القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
وقولُه جلّ ثناؤُه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾ تكذيبٌ من اللهِ جلَّ ثناؤُه القائلين من اليهودِ: ﴿لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَةً﴾، وإخْبارٌ منه لهم أنه مُعَذِّبٌ مَن أشرَك وكفَر به وبرسُلِه، وأحاطتْ به ذنوبُه فمخلِّدُه في النارِ، وأنَّ الجنةَ لا يَسْكُنُها إلا أهلُ الإيمانِ به وبرسلِه، وأهلُ الطاعةِ له، والقائمون بحُدودِه.
كما حدثنا محمدُ بنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ بنُ الفضْلِ، قال: حدثنى محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. أى: من عمِل مثلَ أعمالِكم وكفَر بمثْلِ ما كفَرتُم به حتى يُحِيطَ كفرُه بما لَه مِن حسنةٍ، ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وأما ﴿بَلَى﴾ فإنها إقرارٌ في كلِّ كلامٍ في أولِه جَحْدٌ، كما "نَعَمْ" إقرارٌ في الاستفهامِ الذى لا جَحْدَ فيه.
َابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
وأما ﴿بَلَى﴾ فإنها إقرارٌ في كلِّ كلامٍ في أولِه جَحْدٌ، كما "نَعَمْ" إقرارٌ في الاستفهامِ الذى لا جَحْدَ فيه. وأصلُها "بَلْ" التى هى رجوعٌ عن الجَحْدِ المحْضِ في قولِك: ما قام عمْرٌو، بل زيدٌ. فزِيدَتْ فيها الياءُ لِيَصْلُحَ عليها الوقوفُ، إذ كانت عطفًا ورُجوعًا عن الجَحْدِ، ولتكونَ -أعنى "بَلَى" - رُجوعًا عن الجحْدِ فقطْ، وإقرارًا بالفعْلِ الذى بعدَ الجحْدِ، فدلَّت الياءُ منها على معنى الإقرارِ والأنعامِ، ودَلَّ لفظُ "بلْ" على الرجوعِ عن الجحدِ.
وأمَّا السيئةُ التى ذكَرها اللهُ في هذا المكانِ فإنها الشِّرْكُ باللهِ.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَحْيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنى عاصِمٌ، عن أبى وائلٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
شِّرْكُ باللهِ.
كما حدَّثنى محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا يَحْيى بنُ سعيدٍ، عن سفيانَ، قال: حدثنى عاصِمٌ، عن أبى وائلٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: الشركُ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، عن عيسى، وحدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، جميعًا عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: شركًا.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أما السيئةُ فالشركُ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معْمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
خبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معْمرٌ، عن قتادةَ مثلَه.
حدثنى موسى، قال: ثنا عمْرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. قال: أمَّا السيئةُ فهى الذنوبُ التى وعَد اللهُ عليها النارَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾، قال: الشركُ.
قال ابنُ جُرَيْجٍ: قال مجاهدٌ: ﴿سَيِّئَةً﴾: شركًا.
حُدِّثْث عن عمَّارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾: يعنى الشركَ.
وإنما قلنا: إن السيئةَ التى ذكَرَها اللهُ ﷿ أن من كسَبها وأحاطتْ به ذُنوبُه، فهو مِن أهلِ النار -في هذا الموضعِ- المخلَّدِينَ فيها، إنما عنَى جلّ ذكرُه بها بعضَ السيئاتِ دونَ بعضٍ، وإن كان ظاهرُها في التلاوةٍ عامًّا؛ أَنَّ اللهَ قضَى على أهلِها بالخُلودِ في النارِ.
ْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. قولَه: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. فكان معلومًا بذلك أن الَّذين لهم الخلودُ في النارِ مِن أهلِ السيئاتِ، غيرُ الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن أهلِ الإيمانِ.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن الذين لهم الخلودُ في الجَنَّةِ مِن الذين آمنوا هم الذين عَمِلوا الصالحاتِ دونَ الذين عَمِلوا السيئاتِ، فإن في إخْبارِ اللهِ تعالى ذكرُه بأنَّه مُكفِّرٌ -باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه- سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا المُدْخلَ الكريمَ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾.
تنابِنا كبائرَ ما نُنْهى عنه- سيئاتِنا، ومُدْخِلُنا المُدْخلَ الكريمَ، ما يُنْبِئُ عن صِحَّةِ ما قلنا في تأويلِ قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾. وأن ذلك على خاصٍّ من السيئاتِ دون عامِّها.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن اللهَ جلَّ ثناؤُه إنما ضمِن لنا تكفيرَ سيئاتِنا باجتنابِنا كبائرَ ما نُنْهَى عنه، فما الدلالةُ على أن الكبائرَ غيرُ داخلةٍ في قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً﴾؟
قيل: لمَّا صحَّ مِن أن الصغائرَ غيرُ داخلةٍ فيه، وأن المَعْنىَّ بالآيةِ خاصٌّ دونَ عامٍّ، ثبَت وصحَّ أن القضاءَ والحُكْمَ بها غيرُ جائزٍ لأحدٍ على أحدٍ إلَّا على من وَقَفَه اللهُ عليه بدَلالَةٍ مِن خبرٍ قاطعٍ عُذْرَ مَن بلَغه، وقد ثبَت وصحَّ أن اللهَ جلَّ ثناؤُه قد عنَى بذلك أهلَ الشركِ والكفرِ به بشهادةِ جميع الأمةِ، فوجب بذلك القضاءُ على أن أهلَ الشركِ والكفرِ ممَّن عنَاه اللهُ بالآيةِ، فأمَّا أهل الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغتْه قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنيِّينَ بها، ومَنْ أنكر ذلك ممَّن
ن عنَاه اللهُ بالآيةِ، فأمَّا أهل الكبائرِ فإن الأخبارَ القاطعةَ عُذْرَ مَن بلَغتْه قد تظاهرتْ عندَنا بأنهم غيرُ مَعْنيِّينَ بها، ومَنْ أنكر ذلك ممَّن دافَع حُجَّةَ الأخبارِ المُسْتَفِيضةِ والأنباءِ المتَظاهِرةِ، فاللازِمُ له تَرْكُ قَطْعِ الشهادة على أهلِ الكبائرِ بالخُلودِ في النارِ بهذه الآيةِ ونظائرِها التى جاءتْ بعُمومِهِم في الوعيدِ؛ إذ كان تأويلُ القرآنِ غيرَ مُدْرَكٍ إلَّا ببيانِ مَن جعَل اللهُ إليه بيانَ القرآنِ، وكانت الآيةُ فيها تأتى
عامًّا في صِنْفٍ ظاهرُها، وهى خاصٌّ في ذلك الصنفِ باطنُها.
ويُسْألُ مدافِعو هذا الخبرِ بأن أهلَ الكبائرِ مِن أهلِ الاستثناءِ سؤالَنا مُنْكِرِى رجمِ الزانى المحصَنِ، وزوالِ فرض الصلاةِ عن الحائضِ في حالِ الحيضِ، فإن السؤالَ عليهم نظيرُ السؤالِ على أُولاءِ سواءً.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
يعنى بقولِه ﷿: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: اجْتَمَعتْ عليه فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ منها. وأصلُ الإحاطةِ بالشئِ الإحداقُ به، بمنزلةِ الحائطِ الذى تُحاط به الدارُ فتُحْدِقُ به، ومنه قولُ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا﴾ [الكهف: ٢٩].
فتأويلُ الآيةِ إذن: مَن أشرَكَ باللهِ واقتَرف ذنوبًا جَمَّةً فمات عليها قبلَ الإنابةِ والتوبةِ، فأولئك أصحابُ النارِ هم مُخَلَّدون فيها أبدًا.
وبنحوِ الذى قلنا في تأويلِ ذلك قاله المُتَأَوِّلون.
ذكرُ مَن قال ذلك منهم
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا ابنُ يمَانٍ، عن سفيانَ، في الأعْمَشِ، [عن أبى رَزِينٍ]: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذَنْبِه.
[حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
ئَتُهُ﴾. قال: مات بذَنْبِه.
[حَدَّثنا أبو كريبٍ، قال: حَدَّثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: حَدَّثنا الأعمشُ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بذنبِه].
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا جابرُ بنُ نوحٍ، قال: ثنا الأعمشُ، عن أبى رَزينٍ، عن الرَّبيعِ بنِ خُثَيْمٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: فمات عليها.
حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسْحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: يُحِيطُ كفْرُه بما لَه مِن حسنةٍ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: حدَّثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: [[ما وعَد اللهُ عليه النارَ.
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
[ما وعَد اللهُ عليه النارَ.
حدَّثنا المثنى، قال: حدَّثنا أبو حذيفةَ، قال: حدَّثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال]: ما أَوْجَب اللهُ فيه النارَ.
حدَّثنا بشرٌ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال]: أمَّا الخطيئةُ فالكبيرةُ المُوجِبةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، [قال: أخبرَنا معمرٌ]، عن قتادةَ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الخطيئةُ الكبائرُ.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رَجلٌ الحسَنَ عن قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
ُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا وكيعٌ ويحيى بنُ آدَمَ، عن سَلَّامِ بنِ مِسْكِينٍ، قال: سأل رَجلٌ الحسَنَ عن قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. فقال: ما نَدْرِى ما الخطيئةُ يا بُنَىَّ، اتْلُ القرآنَ، فكلُّ آيةٍ وعَد اللهُ عليها النارَ فهى الخطيئةُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ الأهْوَازىُّ، قال: ثنا أبو أحمدَ الزبَيْرىُّ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ فى قولِه: ﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: كلُّ ذنبٍ مُحِيطٍ فهو ما أوْعَد اللهُ عليه النارَ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعْمَشِ، عن أبى رَزِينٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: مات بخطيئتِه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾.
ا المُثَنَّى، قال: ثنا أبو نُعَيْمٍ، قال: ثنا الأعمشُ، قال: ثنا مسعودٌ أبو رَزِينٍ، عن الربيعِ بنِ خُثَيْمٍ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: هو الذى
يموتُ على خطيئتِه قبلَ أن يتوبَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: قال وكيعٌ: سمِعْتُ الأعمشَ يقولُ فى قولِه: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: مات بذُنُوبِه.
حُدِّثْتُ عن عَمَّارٍ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعْفَرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: الكبيرةُ المُوجبةُ.
حدَّثنى موسى، قال: ثنا عمْرُو بنُ حمَّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾: فمات ولم يَتُبْ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الشركُ.
ولم يَتُبْ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حجّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: ﴿وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ﴾. قال: الشركُ. ثم تلا: ﴿وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ﴾ [النمل: ٩٠].
القولُ فى تأويلِ قولِه جَلَّ ثناؤُه: ﴿فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه: فأولئك الذين كسَبُوا السّيئاتِ وأحاطَت بهم خَطِيئَاتُهم أصحابُ النارِ.
ويعنى بقولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أَصْحَابُ النَّارِ﴾: أهلُ النارِ. وإنما جعَلهم لها أصحابًا؛ لإيثارِهم -كان فى حياتِهم الدنيا- مِن الأعمالِ ما يُورِدُهُموها، ويُصْلِيهم سعيرَها، على الأعمالِ التى تُورِدُهم الجنةَ، فجعَلهم جلَّ ذكرُه بإيثارِهم أسبابَها على أسبابِ الجنةِ لها أصحابًا، كصاحبِ الرجلِ الذى يَصْحَبُه، مُؤْثِرًا صُحْبَتَه على صحبةِ غيرِه حتى يُعْرَفَ به.
﴿هُمْ فِيهَا﴾. يعنى: هم فى النارِ خالدون.
نُوا﴾. أى: صدَّقوا بما جاء به محمدٌ ﷺ. ويعنى بقولِه: ﴿وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: أطاعوا اللهَ فأقامُوا حدودَه،
وأدَّوْا فرائضَه، واجْتَنَبوا محارمَه. ويعنى بقولِه: ﴿أُولَئِكَ﴾ الذين هم كذلك، ﴿أَصْحَابُ الْجَنَّةِ﴾. يعنى: أهلُها الذين هم أهلُها، ﴿هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ مقيمون أبدًا.
وإنما هذه الآيةُ والتى قبلَها إخبارٌ مِن اللهِ عبادَه عن بقاءِ النارِ وبقاءِ أهلِها فيها، [وبقاءِ الجَنَّةِ وبقاءِ أهلِها فيها]، ودوامِ ما أَعَدَّ [اللهُ ﷿] فى كلِّ واحدةٍ منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أن النارَ لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ.
منهما لأهلِها، تكذيبًا مِن اللهِ القائلين مِن يهودِ بنى إسرائيلَ أن النارَ لن تَمَسَّهم إلَّا أيامًا معدودةً، وأنَّهم صائرون بعدَ ذلك إلى الجَنَّةِ. فأخبرَهم بخلودِ كُفَّارِهم فى النارِ وخلودِ مؤمنيهم فى الجَنَّةِ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
عن سعيدِ بنِ جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾. أى: مَن آمَن بما كفَرتم به وعمِل بما تركتُم مِن دينِه، فلهم الجنةُ خالدين فيها، يُخْبِرُهم أن الثوابَ بالخيرِ والشرِّ مقيمٌ على أهلِه أبدًا، لا انقطاعَ له أبدًا.
حدَّثنى يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ: ﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾: محمدٌ ﵇ وأصحابُه، ﴿أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
قد دلَّلْنا فيما مضَى مِن كتابِنا هذا على أن الميثاقَ "مِفْعَالٌ"، مِن التوَثُّقِ باليمينِ ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ.
فمعنى الكلامِ إذن: واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقَكم لا تعبُدون إلَّا اللهَ.
ِ باليمينِ ونحوِها مِن الأمورِ التى تُؤكدُ القولَ.
فمعنى الكلامِ إذن: واذكُرُوا أيضًا يا معشرَ بنى إسرائيلَ إذ أخذْنا ميثاقَكم لا تعبُدون إلَّا اللهَ.
كما حدَّثنا ابنُ حُمَيْدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ، أو عكرمةَ، عن ابنِ عباس: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾. أى: ميثاقَكم ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
والقَرَأَةُ مختلِفةٌ فى قراءةِ قولِه: ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾؛ فبعضُهم يَقْرَؤُها بالتاءِ، وبعضُهم يَقْرَؤُها بالياءِ، والمعنى فى ذلك واحدٌ، وإنما جازت القراءةُ بالياءِ والتاءِ، وأن يُقالَ: ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾، و (لا يَعْبُدون). وهم غَيَبٌ؛ لأن أخْذَ الميثاقِ بمعنى الاستحلافِ. فكما تقولُ: استَحْلَفْتُ أخاكَ لَيَقومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خَبَرَكَ عن الغائبِ لغَيبتهِ عنك، وتقولُ: اسْتَحْلفتُه لَتَقُومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا.
عن الغائبِ لغَيبتهِ عنك، وتقولُ: اسْتَحْلفتُه لَتَقُومَنَّ. فَتُخْبِرُ عنه خبرَكَ عن المخاطَبِ؛ لأنك قد كنتَ خاطبتَه بذلك، فيكونُ ذلك صحيحًا جائزًا. فكذلك قولُه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ﴾. و (لا يَعْبُدون). مَن قرَأ ذلك بالتاءِ، فبمعنى الخطابِ، إذ كان الخطابُ قد كان بذلك، ومَن قرَأ بالياءِ فلأنهم [كانوا غيرَ] مخاطَبين بذلك فى وقتِ الخبرِ عنهم.
وأمَّا رفعُ (لا يَعبدون). فبالياءِ التى فى (يَعبدون (١)). [ولم تُنْصَبْ] بـ "أن" التى كانت تَصْلُحُ أن تَدْخُلَ معَ: (لا يَعبدُونَ (١) إلَّا اللهَ). لأنها إذا صَلحَ دخولُها على فعْلٍ فحُذِفت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤].
فت ولم تَدْخُلْ، كان وجهُ الكلامِ فيه الرفعَ؛ كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿قُلْ أَفَغَيْرَ اللهِ تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ﴾ [الزمر: ٦٤]. فرُفِع ﴿أَعْبُدُ﴾ -إذ لم تَدْخُلْ فيها "أن"- بالألِفِ الدَّالَّةِ على مَعْنى الاستِقْبالِ، وكما قال الشاعرُ:
أَلا أَيُّهذا الزَّاجِرِى أَحْضُرُ الوَغَى … وأنْ أَشْهَدَ اللَّذاتِ هل أنتَ مُخْلِدِى
فرفَع "أَحْضُرُ" -وإن كان يصلُح دخولُ "أَنْ" فيها، إذ حُذِفت- بالألفِ التى تأتى بمعنى الاستقبالِ.
وإنما صلَح حذْفُ "أن" مِن قولِه: (وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ لا يعْبدُونَ). لدلالةِ ما ظهَر مِن الكلامِ عليها، فاكْتُفِى بدلالةِ الظاهرِ عليها منها.
وقد كان بعضُ نحْويِّى أهلِ البصرةِ يقولُ: معنى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون. أى: قلنا لهم: واللهِ لا تَعبُدون.
َإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ حكايةٌ؛ كأنك قلتَ: استحلفْناهم لا تعبدون. أى: قلنا لهم: واللهِ لا تَعبُدون. أو قالوا: واللهِ لا يَعبُدون.
والذى قال مِن ذلك قريبٌ معناه مِن معنى القولِ الذى قلناه فى ذلك.
وبنحوِ التأويلِ الذى قُلْنا فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾ تأوَّلَه أهلُ التأويلِ.
ذكْرُ من تأوَّل ذلك كذلك
حدَّثنى المثَنَّى بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا آدمُ، قال: ثنا أبو جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ: أخَذ مواثيقَهم أن يُخْلِصوا له وألا يعبُدوا غيرَه.
حدَّثنا المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾.
: ثنا إسحاقُ، قال: حدَّثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ فى قولِه: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: أخذْنا ميثاقَهم أن يُخْلِصوا للهِ وألا يعبُدوا غيرَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ: ﴿وَإِذْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. قال: الميثاقُ الذى أخَذ عليهم فى "المائدةِ".
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وقولُه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. عطفٌ على موضعِ "أن" المحذوفةِ فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. فكأنَّ معنى الكلامِ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلا اللهَ وبالولدين إحسانًا.
عِ "أن" المحذوفةِ فى ﴿لَا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللهَ﴾. فكأنَّ معنى الكلامِ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بنى إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلا اللهَ وبالولدين إحسانًا. فرُفِع ﴿لَا تَعْبُدُونَ﴾ لمَّا حُذِفت "أن"، ثم عُطِف ﴿بِالْوَالِدَيْنِ﴾ على موضعِها، كما قال الشاعر:
مُعَاوىَ إنَّنا بَشَرٌ فَأَسْجِحْ … فَلَسْنا بالجبالِ ولا الحَدِيدا
فنصَب "الحديدَ" على العطفِ به على موضعِ "الجبالِ"؛ لأنها لو لم تكن فيها باءٌ خافضةٌ كانت نصبًا، فعطَف بـ "الحديدِ" على موضعِ "الجبالِ" لا على لفظِها، فكذلك ما وصَفتُ مِن قولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾.
وأمَّا "الإحسانُ" فمنصوبٌ بفعلٍ مُضْمَرٍ يؤدِّى عن معناه قولُه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾. إذ كان مفهومًا معناه، فكأنَّ معنى الكلامِ لو أُظْهِر المحذوفُ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا.
ا معناه، فكأنَّ معنى الكلامِ لو أُظْهِر المحذوفُ: وإذ أخَذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بأن لا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وبأن تُحْسِنوا إلى الوالدينِ إِحْسانًا. فاكْتُفِى بقَولِه: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾ من أن يقالَ: وبأن تُحْسِنُوا إلى الوالِدَيْن إحْسَانًا؛ إذ كان مفهومًا أن ذلك معناه بما ظهَر مِن الكلامِ.
وقد زعم بعضُ أهلِ العربيةِ في ذلك أن معناه: وبالوالدين فأحسِنوا إحسانًا. فجعَل الباءَ التى في "الوالِدَين" من صلةِ "الإحسانِ" مقدَّمةً عَليه.
وقال آخَرون: بل معنى ذلك: ألا تعبُدوا إلَّا اللهَ، وأحْسِنوا بالوالدينِ إحسانًا. فزعَموا أن الباءَ التى في "الوالدينِ" مِن صلةِ المحذوفِ، أعنى مِن (٢) "أَحْسِنوا"، فجعَلوا ذلك مِن كلامينِ. وإنما يُصْرَفُ الكلامُ إلى ما ادَّعَوْا مِن ذلك إذا لم يُوجَدْ لاتِّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ. فأمَّا وللكلامِ وجْهٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامينِ.
ن ذلك إذا لم يُوجَدْ لاتِّساقِ الكلامِ على كلامٍ واحدٍ وجْهٌ. فأمَّا وللكلامِ وجْهٌ مفهومٌ على اتِّساقٍ على كلامٍ واحدٍ، فلا وجهَ لصرفِه إلى كلامينِ. وأَحْرَى أن القولَ فى ذلك لو كان على ما قالوا لقيل: وإلى الوالدَيْن إِحسانًا. لأنه إنما يقالُ: أحسَنَ فلانٌ إلى والديْه. ولا يقالُ:
أحسَن بوالديه. إلا على استكراهٍ للكلامِ، ولكنِ القولُ فيه ما قلنا، وهو: وإذ أخذْنا ميثاقَ بني إسرائيلَ بكذا وبالوالدينِ إحسانًا. على ما بيَّنَّا قبلُ، فيكونُ "الإحسانُ" حينَئذٍ مصدرًا مِن معنى الكلام لا مِن لفظِه، كما قد بَيَّنَّا فيما مضَى مِن نظائره.
فإن قال قائلٌ: وما ذلك الإحسانُ الذى أخَذ عليهم بالوالدين الميثاقَ؟
قيل: نظيرُ ما فرَض اللهُ على أُمَّتِنا لهما مِن فعْلِ المعروفِ بهما، والقولِ الجميلِ، وخفْضِ جَناحِ الذُّلِّ رحمةً بهما، والتَّحَنُّنِ عليهما، والرأفةِ بهما، والدعاءِ بالخيرِ لهما، وما أشبهَ ذلك مِن الأفعالِ التى ندَبَ اللهُ جلَّ وعزَّ عبادَه أن يفعَلوا بهما.
﴿بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨١) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (٨٢)﴾
يقول تعالى: ليس الأمر كما تمنيتم، ولا كما تشتهون، بل الأمر: أنه من عمل سيئة وأحاطت به خطيئته، وهو من وافى يوم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-فهم من أهل الجنة.
وم القيامة وليس له حسنة، بل جميع عمله سيئات، فهذا من أهل النار، والذين آمنوا بالله ورسوله وعملوا الصالحات -من العمل الموافق للشريعة-فهم من أهل الجنة. وهذا المقام شبيه بقوله تعالى: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلا نَصِيرًا * وَمَنْ يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ وَلا يُظْلَمُونَ نَقِيرًا﴾ [النساء: ١٢٣، ١٢٤].
قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: (بَلَى مَنْ كَسَبَ سَيِّئَةً) أي: عمل مثل أعمالكم، وكفر بمثل ما كفرتم به، حتى يحيط به كفره فما له من حسنة.
وفي رواية عن ابن عباس، قال: الشرك.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه.
وقال الحسن -أيضًا-والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
أبي حاتم: وروي عن أبي وائل، وأبي العالية، ومجاهد، وعكرمة، والحسن، وقتادة، والربيع بن أنس، نحوه.
وقال الحسن -أيضًا-والسدي: السيئة: الكبيرة من الكبائر.
وقال ابن جريج، عن مجاهد: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قال: بقلبه.
وقال أبو هريرة، وأبو وائل، وعطاء، والحسن: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قالوا: أحاط به شركه.
وقال الأعمش، عن أبي رزين، عن الربيع بن خُثَيم: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) قال: الذي يموت على خطايا من قبل أن يتوب. وعن السدي، وأبي رزين، نحوه.
وقال أبو العالية، ومجاهد، والحسن، في رواية عنهما، وقتادة، والربيع بن أنس: (وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ) الكبيرة الموجبة.
وكل هذه الأقوال متقاربة في المعنى، والله أعلم. ويذكر هاهنا الحديث الذي رواه الإمام أحمد حيث قال:
حدثنا سليمان بن داود، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله
بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه".
، حدثنا عمرو بن قتادة عن عبد ربه، عن أبي عياض، عن عبد الله
بن مسعود: أن رسول الله ﷺ قال: "إيَّاكم ومحقرات الذنوب، فإنهن يجتمعن على الرجل حتى يهلكنه". وإن رسول الله ﷺ ضرب لهُنَّ مثلا كمثل قوم نزلوا بأرض فلاة، فحضر صنيع القوم، فجعل الرجل ينطلق فيجيء بالعود، والرجل يجيء بالعود، حتى جمعوا سوادًا، وأججوا نارًا، فأنضجوا ما قذفوا فيها.
وقال محمد بن إسحاق: حدثني محمد، عن سعيد -أو عكرمة-عن ابن عباس: (وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) أي من آمن بما كفرتم به، وعمل بما تركتم من دينه، فلهم الجنة خالدين فيها. يخبرهم أن الثواب بالخير والشرّ مقيم على أهله، لا انقطاع له أبدًا.