القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فاسْتَجِبْنا ليونُسَ دعاءه إيانا، إذ دَعانا في بطنِ الحوتِ، ونجَّيْناه مِن الغمِّ الذي كان فيه بحَبْسِناه في بطنِ الحوتِ، وغمِّه بخطيئتِه وذنبِه، ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ جلَّ ثناؤُه: وكما أنْجَيْنا يونُسَ مِن كربِ الحبسِ في بطنِ الحوتِ في البحرِ إذ دعانا، كذلك نُنْجِى المؤمنين مِن كربِهم إذا اسْتَغاثوا بنا ودَعْونا.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك جاء الأثرُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا عمرانُ بن بكَّارٍ الكَلَاعيُّ، قال: ثنا يحيى بنُ صالحٍ، قال: ثنا أبو يحيى بن عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى بشرُ بنُ منصورٍ، عن عليّ بن زيدٍ، عن سعيدِ بن المسيَّبِ، قال: سمِعْتُ سعدَ بنَ مالكٍ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "اسمُ اللَّهِ الذي إذا دُعِى به أجاب، وإذا سُئِل به أعْطَى، دعوة يونُسَ بن مَتَّى".
ال: سمِعْتُ سعدَ بنَ مالكٍ يقولُ: سَمِعْتُ رسولَ اللَّهِ ﷺ يقولُ: "اسمُ اللَّهِ الذي إذا دُعِى به أجاب، وإذا سُئِل به أعْطَى، دعوة يونُسَ بن مَتَّى". قال: فقلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، هي ليونُسَ بن مَتّى خاصةً، أم لجماعةِ المسلمين؟ قال: "هي ليونُسَ بن مَتَّى خاصةً، وللمؤمنين عامةً إذا دَعَوْا بها، ألم تَسْمَعْ قول اللَّهِ ﵎: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾ فهو شرطُ اللَّهِ لمن دعاه بها"
واخْتَلَفت القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقرَأَت ذلك قرأةُ الأمصار، سوى عاصمٍ، بنونين، الثانيةُ منهما ساكنةٌ مِن: أنْجيناه، فنحن نُنْجِيه.
القرأةُ في قراءةِ قولِه: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ﴾. فقرَأَت ذلك قرأةُ الأمصار، سوى عاصمٍ، بنونين، الثانيةُ منهما ساكنةٌ مِن: أنْجيناه، فنحن نُنْجِيه. وإنما قرءوا ذلك كذلك، وكتابتُه في المصاحفِ بنونٍ واحدةِ؛ لأنه لو قُرِئَ بنونٍ واحدةٍ وتشديد الجيمِ، بمعنى ما لم يُسَمَّ فاعلُه، كان "المؤمنون" رفعًا، وهم في المصاحفِ منصوبون، ولو قُرِئَ بنونٍ واحدةٍ وتخفيفِ الجيمِ، كان الفعلُ للمؤمنين، وكانوا رفعًا، ووجَب مع ذلك أن يكونَ قولُه: "نجى". مكتوبًا بالألفِ؛ لأنه مِن ذواتِ الواوِ، وهو في المصاحفِ بالياءِ.
فإن قال قائلٌ: فكيف كُتب ذلك بنونٍ واحدةٍ، وقد علِمْتَ أن حكمَ ذلك إذا قُرِئَ: ﴿نُنْجِي﴾. أن يُكْتَبَ بنونين؟ قيل: لأن النونَ الثانيةَ لما سُكِّنَت، وكان
الساكنُ غيرَ ظاهرٍ على اللسانِ، حُذِفَت كما فعلوا ذلك بـ "إلا"، فحذفوا النونَ مِن "إنْ" لخفائِها، إذ كانت مندغمةً في اللامِ مِن "لا". وقرَأ ذلك عاصمٌ: (نُجِّي المؤمنين). بنونٍ، واحدةٍ، وتثقيلِ الجيمِ، وتسكينِ الياءِ.
فوا النونَ مِن "إنْ" لخفائِها، إذ كانت مندغمةً في اللامِ مِن "لا". وقرَأ ذلك عاصمٌ: (نُجِّي المؤمنين). بنونٍ، واحدةٍ، وتثقيلِ الجيمِ، وتسكينِ الياءِ. فإن يكنُ عاصمٌ وجَّه قراءتَه ذلك إلى قولِ العربِ: ضُرِب الضربُ زيدًا. فكنَى عن المصدرِ الذي هو النَّجاءُ، وجعَل الخبرَ - أَعْنى خبر ما لم يُسَمَّ فاعله - المؤمنين، كأنه أراد: وكذلك نجَى النَّجاءُ المؤمنين. فكنَى عن النَّجاءِ - فهو وجهٌ، وإن كان غيرُه أصوبَ، وإلا فإن الذي قرَأ مِن ذلك على ما قرأه، لحنٌ؛ لأن "المؤمنين" اسمٌ على القراءةِ التي قرَأها ما لم يُسَمَّ فاعلُه، والعربُ تَرْفَعُ ما كان مِن الأسماءِ كذلك، وإنما حمَل عاصمًا على هذه القراءةِ أنه وجَد المصاحفَ بنونٍ واحدةٍ، وكان في قراءتِه إياه على ما عليه قراءةُ القرأَةِ إلحاقُ نونِ أُخرى ليست في المصحفِ، فظنَّ أن ذلك زيادةُ ما ليس في المصحفِ، ولم يَعْرِفْ لحذفِها وجهًا يَصْرِفُه إليه.
إياه على ما عليه قراءةُ القرأَةِ إلحاقُ نونِ أُخرى ليست في المصحفِ، فظنَّ أن ذلك زيادةُ ما ليس في المصحفِ، ولم يَعْرِفْ لحذفِها وجهًا يَصْرِفُه إليه.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القراءةِ التي لا أَسْتَجِيزُ غيرَها في ذلك عندَنا ما عليه قرأةُ الأمصارِ، من قراءتِه بنونين، وتخفيفِ الجيمِ؛ لإجماعِ الحجَّةِ مِن القرأةِ عليها، وتخطئتِها خلافَه.
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة "الصافات" وفي سورة "ن" وذلك أن يونس بن مَتَّى، ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث.
إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفُضْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس، ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا.
زْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس، ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا. فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس، ﵇، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، ﷾، من البحر الأخضر -فيما قاله ابن مسعود-حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، وأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظما؛ فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك له يكون سجنًا.
وقوله: (وَذَا النُّونِ) يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
وقوله: (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا): قال الضحاك: لقومه، (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [أي: نضيق عليه في بطن الحوت.
دَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جُبَير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة.
وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمةُ حُوت في بطن حوت، في ظلمة البحر.
قال ابن مسعود، وابنُ عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوتُ في البحار يَشُقُّها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونسُ تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالكَ قال: (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ)
وقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.
وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا.
ت، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.
وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. رواهما ابن جبير.
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة-سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: " لما أراد الله حَبْسَ يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسًا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فَسَبَّح وهو في بطن الحوت، فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع صوتًا ضعيفًا [بأرض غريبة] قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟. قال: نعم".
بأرض غريبة] قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟. قال: نعم". قال: "فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
ورواه ابن جرير، ورواه البزار في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلمَة،
عن علي مرفوعًا: لا ينبغي لعبد أن يقول: " أنا خير من يونس بن متى"؛ سبح لله في الظلمات.
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن".
ن يونس بن متى"؛ سبح لله في الظلمات.
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي: حدثني أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ-أن يونس النبي، ﵇، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: "اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين". فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عَمَلٌ متقبل، ودعوة مجابة؟. [قال: نعم]. قالوا: يا رب، أَوَلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى.
عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عَمَلٌ متقبل، ودعوة مجابة؟. [قال: نعم]. قالوا: يا رب، أَوَلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء.
وقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) أي: أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي: إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء، قال الإمام أحمد:
حدثنا إسماعيل بن عُمَر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، -وهو ابن أبي وقاص -قال: مررت بعثمان بن عفان، ﵁، في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يَردُدْ عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررتُ بعثمان آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يَرْدُد علي السلام.
ين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررتُ بعثمان آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يَرْدُد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رَدَدت على أخيك
السلام؟ قال: ما فعلتُ. قال سعد: قلتُ: بلى حتى حلفَ وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكرَ فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدّث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط إلا تَغْشَى بصري وقلبي غشَاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا [أول دعوة] ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قَام رسولُ الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إليّ رسولُ الله ﷺ فقال: " من هذا؟ أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم، يا رسول الله. قال: " فمه؟ " قلت: لا والله، إلا أنك ذكرتَ لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك.
الله ﷺ فقال: " من هذا؟ أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم، يا رسول الله. قال: " فمه؟ " قلت: لا والله، إلا أنك ذكرتَ لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال: " نعم، دعوةُ ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".
ورواه الترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة"، من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كَثِير بن زيد، عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد -عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا بدعاء يونس، استُجِيب له".
أحمر، عن كَثِير بن زيد، عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد -عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا بدعاء يونس، استُجِيب له". قال أبو سعيد: يريد به (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بَكَّار الكَلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بِشْر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص-يقول: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "اسم الله الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، دعوةُ يونس بن متى". قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﷿: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). فهو شرط من الله لمن دعاه به".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا داود بن المُحَبَّر بن قَحْذَم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد، اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابنَ أخي، أما تقرأ القرآن؟ قول الله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)
إلى قوله: (الْمُؤْمِنِينَ)، ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
أي: واذكر ذا النون. والنون: الحوت. ﴿وَذَا﴾ بمعنى صاحب. فقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ معناه صاحب الحوت؛ كما صرح الله بذلك في "القلم" في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.
الأول: أن المعنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: لن نضيق عليه في بطن الحوت.
َظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.
الأول: أن المعنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق "قدر" بمعنى "ضيق" في القرآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق الرزق على من شاء، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ الآية. فقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ﴾ أي ومن ضيق عليه رزقه.
الوجه الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. "وقَدِر" بالتخفيف تأتي بمعنى "قدر" المضعفة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ أي: قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:
فليست عشياتُ الحمى برواجعٍ ... لنا أبدًا ما أورق السَّلم النضرُ
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ...
قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:
فليست عشياتُ الحمى برواجعٍ ... لنا أبدًا ما أورق السَّلم النضرُ
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركْتَ ما تَقْدِر يقع ولك الشكر
والعرب تقول: قدر الله لك الخير يَقْدِره قدرًا، كضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدَّره لك تقديرًا؛ ومنه على أصح القولين "ليلة القدر"؛ لأن الله يقدر فيها الأشياء؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ والقَدَر بالفتح، والقَدْر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء؛ ومنه قول هدبة بن الخشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقَدْر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
أما قول من قال: إن ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ من القدرة؛ فهو قول باطل بلا شك؛ لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: في حال كونه مغاضبًا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب.
حال كونه مغاضبًا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج؛ قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضًا: وقيل معنى ﴿مُغَاضِبًا﴾ غضبان، وهو من المفاعلة التي
لا تقتضي اشتراكًا؛ نحو عاقبت اللص، وسافرت اهـ.
واعلم أن قول من قال: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: مغاضبًا لربه كما رُوي عن ابن مسعود، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتيبي، واستحسنه المهدوي؛ يجب حمله على معنى القول الأول؛ أي: مغاضبًا من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا: وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله ﷿ إذا عُصِي. انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه، أي: من أجل كفرهم به، وعصيانهم له.
ما تقول: غضبت لك أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله ﷿ إذا عُصِي. انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه، أي: من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ﴾ مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى ﴿أَنْ لَا إِلَهَ﴾، ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يَسْتجبه عند ذاك مجيبُ
وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات؛ هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من
الغم أوضحه في غير هذا الموضع.
وبيَّن في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه.
تجاب له ونجاه من
الغم أوضحه في غير هذا الموضع.
وبيَّن في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم.
وبين في بعضها: أنه خرج بغير إذن كخروج العبد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه.
وبين في بعضها: أن الله تداركه برحمته؛ ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذمومًا، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في "الصافات": ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ
نَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾، فقوله في آيات "الصافات" المذكورة: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي: حين أبق، وهو من قول العرب: عبد آبق؛ لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين في القرعة؛ لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر:
قتلنا المدْحَضين بكلِّ فجٍّ ... فقد قرَّت بقتلهم العيون
وقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء.
لشاعر:
قتلنا المدْحَضين بكلِّ فجٍّ ... فقد قرَّت بقتلهم العيون
وقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض؛ راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة:
ورفعتُ رِجلًا لا أخاف عِثارها ... ونبذتُ بالبلد العراءِ ثيابي
وشجرة اليقطين: هي الدباء. وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في "القلم": ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ فقوله في آية "القلم" هذه: ﴿إِذْ نَادَى﴾ أي: نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد.
له إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾: مملوء كربًا. قال الماوردي: والفرق بين الغم والكرب: أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ محبوس. والكظم: الحبس؛ ومنه قولهم: كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد. انتهى من القرطبي.
وآية "القلم" المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم، بدليل قوله مخاطبًا نبينا ﷺ فيها: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. فإن أمره لنبينا ﷺ بالصبر ونهيه إياه أن
يكون كصاحب الحوت؛ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير.
ﷺ بالصبر ونهيه إياه أن
يكون كصاحب الحوت؛ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين تعالى في سورة "يونس": أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيًا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولاسيما إذا دعا بدعاء يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال في دعاء يونس المذكور: "لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم.
د بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال في دعاء يونس المذكور: "لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين. وقوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بنونين أولاهما مضمومة، والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة فياء ساكنة، وهو مضارع "أنجى" الرباعي على صيغة "أفعل"، والنون الأولى دالة على العظمة. وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم: "وكذلك نُجِّي المؤمنين" بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني
للمفعول من "نَجَّى" المضعَّفة على وزن "فَعَّل" بالتضعيف.
وفي كلتا القراءتين إشكال معروف.
ورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني
للمفعول من "نَجَّى" المضعَّفة على وزن "فَعَّل" بالتضعيف.
وفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي: أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال: كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية؛ لأن نجَّى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء "نجى" لا إسكانها.
بية؛ لأن نجَّى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء "نجى" لا إسكانها.
وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة: منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه: أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة (نُنَجِّي) بفتح النون الثانية مضارع "نجَّى" مضعفًا، فحذفت النون الثانية تخفيفًا، أو "نُنْجي" بسكونها مضارع أنجى، وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في "إجّاصة وإجّانة" بتشديد الجيم فيهما، والأصل "إنجاصة وإنجانة" فأدغمت النون فيهما، والإجاصة: واحدة الإجاص، قال في القاموس: الإجاص بالكسر مشددًا: ثمر معروف دخيل؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمةٍ، الواحدةُ بهاءٍ. ولا تقل انجاص، أو لغية اهـ. والإجانة: واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها.
دةُ بهاءٍ. ولا تقل انجاص، أو لغية اهـ. والإجانة: واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها. ويقال: إنجانة كما يقال: إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون اهـ.
فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ مفعول به بـ﴿نُنْجِي﴾.
ومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة: أن "نُجِّي" على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجي هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ الآية، ببناء "يجزي" للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ليجزي هو أي الجزاء، ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعديًا للمفعول تَرِد بقِلَّة، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وقابلٌ من ظرفٍ أو من مصدرِ ... أو حرفِ جرٍّ بنيابةٍ حَرِي
ولا ينوبُ بعضُ هذي إن وُجِد ... في اللفظِ مفعولٌ به وقد يَرِد
ومحل الشاهد منه قوله: "وقد يرد" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد.
ةٍ حَرِي
ولا ينوبُ بعضُ هذي إن وُجِد ... في اللفظِ مفعولٌ به وقد يَرِد
ومحل الشاهد منه قوله: "وقد يرد" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا
يعني لسب هو أي السب. وقول الراجز:
لم يعن بالعلياء إلا سيدًا ... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
وأما إسكان ياء "نُجِّي" على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب: رضي، وبقي بإسكان الياء تخفيفًا. ومنه قراءة الحسن (وذروا ما بَقِي من الربا) بإسكان ياء (بَقِي) ومن شواهد تلك اللغة
قول الشاعر:
خمَّر الشيب لمتي تخميرًا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا
ليت شعري إذ القيامة قامت ... ودُعي بالحساب أين المصيرا
وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها.
ُعي بالحساب أين المصيرا
وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها. أما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفًا من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظًا بذكر الحرف المحذوف. والعلم عند الله تعالى.
•