Dan (ingatlah) ketika Kami mengambil janji dari Bani Israil, "Janganlah kamu menyembah selain Allah, dan berbuat baiklah kepada kedua orang tua, kerabat, anak-anak yatim, dan orang-orang miskin. Dan bertutur katalah yang baik kepada manusia, laksanakan salat dan tunaikanlah zakat." Tetapi kemudian kamu berpaling (mengingkari), kecuali sebagian kecil dari kamu, dan kamu (masih menjadi) pembangkang
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
إن قال لنا قائلٌ: كَيف قيل: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. فأُخْرِج الكلامُ أمرًا ولمَّا يَتَقَدَّمْه أمرٌ، بل الكلامُ جارٍ مِن أوَّلِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ؟
قيل: إن الكلامَ وإن كان قد جرَى في أولِ الآيةِ مَجْرَى الخبرِ، فإنه مِمَّا يَحْسُنُ في موضعهِ الخطابُ بالأمرِ والنهىِ، فلو كان مكانَ ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، "لَا تَعْبُدُوا إِلَّا اللهَ". على وجْهِ النهىِ مِن اللهِ لهم عن عبادةِ غيرِه - كان حسنًا صوابًا، وقد ذُكِر أن ذلك كذلك في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ، وإنما حسُن ذلك وجاز لو كان مقروءًا به؛ لأن أخذَ الميثاقِ قولٌ، فكأنَّ معنى الكلامِ -لو كان مقروءًا كذلك-: وإذ قلنا لبنى إسرائيلَ: لا تعبُدوا إلا اللهَ. كما قال جلَّ ثناؤُه في موضعٍ آخرَ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَكُمْ وَرَفَعْنَا فَوْقَكُمُ الطُّورَ خُذُوا مَا آتَيْنَاكُمْ بِقُوَّةٍ﴾ [البقرة: ٦٣].
فنا مِن جوازِ وضعِ الخطابِ بالأمرِ والنهىِ موضعَ
﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾. فكأنه قيل: وإذ أخذنا ميثاق بني إسرائيلَ لا تعبدوا إلا اللهَ، وقولوا للناسِ حسنًا. وهو نظيرُ ما قدَّمنا البيانَ عنه، مِن أن العربَ تَبْتَدِئُ الكلامَ أحيانًا على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ في مواضعِ الحكاياتِ عَمّا أخْبَرَتْ عنه، ثم تعودُ إلى الخبرِ على وجهِ الخطابِ، وتَبْتَدِئُ أحيانًا على وجهِ الخطابِ، ثم تعودُ إلى الإخبارِ على وجهِ الخبرِ عن الغائبِ، لما في الحكايةِ مِن المَعْنَيَيْنِ، كما قال الشاعرُ.
أَسِيئِى بِنا أوْ أَحْسِنِى لا مَلُومَةً … لَدَيْنا وَلَا مَقْلِيةً إنْ تَقَلَّتِ
يعنى: تقلَّيْتِ.
وأمَّا "الحُسْنُ" فإن القَرَأَةَ اخْتَلَفت في قراءتِه، فقرَأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ الكوفةِ غيرَ عاصمٍ: (وقُولُوا للنّاسِ حَسَنًا) بفتحِ الحاءِ والسينِ.
وقرأتْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ السينِ.
وقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى).
ْه عامَّةُ قَرَأَةِ أهلِ المدينةِ: ﴿حُسْنًا﴾ بضمِّ الحاءِ وتسكينِ السينِ.
وقد رُوِى عن بعضِ القَرَأَةِ أنه كان يقرؤُها: (وَقُولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). على مثالِ "فُعْلَى".
واخْتَلف أهلُ العربيةِ في فرْقِ ما بينَ معنى قولِه: (حَسَنًا)، و ﴿حُسْنًا﴾؛ فقال بعضُ البصريِّين: هو على أحدِ وجهينِ؛ إمَّا أن يكونَ يُرادُ بـ "الحُسْنِ": "الحَسَنُ"، لكنها لغةٌ، كما تقولُ: "البُخْلُ" و"البَخَلُ". وإمَّا أن يكونَ جُعِلَ "الحُسْنُ" هو "الحَسَنَ" في التشبيهِ، وذلك أن الحُسنَ مصدرٌ،
و"الحَسَنَ" هو الشئُ الحَسَنُ، فيكونُ ذلك حينَئذٍ كقولِك: إنما أنت أَكْلٌ وشُرْبٌ. كما قال الشاعرُ:
وَخَيْلٍ قَدْ دَلَفْتُ لَهَا بِخَيْلٍ … تَحِيَّةُ بينهم ضَرْبٌ وَجِيعُ
فجعَل التحيةَ ضربًا.
وقال آخَرُ: بل "الحُسْنُ" هو الاسمُ العامُّ الجامعُ جميعَ معانى الحُسْنِ، و"الحَسَنُ" هو البعضُ مِن معانى "الحُسْنِ". قال: وكذلك قال جلَّ ثناؤُه إذْ أوصَى بالوالدينِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨].
نُ" هو البعضُ مِن معانى "الحُسْنِ". قال: وكذلك قال جلَّ ثناؤُه إذْ أوصَى بالوالدينِ: ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حُسْنًا﴾ [العنكبوت: ٨]. يعنى بذلك أنه وصَّاه فيهما بجميعِ معانى "الحُسْنِ"، وأمَره في سائرِ الناسِ ببعضِ الذى أمَره به في والديْه، فقال: (وَقُولُوا للنَّاسِ حَسَنًا). يعنى بذلك بعضَ معانى الحُسْنِ.
والذى قاله هذا القائلُ في معنى "الحُسْنِ" -بضم الحاءِ وسكونِ السين- غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسمٌ لنوعِه الذى سُمِّى به. وأَمَّا "الحَسَنُ" فهو صفةٌ [ونَعْتٌ] لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصٍّ.
الحاءِ وسكونِ السين- غيرُ بعيدٍ مِن الصوابِ، وأنه اسمٌ لنوعِه الذى سُمِّى به. وأَمَّا "الحَسَنُ" فهو صفةٌ [ونَعْتٌ] لما وُصِف به، وذلك يَقَعُ لخاصٍّ. وإذا كان الأمرُ كذلك، فالصوابُ مِن القراءةِ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾: (حَسَنًا)؛ لأن القومَ إنما أُمِروا -في هذا العهدِ الذى قيل لهم: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ - باستعمالِ الحَسَنِ من القولِ دونَ سائرِ معانى الحُسْنِ، الذى يكونُ بغيرِ القولِ، وذلك نَعْتٌ
لخاصٍّ مِن معانى الحُسْنِ وهو القولُ، فلذلك اخترتُ قراءتَه بفتحِ الحاءِ والسينِ، على قراءتِه بضمِّ الحاءِ وسكونِ السينِ.
وأمَّا الذى قرَأ ذلك: (وَقولُوا للنَّاسِ حُسْنَى). فإنه خالَف بقراءتِه إيَّاه كذلك قراءةَ أهلِ الإسلامِ، وكفَى شاهدًا على خطأِ القراءةِ بها كذلك خروجُها مِن قراءةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه.
قراءتِه إيَّاه كذلك قراءةَ أهلِ الإسلامِ، وكفَى شاهدًا على خطأِ القراءةِ بها كذلك خروجُها مِن قراءةِ أهلِ الإسلامِ لو لم يكنْ على خطئِها شاهدٌ غيرُه. فكيف وهى مع ذلك خارجةٌ مِن المعروفِ مِن كلامِ العربِ، وذلك أن العربَ لا تَكادُ أن تَتَكَلَّمَ بـ "فُعْلَى" و"أفْعَلَ" إلا بالألفِ واللامِ أو بالإضافةِ، لا تقولُ: جاءنى أحسنُ. حتى يَقُولوا: الأحسنُ. ولا: أجملُ. حتى يَقولُوا: الأجملُ. وذلك أن "الأفْعَل" و"الفُعْلَى" لا يَكادان يُوجَدان صفةً إلا لمعْهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُسْنَى.
ى يَقولُوا: الأجملُ. وذلك أن "الأفْعَل" و"الفُعْلَى" لا يَكادان يُوجَدان صفةً إلا لمعْهودٍ معروفٍ، كما تقولُ: بل أخوك الأحسنُ، و: بل أختُك الحُسْنَى. وغيرُ جائزٍ أن يُقالَ: امرأةٌ حُسْنَى، ورجلٌ أحسنُ.
وأمّا تأويلُ القولِ الحَسَنِ الذى أمَر اللهُ به جلَّ ثناؤُه الذين وصَف أمْرَهم مِن بني إسرائيلَ في هذه الآيةِ أن يَقُولوه للناسِ، فهو ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، قال: ثنا بشرُ بنُ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾ أمَرَهم أيضًا بعدَ هذا الخُلُقِ أن يَقُولوا للناسِ حسنًا؛ أن يَأْمُروا بـ "لا إلهَ إلا اللهُ" مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ لهم مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه.
وا للناسِ حسنًا؛ أن يَأْمُروا بـ "لا إلهَ إلا اللهُ" مَن لم يَقُلْها ورغِب عنها، حتى يَقُولوها كما قالوها، فإن ذلك قُرْبةٌ لهم مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه. [قال: والحسَنُ] أيضًا ليِّن القولِ، مِن الأدبِ الحسنِ الجميلِ، والخُلُقِ الكريمِ، وهو مما ارْتَضاه اللهُ وأحَبَّه.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيع، عن أبى العاليةِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: يَقولُ: قولوا للناسِ معروفًا.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: صِدقًا في شأنِ محمدٍ ﷺ.
حُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرىَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾.
حُسْنًا﴾. قال: صِدقًا في شأنِ محمدٍ ﷺ.
حُدِّثْتُ عن يزيدَ بنِ هارونَ، قال: سَمعْتُ سفيانَ الثَّوْرىَّ يقولُ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مُرُوهم بالمعروفِ، وانْهَوْهم عن المُنكرِ.
حدَّثنى هارونُ بنُ إدريسَ الأصَمُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ محمدٍ المحارِبِىُّ، قال: ثنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سُليمانَ، قال: سأَلْتُ عطاءَ بنَ أبى رَباحٍ عن قولِ اللهِ: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: مَن لَقِيتَ مِن الناسِ، فقُلْ له حَسَنًا مِن القولِ. قال: وسأَلْتُ أبا جعفرٍ فقال مثلَ ذلك.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن أبى جعفرٍ وعطاءِ بنِ أبى رَباحٍ في قولِه: ﴿وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا﴾. قال: للناسِ كلِّهم.
حدَّثنى يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ، عن عَطاءٍ مثلَه.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: أدُّوها بحدودِها الواجبةِ عليكم فيها.
كما حدثنا أبو كريبٍ، قال: ثنا عثمانُ بنُ سعيدٍ، عن بشرِ بنِ عُمارةَ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ﴾: [في هذه الأخلاقِ]، وإقامةُ الصلاةِ تمامُ الركوعِ والسجودِ والتِّلاوةِ والخشوعِ، والإقْبالُ عليها فيها.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾.
قد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ معنى الزكاةِ وما أصلُها.
وأما الزكاةُ التى كان اللهُ جلَّ ثناؤُه أمَر بها بنى إسرائيلَ الذين ذكَر أمْرَهم في هذه الآيةِ، فهى ما حدَّثنا به أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾. قال: إيتاءُ الزكاةِ ما كان اللهُ فرَض عليهم في أموالِهم مِن الزكاةِ، وهى سُنَّةٌ كانت لهم غيرُ سُنَّةِ محمدٍ ﷺ، كانت زكاةُ أموالِهم قُربَانًا تَهْبِطُ إليه نارٌ فتَحْمِلُها، فكان ذلك تَقَبُّلَه، ومَن لم تَفْعَلِ النارُ به ذلك كان غيرَ مُتَقَبَّلٍ، وكان الذى قرَّب مِن مَكْسَبٍ لا يَحِلُّ مِن ظُلْمٍ أو غَشْمٍ، أو أخْذٍ بغيرِ ما أمَره اللهُ ﷿ به وبيَّنه له.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: حدَّثنى مُعاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾: يعنى بالزكاةِ طاعةَ اللهِ تعالى ذكرُه والإخلاصَ.
القولُ في تأويل قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ تعالى ذكرُه عن يهودِ بنى إسرائيلَ، أنهم نكَثوا عهدَه، ونقَضوا مِيثاقَه، بعدَ ما أخَذ مِيثاقَهم على الوفاءِ له بأن لا يَعْبُدوا غيرَه، وبأن يُحْسِنوا إلى الآباءِ والأمهاتِ، ويَصِلوا الأرْحامَ، ويَتَعَطَّفوا على الأيْتامِ، ويُؤَدُّوا حُقوقَ أهلِ المسكَنةِ إليهم، ويَأْمُرُوا عبادَه بما أمَرَهم اللهُ به، ويَحُثُّوهم على طاعتِه، ويُقِيموا الصلاةَ بحُدودِها وفَرائضِها، ويُؤتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه في ذلك كلِّه، وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللهُ منهم، فوَفَى للهِ بعهدِه وميثاقِه.
وفَرائضِها، ويُؤتوا زَكَواتِ أموالِهم، فخالَفوا أمْرَه في ذلك كلِّه، وتوَلَّوْا عنه مُعْرِضِين، إلا مَن عصَم اللهُ منهم، فوَفَى للهِ بعهدِه وميثاقِه.
كما حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عثمانُ، عن بشرٍ، عن أبى رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن ابنِ عباسٍ، قال: لا فرَض اللهُ عليهم -يعنى على هؤلاء الذين وصَف اللهُ أمْرَهم في كتابِه مِن بنى إسرائيلَ- هذا الذى ذكَر أنه أخَذ مِيثاقَهم به، أعْرَضوا عنه اسْتِثْقالًا لَه وكَراهيةً، وطلَبوا ما خَفّ عليهم، إلا قليلًا منهم، وهم الذين استثْنَى اللهُ تعالى ذكرُه فقال: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ﴾. يقولُ: أعْرَضْتُم عن طاعتى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾. قال: القَلِيلُ الذين اخْتَرتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى بمَن تَوَلَّى وأعْرَض عنها.
َيْتُمْ﴾. يقولُ: أعْرَضْتُم عن طاعتى ﴿إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ﴾. قال: القَلِيلُ الذين اخْتَرتُهم لطاعتى، وسيَحِلُّ عِقابى بمَن تَوَلَّى وأعْرَض عنها. يقولُ: ترَكها اسْتِخْفافًا بها.
حدَّثنا ابن حُمَيْدٍ، قال: ثنا سَلَمةُ، قال: [ثنا ابنُ إسحاقَ، قال]: حدَّثنى محمدُ بن أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبَيرٍ، أو عكْرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾: أى: ترَكْتُم ذلك كلَّه.
وقال بعضُهم: عنَى اللهُ جلَّ ثناؤه بقولِه: ﴿وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ اليهودَ الذين كانوا على عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم.
ى عهدِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعنَى بسائرِ الآيةِ أسْلافَهم. كأنه ذهَب إلى أن معنى الكلامِ: ثم تولَّيتم إلا قليلًا، منكم، ثم توَلَّى سَلَفكم إلا قليلًا منهم. ولكنه جُعِل خطابًا لبَقايا نَسلِهم -على ما قد ذكَرْناه فيما مضَى قبلُ - ثم قال: وأنتم معشرَ بَقاياهم مُعْرِضون أيضًا عن الميثاقِ الذى أخَذْته عليكم بذلك، وتارِكوه تَركَ أَوائلِكم.
وقال آخَرون: بل قولُه: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ﴾ خطابٌ لمَن كان بين ظَهْرانَىْ مُهاجَرِ رسولِ اللهِ ﷺ من يهودِ بنى إسرائيلَ، وذَمٌّ لهم بنقضِهم الميثاقَ الذى أُخِذ عليهم في التوراةِ وتبديلِهم أمرَ اللهِ وركوبِهم معاصيَه.
﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلا قَلِيلا مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣)﴾
يُذكّر ﵎ بني إسرائيل بما أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا.
أمرهم به من الأوامر، وأخذ ميثاقهم على ذلك، وأنهم تولوا عن ذلك كله، وأعرضوا قصدًا وعمدًا، وهم يعرفونه ويذكرونه، فأمرهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئًا. وبهذا أمر جميع خلقه، ولذلك خلقهم كما قال تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ قَبْلِكَ مِنْ رَسُولٍ إِلا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لا إِلَهَ إِلا أَنَا فَاعْبُدُونِ﴾ [الأنبياء: ٢٥] وقال تعالى: ﴿وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولا أَنِ اُعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ﴾ [النحل: ٣٦] وهذا هو أعلى الحقوق وأعظمها، وهو حق الله تعالى، أن يعبد وحده لا شريك له، ثم بعده حق المخلوقين، وآكدهم وأولاهم بذلك حق الوالدين، ولهذا يقرن الله تعالى بين حقه وحق الوالدين، كما قال تعالى: ﴿أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ﴾ [لقمان: ١٤] وقال تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦] وفي
إِلا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية إلى أن قال: ﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ﴾ [الإسراء: ٢٣ - ٢٦] وفي الصحيحين، عن ابن مسعود، قلت: يا رسول الله، أي العمل أفضل؟ قال: "الصلاة على وقتها". قلت: ثم أي؟ قال: "بر الوالدين". قلت: ثم أيّ؟ قال: "الجهاد في سبيل الله". ولهذا جاء في الحديث الصحيح: أن رجلا قال: يا رسول الله، من أبر؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أمك". قال: ثم من؟ قال: "أباك. ثم أدناك أدناك".
[وقوله: (لا تَعْبُدُونَ إِلا اللَّهَ) قال الزمخشري: خبر بمعنى الطلب، وهو آكد. وقيل: كان أصله: ألا تعبدوا كما قرأها بعض السلف فحذفت أن فارتفع، وحكي عن أبي وابن مسعود، ﵄، أنهما قرآها: "لا تَعْبُدُوا إِلا اللَّه". وقيل: (لا تَعْبُدُونَ) مرفوع على أنه قسم، أي: والله لا تعبدون إلا الله، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد والكسائي والفراء].
قال: (وَالْيَتَامَى) وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء.
ه، ونقل هذا التوجيه القرطبي في تفسيره عن سيبويه. وقال: اختاره المبرد والكسائي والفراء].
قال: (وَالْيَتَامَى) وهم: الصغار الذين لا كاسب لهم من الآباء. [وقال أهل اللغة: اليتيم في بني آدم من الآباء، وفي البهائم من الأم، وحكى الماوردي أن اليتيم أطلق في بني آدم من الأم أيضا] (وَالْمَسَاكِينَ) الذين لا يجدون ما ينفقون على أنفسهم وأهليهم، وسيأتي الكلام على هذه الأصناف عند آية النساء، التي أمرنا الله تعالى بها صريحًا في قوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ الآية [النساء: ٣٦].
وقوله تعالى: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) أي: كلموهم طيبًا، ولينُوا لهم جانبًا، ويدخل في ذلك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالمعروف، كما قال الحسن البصري في قوله: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) فالحُسْن من القول: يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.
لِلنَّاسِ حُسْنًا) فالحُسْن من القول: يأمُر بالمعروف وينهى عن المنكر، ويحلم، ويعفو، ويصفح، ويقول للناس حسنًا كما قال الله، وهو كل خُلُق حسن رضيه الله.
وقال الإمام أحمد: حدثنا روح، حدثنا أبو عامر الخَزَّاز، عن أبي عمران الجَوْني، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر، ﵁، عن النبي ﷺ أنه قال: "لا تحقرن من المعروف شيئًا، وإن لم تجد فَالْقَ أخاك بوجه منطلق ".
وأخرجه مسلم في صحيحه، والترمذي [وصححه] من حديث أبي عامر الخزّاز، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي.
مر الخزّاز، واسمه صالح بن رستم، به.
وناسب أن يأمرهم بأن يقولوا للناس حسنًا، بعد ما أمرهم بالإحسان إليهم بالفعل، فجمع بين طرفي الإحسان الفعلي والقولي. ثم أكد الأمر بعبادته والإحسان إلى الناس بالمُعيّن من ذلك، وهو الصلاة والزكاة، فقال: (وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ) وأخبر أنهم تولوا عن ذلك كله، أي: تركوه وراء ظهورهم، وأعرضوا عنه على عمد بعد العلم به، إلا القليل منهم، وقد أمر تعالى هذه الأمة بنظير ذلك في سورة النساء، بقوله: ﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالا فَخُورًا﴾ [النساء: ٣٦]
فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:
رًا﴾ [النساء: ٣٦]
فقامت هذه الأمة من ذلك بما لم تقم به أمة من الأمم قبلها، ولله الحمد والمنة.
ومن النقول الغريبة هاهنا ما ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره:
حدثنا أبي، حدثنا محمد بن خلف العسقلاني، حدثنا عبد الله بن يوسف -يعني التِّنِّيسِي-حدثنا خالد بن صَبِيح، عن حميد بن عقبة، عن أسد بن وَدَاعة: أنه كان يخرج من منزله فلا يلقى يهوديًا ولا نصرانيًا إلا سلم عليه، فقيل له: ما شأنك؟ تسلم على اليهودي والنصراني. فقال: إن الله يقول: (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْنًا) وهو: السلام. قال: وروي عن عطاء الخراساني، نحوه.
قلت: وقد ثبت في السنة أنهم لا يبدؤون بالسلام، والله أعلم.