Dan (ingatlah kisah) Żun Nūn (Yunus), ketika dia pergi dalam keadaan marah, lalu dia menyangka bahwa Kami tidak akan menyulitkannya, maka dia berdoa dalam keadaan yang sangat gelap,536) "Tidak ada tuhan selain Engkau, Mahasuci Engkau. Sungguh, aku termasuk orang-orang yang zalim
القولُ في تأويلِ قولِه تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ
عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: واذْكُرْ يا محمدُ ذا النونِ. يعنى: صاحبَ النونِ. والنونُ: الحوتُ، وإنما عَنَى بذى النونِ يونُسَ بنَ مَتَّى. وقد ذكَرْنا قصتَه في سورةِ "يونُسَ" بما أغْنَى عن ذكرِه في هذا الموضعِ.
وقولُه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. يقولُ: حينَ ذهَب مُغاضِبًا.
واخْتَلَف أهلُ التأويلِ في معنى ذَهَابِه مُغاضِبًا، وعمَّن كان ذهابُه، وعلى مَن كان غضبُه؛ فقال بعضُهم: كان ذهابُه عن قومِه، وإياهم غاضَب.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾، يقولُ: غضِب على قومِه.
محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾، يقولُ: غضِب على قومِه.
حُدِّثتُ عن الحسين، قال: سمِعْتُ أبا مُعاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سَمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾: [أما غضبُه، فكان] على قومِه.
وقال آخرون: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه، إذ كشَف عنهم العذابَ بعدَ ما وعَدهموه.
ذكرُ مَن قال ذلك، وذكرُ سبب مُغاضَبتِه ربَّه في قولِهم
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: بعَثه اللهُ - يعني يونُسَ - إلى أهلِ قريتِه، فردُّوا عليه ما جاءهم به، وامْتَنَعوا منه، فلمَّا فعَلوا ذلك أَوْحَى اللهُ إليه: إنى مُرْسِلٌ عليهم العذابَ في يومِ كذا وكذا، فاخْرُجْ مِن بين أظْهُرهم.
ُّوا عليه ما جاءهم به، وامْتَنَعوا منه، فلمَّا فعَلوا ذلك أَوْحَى اللهُ إليه: إنى مُرْسِلٌ عليهم العذابَ في يومِ كذا وكذا، فاخْرُجْ مِن بين أظْهُرهم. فأعْلَم قومَه الذي وعَدَهم اللهُ مِن عذابِه إياهم، فقالوا: ارْمُقوه، فإن خرَج مِن بين أظهرِكم، فهو واللهِ كائنٌ ما وعَدَكم.
فلما كانت الليلةُ التي وُعِدوا العذابَ في صبِحها أدْلَج ورآه القومُ، فخرَجوا من القريةِ إلى بَرازٍ مِن أرضِهم، وفرَّقوا بينَ كلِّ دابةٍ وولدِها، ثم عَجُّوا إِلى اللهِ، فاسْتَقالوه، فأقالهم، وتنظَّر يونُسُ الخبرَ عن القريةِ وأهلِها، حتى مرَّ به مارٌّ فقال: ما فعل أهلُ القريةِ؟ فقال: فعَلوا أن نبيَّهم خرَج من بين أظهرِهم، عرَفوا أنه صدَقهم ما وعَدَهم مِن العذابِ، فخرَجوا مِن قريتِهم إلى بَرازٍ من الأرضِ، ثم فرَّقوا بينَ كلِّ ذاتِ ولدٍ وولدِها، وعَجُّوا إلى اللهِ، وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخَّر عنهم العذابَ.
، فخرَجوا مِن قريتِهم إلى بَرازٍ من الأرضِ، ثم فرَّقوا بينَ كلِّ ذاتِ ولدٍ وولدِها، وعَجُّوا إلى اللهِ، وتابوا إليه، فقبِل منهم، وأخَّر عنهم العذابَ. قال: فقال يونُسُ عندَ ذلك، وغضِب: واللهِ لا أَرْجِعُ إليهم كذَّابًا أبدًا، وعَدْتُهم العذابَ في يومٍ، ثم رُدَّ عنهم! ومضَى على وجهِه مُغاضِبًا.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى
الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ انْطَلَق مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا يحيى بنُ زكريا بن أبي زائدةَ، عن [مُجالدٍ بن] سعيد، عن الشعبيِّ في قولِه: ﴿إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا﴾. قال: مغاضِبًا لربِّه.
حدَّثنا الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا سفيانُ، عن إسماعيلَ بن عبدِ الملكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. فذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ، وزاد فيه: قال: فخرَج يونُسُ يَنْظُرُ العذابَ، فلم يَرَ شيئًا، قال: جرَّبوا عليَّ كذبًا.
لكِ، عن سعيدِ بن جبيرٍ. فذكَر نحوَ حديثِ ابن حميدٍ، عن سلمةَ، وزاد فيه: قال: فخرَج يونُسُ يَنْظُرُ العذابَ، فلم يَرَ شيئًا، قال: جرَّبوا عليَّ كذبًا. فذهَب مُغاضِبًا لربِّه حتى أتَى البحرَ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، عن ربيعةَ بن أبي عبدِ الرحمنِ، عن وهبِ بن مُنَبِّهٍ اليَمانيِّ، قال: سَمِعْتُه يقولُ: إِن يُونُسَ بنَ مَتَّى كان عبدًا صالحًا، وكان في خُلُقِه ضِيقٌ، فلما حُمِّلَت عليه أثقالَ النبوةِ - ولها أثقالٌ لا يَحْمِلُها إلا قليلٌ - تفَسَّخ تحتَها تفَسُّخَ الرُّبَعِ تحتَ الحِمْلِ، فقذَفها بينَ يديه، وخرَج هاربًا منها، يقولُ اللهُ لنبيِّه ﷺ: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. و ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨].
: ﴿فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ﴾ [الأحقاف: ٣٥]. و ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ [القلم: ٤٨]. أي: لا تُلْقِ أمرى كما ألقاه.
وهذا القولُ - أعنى قولَ مَن قال: ذهَب عن قومِه مُغاضِبًا لربِّه - أشبهُ بتأويلِ الآيةِ، وذلك لدَلالةِ قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. على ذلك. على أن الذين وجَّهوا تأويلَ ذلك إلى أنه ذهَب مُغاضِبًا لقومِه، إنما زعَموا أنهم فعَلوا ذلك استنكارًا منهم أن يُغاضِبَ نبيٌّ مِن الأنبياءِ ربَّه، واستعظامًا له. وهم بقيلِهم: إنه ذَهب مُغاضِبًا لقومِه. قد دخَلوا في أعظمَ مما أنْكَروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لربِّه.
الأنبياءِ ربَّه، واستعظامًا له. وهم بقيلِهم: إنه ذَهب مُغاضِبًا لقومِه. قد دخَلوا في أعظمَ مما أنْكَروا، وذلك أن الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لربِّه. اخْتَلَفوا في سببِ ذَهابِه كذلك؛ فقال بعضُهم: إنما فعَل ما فعَل من ذلك كراهةَ أن يكونَ بينَ قومٍ قد جرَّبوا عليه الخُلْفَ فيما وعَدَهم، واسْتَحْيا منهم، ولم يَعْلَمِ السببَ الذي دُفِع به عنهم البلاءُ.
وقال بعضُ مَن قال هذا القولَ: كان من أخلاقِ قومِه الذين فارَقَهم قتلُ مَن جرَّبوا عليه الكذب، عسى أن يَقْتُلوه من أجل أنه وعَدَهم العذابَ، فلم يَنْزِلْ بهم ما وعَدَهم مِن ذلك.
لَ: كان من أخلاقِ قومِه الذين فارَقَهم قتلُ مَن جرَّبوا عليه الكذب، عسى أن يَقْتُلوه من أجل أنه وعَدَهم العذابَ، فلم يَنْزِلْ بهم ما وعَدَهم مِن ذلك. وقد ذكَرْنا الروايةَ بذلك في سورةِ "يونُسَ"، فكرِهْنا إعادتَها في هذا الموضعِ.
وقال آخرون: بل إنما غاضَب ربَّه مِن أجلِ أنه أُمِر بالمصيرِ إلى قومٍ ليُنذِرَهم بأسَه، ويَدْعُوَهم إليه، فسأَل ربَّه أن يُنظِرَه؛ ليَتَأَهَّبَ للشُّخوصِ إليهم، فقيل له: الأمرُ أسرعُ مِن ذلك، ولم يُنظَرْ حتى شاء أن يُنْظَرَ إلى أَن يَأْخُذَ نعلا يَلبَسُها، فقيل له نحوُ القولِ الأولِ، وكان رجلًا في خُلُقِهِ ضِيقٌ، فقال: أعْجَلَني ربي أن آخُذَ نعلًا!
رْ حتى شاء أن يُنْظَرَ إلى أَن يَأْخُذَ نعلا يَلبَسُها، فقيل له نحوُ القولِ الأولِ، وكان رجلًا في خُلُقِهِ ضِيقٌ، فقال: أعْجَلَني ربي أن آخُذَ نعلًا! فذهَب مُغاضِبًا.
وممن ذُكِر هذا القولُ عنه الحسنُ البصريُّ، حدَّثني بذلك الحارثُ، قال: ثنا
الحسنُ بنُ موسى، عن أبي هلالٍ، عن شهرِ بن حَوْشَبٍ عنه.
قال أبو جعفرٍ: وليس في واحدٍ مِن هذين القولين مِن وصفِ نبيِّ اللهِ يونُسَ ﵇ شيء إلا وهو دونَ ما في وصفه بما وَصَفه الذين قالوا: ذهَب مُغاضِبًا لقومِه؛ لأن ذَهابَه عن قومِه مُغاضِبًا لهم، وقد أَمَرَه اللهُ تعالى بالمُقامِ بينَ أظهُرِهم؛ ليُبَلِّغهم رسالتَه، ويُحَذِّرهم بأسَه، وعقوبتَه على تركِهم الإيمانَ به والعملَ بطاعتِه - لا شكَّ أن فيه ما فيه، ولولا أنه قد كان ﵇ أتَى ما قاله الذين وصَفوه بإتيانِ الخطيئةِ، لم يَكُنِ اللهُ تعالى ذِكْرُه لِيُعَاقِبَه العقوبةَ التي ذكَرها في كتابِه، ويَصِفَه بالصفةِ التي وَصَفَه بها، فيقولَ لنبيِّه ﷺ: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عليٌّ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظنَّ أن لن يَأْخُذَه العذابُ
الذي أصابه.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظَنَّ أَن لن نَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً فيما صنَع بقومِه في غضبِه إذ غضِب عليهم، وفرارِه، وعقوبتُه أخْذُ النونِ إياه.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، عن شعبةَ، عن الحكمِ، عن مجاهدٍ أنه قال في هذه الآيةِ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: فظَنَّ أَن لَن نُعَاقِبَه بذنبِه.
حدَّثني موسى بنُ عبدِ الرحمنِ المَسْروقيُّ، قال: ثنا زيدُ بنُ حُبابٍ، قال: ثنى شعبةُ، عن مجاهدٍ. ولم يَذْكُرْ فيه الحَكَمَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
نى شعبةُ، عن مجاهدٍ. ولم يَذْكُرْ فيه الحَكَمَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: يقولُ: ظَنَّ أَن لن نُعاقِبَه.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ والكلبيِّ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قالا: ظنَّ أن لن نَقْضِىَ عليه العقوبةَ.
حُدِّثْتُ عن الحسينِ، قال: سمِعْتُ أبا معاذٍ يقولُ: ثنا عبيدٌ، قال: سمِعْتُ الضحاكَ يقولُ في قوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ: ظَنَّ أَن اللَّهَ لن يَقْضِيَ عليه عُقوبةً ولا بلاءً في غضبه الذي غضِب على قومِه، وفراقه إياهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
ي غضبه الذي غضِب على قومِه، وفراقه إياهم.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن ابن عباسٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: البلاءُ الذي أصابه.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: فظنَّ أنه يُعْجِزُ ربَّه فلا يَقْدِرُ عليه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا عوفٌ، عن سعيدِ بن أبى الحسنِ، قال: بلَغَنى أن يونُسَ لما أصاب الذنبَ، انْطَلَقَ مُغاضِبًا لربِّه، واسْتَزَلَّه الشيطانُ، حتى ظنَّ أن لن نَقْدِرَ عليه. قال: وكان له سلفٌ وعبادةٌ وتسبيحٌ، فأبَى اللَّهُ أن يَدَعَه للشيطانِ، فَأَخَذَه فقذَفَه في بطنِ الحوتِ، فمكَث في بطنِ الحوتِ أربعين، مِن بين ليلةٍ ويومٍ، فأَمْسَك اللَّهُ نفسَه فلم يَقْتُلُه هناك، فتاب إلى ربِّه في بطنِ الحوتِ، وراجَع نفسَه. قال: فقال: ﴿سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فاسْتَخْرَجه اللَّهُ مِن بطنِ الحوتِ برحمتِه، بما كان سلَف من العبادةِ والتسبيحِ، فجعَله مِن الصالحين.
َانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. قال: فاسْتَخْرَجه اللَّهُ مِن بطنِ الحوتِ برحمتِه، بما كان سلَف من العبادةِ والتسبيحِ، فجعَله مِن الصالحين. قال عوفٌ: وبلَغَنى أنه قال في دعائِه: وبنَيْتُ لك مسجدًا في مكانٍ لم يَبْنِه أحدٌ قبلى.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا هَوْذَةُ، قال: ثنا عوفٌ، عن الحسنِ: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾: وكان له سلفٌ مِن عبادةٍ وتسبيحٍ، فتَدارَكه اللَّهُ بها، فلم يَدَعُه
للشيطانِ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن عبدِ الرحمنِ بن الحارثِ، عن إياسِ بن مُعاويةَ المَدَنيِّ، أنه كان إذا ذُكِر عندَه يُونُسُ وقولُه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. يقولُ إياسٌ: فلِمَ فَرَّ؟
وقال آخرون: بل ذلك بمعنى الاستفهامِ، وإنما تأويلُه: أفظَنَّ أَن لن نَقْدِرَ عليه؟
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: هذا استفهامٌ. وفى قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾.
ُسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. قال: هذا استفهامٌ. وفى قوله: ﴿فَمَا تُغْنِ النُّذُرُ﴾. قال: استفهامٌ أيضًا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى هذه الأقوالِ في تأويلِ ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: عُنِى به: فظنَّ يونُسُ أن لن نَحْبسَه ونُضَيِّقَ عليه، عقوبةً له على مُغاضبتِه ربَّه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بتأويلِ الكلمةِ؛ لأنه لا يَجوزُ أَن يُنْسَبَ إلى الكفرِ وقد اخْتارَه لنبوتِه، ووصفُه بأن ظنَّ أن ربَّه يَعْجِزُ عما أراد به، ولا يَقْدِرُ عليه، وصفٌ له بأنه جهِل قدرةَ اللَّهِ، وذلك وصفٌ له بالكفرِ، وغيرُ جائزٍ لأحدٍ وصفُه بذلك.
وأما ما قاله ابن زيدٍ، فإنه قولٌ، لو كان في الكلامِ دليلٌ على أنه استفهامٌ - حسنٌ، ولكنه لا دلالةَ فيه على أن ذلك كذلك، والعربُ لا تَحْذِفُ لا تَحْذِفُ مِن الكلامِ شيئًا إليه حاجةٌ إلا وقد أبْقَت دليلًا على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذ لم يكنْ في قولِه:
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾.
لا تَحْذِفُ مِن الكلامِ شيئًا إليه حاجةٌ إلا وقد أبْقَت دليلًا على أنه مرادٌ في الكلامِ، فإذ لم يكنْ في قولِه:
﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ﴾. دلالةٌ على أن المرادَ به الاستفهامُ - كما قال ابن زيدٍ - كان معلومًا أنه ليس به، وإذ فسَد هذان الوجهان، صحَّ الثالثُ وهو ما قلنا.
وقولُه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. اخْتَلَفَ أهلُ التأويلِ في المعنيِّ بهذه الظلماتِ؛ فقال بعضُهم: عُنِى بها ظلمةُ الليلِ، وظلمةُ البحرِ، وظلمةُ بطنِ الحوتِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن إسرائيلُ، [عن أبي إسحاقَ]، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ.
قال: ثني حجاجٌ، عن إسرائيلُ، [عن أبي إسحاقَ]، عن عمرِو بن ميمونٍ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ. وكذلك قال أيضًا ابن جُريجٍ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ، قال: نادَى في الظلماتِ؛ ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾.
حدَّثني محمدُ بن إبراهيم السُّلَميُّ، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: أخبَرنا محمدُ بنُ رِفاعةَ، قال: سمِعْتُ محمدَ بنَ كعبٍ يقولُ في هذه الآيةِ: ﴿فَنَادَى فِي
الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
ِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الليلِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ بطنِ الحوتِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادةَ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ بطنِ الحوتِ، وظلمةِ البحرِ، وظلمةِ الليلِ.
وقال آخرون: إنما عُنِى بذلك أنه نادَى في ظلمةِ جوفِ حوتٍ في جوفِ حوتٍ آخرَ في البحرِ. قالوا: فذلك هو الظلماتُ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبي الجَعْدِ: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ ألا تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابْتَلَع الحوتَ حوتٌ آخرُ، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾.
َى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ ألا تَضُرَّ له لحمًا ولا عظمًا. ثم ابْتَلَع الحوتَ حوتٌ آخرُ، قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾. قال: ظلمةِ الحوتِ، ثم حوتٍ، ثم ظلمةِ البحرِ.
قال أبو جعفرٍ: والصوابُ مِن القولِ في ذلك أن يقالَ: إِن اللَّهَ أَخْبَر عن يونُسَ أنه ناداه في الظُلماتِ: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾. ولا شكَّ أنه قد عنَى بإحدى الظلماتِ بطنَ الحوتِ، وبالأُخرى ظلمةِ البحرِ، وفي
الثالثةِ اختلافٌ، وجائزٌ أن تكونَ تلك الثالثةُ ظلمةَ الليلِ، وجائزٌ أن تكونَ كونَ الحوتِ في جوفِ حوتٍ آخرَ، ولا دليلَ يَدلُّ على أيِّ ذلك مِن أيٍّ، فلا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾.
رَ، ولا دليلَ يَدلُّ على أيِّ ذلك مِن أيٍّ، فلا قولَ في ذلك أولى بالحقِّ من التسليمِ لظاهرِ التنزيلِ.
وقولُه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾. يقولُ: نادَى يُونُسُ بهذا القولِ معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه: ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ في معصيتى إياك.
كما حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، عن يزيدَ بن زيادٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن أبي سلمةَ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ قال: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾، معترفًا بذنبِه، تائبًا من خطيئتِه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، قال: قال أبو مَعْشَرٍ: قال محمدُ بنُ قيسٍ قولَه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾: ما صنَعْتُ مِن شيءٍ فلم أَعْبُدُ غيرَك، ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حينَ عَصَيْتُك.
مدُ بنُ قيسٍ قولَه: ﴿لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ﴾: ما صنَعْتُ مِن شيءٍ فلم أَعْبُدُ غيرَك، ﴿إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ﴾ حينَ عَصَيْتُك.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا جعفرُ بنُ سليمانَ، عن عوفٍ الأعرابيِّ، قال: لما صار يونُسُ في بطنِ الحوتِ ظنَّ أَنه قد مات، ثم حرَّك رِجلَيه، فلما تحرَّكَت سجَد مكانَه، ثم نادَى: يا ربِّ اتَّخَذْتُ لك مسجدًا في موضعٍ ما اتَّخَذه أحدٌ.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، قال: ثنى ابن إسحاقَ، عمَّن حدَّثه، عن
عبدِ اللَّهِ بن رافعِ مولى أمِّ سلمةَ زوج النبيِّ ﷺ، قال: سمِعْتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "لما أراد اللَّهُ حبْسَ يونُسَ في بطنِ الحوتِ أَوْحَى اللَّهُ إلى الحوتِ أن خُذْه، ولا تَخْدِشْ له لحمًا، ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأخَذَه، ثم هوَى به إلى مسكنِه مِن البحر، فلمَّا انتهى به إلى أسفلِ البحرِ، سمِع يونُسُ حِسًّا، فقال في نفسِه: ما هذا؟
له لحمًا، ولا تَكْسِرُ عظمًا. فأخَذَه، ثم هوَى به إلى مسكنِه مِن البحر، فلمَّا انتهى به إلى أسفلِ البحرِ، سمِع يونُسُ حِسًّا، فقال في نفسِه: ما هذا؟ قال: فأوْحَى اللَّهُ إليه وهو في بطنِ الحوتِ: إن هذا تسبيحُ دوابِّ البحرِ، قال: فسبِّح وهو في بطنِ الحوتِ، فسمِعَت الملائكةُ تسبيحَه، فقالوا: يا ربَّنا، إنا نَسْمَعُ صوتًا ضعيفًا بأرضٍ غريبةٍ. قال: ذاك عبدى يونُسُ، عصاني فحبَسْتُه في بطنِ الحوتِ في البحرِ. قالوا: العبدُ الصالحُ الذي كان يَصْعَدُ إليك منه في كلِّ يومٍ وليلةٍ عملٌ صالحٌ؟ قال: نعم. قال: فشفَعوا له عندَ ذلك، فأمَر الحوتَ فقذَفه في الساحلِ، كما قال اللَّهُ ﵎: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥] ".
﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
هذه القصة مذكورة هاهنا وفي سورة "الصافات" وفي سورة "ن" وذلك أن يونس بن مَتَّى، ﵇، بعثه الله إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث.
إلى أهل قرية "نينوى"، وهي قرية من أرض الموصل، فدعاهم إلى الله، فأبوا عليه وتمادوا على كفرهم، فخرج من بين أظهرهم مغاضبا لهم، ووعدهم بالعذاب بعد ثلاث. فلما تحققوا منه ذلك، وعلموا أن النبي لا يكذب، خرجوا إلى الصحراء بأطفالهم وأنعامهم ومواشيهم، وفرقوا بين الأمهات وأولادها، ثم تضرعوا إلى الله ﷿، وجأروا إليه، ورغت الإبل وفُضْلانها، وخارت البقر وأولادها، وثغت الغنم وحُمْلانها، فرفع الله عنهم العذاب، قال الله تعالى: ﴿فَلَوْلا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس، ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا.
زْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ﴾ [يونس: ٩٨].
وأما يونس، ﵇، فإنه ذهب فركب مع قوم في سفينة فَلَجَّجت بهم، وخافوا أن يغرقوا. فاقترعوا على رجل يلقونه من بينهم يتخففون منه، فوقعت القرعة على يونس، فأبوا أن يلقوه، ثم أعادوا القرعة فوقعت عليه أيضًا، فأبوا، ثم أعادوها فوقعت عليه أيضًا، قال الله تعالى: ﴿فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ [الصافات: ١٤١]، أي: وقعت عليه القرعة، فقام يونس، ﵇، وتجرد من ثيابه، ثم ألقى نفسه في البحر، وقد أرسل الله، ﷾، من البحر الأخضر -فيما قاله ابن مسعود-حوتًا يشق البحار، حتى جاء فالتقم يونس حين ألقى نفسه من السفينة، وأوحى الله إلى ذلك الحوت ألا تأكل له لحمًا، ولا تهشم له عظما؛ فإن يونس ليس لك رزقا، وإنما بطنك له يكون سجنًا.
وقوله: (وَذَا النُّونِ) يعني: الحوت، صحت الإضافة إليه بهذه النسبة.
وقوله: (إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا): قال الضحاك: لقومه، (فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ) [أي: نضيق عليه في بطن الحوت.
دَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) قال ابن مسعود: ظلمة بطن الحوت، وظلمة البحر، وظلمة الليل. وكذا روي عن ابن عباس، وعمرو بن ميمون، وسعيد بن جُبَير، ومحمد بن كعب، والضحاك، والحسن، وقتادة.
وقال سالم بن أبي الجعد: ظلمةُ حُوت في بطن حوت، في ظلمة البحر.
قال ابن مسعود، وابنُ عباس وغيرهما: وذلك أنه ذهب به الحوتُ في البحار يَشُقُّها، حتى انتهى به إلى قرار البحر، فسمع يونسُ تسبيح الحصى في قراره، فعند ذلك وهنالكَ قال: (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ)
وقال عوف: لما صار يونس في بطن الحوت، ظن أنه قد مات، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.
وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا.
ت، ثم حرك رجليه فلما تحركت سجد مكانه، ثم نادى: يا رب، اتخذت لك مسجدًا في موضع ما اتخذه أحد.
وقال سعيد بن الحسن البصري: مكث في بطن الحوت أربعين يومًا. رواهما ابن جبير.
وقال محمد بن إسحاق بن يَسَار، عمن حدثه، عن عبد الله بن رافع -مولى أم سلمة-سمعتُ أبا هريرة يقول: قال رسول الله ﷺ: " لما أراد الله حَبْسَ يونس في بطن الحوت، أوحى الله إلى الحوت أن خذه، ولا تخدش لحما ولا تكسر عظما، فلما انتهى به إلى أسفل البحر، سمع يونس حسًا، فقال في نفسه: ما هذا؟ فأوحى الله إليه، وهو في بطن الحوت: إن هذا تسبيح دواب البحر. قال: فَسَبَّح وهو في بطن الحوت، فسمع الملائكة تسبيحه فقالوا: يا ربنا، إنا نسمع صوتًا ضعيفًا [بأرض غريبة] قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟. قال: نعم".
بأرض غريبة] قال: ذلك عبدي يونس، عصاني فحبسته في بطن الحوت في البحر. قالوا: العبد الصالح الذي كان يصعد إليك منه في كل يوم وليلة عملٌ صالح؟. قال: نعم". قال: "فشفعوا له عند ذلك، فأمر الحوت فقذفه في الساحل، كما قال الله ﷿: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ [الصافات: ١٤٥].
ورواه ابن جرير، ورواه البزار في مسنده، من طريق محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن رافع، عن أبي هريرة، فذكره بنحوه، ثم قال: لا نعلمه يروى عن النبي ﷺ إلا من هذا الوجه بهذا الإسناد، وروى ابن عبد الحق من حديث شعبة، عن عمرو بن مرة، عن عبد الله بن سَلمَة،
عن علي مرفوعًا: لا ينبغي لعبد أن يقول: " أنا خير من يونس بن متى"؛ سبح لله في الظلمات.
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن".
ن يونس بن متى"؛ سبح لله في الظلمات.
وقد روي هذا الحديث بدون هذه الزيادة، من حديث ابن عباس، وابن مسعود، وعبد الله بن جعفر، وسيأتي أسانيدها في سورة "ن".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو عبد الله أحمد بن عبد الرحمن بن أخي ابن وهب، حدثنا عمي: حدثني أبو صخر: أن يزيد الرقاشي حدثه قال: سمعت أنس بن مالك -ولا أعلم إلا أن أنسا يرفع الحديث إلى رسول الله ﷺ-أن يونس النبي، ﵇، حين بدا له أن يدعو بهذه الكلمات وهو في بطن الحوت، قال: "اللهم، لا إله إلا أنت، سبحانك، إني كنت من الظالمين". فأقبلت هذه الدعوة تحف بالعرش، فقالت الملائكة: يا رب، صوت ضعيف معروف من بلاد غريبة؟ فقال: أما تعرفون ذاك؟ قالوا: لا يا رب، ومن هو؟ قال: عبدي يونس. قالوا: عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عَمَلٌ متقبل، ودعوة مجابة؟. [قال: نعم]. قالوا: يا رب، أَوَلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى.
عبدك يونس الذي لم يزل يُرفَع له عَمَلٌ متقبل، ودعوة مجابة؟. [قال: نعم]. قالوا: يا رب، أَوَلا ترحم ما كان يصنع في الرخاء فتنجيَه من البلاء؟ قال: بلى. فأمر الحوت فطرحه في العراء.
وقوله: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ) أي: أخرجناه من بطن الحوت، وتلك الظلمات، (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) أي: إذا كانوا في الشدائد ودَعَونا منيبين إلينا، ولا سيما إذا دعوا بهذا الدعاء في حال البلاء، فقد جاء الترغيب في الدعاء بها عن سيد الأنبياء، قال الإمام أحمد:
حدثنا إسماعيل بن عُمَر، حدثنا يونس بن أبي إسحاق الهمداني، حدثنا إبراهيم بن محمد ابن سعد، حدثني والدي محمد عن أبيه سعد، -وهو ابن أبي وقاص -قال: مررت بعثمان بن عفان، ﵁، في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني ثم لم يَردُدْ عليّ السلام، فأتيت عمر بن الخطاب فقلت: يا أمير المؤمنين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررتُ بعثمان آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يَرْدُد علي السلام.
ين، هل حدث في الإسلام شيء؟ مرتين، قال: لا وما ذاك؟ قلت: لا إلا أني مررتُ بعثمان آنفا في المسجد، فسلمت عليه، فملأ عينيه مني، ثم لم يَرْدُد علي السلام. قال: فأرسل عمر إلى عثمان فدعاه، فقال: ما منعك ألا تكون رَدَدت على أخيك
السلام؟ قال: ما فعلتُ. قال سعد: قلتُ: بلى حتى حلفَ وحلفت، قال: ثم إن عثمان ذكرَ فقال: بلى، وأستغفر الله وأتوب إليه، إنك مررت بي آنفا وأنا أحدّث نفسي بكلمة سمعتُها من رسول الله ﷺ لا والله ما ذكرتها قط إلا تَغْشَى بصري وقلبي غشَاوة. قال سعد: فأنا أنبئك بها، إن رسول الله ﷺ ذكر لنا [أول دعوة] ثم جاء أعرابي فشغله، حتى قَام رسولُ الله ﷺ فاتبعته، فلما أشفقت أن يسبقني إلى منزله ضربت بقدمي الأرض، فالتفت إليّ رسولُ الله ﷺ فقال: " من هذا؟ أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم، يا رسول الله. قال: " فمه؟ " قلت: لا والله، إلا أنك ذكرتَ لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك.
الله ﷺ فقال: " من هذا؟ أبو إسحاق؟ " قال: قلت: نعم، يا رسول الله. قال: " فمه؟ " قلت: لا والله، إلا أنك ذكرتَ لنا أول دعوة، ثم جاء هذا الأعرابي فشغلك. قال: " نعم، دعوةُ ذي النون، إذ هو في بطن الحوت: (لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ)، فإنه لم يدع بها مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له".
ورواه الترمذي، والنسائي في "اليوم والليلة"، من حديث إبراهيم بن محمد بن سعد، عن أبيه، عن سعد، به.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو خالد الأحمر، عن كَثِير بن زيد، عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد -عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا بدعاء يونس، استُجِيب له".
أحمر، عن كَثِير بن زيد، عن المطلب بن حنطب -قال أبو خالد: أحسبه عن مصعب، يعني: ابن سعد -عن سعد قال: قال رسول الله ﷺ: "من دعا بدعاء يونس، استُجِيب له". قال أبو سعيد: يريد به (وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
وقال ابن جرير: حدثني عمران بن بَكَّار الكَلاعي، حدثنا يحيى بن صالح، حدثنا أبو يحيى بن عبد الرحمن، حدثني بِشْر بن منصور، عن علي بن زيد، عن سعيد بن المسيب قال: سمعت سعد بن مالك -وهو ابن أبي وقاص-يقول: سمعت رسولَ الله ﷺ يقول: "اسم الله الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سُئِل به أعطى، دعوةُ يونس بن متى". قال: قلت: يا رسول الله، هي ليونس خاصة أم لجماعة المسلمين؟ قال: هي ليونس بن متى خاصة وللمؤمنين عامة، إذا دعوا بها، ألم تسمع قول الله ﷿: (فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لا إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ).
إِلَهَ إِلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ). فهو شرط من الله لمن دعاه به".
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أحمد بن أبي سُرَيج، حدثنا داود بن المُحَبَّر بن قَحْذَم المقدسي، عن كثير بن معبد قال: سألت الحسن، قلت: يا أبا سعيد، اسم الله الأعظم الذي إذا دعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى؟ قال: ابنَ أخي، أما تقرأ القرآن؟ قول الله: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا)
إلى قوله: (الْمُؤْمِنِينَ)، ابن أخي، هذا اسم الله الأعظم، الذي إذا دُعي به أجاب، وإذا سئل به أعطى.
قوله تعالى: ﴿وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ (٨٧) فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾.
أي: واذكر ذا النون. والنون: الحوت. ﴿وَذَا﴾ بمعنى صاحب. فقوله: ﴿وَذَا النُّونِ﴾ معناه صاحب الحوت؛ كما صرح الله بذلك في "القلم" في قوله: ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. وإنما أضافه إلى الحوت لأنه التقمه كما قال تعالى: ﴿فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢)﴾.
وقوله: ﴿فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.
الأول: أن المعنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: لن نضيق عليه في بطن الحوت.
َظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ فيه وجهان من التفسير لا يكذب أحدهما الآخر.
الأول: أن المعنى ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ أي: لن نضيق عليه في بطن الحوت. ومن إطلاق "قدر" بمعنى "ضيق" في القرآن قوله تعالى: ﴿اللَّهُ يَبْسُطُ الرِّزْقَ لِمَنْ يَشَاءُ وَيَقْدِرُ﴾ أي: ويضيق الرزق على من شاء، وقوله تعالى: ﴿لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتَاهُ اللَّهُ﴾ الآية. فقوله: ﴿وَمَنْ قُدِرَ عَلَيهِ رِزْقُهُ﴾ أي ومن ضيق عليه رزقه.
الوجه الثاني: أن معنى: ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ لن نقضي عليه ذلك. وعليه فهو من القدر والقضاء. "وقَدِر" بالتخفيف تأتي بمعنى "قدر" المضعفة؛ ومنه قوله تعالى: ﴿فَالْتَقَى الْمَاءُ عَلَى أَمْرٍ قَدْ قُدِرَ (١٢)﴾ أي: قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:
فليست عشياتُ الحمى برواجعٍ ... لنا أبدًا ما أورق السَّلم النضرُ
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ...
قدره الله. ومنه قول الشاعر وأنشده ثعلب شاهدًا لذلك:
فليست عشياتُ الحمى برواجعٍ ... لنا أبدًا ما أورق السَّلم النضرُ
ولا عائد ذاك الزمان الذي مضى ... تباركْتَ ما تَقْدِر يقع ولك الشكر
والعرب تقول: قدر الله لك الخير يَقْدِره قدرًا، كضرب يضرب، ونصر ينصر، بمعنى قدَّره لك تقديرًا؛ ومنه على أصح القولين "ليلة القدر"؛ لأن الله يقدر فيها الأشياء؛ كما قال تعالى: ﴿فِيهَا يُفْرَقُ كُلُّ أَمْرٍ حَكِيمٍ (٤)﴾ والقَدَر بالفتح، والقَدْر بالسكون: ما يقدره الله من القضاء؛ ومنه قول هدبة بن الخشرم:
ألا يا لقومي للنوائب والقَدْر ... وللأمر يأتي المرء من حيث لا يدري
أما قول من قال: إن ﴿لَنْ نَقْدِرَ عَلَيهِ﴾ من القدرة؛ فهو قول باطل بلا شك؛ لأن نبي الله يونس لا يشك في قدرة الله على كل شيء، كما لا يخفى.
وقوله في هذه الآية الكريمة: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: في حال كونه مغاضبًا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب.
حال كونه مغاضبًا لقومه. ومعنى المفاعلة فيه: أنه أغضبهم بمفارقته وتخويفهم حلول العذاب بهم، وأغضبوه حين دعاهم إلى الله مدة فلم يجيبوه، فأوعدهم بالعذاب. ثم خرج من بينهم على عادة الأنبياء عند نزول العذاب قبل أن يأذن الله له في الخروج؛ قاله أبو حيان في البحر. وقال أيضًا: وقيل معنى ﴿مُغَاضِبًا﴾ غضبان، وهو من المفاعلة التي
لا تقتضي اشتراكًا؛ نحو عاقبت اللص، وسافرت اهـ.
واعلم أن قول من قال: ﴿مُغَاضِبًا﴾ أي: مغاضبًا لربه كما رُوي عن ابن مسعود، وبه قال الحسن والشعبي وسعيد بن جبير، واختاره الطبري والقتيبي، واستحسنه المهدوي؛ يجب حمله على معنى القول الأول؛ أي: مغاضبًا من أجل ربه. قال القرطبي بعد أن ذكر هذا القول عمن ذكرنا: وقال النحاس: وربما أنكر هذا من لا يعرف اللغة، وهو قول صحيح، والمعنى: مغاضبًا من أجل ربه كما تقول: غضبت لك أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله ﷿ إذا عُصِي. انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه، أي: من أجل كفرهم به، وعصيانهم له.
ما تقول: غضبت لك أي: من أجلك. والمؤمن يغضب لله ﷿ إذا عُصِي. انتهى منه. والمعنى على ما ذكر: مغاضبًا قومه من أجل ربه، أي: من أجل كفرهم به، وعصيانهم له. وغير هذا لا يصح في الآية.
وقوله تعالى: ﴿فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ﴾ أي: ظلمة البحر، وظلمة الليل، وظلمة بطن الحوت. و ﴿أَنْ﴾ في قوله: ﴿أَنْ لَا إِلَهَ إلا أَنْتَ﴾ مفسرة، وقد أوضحنا فيما تقدم معنى ﴿أَنْ لَا إِلَهَ﴾، ومعنى ﴿سُبْحَانَكَ﴾، ومعنى الظلم، فأغنى ذلك عن إعادته هنا.
وقوله: ﴿فَاسْتَجَبْنَا لَهُ﴾ أي: أجبناه ونجيناه من الغم الذي هو فيه في بطن الحوت، وإطلاق استجاب بمعنى أجاب معروف في اللغة، ومنه قول كعب بن سعد الغنوي:
وداعٍ دعا يا من يجيب إلى الندى ... فلم يَسْتجبه عند ذاك مجيبُ
وما ذكره الله جل وعلا في هذه الآية: من نداء نبيه يونس في تلك الظلمات؛ هذا النداء العظيم، وأن الله استجاب له ونجاه من
الغم أوضحه في غير هذا الموضع.
وبيَّن في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه.
تجاب له ونجاه من
الغم أوضحه في غير هذا الموضع.
وبيَّن في بعض المواضع: أنه لو لم يسبح هذا التسبيح العظيم للبث في بطن الحوت إلى يوم البعث ولم يخرج منه. وبين في بعضها أنه طرحه بالعراء وهو سقيم.
وبين في بعضها: أنه خرج بغير إذن كخروج العبد الآبق، وأنهم اقترعوا على من يلقى في البحر فوقعت القرعة على يونس أنه هو الذي يلقى فيه.
وبين في بعضها: أن الله تداركه برحمته؛ ولو لم يتداركه بها لنبذ بالعراء في حال كونه مذمومًا، ولكنه تداركه بها فنبذ غير مذموم، قال تعالى في "الصافات": ﴿وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ (١٣٩) إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ (١٤٠) فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ (١٤١) فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ (١٤٢) فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ (١٤٣) لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ
نَ (١٤٤) فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ سَقِيمٌ (١٤٥) وَأَنْبَتْنَا عَلَيهِ شَجَرَةً مِنْ يَقْطِينٍ (١٤٦) وَأَرْسَلْنَاهُ إِلَى مِائَةِ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُونَ (١٤٧) فَآمَنُوا فَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (١٤٨)﴾، فقوله في آيات "الصافات" المذكورة: ﴿إِذْ أَبَقَ﴾ أي: حين أبق، وهو من قول العرب: عبد آبق؛ لأن يونس خرج قبل أن يأذن له ربه، ولذلك أطلق عليه اسم الإباق. واستحقاق الملامة في قوله: ﴿وَهُوَ مُلِيمٌ﴾ لأن المليم اسم فاعل ألام إذا فعل ما يستوجب الملام. وقوله: ﴿فَسَاهَمَ﴾ أي: قارع بمعنى أنه وضع مع أصحاب السفينة سهام القرعة ليخرج سهم من يلقى في البحر. وقوله: ﴿فَكَانَ مِنَ الْمُدْحَضِينَ﴾ أي: المغلوبين في القرعة؛ لأنه خرج له السهم الذي يلقى صاحبه في البحر. ومن ذلك قول الشاعر:
قتلنا المدْحَضين بكلِّ فجٍّ ... فقد قرَّت بقتلهم العيون
وقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء.
لشاعر:
قتلنا المدْحَضين بكلِّ فجٍّ ... فقد قرَّت بقتلهم العيون
وقوله: ﴿فَنَبَذْنَاهُ﴾ أي: طرحناه، بأن أمرنا الحوت أن يلقيه بالساحل. والعراء: الصحراء. وقول من قال: العراء الفضاء أو المتسع من الأرض، أو المكان الخالي أو وجه الأرض؛ راجع إلى ذلك، ومنه قول الشاعر وهو رجل من خزاعة:
ورفعتُ رِجلًا لا أخاف عِثارها ... ونبذتُ بالبلد العراءِ ثيابي
وشجرة اليقطين: هي الدباء. وقوله: ﴿وَهُوَ سَقِيمٌ﴾ أي: مريض لما أصابه من التقام الحوت إياه، وقال تعالى في "القلم": ﴿وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ إِذْ نَادَى وَهُوَ مَكْظُومٌ (٤٨) لَوْلَا أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ لَنُبِذَ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ (٤٩) فَاجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَجَعَلَهُ مِنَ الصَّالِحِينَ (٥٠)﴾ فقوله في آية "القلم" هذه: ﴿إِذْ نَادَى﴾ أي: نادى أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد.
له إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين، وقوله: ﴿وَهُوَ مَكْظُومٌ﴾ أي مملوء غمًا، كما قال تعالى: ﴿وَنَجَّينَاهُ مِنَ الْغَمِّ﴾ وهو قول ابن عباس ومجاهد. وعن عطاء وأبي مالك: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾: مملوء كربًا. قال الماوردي: والفرق بين الغم والكرب: أن الغم في القلب، والكرب في الأنفاس. وقيل: ﴿مَكْظُومٌ (٤٨)﴾ محبوس. والكظم: الحبس؛ ومنه قولهم: كظم غيظه، أي حبس غضبه، قاله ابن بحر. وقيل: المكظوم المأخوذ بكظمه، وهو مجرى النفس، قاله المبرد. انتهى من القرطبي.
وآية "القلم" المذكورة تدل على أن نبي الله يونس عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام عجل بالذهاب ومغاضبة قومه، ولم يصبر الصبر اللازم، بدليل قوله مخاطبًا نبينا ﷺ فيها: ﴿فَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ وَلَا تَكُنْ كَصَاحِبِ الْحُوتِ﴾ الآية. فإن أمره لنبينا ﷺ بالصبر ونهيه إياه أن
يكون كصاحب الحوت؛ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير.
ﷺ بالصبر ونهيه إياه أن
يكون كصاحب الحوت؛ دليل على أن صاحب الحوت لم يصبر كما ينبغي. وقصة يونس، وسبب ذهابه ومغاضبته قومه مشهورة مذكورة في كتب التفسير. وقد بين تعالى في سورة "يونس": أن قوم يونس آمنوا فنفعهم إيمانهم دون غيرهم من سائر القرى التي بعثت إليهم الرسل، وذلك في قوله: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إلا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَتَّعْنَاهُمْ إِلَى حِينٍ (٩٨)﴾.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ يدل على أنه ما من مؤمن يصيبه الكرب والغم فيبتهل إلى الله داعيًا بإخلاص، إلا نجاه الله من ذلك الغم، ولاسيما إذا دعا بدعاء يونس هذا. وقد جاء في حديث مرفوع عن سعد بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال في دعاء يونس المذكور: "لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم.
د بن أبي وقاص ﵁: أن النبي ﷺ قال في دعاء يونس المذكور: "لم يدع به مسلم ربه في شيء قط إلا استجاب له" رواه أحمد والترمذي وابن أبي حاتم وابن جرير وغيرهم. والآية الكريمة شاهدة لهذا الحديث شهادة قوية كما ترى؛ لأنه لما ذكر أنه أنجى يونس شبه بذلك إنجاءه المؤمنين. وقوله: ﴿نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ صيغة عامة في كل مؤمن كما ترى. وقرأ عامة القراء السبعة غير ابن عامر وشعبة عن عاصم: ﴿وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بنونين أولاهما مضمومة، والثانية ساكنة بعدها جيم مكسورة مخففة فياء ساكنة، وهو مضارع "أنجى" الرباعي على صيغة "أفعل"، والنون الأولى دالة على العظمة. وقرأ ابن عامر وشعبة عن عاصم: "وكذلك نُجِّي المؤمنين" بنون واحدة مضمومة بعدها جيم مكسورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني
للمفعول من "نَجَّى" المضعَّفة على وزن "فَعَّل" بالتضعيف.
وفي كلتا القراءتين إشكال معروف.
ورة مشددة فياء ساكنة. وهو على هذه القراءة بصيغة فعل ماض مبني
للمفعول من "نَجَّى" المضعَّفة على وزن "فَعَّل" بالتضعيف.
وفي كلتا القراءتين إشكال معروف. أما قراءة الجمهور فهي من جهة القواعد العربية واضحة لا إشكال فيها، ولكن فيها إشكال من جهة أخرى، وهي: أن هذا الحرف إنما كتبه الصحابة في المصاحف العثمانية بنون واحدة، فيقال: كيف تقرأ بنونين وهي في المصاحف بنون واحدة؟ وأما على قراءة ابن عامر وشعبة فالإشكال من جهة القواعد العربية؛ لأن نجَّى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء "نجى" لا إسكانها.
بية؛ لأن نجَّى على قراءتهما بصيغة ماض مبني للمفعول، فالقياس رفع ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ بعده على أنه نائب الفاعل، وكذلك القياس فتح ياء "نجى" لا إسكانها.
وأجاب العلماء عن هذا بأجوبة: منها ما ذكره بعض الأئمة، وأشار إليه ابن هشام في باب الإدغام من توضيحه: أن الأصل في قراءة ابن عامر وشعبة (نُنَجِّي) بفتح النون الثانية مضارع "نجَّى" مضعفًا، فحذفت النون الثانية تخفيفًا، أو "نُنْجي" بسكونها مضارع أنجى، وأدغمت النون في الجيم لاشتراكهما في الجهر والانفتاح والتوسط بين القوة والضعف، كما أدغمت في "إجّاصة وإجّانة" بتشديد الجيم فيهما، والأصل "إنجاصة وإنجانة" فأدغمت النون فيهما، والإجاصة: واحدة الإجاص، قال في القاموس: الإجاص بالكسر مشددًا: ثمر معروف دخيل؛ لأن الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمةٍ، الواحدةُ بهاءٍ. ولا تقل انجاص، أو لغية اهـ. والإجانة: واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها.
دةُ بهاءٍ. ولا تقل انجاص، أو لغية اهـ. والإجانة: واحدة الأجاجين. قال في التصريح: وهي بفتح الهمزة وكسرها. قال صاحب الفصيح: قصرية يعجن فيها ويغسل فيها. ويقال: إنجانة كما يقال: إنجاصة، وهي لغة يمانية فيهما أنكرها الأكثرون اهـ.
فهذا وجهان في توجيه قراءة ابن عامر وشعبة، وعليهما فلفظة ﴿الْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ مفعول به بـ﴿نُنْجِي﴾.
ومن أجوبة العلماء عن قراءة ابن عامر وشعبة: أن "نُجِّي" على قراءتهما فعل ماض مبني للمفعول، والنائب عن الفاعل ضمير المصدر، أي نجي هو أي الإنجاء، وعلى هذا الوجه فالآية كقراءة من قرأ ﴿لِيَجْزِيَ قَوْمًا﴾ الآية، ببناء "يجزي" للمفعول والنائب ضمير المصدر، أي ليجزي هو أي الجزاء، ونيابة المصدر عن الفاعل في حال كون الفعل متعديًا للمفعول تَرِد بقِلَّة، كما أشار له في الخلاصة بقوله:
وقابلٌ من ظرفٍ أو من مصدرِ ... أو حرفِ جرٍّ بنيابةٍ حَرِي
ولا ينوبُ بعضُ هذي إن وُجِد ... في اللفظِ مفعولٌ به وقد يَرِد
ومحل الشاهد منه قوله: "وقد يرد" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد.
ةٍ حَرِي
ولا ينوبُ بعضُ هذي إن وُجِد ... في اللفظِ مفعولٌ به وقد يَرِد
ومحل الشاهد منه قوله: "وقد يرد" وممن قال بجواز ذلك الأخفش والكوفيون وأبو عبيد. ومن أمثلة ذلك في كلام العرب قول جرير يهجو أم الفرزدق:
ولو ولدت قفيرة جرو كلب ... لسب بذلك الجرو الكلابا
يعني لسب هو أي السب. وقول الراجز:
لم يعن بالعلياء إلا سيدًا ... ولا شفى ذا الغي إلا ذو هدى
وأما إسكان ياء "نُجِّي" على هذا القول فهو على لغة من يقول من العرب: رضي، وبقي بإسكان الياء تخفيفًا. ومنه قراءة الحسن (وذروا ما بَقِي من الربا) بإسكان ياء (بَقِي) ومن شواهد تلك اللغة
قول الشاعر:
خمَّر الشيب لمتي تخميرًا ... وحدا بي إلى القبور البعيرا
ليت شعري إذ القيامة قامت ... ودُعي بالحساب أين المصيرا
وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها.
ُعي بالحساب أين المصيرا
وأما الجواب عن قراءة الجمهور فالظاهر فيه أن الصحابة حذفوا النون في المصاحف لتمكن موافقة قراءة ابن عامر وشعبة المصاحف لخفائها. أما قراءة الجمهور فوجهها ظاهر ولا إشكال فيها، فغاية الأمر أنهم حذفوا حرفًا من الكلمة لمصلحة مع تواتر الرواية لفظًا بذكر الحرف المحذوف. والعلم عند الله تعالى.
•