعَالِ مِثْلُ لَا التَّبْرِئَةِ (١) فِي نَفْيِ النَّكِرَاتِ.
وَوَصَفُوا الطَّعَامَ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ شَيْئَيْنِ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ كُلَّ يَوْمٍ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 522) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 522 ·
#109394
النَّكِرَاتِ.
وَوَصَفُوا الطَّعَامَ بِوَاحِدٍ وَإِنْ كَانَ هُوَ شَيْئَيْنِ الْمَنُّ وَالسَّلْوَى لِأَنَّ الْمُرَادَ أَنَّهُ مُتَكَرِّرٌ كُلَّ يَوْمٍ.
وَجُمْلَةُ يُخْرِجْ لَنا إِلَى آخِرِهَا هِيَ مَضْمُونُ مَا طَلَبُوا مِنْهُ أَنْ يَدْعُوَ بِهِ فَهِيَ فِي مَعْنَى مَقُولِ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ كَأَنَّهُ قِيلَ قُلْ لِرَبِّكَ يُخْرِجْ لَنَا وَمُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ أَنْ يُخْرِجَ لَنَا فَعَدَلَ عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْإِتْيَانِ بِفِعْلٍ مَجْزُومٍ فِي صُورَةِ جَوَابِ طَلَبِهِمْ إِيمَاءً إِلَى أَنَّهُمْ وَاثِقُونَ بِأَنَّهُ إِنْ دَعَا رَبَّهُ أَجَابَهُ حَتَّى كَأَنَّ إِخْرَاجَ مَا تُنْبِتُ الْأَرْضُ يَحْصُلُ بِمُجَرَّدِ دُعَاءِ مُوسَى رَبَّهُ، وَهَذَا أُسْلُوبٌ تُكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إِبْرَاهِيم: ٣١] .
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 522) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 522 ·
#109395
مُوسَى رَبَّهُ، وَهَذَا أُسْلُوبٌ تُكَرَّرَ فِي الْقُرْآنِ مِثْلَ قَوْلِهِ: قُلْ لِعِبادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا يُقِيمُوا الصَّلاةَ [إِبْرَاهِيم: ٣١] .
وقُلْ لِعِبادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [الْإِسْرَاء: ٥٣] وَهُوَ كَثِيرٌ فَهُوَ بِمَنْزِلَةِ شَرط وَجَزَاء كَأَن قِيلَ إِنْ تَدْعُ رَبَّكَ بِأَنْ يُخْرِجَ لَنَا يُخْرِجْ لَنَا، وَهَذَا بِتَنْزِيلِ سَبَبِ السَّبَبِ مَنْزِلَةَ السَّبَبِ فَجَزَمَ الْفِعْلَ الْمَطْلُوبَ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ بِطَلَبِهِ لِلَّهِ لِلدِّلَالَةِ عَلَى تَحَقُّقِ وُقُوعِهِ لِثِقَتِهِمْ بِإِجَابَةِ اللَّهِ تَعَالَى دَعْوَةَ مُوسَى، وَفِيهِ تَحْرِيضٌ عَلَى إِيجَادِ مَا عُلِّقَ عَلَيْهِ الْجَوَابُ كَأَنَّهُ أَمْرٌ فِي مُكْنَتِهِ فَإِذَا لَمْ يَفْعَلْ فَقَدْ شَحَّ عَلَيْهِمْ بِمَا فِيهِ نَفْعُهُمْ.
وَالْإِخْرَاجُ: الْإِبْرَازُ من الأَرْض، و (مِنَ) الْأُولَى تَبْعِيضِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ بَيَانِيَّةٌ أَوِ الثَّانِيَةُ أَيْضًا
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 522) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 522 ·
#109396
مَا فِيهِ نَفْعُهُمْ.
وَالْإِخْرَاجُ: الْإِبْرَازُ من الأَرْض، و (مِنَ) الْأُولَى تَبْعِيضِيَّةٌ وَالثَّانِيَةُ بَيَانِيَّةٌ أَوِ الثَّانِيَةُ أَيْضًا
تَبْعِيضِيَّةٌ لِأَنَّهُمْ لَا يَطْلُبُونَ جَمِيعَ الْبَقْلِ بَلْ بَعْضَهُ، وَفِيهِ تَسْهِيلٌ عَلَى الْمَسْئُولِ وَيَكُونُ قَوْلُهُ:
مِنْ بَقْلِها حَالًا مِنْ (مَا) أَوْ هُوَ بَدَلٌ مِنْ (مَا تُنْبِتُ) بِإِعَادَةِ حَرْفِ الْجَرِّ، وَعَنِ الْحسن:
كَانُوا قوما فِلَاحَةٍ فَنَزَعُوا إِلَى عِكْرِهِمْ (٢) .
وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي الْفُومِ فَقِيلَ: هُوَ الثُّومُ بِالْمُثَلَّثَةِ وَإِبْدَالُ الثَّاءِ فَاءً شَائِعٌ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ كَمَا قَالُوا: جَدَثٌ وَجَدَفٌ وَثَلَغٌ وَفَلَغٌ، وَهَذَا هُوَ الْأَظْهَرُ وَالْمُوَافِقُ لِمَا عُدَّ مَعَهُ وَلِمَا فِي التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ الْفُومُ الْحِنْطَةُ وَأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ لَأُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ:
قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 522) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 522 ·
#109397
فِي التَّوْرَاةِ. وَقِيلَ الْفُومُ الْحِنْطَةُ وَأَنْشَدَ الزَّجَّاجُ لَأُحَيْحَةَ بْنِ الْجُلَاحِ:
قَدْ كُنْتُ أَغْنَى النَّاسِ شَخْصًا وَاحِدًا ... وَرَدَ الْمَدِينَةِ مِنْ مَزَارِعِ فُومُُِ
(يُرِيدُ مَزَارِعَ الْحِنْطَةِ) وَقِيلَ الْفُومُ الْحِمَّصُ بِلُغَةِ أَهْلِ الشَّامِ.
وَقَوْلُهُ: قالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ هُوَ مِنْ كَلَامِ مُوسَى وَقِيلَ مِنْ كَلَامِ اللَّهِ وَهُوَ تَوْبِيخٌ شَدِيدٌ لِأَنَّهُ جَرَّدَهُ عَنِ الْمُقْنِعَاتِ وَعَنِ الزَّجْرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ التَّعَجُّبُ فَالتَّوْبِيخُ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 523) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 523 ·
#109398
شَدِيدٌ لِأَنَّهُ جَرَّدَهُ عَنِ الْمُقْنِعَاتِ وَعَنِ الزَّجْرِ، وَاقْتَصَرَ عَلَى الِاسْتِفْهَامِ الْمَقْصُودِ مِنْهُ التَّعَجُّبُ فَالتَّوْبِيخُ. وَفِي الِاسْتِبْدَالِ لِلْخَيْرِ بِالْأَدْنَى النِّدَاءُ بِنِهَايَةِ حَمَاقَتِهِمْ وَسُوءِ اخْتِيَارِهِمْ.
وَقَوْلُهُ: أَتَسْتَبْدِلُونَ السِّينُ وَالتَّاءُ فِيهِ لِتَأْكِيدِ الْحَدَثِ وَلَيْسَ لِلطَّلَبِ فَهُوَ كَقَوْلِهِ:
وَاسْتَغْنَى اللَّهُ [التغابن: ٦] وَقَوْلُهُمُ اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ، وَاسْتَكْبَرَ بِمَعْنَى تَكَبَّرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ [٧] .
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 523) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 523 ·
#109399
اسْتَجَابَ بِمَعْنَى أَجَابَ، وَاسْتَكْبَرَ بِمَعْنَى تَكَبَّرَ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: كانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً فِي سُورَةِ الْإِنْسَانِ [٧] . وَفِعْلُ اسْتَبْدَلَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْبَدَلِ بِالتَّحْرِيكِ مِثْلَ شَبَهٍ، وَيُقَالُ بِكَسْرِ الْبَاءِ وَسُكُونِ الدَّالِ مِثْلَ شِبْهٍ وَيُقَالُ بَدِيلٌ مِثْلُ شَبِيهٍ وَقَدْ سُمِعَ فِي مُشْتَقَّاتِهِ اسْتَبْدَلَ وَأَبْدَلَ وَبَدَّلَ وَتَبَدَّلَ وَكُلُّهَا أَفْعَالٌ مَزِيدَةٌ وَلَمْ يُسْمَعْ مِنْهُ فِعْلٌ مُجَرَّدٌ وَكَأَنَّهُمُ اسْتَغْنَوْا بِهَذِهِ الْمَزِيدَةِ عَنِ الْمُجَرَّدِ، وَظَاهِرُ كَلَامِ صَاحِبِ «الْكَشَّافِ» فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [٢] عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ أَنَّ اسْتَبْدَلَ هُوَ أَصْلُهَا وَأَكْثَرُهَا وَأَنَّ تَبَدَّلَ مَحْمُولٌ عَلَيْهِ «لِقَوْلِهِ وَالتَّفَعُّلُ بِمَعْنَى الِاسْتِفْعَالِ غَزِيرٌ وَمِنْهُ التَّعَجُّلُ بِمَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ وَالتَّأَخُّرُ بِمَعْنَى
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 523) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 523 ·
#109400
حْمُولٌ عَلَيْهِ «لِقَوْلِهِ وَالتَّفَعُّلُ بِمَعْنَى الِاسْتِفْعَالِ غَزِيرٌ وَمِنْهُ التَّعَجُّلُ بِمَعْنَى الِاسْتِعْجَالِ وَالتَّأَخُّرُ بِمَعْنَى الِاسْتِئْخَارِ» .
وَجَمِيعُ أَفْعَالِ مَادَّةِ الْبَدَلِ تَدُلُّ عَلَى جَعْلِ شَيْءٍ مَكَانَ شَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّوَاتِ أَوِ الصِّفَاتِ أَوْ عَنْ تَعْوِيضِ شَيْءٍ بِشَيْءٍ آخَرَ مِنَ الذَّوَاتِ أَوِ الصِّفَاتِ.
وَلما كَانَ هَذَا مَعْنَى الْحَدَثِ الْمَصُوغِ مِنْهُ الْفِعْلُ اقْتَضَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ تَعْدِيَةً إِلَى
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 523) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 523 ·
#109401
آخَرَ مِنَ الذَّوَاتِ أَوِ الصِّفَاتِ.
وَلما كَانَ هَذَا مَعْنَى الْحَدَثِ الْمَصُوغِ مِنْهُ الْفِعْلُ اقْتَضَتْ هَذِهِ الْأَفْعَالُ تَعْدِيَةً إِلَى
مُتَعَلِّقَيْنِ إِمَّا عَلَى وَجْهِ الْمَفْعُولِيَّةِ فِيهِمَا مَعًا مِثْلَ تَعَلُّقِ فِعْلِ الْجَعْلِ، وَإِمَّا عَلَى وَجْهِ الْمَفْعُولِيَّةِ فِي أَحَدِهِمَا وَالْجَرِّ لِلْآخَرِ مِثْلَ مُتَعَلَّقَيْ أَفْعَالِ التَّعْوِيضِ كَاشْتَرَى وَهَذَا هُوَ الِاسْتِعْمَالُ الْكَثِيرُ، فَإِذَا تَعَدَّى الْفِعْلُ إِلَى مَفْعُولَيْنِ نَحْوَ يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ [إِبْرَاهِيم: ٤٨] كَانَ الْمَفْعُولُ الْأَوَّلُ هُوَ الْمُزَالَ وَالثَّانِي هُوَ الَّذِي يَخْلُفُهُ نَحْوَ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَأُوْلئِكَ يُبَدِّلُ اللَّهُ سَيِّئاتِهِمْ حَسَناتٍ [الْفرْقَان: ٧٠] يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَقَوْلِهِمْ أَبْدَلْتُ الْحَلْقَةَ خَاتَمًا، وَإِذْ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَتَعَدَّتْ إِلَى الْآخَرِ بِالْبَاءِ وَهُوَ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 523) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 523 ·
#109402
ُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَقَوْلِهِمْ أَبْدَلْتُ الْحَلْقَةَ خَاتَمًا، وَإِذْ تَعَدَّتْ إِلَى مَفْعُولٍ وَاحِدٍ وَتَعَدَّتْ إِلَى الْآخَرِ بِالْبَاءِ وَهُوَ الْأَكْثَرُ فَالْمَنْصُوبُ هُوَ الْمَأْخُوذُ وَالْمَجْرُورُ هُوَ الْمَبْذُولُ نَحْوَ قَوْلِهِ هُنَا: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وَقَوْلِهِ وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمانِ فَقَدْ ضَلَّ
سَواءَ السَّبِيلِ [الْبَقَرَة: ١٠٨] وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ، وَقَدْ يُجَرُّ الْمَعْمُول الثَّانِي بِمن الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى بَاءِ الْبَدَلِيَّةِ كَقَوْلِ أَبِي الشِّيصِ:
بُدِّلْتُ مِنْ مُرْدِ الشَّبَابِ مُلَاءَةً ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 524) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 524 ·
#109403
ُجَرُّ الْمَعْمُول الثَّانِي بِمن الَّتِي هِيَ بِمَعْنَى بَاءِ الْبَدَلِيَّةِ كَقَوْلِ أَبِي الشِّيصِ:
بُدِّلْتُ مِنْ مُرْدِ الشَّبَابِ مُلَاءَةً ... خَلَقًا وَبِئْسَ مَثُوبَةُ الْمُقْتَاضِ
وَقَدْ يُعْدَلُ عَنْ تَعْدِيَةِ الْفِعْلِ إِلَى الشَّيْءِ الْمُعَوَّضِ وَيُعَدَّى إِلَى آخِذِ الْعِوَضِ فَيَصِيرُ مِنْ بَابِ أَعْطَى فَيَنْصِبُ مَفْعُولَيْنِ وَيُنَبِّهُ عَلَى الْمَتْرُوكِ بِمَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ نَحْوِ مِنْ كَذَا، وَبَعْدَ كَذَا، كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النُّور: ٥٥] التَّقْدِيرُ لِيُبَدِّلَنَّ خَوْفَهُمْ أَمْنًا هَذَا تَحْرِيرُ طَرِيقِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 524) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 524 ·
#109404
مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْناً [النُّور: ٥٥] التَّقْدِيرُ لِيُبَدِّلَنَّ خَوْفَهُمْ أَمْنًا هَذَا تَحْرِيرُ طَرِيقِ اسْتِعْمَالِ هَذِهِ الْأَفْعَالِ.
وَوَقَعَ فِي «الْكَشَّافِ» عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلا تَتَبَدَّلُوا الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ مَا يَقْتَضِي أَنَّ فِعْلَ بَدَّلَ لَهُ اسْتِعْمَالٌ غَيْرَ اسْتِعْمَالِ فِعْلِ اسْتَبْدَلَ وَتَبَدَّلَ بِأَنَّهُ إِذَا عُدِّيَ إِلَى الْمَعْمُولِ الثَّانِي بِالْبَاءِ كَانَ مَدْخُولُ الْبَاءِ هُوَ الْمَأْخُوذَ وَكَانَ الْمَنْصُوبُ هُوَ الْمَتْرُوكَ وَالْمُعْطِيَ فَقَرَّرَهُ الْقُطْبُ فِي «شَرْحِهِ» بِمَا ظَاهِرُهُ أَنَّ بَدَّلَ لَا يَكُونُ فِي مَعْنَى تَعْدِيَتِهِ إِلَّا مُخَالِفًا لِتَبَدَّلَ واستبدل، وَقَررهُ التفتازانيّ بِأَنَّ فِيهِ اسْتِعْمَالَيْنِ إِذَا تَعَدَّى إِلَى الْمَعْمُولِ الثَّانِي بِالْبَاءِ أَحَدُهُمَا يُوَافِقُ اسْتِعْمَالَ تَبَدَّلَ وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَدَّلَ وَتَبَدَّلَ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 524) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 524 ·
#109405
َّانِي بِالْبَاءِ أَحَدُهُمَا يُوَافِقُ اسْتِعْمَالَ تَبَدَّلَ وَالْآخَرُ بِعَكْسِهِ، وَالْأَظْهَرُ عِنْدِي أَنْ لَا فَرْقَ بَيْنَ بَدَّلَ وَتَبَدَّلَ وَاسْتَبْدَلَ وَأَنَّ كَلَامَ «الْكَشَّافِ» مُشْكِلٌ وَحَسْبُكَ أَنَّهُ لَا يُوجَدُ فِي كَلَامِ أَئِمَّةِ اللُّغَةِ وَلَا فِي كَلَامِهِ نَفْسِهِ فِي كِتَابِ «الْأَسَاسِ» .
فَالْأَمْرُ فِي قَوْلِهِ: اهْبِطُوا لِلْإِبَاحَةِ الْمَشُوبَةِ بِالتَّوْبِيخِ أَيْ إِنْ كَانَ هَذَا هَمَّكُمْ فَاهْبِطُوا بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ فَالْمَعْنَى اهْبِطُوا مِصْرًا مِنَ الْأَمْصَارِ يَعْنِي وَفِيهِ إِعْرَاضٌ عَنْ طَلَبِهِمْ إِذْ لَيْسَ حَوْلَهُمْ يَوْمَئِذٍ بَلَدٌ قَرِيبٌ يَسْتَطِيعُونَ وُصُولَهُ.
وَقِيلَ: أَرَادَ اهْبِطُوا مِصْرَ أَيْ بَلَدَ مِصْرَ بَلَدَ الْقِبْطِ أَيِ ارْجِعُوا إِلَى مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنْهَا
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 524) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 524 ·
#109406
يَسْتَطِيعُونَ وُصُولَهُ.
وَقِيلَ: أَرَادَ اهْبِطُوا مِصْرَ أَيْ بَلَدَ مِصْرَ بَلَدَ الْقِبْطِ أَيِ ارْجِعُوا إِلَى مِصْرَ الَّتِي خَرَجْتُمْ مِنْهَا
وَالْأَمْرُ لِمُجَرَّدِ التَّوْبِيخِ إِذْ لَا يُمْكِنُهُمُ الرُّجُوعُ إِلَى مِصْرَ. وَاعْلَمْ أَنَّ مِصْرَ عَلَى هَذَا الْمَعْنَى يَجُوزُ مَنْعُهُ مِنَ الصَّرْفِ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْبُقْعَةِ فَيَكُونُ فِيهِ الْعَلَمِيَّةُ وَالتَّأْنِيثُ، وَيَجُوزُ صَرْفُهُ عَلَى تَأْوِيلِهِ بِالْمَكَانِ أَوْ لِأَنَّهُ مُؤَنَّثٌ ثُلَاثِيٌّ سَاكِنُ الْوَسَطِ مِثْلَ هِنْدٍ فَهُوَ فِي قِرَاءَةِ ابْنِ مَسْعُودٍ بِدُونِ تَنْوِينٍ وَأَنَّهُ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ بِدُونِ أَلِفٍ وَأَنَّهُ ثَبَتَ بِدُونِ أَلِفٍ فِي بَعْضِ مَصَاحِفِ عُثْمَانَ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ: هِيَ عِنْدِي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مسكن فِرْعَوْن اهـ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 524) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 524 ·
#109407
عْضِ مَصَاحِفِ عُثْمَانَ قَالَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ، وَذَكَرَ أَنَّ أَشْهَبَ قَالَ قَالَ لِي مَالِكٌ: هِيَ عِنْدِي مِصْرُ قَرْيَتُكَ مسكن فِرْعَوْن اهـ. وَيَكُونُ قَوْلُ مُوسَى لَهُمُ: اهْبِطُوا مِصْراً أَمْرًا قُصِدَ مِنْهُ التَّهْدِيدُ عَلَى تَذَكُّرِهِمْ أَيَّامَ ذُلِّهِمْ وَعَنَائِهِمْ وَتَمَنِّيهِمُ الرُّجُوعَ لِتِلْكَ الْمَعِيشَةِ، كَأَنَّهُ يَقُولُ لَهُمُ ارْجِعُوا إِلَى مَا كُنْتُمْ فِيهِ إِذْ لَمْ تَقْدِرُواُُ
قَدْرَ الْفَضَائِلِ النَّفْسِيَّةِ وَنِعْمَةِ الْحُرِّيَّةِ وَالِاسْتِقْلَالِ. وَرُبَّمَا كَانَ قَوْلُهُ: اهْبِطُوا دُونَ لِنَهْبِطْ مُؤْذِنًا بِذَلِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ إِدْخَالَ نَفْسِهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَهَذَا يُذَكِّرُ بِقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:
فَإِنْ كَانَ أَعْجَبَكُمْ عَامَكُمْ ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109408
ِكَ لِأَنَّهُ لَا يُرِيدُ إِدْخَالَ نَفْسِهِ فِي هَذَا الْأَمْرِ وَهَذَا يُذَكِّرُ بِقَوْلِ أَبِي الطَّيِّبِ:
فَإِنْ كَانَ أَعْجَبَكُمْ عَامَكُمْ ... فَعُودُوا إِلَى حِمْصَ فِي الْقَابِلِ
وَقَوْلُهُ: فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ الظَّاهِرُ أَنَّ الْفَاءَ لِلتَّعْقِيبِ عطفت جملَة فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ عَلَى جُمْلَةِ اهْبِطُوا لِلدِّلَالَةِ عَلَى حُصُولِ سُؤْلِهِمْ بِمُجَرَّدِ هُبُوطِهِمْ مِصْرَ أَوْ لَيْسَتْ مُفِيدَةً لِلتَّعْلِيلِ إِذْ لَيْسَ الْأَمْرُ بِالْهُبُوطِ بِمُحْتَاجٍ إِلَى التَّعْلِيلِ بِمِثْلِ مَضْمُونِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ لِظُهُورِ الْمَقْصُودِ مِنْ قَوْلِهِ: اهْبِطُوا مِصْراً وَلِأَنَّهُ لَيْسَ بِمَقَامِ تَرْغِيبٍ فِي هَذَا الْهُبُوطِ حَتَّى يُشَجِّعَ الْمَأْمُورَ بِتَعْلِيلِ الْأَمْرِ وَالظَّاهِرُ أَنَّ عَدَمَ إِرَادَةِ التَّعْلِيلِ هُوَ الدَّاعِي إِلَى ذِكْرِ فَاءِ التَّعْقِيبِ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ لَكَانَتْ إِنَّ مُغْنِيَةً غَنَاءَ الْفَاءِ عَلَى
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109409
دَةِ التَّعْلِيلِ هُوَ الدَّاعِي إِلَى ذِكْرِ فَاءِ التَّعْقِيبِ لِأَنَّهُ لَوْ أُرِيدَ التَّعْلِيلُ لَكَانَتْ إِنَّ مُغْنِيَةً غَنَاءَ الْفَاءِ عَلَى مَا صَرَّحَ بِهِ الشَّيْخُ عَبْدُ الْقَاهِرِ فِي «دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ» فِي الْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالْفَصْلِ الْحَادِيَ عَشَرَ مِنْ فُصُولٍ شَتَّى فِي النَّظْمِ إِذْ يَقُولُ:
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ إِنَّ إِذَا جَاءَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْه أَي الَّذِي فِي قَوْلِ بَشَّارٍ:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجِيرِ ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109410
ُولُ:
وَاعْلَمْ أَنَّ مِنْ شَأْنِ إِنَّ إِذَا جَاءَتْ عَلَى هَذَا الْوَجْه أَي الَّذِي فِي قَوْلِ بَشَّارٍ:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قَبْلَ الْهَجِيرِ ... إِنَّ ذَاكَ النَّجَاحَ فِي التَّبْكِيرِ
أَنْ تُغْنِيَ غَنَاءَ الْفَاءِ الْعَاطِفَةِ مَثَلًا وَأَنْ تُفِيدَ مِنْ رَبْطِ الْجُمْلَةِ بِمَا قَبْلَهَا أَمْرًا عَجِيبًا فَأَنْتَ تَرَى الْكَلَامَ بِهَا مُسْتَأْنَفًا غَيْرَ مُسْتَأْنَفٍ مَقْطُوعًا مَوْصُولًا مَعًا- وَقَالَ- إِنَّكَ تَرَى الْجُمْلَةَ إِذَا دَخَلَتْ إِنَّ تَرْتَبِطُ بِمَا قَبِلَهَا وَتَأْتَلِفُ مَعَهُ حَتَّى كَأَنَّ الْكَلَامَيْنِ أُفْرِغَا إِفْرَاغًا وَاحِدًا حَتَّى إِذَا أُسْقِطَتْ إِنَّ رَأَيْتَ الثَّانِيَ مِنْهُمَا قَدْ نَبَا عَنِ الْأَوَّلِ وَتَجَافَى مَعْنَاهُ عَنْ مَعْنَاهُ حَتَّى تَجِيءَ بِالْفَاءِ فَتَقُولُ مَثَلًا:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قبل الهجير ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109411
ْهُمَا قَدْ نَبَا عَنِ الْأَوَّلِ وَتَجَافَى مَعْنَاهُ عَنْ مَعْنَاهُ حَتَّى تَجِيءَ بِالْفَاءِ فَتَقُولُ مَثَلًا:
بَكِّرَا صَاحِبَيَّ قبل الهجير ... إِن ذَاك النجاح فِي التَّبْكِيرِ
ثُمَّ لَا تَرَى الْفَاءَ تُعِيدُ الْجُمْلَتَيْنِ إِلَى مَا كَانَتَا عَلَيْهِ مِنَ الْأُلْفَةِ وَهَذَا الضَّرْبُ كَثِيرٌ فِي
التَّنْزِيلِ جِدًّا مِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ [الْحَج: ١] وَقَوْلُهُ: يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاةَ إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لُقْمَان: ١٧] وَقَالَ: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التَّوْبَة: ١٠٣] إِلَخْ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109412
إِلَى قَوْلِهِ: إِنَّ ذلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ [لُقْمَان: ١٧] وَقَالَ: وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاتَكَ سَكَنٌ لَهُمْ [التَّوْبَة: ١٠٣] إِلَخْ. فَظَاهِرُ كَلَامِ الشَّيْخِ أَنَّ وُجُودَ إِنَّ فِي الْجُمْلَةِ الْمَقْصُودُ مِنْهَا التَّعْلِيلُ وَالرَّبْطُ مُغْنٍ عَنِ الْإِتْيَانِ بِالْفَاءِ، وَأَنَّ الْإِتْيَانَ بِالْفَاءِ حِينَئِذٍ لَا يُنَاسِبُ الْكَلَامَ الْبَلِيغَ إِذْ هُوَ كَالْجَمْعِ بَيْنَ الْعِوَضِ وَالْمُعَوَّضِ عَنْهُ فَإِذَا وَجَدْنَا الْفَاءَ مَعَ إِنَّ عَلِمْنَا أَنَّ الْفَاءَ لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ وَإِنَّ لِإِرَادَةِ التَّعْلِيلِ وَالرَّبْطِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى التَّعْقِيبِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 525) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 525 ·
#109413
لِمُجَرَّدِ الْعَطْفِ وَإِنَّ لِإِرَادَةِ التَّعْلِيلِ وَالرَّبْطِ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ بِأَكْثَرَ مِنْ مَعْنَى التَّعْقِيبِ. وَيُسْتَخْلَصُ مِنْ ذَلِكَ أَنَّ مَوَاقِعَ التَّعْلِيلِ هِيَ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا مَعْنَاهُ بَيْنَ مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ كَالْأَمْثِلَةِ الَّتِي ذَكَرَهَا.
وَجَعَلَ أَبُو حَيَّانَ فِي «الْبَحْرِ الْمُحِيطِ» جُمْلَةَ فَإِنَّ لَكُمْ مَا سَأَلْتُمْ جَوَابًا لِلْأَمْرِ زعم أَنَّ الْأَمْرَ كَمَا يُجَابُ بِالْفِعْلِ يُجَابُ بِالْجُمْلَةِ الِاسْمِيَّةِ وَلَا يَخْفَى أَنَّ كِلَا الْمَعْنَيَيْنِ ضَعِيفٌ هَاهُنَا لِعَدَمِ قَصْدِ التَّرْغِيبِ فِي هَذَا الْهُبُوطِ حَتَّى يُعَلَّلَ أَوْ يُعَلَّقَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ غَضَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 526) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 526 ·
#109414
ِ ضَعِيفٌ هَاهُنَا لِعَدَمِ قَصْدِ التَّرْغِيبِ فِي هَذَا الْهُبُوطِ حَتَّى يُعَلَّلَ أَوْ يُعَلَّقَ، وَإِنَّمَا هُوَ كَلَامُ غَضَبٍ كَمَا تَقَدَّمَ. وَاقْتِرَانُ الْجُمْلَةِ بِإِنَّ الْمُؤَكِّدَةِ لِتَنْزِيلِهِمْ مَنْزِلَةَ مَنْ يَشُكُّ لِبُعْدِ عَهْدِهِمْ بِمَا سَأَلُوهُ حَتَّى يَشُكُّونَ هَلْ يَجِدُونَهُ مِنْ شِدَّةِ شَوْقِهِمْ، وَالْمُحِبُّ بِسُوءِ الظَّنِّ مُغْرًى.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 526) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 526 ·
#109415
دُونَهُ مِنْ شِدَّةِ شَوْقِهِمْ، وَالْمُحِبُّ بِسُوءِ الظَّنِّ مُغْرًى.
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ.
عَطْفٌ عَلَى الْجُمَلِ الْمُتَقَدِّمَةِ بِالْوَاوِ وَبِدُونِ إِعَادَةِ إِذْ، فَأَمَّا عَطْفُهُ فَلِأَنَّ هَاتِهِ الْجُمْلَةَ لَهَا مَزِيدُ الِارْتِبَاطِ بِالْجُمَلِ قَبْلَهَا إِذْ كَانَتْ فِي مَعْنَى النَّتِيجَةِ وَالْأَثَرِ لِمَدْلُولِ الْجُمَلِ قَبْلَهَا مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ نَجَّيْناكُمْ مِنْ آلِ فِرْعَوْنَ [الْبَقَرَة: ٤٩] فَإِنَّ مَضْمُونَ تِلْكَ الْجُمَلِ ذِكْرُ مَا مَنَّ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ عَلَيْهِمْ مِنْ نِعْمَةِ تَحْرِيرِهِمْ مِنَ اسْتِعْبَادِ الْقِبْطِ إِيَّاهُمْ وَسَوْقِهِمْ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي وَعَدَهُمْ فَتَضَمَّنَ ذَلِكَ نِعْمَتَيِ التَّحْرِيرِ وَالتَّمْكِينِ فِي الْأَرْضِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّجَاعَةِ طَوْعَ يَدِهِمْ لَوْ فَعَلُوا فَلَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ ذَلِكَ وَتَمَنَّوُا الْعَوْدَ إِلَى الْمَعِيشَةِ فِي مِصْرَ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 526) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 526 ·
#109416
ْأَرْضِ وَهُوَ جَعْلُ الشَّجَاعَةِ طَوْعَ يَدِهِمْ لَوْ فَعَلُوا فَلَمْ يُقَدِّرُوا قَدْرَ ذَلِكَ وَتَمَنَّوُا الْعَوْدَ إِلَى الْمَعِيشَةِ فِي مِصْرَ إِذْ قَالُوا لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ كَمَا فَصَّلْنَاهُ لَكُمْ هُنَالِكَ مِمَّا حَكَتْهُ التَّوْرَاةُ وَتَقَاعَسُوا عَنْ دُخُولِ الْقَرْيَةِ وَجَبُنُوا عَنْ لِقَاءِ الْعَدُوِّ كَمَا أَشَارَتْ لَهُ الْآيَةُ الْمَاضِيَةُ وَفَصَّلَتْهُ آيَةُ الْمَائِدَةِ فَلَا جَرَمَ إِذْ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ وَلَمْ يُقَدِّرُوهَا أَنْ تُنْتَزَعَ مِنْهُمْ وَيُسْلَبُوهَا وَيُعَوَّضُوا عَنْهَا بِضِدِّهَا وَهُوَ الذِّلَّةُ الْمُقَابِلَةُ لِلشَّجَاعَةِ إِذْ لَمْ يَثِقُوا بِنَصْرِ اللَّهِ إِيَّاهُمْ وَالْمَسْكَنَةُ وَهِيَ الْعُبُودِيَّةُ فَتَكُونُ الْآيَةُ مَسُوقَةً مَسَاقَ الْمُجَازَاةِ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ فَهَذَا وَجْهُ الْعَطْفِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 526) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 526 ·
#109417
إِيَّاهُمْ وَالْمَسْكَنَةُ وَهِيَ الْعُبُودِيَّةُ فَتَكُونُ الْآيَةُ مَسُوقَةً مَسَاقَ الْمُجَازَاةِ لِلْكَلَامِ السَّابِقِ فَهَذَا وَجْهُ الْعَطْفِ.
وَأَمَّا كَوْنُهُ بِالْوَاوِ دُونَ الْفَاءِ فَلِيَكُونَ خَبَرًا مَقْصُودًا بِذَاتِهِ وَلَيْسَ مُتَفَرِّعًا عَلَى قَوْلِ مُوسَى لَهُمْ: أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ لِأَنَّهُمْ لَمْ يَشْكُرُوا النِّعْمَةَ فَإِنَّ شُكْرَ النِّعْمَةِ
هُوَ إِظْهَارُ آثَارِهَا الْمَقْصُودَةِ مِنْهَا كَإِظْهَارِ النَّصْرِ لِلْحَقِّ بِنِعْمَةِ الشَّجَاعَةِ وَإِغَاثَةِ الْمَلْهُوفِينَ بِنِعْمَةِ الْكَرَمِ وَتَثْقِيفِ الْأَذْهَانِ بِنِعْمَةِ الْعِلْمِ فَكُلُّ مَنْ لَمْ يَشْكُرِ النِّعْمَةَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ تُسْلَبَ عَنْهُ وَيُعَوَّضَ بِضِدِّهَا قَالَ تَعَالَى: فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ [سبأ: ١٦] الْآيَةَ، وَلَوْ عَطَفَ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 526) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 526 ·
#109418
فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْناهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَواتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ [سبأ: ١٦] الْآيَةَ، وَلَوْ عَطَفَ بِغَيْرِ الْوَاوِ لَكَانَ ذِكْرُهُ تَبَعًا لِذِكْرِ سَبَبِهِ فَلَمْ يَكُنْ لَهُ مِنَ الِاسْتِقْلَالِ مَا يُنَبِّهُ الْبَالَ.
فَالضَّمِيرُ فِي قَوْلِهِ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ ... وَباؤُ إِلَخْ عَائِدَةٌ إِلَى جَمِيعِ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا إِلَى خُصُوصِ الَّذِينَ أَبَوْا دُخُولَ الْقَرْيَةِ وَالَّذِينَ قَالُوا: لَنْ نَصْبِرَ عَلى طَعامٍ واحِدٍ بِدَلِيلِ قَوْلِهِ ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ فَإِنَّ الَّذِينَ قَتَلُوا النَّبِيئِينَ هُمْ أَبْنَاءُ الَّذِينَ أَبَوْا دُخُولَ الْقَرْيَةِ وَقَالُوا: لَنْ نَصْبِرَ فَالْإِتْيَانُ بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ هُنَا جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِذْ لَيْسَ قَوْلُهُ:
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 527) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 527 ·
#109419
بِضَمِيرِ الْغَيْبَةِ هُنَا جَارٍ عَلَى مُقْتَضَى الظَّاهِرِ لِأَنَّهُمْ غَيْرُ الْمُخَاطَبِينَ فَلَيْسَ هُوَ مِنَ الِالْتِفَاتِ إِذْ لَيْسَ قَوْلُهُ:
وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ إِلَخْ مِنْ بَقِيَّةِ جَوَابِ مُوسَى إِيَّاهُمْ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ شُمُولِهِ لِلْمُتَحَدَّثِ عَنْهُمُ الْآبِينَ دُخُولَ الْقَرْيَةِ وَلِغَيْرِهِمْ مِمَّنْ أَتَى بَعْدَهُمْ فَقَدْ جَاءَ ضَمِيرُ الْغَيْبَةِ عَلَى أَصْلِهِ، أَمَّا شُمُولُهُ لِلْمُخَاطَبِينَ فَإِنَّمَا هُوَ بِطَرِيقَةِ التَّعْرِيضِ وَهُوَ لُزُومُ تَوَارُثِ الْأَبْنَاءِ أَخْلَاقَ الْآبَاءِ وَشَمَائِلَهُمْ كَمَا قَرَّرْنَاهُ فِي وَجْهِ الْخِطَابَاتِ الْمَاضِيَةِ مِنْ قَوْلِهِ: وَإِذْ فَرَقْنا بِكُمُ الْبَحْرَ [الْبَقَرَة:
٥٠] الْآيَاتِ وَيُؤَيِّدُهُ التَّعْلِيلُ الْآتِي بِقَوْلِهِ: ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ مِثْلُ مَا ثَبَتَ لِلْآخَرِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 527) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 527 ·
#109420
مْ كانُوا يَكْفُرُونَ الْمُشْعِرِ بِأَنَّ كُلَّ مَنِ اتَّصَفَ بِذَلِكَ فَهُوَ جَدِيرٌ بِأَنْ يَثْبُتَ لَهُ مِنَ الْحُكْمِ مِثْلُ مَا ثَبَتَ لِلْآخَرِ.
وَالضَّرْبُ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ يَرْجِعُ إِلَى مَعْنَى الْتِقَاءِ ظَاهِرِ جِسْمٍ بِظَاهِرِ جِسْمٍ آخَرَ بِشِدَّةٍ، يُقَالُ ضَرَبَ بِعَصًا وَبِيَدِهِ وَبِالسَّيْفِ وَضَرَبَ بِيَدِهِ الْأَرْضَ إِذَا أَلْصَقَهَا بِهَا، وَتَفَرَّعَتْ عَنْ هَذَا مَعَانٍ مَجَازِيَّةٌ تَرْجِعُ إِلَى شِدَّةِ اللُّصُوقِ. فَمِنْهُ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ: سَارَ طَوِيلًا، وَضَرَبَ قُبَّةً وَبَيْتًا فِي مَوْضِعِ كَذَا بِمَعْنَى شَدَّهَا وَوَثَّقَهَا مِنَ الْأَرْضِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 527) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 527 ·
#109421
ُّصُوقِ. فَمِنْهُ ضَرَبَ فِي الْأَرْضِ: سَارَ طَوِيلًا، وَضَرَبَ قُبَّةً وَبَيْتًا فِي مَوْضِعِ كَذَا بِمَعْنَى شَدَّهَا وَوَثَّقَهَا مِنَ الْأَرْضِ. قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّبِيبِ:
إِنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتًا مُهَاجِرَةٌ وَقَالَ زِيَادٌ الْأَعْجَمُ:
فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ وَضَرَبَ الطِّينَ عَلَى الْحَائِطِ أَلْصَقَهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَا لِجَمِيعِ هَذِهِ الْمَعَانِي عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ لَا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا مَا بَعُوضَةً فَما فَوْقَها [الْبَقَرَة: ٢٦] .
فَقَوْلُهُ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ اسْتِعَارَةٌ مَكْنِيَّةٌ إِذْ شُبِّهَتِ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ
فِي الْإِحَاطَةِ بِهِمْ وَاللُّزُومِ بِالْبَيْتِ أَوِ الْقُبَّةِ يَضْرِبُهَا السَّاكِنُ لِيَلْزَمَهَا وَذِكْرُ الضَّرْبِ تَخْيِيلٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ فِي عَلَائِقِ الْمُشَبَّهِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 527) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 527 ·
#109422
الْبَيْتِ أَوِ الْقُبَّةِ يَضْرِبُهَا السَّاكِنُ لِيَلْزَمَهَا وَذِكْرُ الضَّرْبِ تَخْيِيلٌ لِأَنَّهُ لَيْسَ لَهُ شَبِيهٌ فِي عَلَائِقِ الْمُشَبَّهِ. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضُرِبَتِ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً وَلَيْسَ ثَمَّةَ مَكْنِيَّةً بِأَنْ شَبَّهَ لُزُومَ الذِّلَّةِ لَهُمْ وَلُصُوقَهَا بِلُصُوقِ الطِّينِ بِالْحَائِطِ، وَمَعْنَى التَّبَعِيَّةِ أَنَّ الْمَنْظُورَ إِلَيْهِ فِي التَّشْبِيهِ هُوَ الْحَدَثُ وَالْوَصْفُ لَا الذَّاتُ بِمَعْنَى أَنَّ جَرَيَانَ الِاسْتِعَارَةِ فِي الْفِعْلِ لَيْسَ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ تَابِعًا لِفَاعِلٍ كَمَا فِي التَّخْيِيلِيَّةِ بَلْ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ حَدَثًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ أُجْرِيَتْ فِي الْفِعْلِ تَبَعًا لِجَرَيَانِهَاُُ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 527) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 527 ·
#109423
ًا لِفَاعِلٍ كَمَا فِي التَّخْيِيلِيَّةِ بَلْ بِعُنْوَانِ كَوْنِهِ حَدَثًا وَهُوَ مَعْنَى قَوْلِهِمْ أُجْرِيَتْ فِي الْفِعْلِ تَبَعًا لِجَرَيَانِهَاُُ
فِي الْمَصْدَرِ وَبِهِ يَظْهَرُ الْفَرْقُ بَيْنَ جَعْلِ ضُرِبَتْ تَخْيِيلًا وَجَعْلِهِ تَبَعِيَّةً وَهِيَ طَرِيقَةٌ فِي الْآيَةِ سَلَكَهَا الطَّيِّبِيُّ فِي شَرْحِ الْكَشَّاف وَخَالفهُ التفتازانيّ وَجَعَلَ الضَّرْبَ اسْتِعَارَةً تَبَعِيَّةً بِمَعْنَى الْإِحَاطَةِ وَالشُّمُولِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُشَبَّهُ بِهِ الْقُبَّةَ أَوِ الطِّينَ، وَهُمَا احْتِمَالَانِ مَقْصُودَانِ فِي هَذَا الْمَقَامِ يَشْعُرُ بِهِمَا الْبُلَغَاءُ.
ثُمَّ إِنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:
إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 528) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 528 ·
#109424
وْلَهُ تَعَالَى: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ لَيْسَ هُوَ مِنْ بَابِ قَوْلِ زِيَادٍ الْأَعْجَمِ:
إِنَّ السَّمَاحَةَ وَالْمُرُوءَةَ وَالنَّدَى ... فِي قُبَّةٍ ضُرِبَتْ عَلَى ابْنِ الْحَشْرَجِ (١)
لِأَنَّ الْقُبَّةَ فِي الْآيَةِ مُشَبَّهٌ بِهَا وَلَيْسَتْ بِمَوْجُودَةٍ وَالْقُبَّةُ فِي الْبَيْتِ يُمْكِنُ أَنْ تَكُونَ حَقِيقَةً فَالْآيَةُ اسْتِعَارَةٌ وَتَصْرِيحٌ وَالْبَيْتُ حَقِيقَةٌ وَكِنَايَةٌ كَمَا نَبَّهَ عَلَيْهِ الطَّيِّبِيّ وَجعل التفتازانيّ الْآيَةَ عَلَى الِاحْتِمَالَيْنِ فِي الِاسْتِعَارَةِ كِنَايَةً عَنْ كَوْنِ الْيَهُودِ أَذِلَّاءَ مُتَصَاغِرِينَ وَهِيَ نُكَتٌ لَا تَتَزَاحَمُ.
وَالذِّلَّةُ الصَّغَارُ وَهِيَ بِكَسْرِ الذَّالِ لَا غَيْرَ وَهِيَ ضِدَّ الْعِزَّةِ وَلِذَلِكَ قَابَلَ بَيْنَهُمَا السَّمَوْأَلُ أَوِ الْحَارِثِيُّ فِي قَوْلِهِ:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 528) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 528 ·
#109425
رَ وَهِيَ ضِدَّ الْعِزَّةِ وَلِذَلِكَ قَابَلَ بَيْنَهُمَا السَّمَوْأَلُ أَوِ الْحَارِثِيُّ فِي قَوْلِهِ:
وَمَا ضَرَّنَا أَنَّا قَلِيلٌ وَجَارُنَا ... عَزِيزٌ وَجَارُ الْأَكْثَرِينَ ذَلِيلُ
وَالْمَسْكَنَةُ الْفَقْرُ مُشْتَقَّةٌ مِنَ السُّكُونِ لِأَنَّ الْفَقْرَ يُقَلِّلُ حَرَكَةَ صَاحِبِهِ. وَتُطْلَقُ عَلَى الضَّعْفِ وَمِنْهُ الْمِسْكِينُ لِلْفَقِيرِ. وَمَعْنَى لُزُومِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ لِلْيَهُودِ أَنَّهُمْ فَقَدُوا الْبَأْسَ وَالشَّجَاعَةَ وَبَدَا عَلَيْهِمْ سِيمَا الْفَقْرِ وَالْحَاجَةِ مَعَ وَفْرَةِ مَا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ فَإِنَّهُمْ لَمَّا سَئِمُوهَا صَارَتْ لَدَيْهِمْ كَالْعَدَمِ وَلِذَلِكَ صَارَ الْحِرْصُ لَهُمْ سَجِيَّةً بَاقِيَةً فِي أَعْقَابِهِمْ.
وَالْبَوْءُ الرُّجُوعُ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِانْقِلَابِ الْحَالَةِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ إِلَى غَضَبِهِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 528) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 528 ·
#109426
سَجِيَّةً بَاقِيَةً فِي أَعْقَابِهِمْ.
وَالْبَوْءُ الرُّجُوعُ وَهُوَ هُنَا مُسْتَعَارٌ لِانْقِلَابِ الْحَالَةِ مِمَّا يُرْضِي اللَّهَ إِلَى غَضَبِهِ.
ذلِكَ بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ بِآياتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ.
اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ أَثَارَهُ مَا شَنَّعَ بِهِ حَالُهُمْ مِنْ لُزُومِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ لَهُمْ وَالْإِشَارَةِ إِلَى مَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ: وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَباؤُ بِغَضَبٍ. وَأَفْرَدَ اسْمَ الْإِشَارَةِ لِتَأْوِيلِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِالْمَذْكُورِ وَهُوَ أَوْلَى بِجَوَازِ الْإِفْرَادِ مِنْ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ...
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 529) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 529 ·
#109427
إِلَيْهِ بِالْمَذْكُورِ وَهُوَ أَوْلَى بِجَوَازِ الْإِفْرَادِ مِنْ إِفْرَادِ الضَّمِيرِ فِي قَوْلِ رُؤْبَةَ:
فِيهَا خُطُوطٌ مِنْ سَوَادٍ وَبَلَقْ ... كَأَنَّهُ فِي الْجِلْدِ تَوْلِيعُ الْبَهَقْ
قَالَ أَبُو عُبَيْدَةَ لِرُؤْبَةَ: إِنْ أَرَدْتَ الْخُطُوطَ فَقُلْ كَأَنَّهَا وَإِنْ أَرَدْتَ السَّوَادَ وَالْبَيَاضَ فَقُلْ كَأَنَّهُمَا فَقَالَ رُؤْبَةُ: «أَرَدْتُ كَأَنَّ ذَلِكَ وَيْلَكَ» وَإِنَّمَا كَانَ مَا فِي الْآيَةِ أَوْلَى بِالْإِفْرَادِ لِأَنَّ الذِّلَّةَ وَالْمَسْكَنَةَ وَالْغَضَبَ مِمَّا لَا يُشَاهَدُ فَلَا يُشَارُ إِلَى ذَاتِهَا وَلَكِنْ يُشَارُ إِلَى مَضْمُونِ الْكَلَامِ وَهُوَ شَيْءٌ وَاحِدٌ أَيْ مَذْكُورٌ وَمَقُولٌ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمرَان: ٥٨] أَيْ ذَلِكَ الْقَصَصُ السَّابِقُ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 529) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 529 ·
#109428
قُولٌ وَمِنْ هَذَا قَوْلُهُ تَعَالَى: ذلِكَ نَتْلُوهُ عَلَيْكَ مِنَ الْآياتِ وَالذِّكْرِ الْحَكِيمِ [آل عمرَان: ٥٨] أَيْ ذَلِكَ الْقَصَصُ السَّابِقُ. وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: عَوانٌ بَيْنَ ذلِكَ [الْبَقَرَة: ٦٨] وَسَيَأْتِي.
وَقَالَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» (١) «وَالَّذِي حَسَّنَ ذَلِكَ أَنَّ أَسْمَاءَ الْإِشَارَةِ لَيْسَتْ تَثْنِيَتُهَا وَجَمْعُهَا وَتَأْنِيثُهَا عَلَى الْحَقِيقَةِ وَكَذَلِكَ الْمَوْصُولَاتُ وَلِذَلِكَ جَاءَ الَّذِي بِمَعْنَى الْجَمْعِ» اهـ قِيلَ أَرَادَ بِهِ أَنَّ جَمْعَ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ وَتَثْنِيَتَهَا لَمْ يَكُنْ بِزِيَادَةِ عَلَامَاتٍ بَلْ كَانَ بِأَلْفَاظٍ خَاصَّةٍ بِتِلْكَ الْأَحْوَالِ فَلِذَلِكَ كَانَ اسْتِعْمَالُ بَعْضِهَا فِي مَعْنَى بَعْضٍ أَسْهَلَ إِذَا كَانَ عَلَى تَأْوِيلٍ، وَهُوَ قَلِيلُ الْجَدْوَى لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَالْمَجَازِ سَوَاءٌ كَانَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ فِي مَعْنَى آخَرَ أَوْ فِي اسْتِعْمَالِ صِيغَةٍ فِي مَعْنَى
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 529) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 529 ·
#109429
ى لِأَنَّ الْمَدَارَ عَلَى التَّأْوِيلِ وَالْمَجَازِ سَوَاءٌ كَانَ فِي اسْتِعْمَالِ لَفْظٍ فِي مَعْنَى آخَرَ أَوْ فِي اسْتِعْمَالِ صِيغَةٍ فِي مَعْنَى أُخْرَى فَلَا حُسْنَ يَخُصُّ هَذِهِ الْأَلْفَاظَ فِيمَا يَظْهَرُ فَلَعَلَّهُ أَرَادَ أَنَّ ذَا مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ مَا يُشَارُ إِلَيْهِ. وَالَّذِي مَوْضُوعٌ لِجِنْسٍ مَا عُرِفَ بِصِلَةٍ فَهُوَ صَالِحٌ لِلْإِطْلَاقِ عَلَى الْوَاحِدِ وَالْمُثَنَّى وَالْجَمْعِ وَالْمُذَكِّرِ وَالْمُؤَنَّثِ وَإِنَّ مَا يَقَعُ مِنْ أَسْمَاءِ الْإِشَارَةِ وَالْمَوْصُولَاتِ لِلْمُثَنَّى نَحْوَ ذَانِ وَلِلْجَمْعِ نَحْوَ أُولَئِكَ، إِنَّمَا هُوَ اسْمٌ بِمَعْنَى الْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ لَا أَنَّهُ تَثْنِيَةُ مُفْرَدٍ، وَجَمْعُ مُفْرَدٍ، فَذَا يُشَارُ بِهِ لِلْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ وَلَا عَكْسَ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمَالُ الْمُفْرَدِ مِنْهَا لِلدِّلَالَةِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 529) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 529 ·
#109430
دٍ، فَذَا يُشَارُ بِهِ لِلْمُثَنَّى وَالْمَجْمُوعِ وَلَا عَكْسَ فَلِذَلِكَ حَسُنَ اسْتِعْمَالُ الْمُفْرَدِ مِنْهَا لِلدِّلَالَةِ عَلَى الْمُتَعَدِّدِ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْلِهِ: بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ سَبَبِيَّةٌ أَيْ أَنَّ كُفْرَهُمْ وَمَا مَعَهُ كَانَ سَبَبًا لِعِقَابِهِمْ فِي الدُّنْيَا بِالذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَفِي الْآخِرَةِ بِغَضَبِ اللَّهِ وَفِيهِ تَحْذِيرٌ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ
مَا وَقَعُوا فِيهِ.
وَقَوْلُهُ: وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ خَاصٌّ بِأَجْيَالِ الْيَهُودِ الَّذِينَ اجْتَرَمُوا هَذِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ وَأَمَرَ بِهِ وَمَنْ سَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يَنْصُرِ الْأَنْبِيَاءَ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109431
تَرَمُوا هَذِهِ الْجَرِيمَةَ الْعَظِيمَةَ سَوَاءٌ فِي ذَلِكَ مَنْ بَاشَرَ الْقَتْلَ وَأَمَرَ بِهِ وَمَنْ سَكَتَ عَنْهُ وَلَمْ يَنْصُرِ الْأَنْبِيَاءَ.
وَقَدْ قَتَلَ الْيَهُودُ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ أَشْعِيَاءَ بْنَ أَمْوَصَ الَّذِي كَانَ حَيًّا فِي مُنْتَصَفِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ الْمَسِيحِ، قَتَلَهُ الْمَلِكُ مَنْسِيٌّ مَلِكُ الْيَهُودِ سَنَةَ ٧٠٠ قَبْلَ الْمَسِيحِ نُشِرَ نَشْرًا عَلَى جِذْعِ شَجَرَةٍ.
وَأَرْمِيَاءَ النَّبِيءَ الَّذِي كَانَ حَيًّا فِي أَوَاسِطِ الْقَرْنِ السَّابِعِ قَبْلَ الْمَسِيحِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَكْثَرَ التَّوْبِيخَاتِ وَالنَّصَائِحَ لِلْيَهُودِ فَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109432
َ الْمَسِيحِ وَذَلِكَ لِأَنَّهُ أَكْثَرَ التَّوْبِيخَاتِ وَالنَّصَائِحَ لِلْيَهُودِ فَرَجَمُوهُ بِالْحِجَارَةِ حَتَّى قَتَلُوهُ وَفِي ذَلِكَ خِلَافٌ. وَزَكَرِيَّاءَ الْأَخِيرَ أَبَا يَحْيَى قَتله هيرودس العبراني ملك الْيَهُود من قبل الرومان لِأَن زَكَرِيَّاء حاول تَخْلِيص ابْنَةِ يحيى من الْقَتْل وَذَلِكَ فِي مُدَّة نبوءة عِيسَى، وَيحيى بن زَكَرِيَّاء قَتله هيرودس لغضب ابْنة أُخْتِ هِيرُودُسَ عَلَى يَحْيَى.
وَقَوْلُهُ: بِغَيْرِ الْحَقِّ أَيْ بِدُونِ وَجْهٍ مُعْتَبَرٍ فِي شَرِيعَتِهِمْ فَإِنَّ فِيهَا: أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً [الْمَائِدَة: ٣٢] فَهَذَا الْقَيْدُ مِنَ الِاحْتِجَاجِ عَلَى الْيَهُودِ بِأُصُولِ دِينِهِمْ لِتَخْلِيدِ مَذَمَّتِهِمْ، وَإِلَّا فَإِنَّ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا قَالَ (الْأَنْبِيَاءَ) لِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109433
َّ قَتْلَ الْأَنْبِيَاءِ لَا يَكُونُ بِحَقٍّ فِي حَالٍ مِنَ الْأَحْوَالِ، وَإِنَّمَا قَالَ (الْأَنْبِيَاءَ) لِأَنَّ الرُّسُلَ لَا تُسَلَّطُ عَلَيْهِمْ أَعْدَاؤُهُمْ لِأَنَّهُ مُنَافٍ لِحِكْمَةِ الرِّسَالَةِ الَّتِي هِيَ التَّبْلِيغُ قَالَ تَعَالَى: إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا [غَافِر: ٥١] وَقَالَ: وَاللَّهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النَّاسِ [الْمَائِدَة: ٦٧] وَمن ثَمَّ كَانَ ادِّعَاءُ النَّصَارَى أَنَّ عِيسَى قَتَلَهُ الْيَهُودُ ادِّعَاءً مُنَافِيًا لِحِكْمَةِ الْإِرْسَالِ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَنْهَى مُدَّةَ رِسَالَتِهِ بِحُصُولِ الْمَقْصِدِ مِمَّا أُرْسِلَ إِلَيْهِ.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109434
الْيَهُودُ ادِّعَاءً مُنَافِيًا لِحِكْمَةِ الْإِرْسَالِ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَنْهَى مُدَّةَ رِسَالَتِهِ بِحُصُولِ الْمَقْصِدِ مِمَّا أُرْسِلَ إِلَيْهِ.
وَقَوْلُهُ: ذلِكَ بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ يُحْتَمَلُ أَنْ تَكُونَ الْإِشَارَةُ فِيهِ إِلَى نَفْسِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الْأَوْلَى فَيَكُونُ تَكْرِيرًا لِلْإِشَارَةِ لِزِيَادَةِ تَمْيِيزِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ حِرْصًا عَلَى مَعْرِفَتِهِ، وَيَكُونُ الْعِصْيَانُ وَالِاعْتِدَاءُ سَبَبَيْنِ آخَرَيْنِ لِضَرْبِ الذِّلَّةِ وَالْمَسْكَنَةِ وَلِغَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى عَلَيْهِمْ، وَالْآيَةُ حِينَئِذٍ مِنْ قَبِيلِ التَّكْرِيرِ وَهُوَ مُغْنٍ عَنِ الْعَطْفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الْأَعْرَاف: ١٧٩] .
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109435
ْرِيرِ وَهُوَ مُغْنٍ عَنِ الْعَطْفِ مِثْلَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أُولئِكَ كَالْأَنْعامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولئِكَ هُمُ الْغافِلُونَ [الْأَعْرَاف: ١٧٩] .
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِذَلِكَ الثَّانِي هُوَ الْكُفْرَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَقَتْلَهُمُ النَّبِيئِينَ فَيَكُونُ (ذَلِكَ) إِشَارَةً إِلَى سَبَبِ ضَرْبِ الذِّلَّةِ إِلَخْ فَمَا بَعْدَ كَلِمَةِ (ذَلِكَ) هُوَ سَبَبُ السَّبَبِ تَنْبِيهًا عَلَى أَنَّ إِدْمَانَ الْعَاصِي يُفْضِي إِلَى التَّغَلْغُلِ فِيهَا وَالتَّنَقُّلِ مِنْ أَصْغَرِهَا إِلَى أَكْبَرِهَا.
وَالْبَاءُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ سَبَبِيَّةٌ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا.
QS 2:61 (jilid 1 hlm. 530) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 1 · hlm. 530 ·
#109436
ضِي إِلَى التَّغَلْغُلِ فِيهَا وَالتَّنَقُّلِ مِنْ أَصْغَرِهَا إِلَى أَكْبَرِهَا.
وَالْبَاءُ عَلَى الْوَجْهَيْنِ سَبَبِيَّةٌ عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا. وَلَا حَاجَةَ إِلَى جَعْلِ إِحْدَى الْبَاءَيْنِ بِمَعْنَى
مَعَ عَلَى تَقْدِيرِ جَعْلِ اسْمِ الْإِشَارَةِ الثَّانِي تَكْرِيرًا لِلْأَوَّلِ أَخْذًا مِنْ كَلَامِ «الْكَشَّافِ»
الَّذِي احْتَفَلَ بِهِ الطَّيِّبِيُّ فَأَطَالَ فِي تَقْرِيرِهِ وَتَفْنِينِ تَوْجِيهِهِ فَإِنَّ فِيهِ مِنَ التَّكَلُّفِ مَا يَنْبُو عَنْهُ نَظْمُ الْقُرْآنِ. وَكَانَ الَّذِي دَعَا إِلَى فَرْضِ هَذَا الْوَجْهِ هُوَ خلو الْكَلَام عَن عَاطِفٍ يَعْطِفُ بِما عَصَوْا عَلَى بِأَنَّهُمْ كانُوا يَكْفُرُونَ إِذَا كَانَتِ الْإِشَارَةُ لِمُجَرَّدِ التَّكْرِيرِ. وَلَقَدْ نَبَّهْنَاكَ آنِفًا إِلَى دَفْعِ هَذَا بِأَنَّ التَّكْرِيرَ يُغْنِي غناء الْعَطف.
[٦٢]
Ayat yang dirujuk di sini
Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan
teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).
Dirujuk oleh
Ayat ini dikutip di dalam tafsir ayat-ayat berikut.
KitabAI · halaman jelajah dirender langsung dari korpus; teks kitab ditampilkan verbatim apa adanya.