Wahai orang-orang yang beriman! Janganlah kamu memasuki rumah yang bukan rumahmu sebelum meminta izin dan memberi salam kepada penghuninya. Yang demikian itu lebih baik bagimu, agar kamu (selalu) ingat
القولُ في تأويل قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.
اختلَف أهلُ التأويلِ في ذلك؛ فقال بعضُهم: تأويلُه: يأيها الذين آمنوا لا تَدخُلوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هشيمٌ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرَأُ: (لا تَدْخُلُوا بيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تستأذِنوا وتُسَلِّموا على أهلِها). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكتَّابِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
شرٍ، عن سعيدِ بن جبيرٍ، عن ابن عباسٍ في هذه الآيةِ: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. وقال: إنما هي خطأٌ مِن الكتَّابِ: (حتى تستأذنوا وتُسلِّموا).
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا وَهْبُ بنُ جريرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن أبي بشرٍ، عن سعيدِ بن جُبيرٍ بمثلِه، غيرَ أنَّه قال: إنما هي: (حتى تَستَأذنوا). ولكنها سقَطٌ مِن الكاتبِ.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن عطيةَ، قال: ثنا معاذُ بنُ سليمانَ، عن جعفرِ بن إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: أخطأَ الكاتبُ. وكان ابن عباسٍ يقرأُ: (حتى تَسْتأْذِنُوا وَتُسَلِّمُوا). وكان يقرؤُها على قراءةِ أُبيِّ بن كعبٍ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا أبو عامرٍ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها: (حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا).
فيانُ، عن الأعمشِ أنه كان يقرؤُها: (حتى تَسْتأذنوا وتُسَلِّمُوا). قال سفيانُ: وبلَغنى أنَّ ابن عباسٍ كان يقرؤُها: (حتى تَسْتَأْذِنُوا وَتُسَلَّمُوا). وقال: إنها خَطَأٌ مِن الكاتب.
حدَّثنا محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثني عمِّي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابن عباسٍ قوله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: الاستِئْناسُ الاستئذانُ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى هشيمٌ، قال: أخبَرنا مغيرةُ، عن إبراهيمَ، قال: في مصحفِ ابن مسعودٍ: (حتى تُسَلِّموا علَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا). قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا جعفرُ بنُ إياسٍ، عن سعيدٍ، عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا).
عن ابن عباسٍ أنه كان يقرؤُها: (يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتا غيرَ بُيُوتِكُمْ حتى تُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِها وَتَسْتَأْذِنُوا). قال: وإنما ﴿تَسْتَأْنِسُوا﴾ وَهُمٌ مِن الكُتَّابِ.
قال: ثنا هشيمٌ، قال مُغيرةُ: قال مجاهدٌ: جاء ابن عمرَ مِن حاجةٍ، وقد آذاه الرَّمْضاءُ، فأتَى فُسطاطَ امرأةٍ مِن قريشٍ، فقال: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ فقالت: ادخُل بسلامٍ. فأعاد، فأعادَت، وهو يراوحُ بين قدمَيه، قال: قولِى: ادخُلْ. قالت: ادخُلْ. فدخَل.
قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبَرنا منصورٌ، عن ابن سيرينَ، وأخبَرنا يونسُ بنُ عُبيدٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ الثقفيِّ، أن رجلًا استأذَن على النبيِّ ﷺ، فقال: أَلِجُ أو أَنَلِجُ؟ فقال النبيُّ ﷺ لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: "قومِي إلى هذا فَكَلِّميه، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟ ".
ال النبيُّ ﷺ لأمَةٍ له يقالُ لها رَوْضَةُ: "قومِي إلى هذا فَكَلِّميه، فإِنَّهُ لا يُحْسِنُ يَسْتَأْذِنُ، فَقُولى له يقولُ: السلامُ عليكم، أدْخُلُ؟ ". فسمِعها الرجلُ
فقالها، فقال: "ادْخُلْ".
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قال ابن عباسٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستئذانُ، ثم نُسِخ واسْتُثْنِىَ: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ﴾.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا يَحيى بنُ واضِحٍ، قال: ثنا أبو حمزةَ، عن المُغيرةِ، عن إبراهيمَ قولَه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾. قال: حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
حتى تُسلِّموا على أهلِها وتَستَأذِنوا.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يَحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا معمرٌ، عن قَتادةَ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَستأذنوا وتُسلِّموا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هشيمٌ، قال: أخبرَنا أشعتُ بنُ سَوَّارٍ، عن كُرْدُوسٍ، عن ابن مسعودٍ، قال: عليكم أن تَستأذِنوا على أمهاتِكم وأَخَوَاتِكم.
قال أشعثُ، عن عديِّ بن ثابتٍ، أنَّ امرأةً مِن الأنصارِ قالت: يا رسولَ اللهِ، إِنَّى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ.
َى أكونُ في منزلِى على الحالِ التي لا أُحِبُّ أن يَرانى أحدٌ عليها؛ والدٌ ولا ولَدٌ، وإنه لا يَزالُ يَدخُلُ عليَّ رجُلٌ مِن أهلى وأنا على تلك الحالِ. قال: فنزَلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى
أَهْلِهَا﴾ الآية.
وقال آخرون: معنى ذلك: حتى تُؤنِسوا أهلَ البيتِ بالتَّنَحْنُحِ والتَّنَخُّمِ وما أشْبهَه؛ حتى يَعلَموا أنكم تُريدون الدُّخولَ عليهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا حَكَّامٌ، عن عَنبسةَ، عن محمدِ بن عبدِ الرحمنِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾.
منِ، عن القاسمِ بن أبي بَزَّةَ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا﴾. قال: حتى تَتَنَحْنَحوا وتتَنَخَّموا.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرقاءُ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا وَرْقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: حتى تَحَسَّسوا وتُسلِّموا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: تَنَحْنَحُوا وتَنَخَّموا.
قال: ثني حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: سمِعتُ عطاءَ بنَ أَبِي رَبَاحٍ يُخبرُ عن ابن عباسٍ، قال: ثلاثُ آياتٍ قد جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا.
د جحَدهنَّ الناسُ؛ قال اللَّهُ: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ
اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]. قال: ويقولون: إِنَّ أكرَمَهم عندَ اللهِ أعظمُهم شأنًا. قال: والإِذْنُ كلُّه قد جحَده الناسُ. فقلتُ له: أَستَأْذِنُ على أَخَواتي أيتامٍ في حَجرى معى في بيتٍ واحدٍ؟ قال: نعم. فردَدْتُ على مَن حضَرني، فأبَى. قال: أتُحبُّ أن تَراها عُريانةً؟ قلتُ: لا. قال: فاستأذِنْ. فراجعتُه أيضًا. قال: أتحبُّ أن تُطيعَ اللَّهَ؟ قلتُ: نعم. قال: فاستأذِنْ. فقال لى سعيدُ بنُ جبيرٍ: إنك لَتُرَدِّدُ عليه. قلتُ: أردتُ أن يُرخِّصَ لى.
قال ابن جُرَيجٍ: وأخبَرنى ابن طاوسٍ، عن أبيه، قال: ما مِن امرأةٍ أَكْرَهُ إليَّ أن أرَى، كأنه يقولُ: عِرْيَتَهَا، أو عُرْيَانةً، مِن ذاتِ مَحرمٍ. قال: وكان يُشدِّدُ في ذلك.
قال ابن جُرَيجٍ: وقال عطاءُ بنُ أبي رَباحٍ: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ.
بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ [النور: ٥٩]. فواجبٌ على الناسِ أجمعينَ إذا احتَلموا أن يَستأذِنوا على مَن كان مِن الناسِ. قلتُ لعطاءٍ: أواجبٌ على الرجلِ أن يَستأذنَ على أمِّه ومَنْ وراءها مِن ذاتِ قرابتِه؟ قال: نعم. قلتُ: [بأيٍّ وَجَبت]؟ قال: قولُه: ﴿وَإِذَا بَلَغَ الْأَطْفَالُ مِنْكُمُ الْحُلُمَ فَلْيَسْتَأْذِنُوا﴾ (٤).
قال ابن جُرَيجٍ: وأخبرنى ابن زيادٍ، أن صفوانَ مَولًى لبنى زُهْرَةَ، أخبَره عن عطاءِ بن يسارٍ، أنَّ رجلًا قال للنبيِّ ﷺ: أستأذنُ على أمِّى؟ قال: "نعم". قال:
إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟ قال: "أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ ". قال الرجُلُ: لا.
أذنُ على أمِّى؟ قال: "نعم". قال:
إنها ليس لها خادِمٌ غيرِى، أفأَستأذِنُ عليها كلما دخَلْتُ؟ قال: "أتُحِبُّ أنْ تَراها عُرْيانَةً؟ ". قال الرجُلُ: لا. قال: "فاستَأذِنْ عليها".
قال ابن جُرَيجٍ، عن الزهريِّ، قال: سمِعتُ هُزَيْلَ بنَ شُرَحبيلَ الأَوْدِيَّ الأعمى، أنه سَمِع ابنَ مسعودٍ يقولُ: عليكم الإذْنَ على أمهاتِكم.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ، قال: قلتُ لعطاءٍ: أيَستأذنُ الرجلُ على امرأتِه؟ قال: لا.
حدَّثنا الحسينُ، قال: ثنا محمدُ بنُ خازمٍ، عن الأعمشِ، عن عمرِو بن مُرَّةَ، عن يَحيى بن الجزَّارِ، عن ابن أخى زينبَ - امرأةِ ابن مسعودٍ - عن زينبَ، قالت: كان عبدُ اللَّهِ إذا جاء مِن حاجةٍ فانتهَى إلى البابِ، تَنحْنَحَ وبزَق؛ كراهةَ أَن يَهْجُمَ منا على أمرٍ يكرهُه.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾.
خبَرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾. قال: الاستِئْناسُ التَّنَحنحُ والتَّجَرُّسُ حتى يَعرِفوا أن قد جاءَهم أحدٌ. قال: والتَّجَرُّسُ كلامُه وتَنحنُحُه.
والصوابُ من القولِ في ذلك عندِى أن يقالَ: إِنَّ الاستئْناسَ الاستفعالُ مِن
الأُنْسِ، وهو أن يَستأذنَ أهلَ البيتِ في الدخولِ عليهم، مُخبِرًا بذلك مَن فيه، وهل فيه أحدٌ، ولِيؤْذِنَهم أنه داخلٌ عليهم، فيَأْنسَ إلى إذنِهم له في ذلك، ويأنَسوا إلى استئذانِه إياهم. وقد حُكِى عن العربِ سماعًا: اذهبْ فاستَأنِسْ، هل ترَى أحدًا في الدارِ؟ بمعنى: انظُرْ هل ترَى فيها أحدًا؟
فتأويلُ الكلامِ إذن، إذ كان ذلك معناه: يأيُّها الذين آمنوا لا تَدخُلُوا بُيوتًا غيرَ بيوتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا.
وتِكم حتى تُسلِّموا وتستأذِنوا، وذلك أن يقولَ أحدُكم: السلامُ عليكم، أدخلُ؟ وهو من المقدَّمِ الذي معناه التأخيرُ، إنما هو: حتى تُسلِّموا وتستأذِنُوا. كما ذكَرْنا مِن الروايةِ عن ابن عباسٍ.
وقولُه: ﴿ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ﴾. يقولُ: استِئْناسُكم وتَسليمُكم على أهلِ البيتِ الذي تُريدون دخولَه، فإنَّ دُخولَكموه خيرٌ لكم؛ لأنكم لا تَدرون أنكم إذا دخَلتُموه بغيرِ إذنٍ على ماذا تَهجُمون؛ على ما يسوءُكم أو يَسرُّكم، وأنتم إذا دخَلتم بإذنٍ، لم تَدخلوا على ما تَكرَهون وأدَّيتم بذلك أيضًا حَقَّ اللَّهِ عليكم في الاستئذانِ والسلامِ.
وقولُه: ﴿لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾. يقولُ: لتَتذَكَّروا بفعلِكم ذلك أمْرَ اللَّهِ عليكم، واللازمَ لكم من طاعتِه فتطيعوه.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧) فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ (٢٨) لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ (٢٩)﴾
هذه آداب شرعية، أدّب الله بها عباده المؤمنين، وذلك في الاستئذان أمر الله المؤمنين ألا يدخلوا بيوتًا غير بيوتهم حتى يستأنسوا، أي: يستأذنوا قبل الدخول ويسلموا بعده. وينبغي أن يستأذن ثلاثًا، فإن أذن له، وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له.
وإلا انصرف، كما ثبت في الصحيح: أن أبا موسى حين استأذن على عمر ثلاثًا، فلم يؤذن له، انصرف. ثم قال عمر: ألم أسمع صوت عبد الله بن قيس يستأذن؟ ائذنوا له. فطلبوه فوجدوه قد ذهب، فلما جاء بعد ذلك قال: ما رَجَعَك؟ قال: إني استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي، وإني سمعت رسول الله ﷺ يقول: "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا، فلم يؤذن له، فلينصرف". فقال: لَتَأتِيَنَّ على هذا ببينة وإلا أوجعتك ضربًا. فذهب إلى ملأ من الأنصار، فذكر لهم ما قال عمر، فقالوا: لا يشهد لك إلا أصغرنا. فقام معه أبو سعيد الخُدْريّ فأخبر عمر بذلك، فقال: ألهاني عنه الصَّفْق بالأسواق.
وقال الإمام أحمد: حَدَّثنا عبد الرزاق، أخبرنا مَعْمَر عن ثابت، عن أنس -أو: غيره أن رسول الله ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: "السلام عليك ورحمة الله". فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا. ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يُسْمعه.
على سعد بن عبادة فقال: "السلام عليك ورحمة الله". فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا. ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يُسْمعه. فرجع النبي ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله، بأبي أنت وأمي، ما سلمتَ تسليمة إلا وهي بأذني، ولقد رَدَدْت عليك ولم أُسْمِعك، وأردتُ أن أستكثر من سلامك ومن البركة. ثم أدخله البيت، فقرَّب إليه زَبيبًا، فأكل نبي الله. فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار، وصَلَّت عليكم الملائكة، وأفطر عندكم الصائمون".
وقد رَوَى أبو داود والنسائي، من حديث أبي عمرو الأوزاعي: سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن سعد بن زرارة، عن قيس بن سعد -هو ابن عبادة -قال: زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا، فقال: "السلام عليكم ورحمة الله". فردّ سعد ردًا خفيًا، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: ذَرْه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ: "السلام عليكم ورحمة الله".
رحمة الله". فردّ سعد ردًا خفيًا، قال قيس: فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ؟ فقال: ذَرْه يكثر علينا من السلام. فقال رسول الله ﷺ: "السلام عليكم ورحمة الله". فرد سعد رَدًا خفيًا، ثم قال رسول الله ﷺ: " السلام عليكم ورحمة الله" ثم رَجَع رسول الله ﷺ، واتبعه سعد فقال: يا رسول الله، إني كنت أسمع تسليمك، وأرد عليك ردّا خفيًا، لتكثر علينا من السلام. قال: فانصرف معه [رسول الله ﷺ، فأمر له سعد بغسل، فاغتسل، ثم ناوله ملْحَفَة مصبوغة] بزعفران -أو: وَرس -فاشتمل بها، ثم رفع رسول الله ﷺ يديه وهو يقول: "اللهم اجعل صلاتك ورحمتك على آل سعد بن عبادة". قال: ثم أصاب رسول الله ﷺ من الطعام، فلما أراد الانصراف قرّب إليه سعد حمارًا قد وَطَّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس، اصحب رسول
الله ﷺ. قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: "اركب". فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف".
وَطَّأ عليه بقطيفة، فركب رسول الله ﷺ فقال سعد: يا قيس، اصحب رسول
الله ﷺ. قال قيس: فقال رسول الله ﷺ: "اركب". فأبيت، فقال: "إما أن تركب وإما أن تنصرف". قال: فانصرفت.
وقد روي هذا من وجه آخر فهو حديث جيد قويّ، والله أعلم.
ثم ليُعْلمْ أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليَكن البابُ، عن يمينه أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مُؤَمَّل بن الفضل الحراني -في آخرين -قالوا: حدثنا بَقيَّة، حدثنا محمد بن عبد الرحمن، عن عبد الله بن بُسْر قال: كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: "السلام عليكم، السلام عليكم". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور.
تى باب قوم، لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر، ويقول: "السلام عليكم، السلام عليكم". وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذ ستور. تَفَرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، حدثنا جرير، (ح) قال أبو داود: وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هُزَيل قال: جاء رجل -قال عثمان: سعد -فوقف على باب النبي ﷺ يستأذن، فقام على الباب -قال عثمان: مستقبل الباب -فقال له النبي ﷺ: "هكذا عنك -أو: هكذا -فإنما الاستئذان من النظر".
وقد رواه أبو داود الطيالسي، عن سفيان الثوري، عن الأعمش عن طلحة بن مُصَرّف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ. رواه أبو داود من حديثه.
وفي الصحيحين، عن رسول الله ﷺ أنه قال: "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فَخَذَفته بحصاة، ففقأت عينه، ما كان عليك من جناح".
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيتُ النبي ﷺ في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "من ذا"؟ قلت: أنا.
عليك من جناح".
وأخرج الجماعة من حديث شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر قال: أتيتُ النبي ﷺ في دَين كان على أبي، فدققت الباب، فقال: "من ذا"؟ قلت: أنا. قال: "أنا، أنا" كأنه كرهه.
وإنما كره ذلك لأن هذه اللفظة لا يُعرَف صاحبها حتى يُفصح باسمه أو كنيته التي هو مشهور بها، وإلا فكل أحد يُعبِّر عن نفسه بـ"أنا"، فلا يحصل بها المقصود من الاستئذان، الذي هو الاستئناس المأمور به في الآية.
وقال العَوْفي، عن ابن عباس: الاستئناس: الاستئذان. وكذا قال غيرُ واحد.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن بَشَّار، حدثنا محمد بن جعفر، حدثنا شعبة، عن أبي بِشْر، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس في هذه الآية: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا
وَتُسَلِّمُوا) قال: إنما هي خطأ من الكاتب، "حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا".
وهكذا رواه هُشَيم، عن أبي بشر -وهو جعفر بن إياس -به.
ى تَسْتَأْنِسُوا
وَتُسَلِّمُوا) قال: إنما هي خطأ من الكاتب، "حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا".
وهكذا رواه هُشَيم، عن أبي بشر -وهو جعفر بن إياس -به. وروى معاذ بن سليمان، عن جعفر بن إياس، عن سعيد، عن ابن عباس، بمثله، وزاد: وكان ابن عباس يقرأ: "حَتَّى تَسْتَأذنُوا وَتُسَلِّمُوا"، وكان يقرأ على قراءة أبي بن كعب ﵁.
وهذا غريب جدًّا عن ابن عباس.
وقال هُشَيْم أخبرنا مغيرة، عن إبراهيم قال: في مصحف ابن مسعود: "حتى تسلموا على أهلها وتستأذنوا". وهذا أيضًا رواية عن ابن عباس، وهو اختيار ابن جرير.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا رَوْح، حدثنا ابن جُرَيْج، أخبرني عمرو بن أبي سفيان: أن عمرو بن أبي صفوان أخبره، أن كَلَدَةَ بن الحنبل أخبره، أن صفوان بن أمية بعثه في الفتح بِلبَأ وجَدَايَة وضَغَابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي. قال: فدخلتُ عليه ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ: "ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟
بعثه في الفتح بِلبَأ وجَدَايَة وضَغَابيس، والنبي ﷺ بأعلى الوادي. قال: فدخلتُ عليه ولم أسلم ولم أستأذن. فقال النبي ﷺ: "ارجع فقل: السلام عليكم، أأدخل؟ " وذلك بعدما أسلم صفوان.
ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديث ابن جريج، به وقال الترمذي: حسن غريب، لا نعرفه إلا من حديثه.
وقال أبو داود: حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا أبو الأحوَص، عن منصور، عن رِبْعي قال: حدثنا رجل من بني عامر استأذن على النبي ﷺ، وهو في بيته، فقال: أألج؟ فقال النبي ﷺ لخادمه: "اخرج إلى هذا فعلِّمه الاستئذان، فقل له: قل: السلام عليكم، أأدخل؟ " فسمعه الرجل فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ فأذن له النبي ﷺ، فدخل.
وقال هُشَيْم: أخبرنا منصور، عن ابن سِيرِين -وأخبرنا يونس بن عبيد، عن عَمْرو بن سعيد الثقفي -أن رجلا استأذن على النبي ﷺ فقال: أألج -أو: أنلج؟ -فقال النبي ﷺ لأمة له، يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم، أأدخل".
ى النبي ﷺ فقال: أألج -أو: أنلج؟ -فقال النبي ﷺ لأمة له، يقال لها روضة: "قومي إلى هذا فعلميه، فإنه لا يحسن يستأذن، فقولي له يقول: السلام عليكم، أأدخل". فسمعها الرجل، فقالها، فقال: "ادخل".
وقال الترمذي: حدثنا الفضل بن الصباح، حدثنا سعيد بن زكريا، عن عَنْبَسَة بن عبد الرحمن، عن محمد بن زاذان، عن محمد بن المنْكَدِر، عن جابر بن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "السلام قبل الكلام".
ثم قال الترمذي: عنبسة ضعيف الحديث ذاهب، ومحمد بن زاذان مُنكَر الحديث.
وقال هُشَيْم: قال مغيرة: قال مجاهد: جاء ابن عمر من حاجة، وقد آذاه الرمضاء، فأتى فُسْطَاط امرأة من قريش، فقال: السلام عليكم، أأدخل؟ قالت: ادخل بسلام. فأعاد، فأعادت،
وهو يُرَاوح بين قدميه، قال: قولي: ادخل. قالت: ادخل، فدخل.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو نعيم الأحول، حدثنا خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن [على عائشة] فقلت: ندخل؟ قالت: لا قلن لصاحبتكن: تستأذن. فقالت: السلام عليكم، أندخل؟
نا خالد بن إياس، حدثتني جدتي أم إياس قالت: كنت في أربع نسوة نستأذن [على عائشة] فقلت: ندخل؟ قالت: لا قلن لصاحبتكن: تستأذن. فقالت: السلام عليكم، أندخل؟ قالت: ادخلوا، ثم قالت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) [الآية].
وقال هُشَيْم: أخبرنا أشعث بن سَوَّار، عن كُرْدُوس، عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. قال أشعث، عن عدي بن ثابت: إن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال؟
الت: يا رسول الله، إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها، والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليَّ رجل من أهلي، وأنا على تلك الحال؟ قال: فنزلت: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا).
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس، ﵁، قال: ثلاث آيات جَحَدها الناس: قال الله: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: ١٣]، قال: ويقولون: إن أكرمهم عند الله أعظمهم بيتًا. قال: والإذن كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري، معي في بيت واحد؟ قال: نعم. فرددت ليرخِّص لي، فأبى. قال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا. قال: فاستأذن. قال: فراجعته أيضًا، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم. قال: فاستأذن.
قال ابن جُرَيْج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عريتها من ذات محرم.
يضًا، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قلت: نعم. قال: فاستأذن.
قال ابن جُرَيْج: وأخبرني ابن طاوس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إلي أن أرى عريتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك.
وقال ابن جريج، عن الزهري: سمعت هُزَيل بن شُرَحْبِيل الأوْدِيّ الأعمى، أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإذن على أمهاتكم.
وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا.
وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا القاسم، [قال] حدثنا الحسين، حدثنا محمد بن حازم، عن الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن يحيى بن الجزار، عن ابن أخي زينب -امرأة عبد الله بن مسعود -، عن زينب، ﵂، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق؛ كراهية أن يهجُم منا على أمر يكرهه.
أخي زينب -امرأة عبد الله بن مسعود -، عن زينب، ﵂، قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة فانتهى إلى الباب، تنحنح وبزق؛ كراهية أن يهجُم منا على أمر يكرهه. إسناد صحيح.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سِنَان الواسطي، حدثنا عبد الله بن نُمَيْر، حدثنا
الأعمش، عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي هُبَيْرة قال: كان عبد الله إذا دخل الدار استأنس -تكلم ورفع صوته.
[و] قال مجاهد: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: تنحنحوا -أو تَنَخَّموا.
وعن الإمام أحمد بن حنبل، ﵀، أنه قال: إذا دخل الرجل بيته، استحب له أن يتنحنح، أو يحرك نعليه.
ولهذا جاء في الصحيح، عن رسول الله ﷺ: أنه نَهَى أن يطرق الرجل أهلَه طُروقًا -وفي رواية: ليلا يَتَخوَّنهم.
وفي الحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا، فأناخ بظاهرها، وقال: "انتظروا حتى تدخل عشاء -يعني: آخر النهار -حتى تمتشط الشَّعثَة وتستحدّ المُغَيبة".
لحديث الآخر: أن رسول الله ﷺ قدم المدينة نهارًا، فأناخ بظاهرها، وقال: "انتظروا حتى تدخل عشاء -يعني: آخر النهار -حتى تمتشط الشَّعثَة وتستحدّ المُغَيبة".
وقال ابن أبي حاتم: حدَّثنا أبي، حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة، حدثنا عبد الرحمن بن سليمان، عن واصل بن السائب، حدَّثني أبو سَوْرة ابن أخي أبي أيوب، عن أبي أيوب قال: قلت: يا رسول الله، هذا السلام، فما الاستئناس؟ قال: "يتكلم الرجل بتسبيحة وتكبيرة وتحميدة، ويتنحنح فَيؤذنُ أهل البيت". هذا حديث غريب.
وقال قتادة في قوله: (حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا) قال: هو الاستئذان. [قال: وكان يقال: الاستئذان] ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن، فليرجع. أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا رَدّوا.
الاستئذان] ثلاث، فمن لم يؤذن له فيهن، فليرجع. أما الأولى: فليسمع الحي، وأما الثانية: فليأخذوا حذرهم، وأما الثالثة: فإن شاءوا أذنوا وإن شاءوا رَدّوا. ولا تَقِفَنَّ على باب قوم ردوك عن بابهم؛ فإن للناس حاجات ولهم أشغال، والله أولى بالعذر.
وقال مقاتل بن حيَّان في قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا) كان الرجل في الجاهلية إذا لقي صاحبه، لا يسلم عليه، ويقول: حُيِّيتَ صباحًا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم. وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: "قد دخلتُ".
احبه، لا يسلم عليه، ويقول: حُيِّيتَ صباحًا وحييت مساء، وكان ذلك تحية القوم بينهم. وكان أحدهم ينطلق إلى صاحبه فلا يستأذن حتى يقتحم، ويقول: "قد دخلتُ". فيشق ذلك على الرجل، ولعله يكون مع أهله، فغَيَّر الله ذلك كله، في ستر وعفة، وجعله نقيًا نزهًا من الدنس والقذر والدرَن، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا).
وهذا الذي قاله مقاتل حسن؛ ولهذا قال: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يعني: الاستئذان خير لكم، بمعنى: هو خير للطرفين: للمستأذن ولأهل البيت، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
قاله مقاتل حسن؛ ولهذا قال: (ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ) يعني: الاستئذان خير لكم، بمعنى: هو خير للطرفين: للمستأذن ولأهل البيت، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).
وقوله: (فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فِيهَا أَحَدًا فَلا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ)، وذلك لما فيه من التصرف في ملك الغير بغير إذنه، فإن شاء أذن، وإن شاء لم يأذن (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: إذا رَدُّوكم من الباب قبل الإذن أو بعده (فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ) أي: رجوعكم أزكى لكم وأطهر (وَاللهُ بِمَا تَعْملُونَ عَلِيم).
وقال قتادة: قال بعض المهاجرين: لقد طلبتُ عمري كلَّه هذه الآية فما أدركتها: أن أستأذنَ على بعض إخواني، فيقول لي: "ارجع"، فأرجع وأنا مغتبط [لقوله]، (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
وقال سعيد بن جبير: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) أي: لا تقفوا على أبواب الناس.
هُوَ أَزْكَى لَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ).
وقال سعيد بن جبير: (وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا) أي: لا تقفوا على أبواب الناس.
وقوله: (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا تَكْتُمُونَ) هذه الآية الكريمة أخصُّ من التي قبلها، وذلك أنها تقتضي جواز الدخول إلى البيوت التي ليس فيها أحد، إذا كان له فيها متاع، بغير إذن، كالبيت المعد للضيف، إذا أذن له فيه أول مرة، كفى.
قال ابن جريج: قال ابن عباس: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ)، ثم نسخ واستثني فقال (لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ مَسْكُونَةٍ فِيهَا مَتَاعٌ لَكُمْ): وكذا روي عن عكرمة، والحسن البصري.
وقال آخرون: هي بيوت التجار، كالخانات ومنازل الأسفار، وبيوت مكة، وغير ذلك. واختار ذلك ابن جرير، وحكاه، عن جماعة. والأول أظهر، والله أعلم.
وقال مالك عن زيد بن أسلم: هي بيوت الشَّعر.
قوله تعالى: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (٢٧)﴾.
اعلم أن هذه الآية الكريمة أشكلت على كثير من أهل العلم، وذلك من أجل التعبير عن الاستئذان بالاستئناس، مع أنهما مختلفان في المادة والمعنى.
وقال ابن حجر في الفتح: وحكى الطحاوي: أن الاستئناس في لغة اليمن: الاستئذان.
وفي تفسير هذه الآية الكريمة بما يناسب لفظها وجهان، ولكل منهما شاهد من كتاب الله تعالى.
الوجه الأول: أنه من الاستئناس الظاهر الذي هو ضد الاستيحاش؛ لأن الذي يقرع باب غيره لا يدري أيؤذن له أم لا، فهو كالمستوحش من خفاء الحال عليه، فإذا أذن له استأنس وزال عنه الاستيحاش، ولما كان الاستئناس لازمًا للإِذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإِذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف, والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل.
ا للإِذن أطلق اللازم، وأريد ملزومه الذي هو الإِذن، وإطلاق اللازم، وإرادة الملزوم أسلوب عربي معروف, والقائلون بالمجاز يقولون: إن ذلك من المجاز المرسل. وعلى أن هذه الآية أطلق فيها اللازم الذي هو الاستئناس وأريد ملزومه الذي هو الإذن يصير المعنى: حتى تستأذنوا. ويشهد لهذا المعنى قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾ وقوله تعالى بعده: ﴿فَلَا تَدْخُلُوهَا حَتَّى يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.
وقال الزمخشري في هذا الوجه بعد أن ذكره: وهذا من قبيل الكناية، والإِرداف؛ لأن هذا النوع من الاستئناس يردف الإِذن، فوضع موضع الإِذن.
الوجه الثاني في الآية: هو أن يكون الاستئناس بمعنى الاستعلام، والاستكشاف. فهو استفعال من آنس الشيء إذا أبصره ظاهرًا مكشوفًا أو علمه.
والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنسْ هل ترى أحدًا، واستأنستُ فلم أر
أحدًا، أي: تعرفت واستعلمت.
فًا أو علمه.
والمعنى: حتى تستعلموا وتستكشفوا الحال، هل يؤذن لكم أو لا؟ وتقول العرب: استئنسْ هل ترى أحدًا، واستأنستُ فلم أر
أحدًا، أي: تعرفت واستعلمت. ومن هذا المعنى قوله تعالى: ﴿فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ﴾ أي: علمتم رشدهم وظهر لكم، وقوله تعالى عن موسى: ﴿إِنِّي آنَسْتُ نَارًا لَعَلِّي آتِيكُمْ مِنْهَا بِقَبَسٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿فَلَمَّا قَضَي مُوسَى الْأَجَلَ وَسَارَ بِأَهْلِهِ آنَسَ مِنْ جَانِبِ الطُّورِ نَارًا﴾ الآية، فمعنى آنس نارًا: رآها مكشوفة. ومن هذا المعنى قول نابغة ذبيان:
كأن رحلي وقد زال النهار بنا ... بذي الجليل على مستأنس وحد
من وحش وجرة موشى أكارعه ... طاوي المصير كسَيْفِ الصيقل الفرد
فقوله: على مستأنس يعني: حمار وحش شبه به ناقته. ومعنى كونه مستأنسًا أنه يستكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضًا قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته.
آنست نبأة وأفزعها القنا ...
تكشف، ويستعلم القانصين بشمه ريحهم وحدة بصره في نظره إليهم. ومنه أيضًا قول الحارث بن حلزة اليشكري يصف نعامة شبه بها ناقته.
آنست نبأة وأفزعها القنا ... ص عصرًا وقد دنا الإِمساء
فقوله: آنست نبأة، أي: أحست بصوت خفي.
وهذا الوجه الذي هو أن معنى تستأنسوا تستكشفوا وتستعلموا، هل يؤذن لكم، وذلك الاستعلام والاستكشاف إنما يكون بالاستئذان، أظهر عندي وإن استظهر بعض أهل العلم الوجه الأول. وهناك وجه ثالث في تفسير الآية تركناه لعدم اتجاهه عندنا.
وبما ذكرنا تعلم أنما يروى عن ابن عباس وغيره من أن أصل الآية: حتى تستأذنوا وأن الكاتبين غلطوا في كتابتهم، فكتبوا تستأنسوا غلطًا بدل تستأذنوا لا يعول عليه، ولا يمكن أن يصح عن ابن عباس، وإن صحح سنده عنه بعض أهل العلم. ولو فرضنا صحته فهو من
القراءات التي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة ﵃ أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا.
ي نسخت وتركت، ولعل القارئ بها لم يطلع على ذلك؛ لأن جميع الصحابة ﵃ أجمعوا على كتابة تستأنسوا في جميع نسخ المصحف العثماني، وعلى تلاوتها بلفظ: تستأنسوا. ومضي على ذلك إجماع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها في مصاحفهم وتلاوتهم من غير نكير. والقرآن العظيم تولى الله تعالى حظه من التبديل والتغيير، كما قال تعالى: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ (٩)﴾ وقال فيه: ﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (٤٢)﴾ وقال تعالى: ﴿لَا تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ (١٦) إِنَّ عَلَيْنَا جَمْعَهُ وَقُرْآنَهُ (١٧)﴾ الآية.
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: اعلم أن هذه الآية الكريمة دلت بظاهرها على أن دخول الإِنسان بيت غيره بدون الاستئذان والسلام لا يجوز لأن قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول.
لا يجوز لأن قوله: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ الآية، نهي صريح، والنهي المتجرد عن القرائن يفيد التحريم على الأصح، كما تقرر في الأصول.
المسألة الثانية: اعلم أن الاستئذان ثلاث مرات، يقول المستأذن في كل واحدة منها: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له عند الثالثة، فليرجع، ولا يزد على الثلاث. وهذا لا ينبغي أن يختلف فيه؛ لأنه ثابت عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد، عن أبي سعيد الخدري ﵁ قال: كنت في مجلس من مجالس
الأنصار إذ جاء أبو موسى كأنه مذعور فقال: استأذنت على عمر ثلاثًا فلم يؤذن لي، فرجعت قال: ما منعك؟ قلت: استأذنت ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال: واللَّه لتقيمن عليه بينة؛ أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟
ثلاثًا فلم يؤذن لي فرجعت، وقال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال: واللَّه لتقيمن عليه بينة؛ أمنكم أحد سمعه من النبي ﷺ ؟ فقال أبي بن كعب: واللَّه لا يقوم معك إلَّا أصغر القوم، فكنت أصغر القوم فقمت معه، فأخبرت عمر أن النبي ﷺ قال ذلك.
وقال ابن المبارك: أخبرني ابن عيينة: حدثني يزيد بن خصيفة عن بسر سمعت أبا سعيد بهذا. اهـ بلفظه من صحيح البخاري. وهو نص صحيح صريح عن النبي ﷺ أن الاستئذان ثلاث مرات، فإن لم يؤذن له بعد الثالثة رجع.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد، حدثنا سفيان بن عيينة، حدثنا واللَّه يزيد بن خصيفة، عن بسر بن سعيد قال: سمعت أبا سعيد الخدري ﵁ يقول: كنت جالسًا بالمدينة في مجلس الأنصار فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا فلم يرد عليّ فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟
ر فأتانا أبو موسى فزعًا أو مذعورًا قلنا: ما شأنك؟ قال: إن عمر أرسل إليَّ أن آتيه فأتيت بابه، فسلمت ثلاثًا فلم يرد عليّ فرجعت فقال: ما منعك أن تأتينا؟ فقلت: إنني أتيتك، فسلمت على بابك ثلاثًا، فلم يردوا عليّ فرجعت، وقد قال رسول الله ﷺ : "إذا استأذن أحدكم ثلاثًا فلم يؤذن له فليرجع" فقال عمر: أقم عليها البينة، وإلَّا أوجعتك. فقال أبي بن كعب: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم. قال أبو سعيد: قلت: أنا أصغر القوم، قال: فاذهب به. حدثنا قتيبة بن سعيد وابن أبي عمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة بهذا
الإِسناد. وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت. اهـ بلفظه من صحيح مسلم.
عمر قالا: حدثنا سفيان، عن يزيد بن خصيفة بهذا
الإِسناد. وزاد ابن أبي عمر في حديثه: قال أبو سعيد: فقمت معه فذهبت إلى عمر فشهدت. اهـ بلفظه من صحيح مسلم. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد قال: فواللَّه لأوجعن ظهرك وبطنك أو لتأتين بمن يشهد لك على هذا، فقال أبي بن كعب: فواللَّه لا يقوم معك إلَّا أحدثنا سنًا، قم يا أبا سعيد فقمت حتى أتيت عمر فقلت: قد سمعت رسول الله ﷺ يقول هذا.
وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي سعيد فقال: إن كان هذا شيئًا حفظته من رسول الله ﷺ فها، وإلَّا فلأجعلنك عظة. قال أبو سعيد: فأتانا فقال: ألم تعلموا أن رسول الله ﷺ قال: الاستئذان ثلاث. قال: فجعلوا يضحكون، قال: فقلت: أتاكم أخوكم المسلم قد أفزع، تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد.
وفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا. . .
أفزع، تضحكون، انطلق فأنا شريكك في هذه العقوبة فأتاه، فقال هذا أبو سعيد.
وفي لفظ عند مسلم من حديث عبيد بن عمير أن أبا موسى استأذن على عمر ثلاثًا. . . إلى قوله: قال لتقيمن على هذا بينة، أو لأفعلن، فخرج فانطلق إلى مجلس من الأنصار، فقالوا: لا يشهد لك على هذا إلَّا أصغرنا، فقام أبو سعيد، فقال: كنا نؤمر بهذا، فقال عمر: خفي عليّ هذا من أمر رسول الله ﷺ ، ألهاني عنه الصفق في الأسواق. وفي لفظ عند مسلم من حديث أبي موسى الأشعري ﵁ قال: لتأتيني على هذا وإلَّا فعلت وفعلت، فذهب أبو موسى. قال عمر: إن وجد بينة تجدوه عند المنبر عشية، وإن لم يجد بينة فلم تجدوه، فلما أن جاء العشي وجدوه؛ قال: يا أبا موسى ما تقول أقد وجدت؟ قال: نعم أبي بن كعب ﵁. قال: عدل، يا أبا الطفيل ما يقول هذا؟ قال: سمعت
رسول الله ﷺ يقول ذلك يابن الخطاب، فلا تكونن عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت. وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر أنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟
بًا على أصحاب رسول الله ﷺ ، قال: سبحان الله! إنما سمعت شيئًا فأحببت أن أتثبت. وفي لفظ لمسلم: أن عمر قال لأبي: يا أبا المنذر أنت سمعت من رسول الله ﷺ ؟ فقال: نعم، فلا تكن يابن الخطاب عذابًا على أصحاب رسول الله ﷺ . وليس في هذه الرواية قول عمر سبحان الله، وما بعده.
فهذه الروايات الصحيحة عن أبي سعيد، وأبي موسى، وأبي بن كعب ﵃ تدل دلالة صحيحة صريحة على أن الاستئذان ثلاث.
وقال النووي في شرح مسلم: وأما قوله: لا يقوم معه إلَّا أصغر القوم، فمعناه أن هذا حديث مشهور بيننا معروف لكبارنا، وصغارنا، حتى إن أصغرنا يحفظه وسمعه من رسول الله ﷺ . اهـ منه.
والظاهر منه كما قال. وهذه الروايات الصحيحة الصريحة تبين أن هذا الاستئذان المعبر عنه في الآية بالاستئناس، والسلام المذكور فيها لا يزاد فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثًا؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه.
فيه على ثلاث مرات، وأن الاستئناس المذكور في الآية هو الاستئذان المكرر ثلاثًا؛ لأن خير ما يفسر به كتاب الله بعد كتاب الله سنة رسول الله ﷺ الثابتة عنه. وبذلك تعلم أنما قاله ابن حجر في فتح الباري من أن المراد بالاستئناس في قوله تعالى: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾: الاستئذان بتنحنح، ونحوه عند الجمهور خلاف التحقيق. وما استدل به لذلك من رواية الطبري من طريق مجاهد تفسير الآية بما ذكر إلى آخر ما ذكر من الأدلة لا يعول عليه، وأن الحق هو ما جاءت به الروايات الصحيحة من الاستئذان والتسليم ثلاثًا كما رأيت.
وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال. الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثًا. . . إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال.
وأن الصواب في ذلك هو ما نقله ابن حجر عن الطبري من طريق قتادة، قال. الاستئناس: هو الاستئذان ثلاثًا. . . إلى آخره. والرواية الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال. الاستئذان ثلاث يؤيدها أنه ﷺ كذلك كان يفعل.
قال ابن حجر في الفتح: وفي رواية عبيد بن حنين التي أشرت إليها في الأدب المفرد زيادة مفيدة، وهي أن أبا سعيد، أو أبا مسعود قال لعمر: خرجنا مع النبي ﷺ وهو يريد سعد بن عبادة، حتى أتاه فسلم، فلم يؤذن له، ثم سلم الثانية فلم يؤذن له، ثم سلم الثالثة، فلم يؤذن له. فقال: قضينا ما علينا، ثم رجع فأذن له سعد. الحديث. فثبت ذلك من قوله ﷺ ومن فعله. وقصة سعد بن عبادة هذه أخرجها أبو داود من حديث قيس بن سعد بن عبادة مطولة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره. كذا فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد. اهـ محل الغرض منه.
لة بمعناه، وأحمد من طريق ثابت، عن أنس أو غيره. كذا فيه، وأخرجه البزار عن أنس بغير تردد، وأخرجه الطبراني من حديث أم طارق مولاة سعد. اهـ محل الغرض منه. وقوله: فثبت ذلك من قوله ﷺ ، ومن فعله يدل على أن قصة استئذانه ﷺ على سعد بن عبادة صحيحة ثابتة.
وقال ابن كثير في تفسير هذه الآية: وقال الإِمام أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا عمر، عن ثابت، عن أنس أو غيره "أن النبي ﷺ استأذن على سعد بن عبادة فقال: السلام عليك ورحمة الله، فقال سعد: وعليك السلام ورحمة الله، ولم يسمع النبي ﷺ حتى سلم ثلاثًا ورد عليه سعد ثلاثًا ولم يسمعه فرجع النبي ﷺ فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله ﷺ بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلَّا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من
ثًا ولم يسمعه فرجع النبي ﷺ فاتبعه سعد فقال: يا رسول الله ﷺ بأبي أنت وأمي، ما سلمت تسليمة إلَّا وهي بأذني، ولقد رددت عليك ولم أسمعك، وأردت أن أستكثر من
سلامك ومن البركة، ثم أدخله البيت فقرب إليه زبيبًا فأكل النبي ﷺ ، فلما فرغ قال: "أكل طعامكم الأبرار وصلَّت عليكم الملائكة وأفطر عندكم الصائمون" وقد روي أبو داود والنسائي من حديث أبي عمرو الأوزاعي سمعت يحيى بن أبي كثير يقول: حدثني محمد بن عبد الرحمن بن أسعد بن زرارة، عن قيس بن سعد هو ابن عبادة قال: "زارنا رسول الله ﷺ في منزلنا فقال: السلام عليكم ورحمة الله فرد سعدًا ردًا خفيًا، فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردًا خفيًا.
ه فرد سعدًا ردًا خفيًا، فقلت: ألا تأذن لرسول الله ﷺ ، فقال: دعه يكثر علينا من السلام، فقال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، فرد سعد ردًا خفيًا. ثم قال رسول الله ﷺ : السلام عليكم ورحمة الله، ثم رجع رسول الله ﷺ وأتبعه سعد، فقال: يا رسول الله إني كنت أسمع سلامك، وأرد عليك ردًا خفيًا؛ لتكثر علينا من السلام فانصرف معه رسول الله ﷺ " وذكر ابن كثير القصة إلى آخرها ثم قال: وقد روي هذا من وجوه أخر، فهو حديث جيد قوي. واللَّه أعلم.
وبما ذكرنا تعلم أن الاستئناس في الآية الاستئذان ثلاثًا، وليس المراد به التنحنح ونحوه، كما عزاه في فتح الباري للجمهور. واختلف هل يقدم السلام أو الاستئذان؟
وقال النووي في شرح مسلم: أجمع العلماء على أن الاستئذان مشروع، وتظاهرت به دلائل القرآن والسنَّة وإجماع الأمة، والسنَّة أن يسلم ويستأذن ثلاثًا فيجمع بين السلام، والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام، والصحيح الذي جاءت به السنَّة.
لسلام، والاستئذان، كما صرح به القرآن، واختلفوا في أنه هل يستحب تقديم السلام ثم الاستئذان، أو تقديم الاستئذان ثم السلام، والصحيح الذي جاءت به السنَّة. وقاله المحققون: إنه يقدم السلام، فيقول: السلام عليكم أأدخل؟
والثاني: يقدم الاستئذان، والثالث وهو اختيار الماوردي من أصحابنا: إن وقعت عين المستأذن على صاحب المنزل قبل دخوله قدم السلام، وإلَّا قدم الاستئذان، وقد صح عن النبي ﷺ حديثان في تقديم السلام. انتهي محل الغرض منه بلفظه. ولا يخفي أن ما صح فيه حديثان عن النبي ﷺ مقدم على غيره، فلا ينبغي العدول عن تقديم السلام على الاستئذان، وتقديم الاستئناس الذي هو الاستئذان على السلام في قوله: ﴿حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا﴾ لا يدل على تقديم الاستئذان؛ لأن العطف بالواو لا يقتضي الترتيب، وإنما يقتضي مطلق التشريك، فيجوز عطف الأول على الأخير بالواو، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾
، كقوله تعالى: ﴿يَامَرْيَمُ اقْنُتِي لِرَبِّكِ وَاسْجُدِي وَارْكَعِي مَعَ الرَّاكِعِينَ (٤٣)﴾ والركوع قبل السجود، وقوله تعالى: ﴿وَمِنْكَ وَمِنْ نُوحٍ﴾ الآية، ونوح قبل نبينا ﷺ ، وهذا معروف، ولا ينافي ما ذكرنا أن الواو ربما عطف بها مرادًا بها الترتيب كقوله تعالى: ﴿إِنَّ الصَّفَا وَالْمَرْوَةَ﴾ الآية، وقد قال ﷺ : "أبدأ بما بدأ الله به" وفي رواية "ابدأوا بما بدأ الله به" بصيغة الأمر، وكقول حسان ﵁:
هجوت محمدًا وأجبت عنه ... وعند الله في ذاك الجزاء
على رواية الواو في هذا البيت.
وإيضاح ذلك أن الواو عند التجرد من القرائن والأدلة الخارجية لا تقتضي إلَّا مطلق التشريك بين المعطوف، والمعطوف عليه، ولا ينافي ذلك أنه إن قام دليل على إرادة الترتيب في العطف، كالحديث المذكور في البدء بالصفا، أو دلت على ذلك قرينة كالبيت المذكور؛ لأن جواب الهجاء لا يكون إلَّا بعده، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها
لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو.
ن إلَّا بعده، أنها تدل على الترتيب؛ لقيام الدليل أو القرينة على ذلك، والآية التي نحن بصددها
لم يقم دليل راجح، ولا قرينة على إرادة الترتيب فيها بالواو.
وذكر ابن كثير ﵀ في تفسير هذه الآية أحاديث عن النبي ﷺ في السنن وغيرها تدل على أن النبي ﷺ تكرر منه تعليم الاستئذان لمن لا يعلمه، بأن يقول: السلام عليكم أأدخل؟ فانظره. وقد قدمنا أن النووي ذكر أنه صح فيه حديثان عن النبي ﷺ . والمختار أن صيغة الاستئذان التي لا ينبغي العدول عنها أن يقول المستأذن: السلام عليكم أأدخل؟ فإن لم يؤذن له بعد الثالثة انصرف، كما دلت عليه الأدلة.
واعلم أن الأحاديث الواردة في قصة عمر مع أبي موسى في الصحيح في سياقها تغاير؛ لأن في بعضها: أن عمر أرسل إلى أبي موسى بعد انصرافه، فرده من حينه، وفي بعضها أنه لم يأته إلَّا في اليوم الثاني، وجمع بينها ابن حجر في الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلَّا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال. . .
ابن حجر في الفتح قال: وظاهر هذين السياقين التغاير، فإن الأول يقتضي أنه لم يرجع إلى عمر إلَّا في اليوم الثاني، وفي الثاني أنه أرسل إليه في الحال. . . إلى أن قال: ويجمع بينهما: بأن عمر لما فرغ من الشغل الذي كان فيه تذكره فسأل عنه فأخبر برجوعه فأرسل إليه، فلم يجده الرسول في ذلك الوقت وجاء هو إلى عمر في اليوم الثاني. اهـ منه. والعلم عند الله تعالى.
تنبيهات تتعلق بهذه المسألة
الأول: اعلم أن المستأذن إن تحقق أن أهل البيت سمعوه لزمه الانصراف بعد الثالثة؛ لأنهم لما سمعوه، ولم يأذنوا له دل ذلك على عدم الإِذن، وقد بينت السنَّة الصحيحة عدم الزيادة على الثلاثة، خلافًا لمن قال من أهل العلم: إن له أن يزيد على الثلاث مطلقًا،
وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أو لا، فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه بأنهم سمعوه.
له أن يزيد على الثلاث مطلقًا،
وكذلك إذا لم يدر هل سمعوه أو لا، فإنه يلزمه الانصراف بعد الثالثة، كما أوضحنا أدلته ولم يقيد شيء منها بعلمه بأنهم سمعوه.
التنبيه الثاني: اعلم أن الذي يظهر لنا رجحانه من الأدلة، أنه إن علم أن أهل البيت لم يسمعوا استئذانه لا يزيد على الثالثة، بل ينصرف بعدها؛ لعموم الأدلة، وعدم تقييد شيء منها بكونهم لم يسمعوه خلافًا لمن قال له: الزيادة، ومن فصل في ذلك.
وقال النووي في شرح مسلم: أما إذا استأذن ثلاثًا، فلم يؤذن له، وظن أنه لم يسمعه، ففيه ثلاثة مذاهب، أشهرها أنه ينصرف، ولا يعيد الاستئذان. والثاني: يزيد فيه، والثالث: إن كان بلفظ الاستئذان المتقدم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته قوله ﷺ : "فلم يؤذن له فليرجع" ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن.
دم لم يعده، وإن كان بغيره أعاده، فمن قال بالأظهر فحجته قوله ﷺ : "فلم يؤذن له فليرجع" ومن قال بالثاني: حمل الحديث على من علم أو ظن أنه سمعه، فلم يأذن. واللَّه أعلم.
والصواب إن شاء الله تعالى هو ما قدمنا من عدم الزيادة على الثلاث؛ لأنه ظاهر النصوص ولا يجوز العدول عن ظاهر النص إلَّا بدليل يجب الرجوع إليه، كما هو مقرر في الأصول.
التنبيه الثالث: قال بعض أهل العلم: إن المستأذن ينبغي له ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكنه يقف جاعلًا الباب عن يمينه أو يساره، ويستأذن وهو كذلك.
قال ابن كثير: ثم ليعلم أنه ينبغي للمستأذن على أهل المنزل ألا يقف تلقاء الباب بوجهه، ولكن ليكن الباب عن يمينه، أو يساره؛ لما رواه أبو داود: حدثنا مؤمل بن الفضل الحراني في آخرين قالوا: حدثنا بقية بن الوليد، حدثنا محمد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن
بشر قال: "كان رسول الله ﷺ إذا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور.
ا أتى باب قوم لم يستقبل الباب من تلقاء وجهه، ولكن من ركنه الأيمن أو الأيسر ويقول: السلام عليكم، السلام عليكم" وذلك أن الدور لم يكن عليها يومئذٍ ستور. انفرد به أبو داود.
وقال أبو داود أيضًا: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا جرير، ح، وثنا أبو بكر بن شيبة، ثنا حفص، عن الأعمش، عن طلحة، عن هزيل قال: جاء رجل - قال عثمان: سعد - فوقف على باب النبي ﷺ ، يستأذن فقام على الباب، - قال عثمان: مستقبل الباب - فقال له النبي ﷺ : "هكذا عنك، أو هكذا فإنما الاستئذان من النظر" ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ . رواه أبو داود من حديثه.
ا فإنما الاستئذان من النظر" ورواه أبو داود الطيالسي عن سفيان الثوري، عن الأعمش، عن طلحة بن مصرف، عن رجل، عن سعد، عن النبي ﷺ . رواه أبو داود من حديثه. انتهى من ابن كثير.
والحديثان اللذان ذكرهما عن أبي داود نقلناهما من سنن أبي داود؛ لأن نسخة ابن كثير التي عندنا فيها تحريف فيهما.
وفيما ذكرنا دلالة على ما ذكرنا من أن المستأذن لا يقف مستقبل الباب خوفًا أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت.
ب خوفًا أن يفتح له الباب، فيرى من أهل المنزل ما لا يحبون أن يراه، بخلاف ما لو كان الباب عن يمينه أو يساره فإنه وقت فتح الباب لا يرى ما في داخل البيت. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: اعلم أن المستأذن إذا قال له رب المنزل: من أنت، فلا يجوز له أن يقول له: أنا، بل يفصح باسمه وكنيته إن كان مشهورًا به؛ لأن لفظة: أنا يعبر بها كل أحد عن نفسه، فلا تحصل بها معرفة المستأذن، وقد ثبت معنى هذا عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه.
قال البخاري ﵀ في صحيحه: حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك، حدثنا شعبة، عن محمد بن المنكدر، قال: سمعت جابرًا ﵁ يقول: "أتيت النبي ﷺ في دين كان على أبي، فدققت الباب فقال: من ذا؟ فقلت: أنا. فقال: أنا أنا، كأنه كرهها". انتهى منه. وتكريره ﷺ لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن، فهي جواب له ﷺ بما لا يطابق سؤاله.
ال: أنا أنا، كأنه كرهها". انتهى منه. وتكريره ﷺ لفظة: أنا دليل على أنه لم يرضها من جابر؛ لأنها لا يعرف بها المستأذن، فهي جواب له ﷺ بما لا يطابق سؤاله. وظاهر الحديث أن جواب المستأذن بأنا لا يجوز؛ لكراهة النبي ﷺ لذلك وعدم رضاه به خلافًا لمن قال: إنه مكروه كراهة تنزيه، وهو قول الجمهور.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا محمد بن عبد الله بن نمير، حدثنا عبد الله بن إدريس، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله ﵄ قال: "أتيت النبي ﷺ فدعوت فقال النبي ﷺ : من هذا؟ قلت: أنا، فخرج وهو يقول: أنا أنا".
حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو بكر بن أبي شيبة، واللفظ لأبي بكر قال: قال يحيى، أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "استأذنت على النبي ﷺ فقال: من هذا؟
فظ لأبي بكر قال: قال يحيى، أخبرنا، وقال أبو بكر: حدثنا وكيع، عن شعبة، عن محمد بن المنكدر، عن جابر بن عبد الله قال: "استأذنت على النبي ﷺ فقال: من هذا؟ فقلت: أنا، فقال النبي ﷺ : أنا أنا".
وحدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا النضر بن شميل، وأبو عامر العقدي "ح" وحدثنا محمد بن المثنى، حدثني وهب بن جرير "ح" وحدثني عبد الرحمن بن بشر، حدثنا بهز، كلهم عن شعبة بهذا الإِسناد. وفي حديثهم: كأنه كره ذلك، انتهى منه. وقول جابر:
"كأنه كره ذلك" فيه أنه لا يخفى من تكريره ﷺ لفظة أنا أنه كره ذلك ولم يرضه، وحديث جابر هذا أخرجه غير الشيخين من باقي الجماعة.
المسألة الرابعة: اعلم أن الأظهر الذي لا ينبغي العدول عنه أن الرجل يلزمه أن يستأذن على أمه وأخته وبنيه وبناته البالغين؛ لأنه إن دخل على من ذكر بغير استئذان فقد تقع عينه على عورات من ذكر، وذلك لا يحل له.
وقال ابن حجر في فتح الباري في شرحه لحديث: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة.
ر في فتح الباري في شرحه لحديث: إنما جعل الاستئذان من أجل البصر، ما نصه: ويؤخذ منه أنه يشرع الاستئذان على كل أحد حتى المحارم، لئلا تكون منكشفة العورة. وقد أخرج البخاري في الأدب المفرد عن نافع: كان ابن عمر إذا بلغ بعض ولده الحلم لم يدخل عليه إلَّا بإذن. ومن طريق علقمة جاء رجل إلى ابن مسعود فقال: استأذن على أمي؟ فقال. ما على كل أحيانها تريد أن تراها. ومن طريق مسلم بن نذير بالنون مصغرًا سأل رجل حذيفة: أستأذن على أمي؟ فقال: إن لم تستأذن عليها رأيت ما تكره. ومن طريق موسى بن طلحة دخلت مع أبي على أمي فدخل، واتبعته فدفع في صدري، وقال: تدخل بغير إذن؟، ومن طريق عطاء سألت ابن عباس أستأذن على أختي؟ قال: نعم، قلت: إنها في حجري؟ قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري.
وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا.
قال: أتحب أن تراها عريانة؟ وأسانيد هذه الآثار كلها صحيحة. انتهى من فتح الباري.
وهذه الآثار عن هؤلاء الصحابة تؤيد ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. ويفهم من الحديث الصحيح: "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر" فوقوع البصر على عورات من ذكر لا يحل كما ترى.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره للآية التي نحن بصددها: وقال هشيم، أخبرنا أشعث بن سوار، عن كردوس, عن ابن مسعود قال: عليكم أن تستأذنوا على أمهاتكم وأخواتكم. وقال أشعث عن عدي بن ثابت أن امرأة من الأنصار قالت: يا رسول الله ( ﷺ ) إني أكون في منزلي على الحال التي لا أحب أن يراني أحد عليها لا والد ولا ولد، وإنه لا يزال يدخل عليّ رجل من أهل بيتي، وأنا على تلك الحال، فنزلت: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا﴾ الآية.
وقال ابن جريج: سمعت عطاء بن أبي رباح يخبر عن ابن عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال: ويقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتًا. . .
عباس ﵄ قال: ثلاث آيات جحدهن الناس: قال الله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ قال: ويقولون: إن أكرمكم عند الله أعظمكم بيتًا. . . إلى أن قال: والأدب كله قد جحده الناس. قال: قلت: أستأذن على أخواتي أيتام في حجري معي في بيت واحد؟ قال: نعم، فرددت عليه ليرخص لي فأبي، فقال: تحب أن تراها عريانة؟ قلت: لا، قال: فاستأذن، قال: فراجعته، فقال: أتحب أن تطيع الله؟ قال: قلت: نعم، قال: فاستأذن. قال ابن جريج: وأخبرني ابن طاووس عن أبيه قال: ما من امرأة أكره إليَّ أن أرى عورتها من ذات محرم. قال: وكان يشدد في ذلك. وقال ابن جريج عن الزهري، سمعت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن على أمهاتكم. اهـ محل الغرض منه. وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا.
معت هزيل بن شرحبيل الأودي الأعمى أنه سمع ابن مسعود يقول: عليكم الإِذن على أمهاتكم. اهـ محل الغرض منه. وهو يدل على ما ذكرنا من الاستئذان على من ذكرنا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الخامسة: اعلم أنه إن لم يكن مع الرجل في بيته إلَّا امرأته أن الأظهر أنه لا يستأذن عليها، وذلك يفهم من ظاهر قوله
تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ﴾ ولأنه لا حشمة بين الرجل وامرأته. ويجوز بينهما من الأحوال والملابسات ما لا يجوز لأحد غيرهما ولو كان أبًا أو أمًا أو ابنًا كما لا يخفي. ويدل له الأثر الذي ذكرناه آنفًا عن موسى بن طلحة أنه دخل مع أبيه طلحة على أمه فزجره طلحة عن أن يدخل على أمه بغير إذن، مع أن طلحة زوجها دخل بغير إذن.
وقال ابن كثير في تفسيره: وقال ابن جريج: قلت لعطاء: أيستأذن الرجل على امرأته؟ قال: لا. ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلَّا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها.
قال: لا. ثم قال ابن كثير: وهذا محمول على عدم الوجوب، وإلَّا فالأولى أن يعلمها بدخوله ولا يفاجئها به، لاحتمال أن تكون على هيئة لا تحب أن يراها عليها. ثم نقل ابن كثير عن ابن جرير بسنده عن زينب امرأة ابن مسعود قالت: كان عبد الله إذا جاء من حاجة، فانتهى إلى الباب تنحنح وبزق كراهة أن يهجم منا على أمر يكرهه. قال: وإسناده صحيح. اهـ محل الغرض منه. والأول أظهر، ولا سيما عند من يري إباحة نظر الزوج إلى فرج امرأته كمالك وأصحابه ومن وافقهم. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السادسة: إذا قال أهل المنزل للمستأذن: "ارجع" وجب عليه الرجوع؛ لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾ وكان بعض أهل العلم يتمني إذا استأذن على بعض أصدقائه أن يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ لأن ما قال الله: إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيرًا وأجرًا.
ئه أن يقولوا له: ارجع ليرجع، فيحصل له فضل الرجوع المذكور في قوله: ﴿هُوَ أَزْكَى لَكُمْ﴾؛ لأن ما قال الله: إنه أزكى لنا لا شك أن لنا فيه خيرًا وأجرًا. والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة: اعلم أن أقوى الأقوال دليلًا وأرجحها فيمن نظر من كوة إلى داخل منزل قوم ففقأوا عينه التي نظر إليهم بها،
ليطلع عل عوراتهم أنه لا حرج عليهم في ذلك من إثم، ولا غرم دية العين ولا قصاص. وهذا لا ينبغي العدول عنه؛ لثبوته عن النبي ﷺ ثبوتًا لا مطعن فيه، ولذا لم نذكر هنا أقوال من خالف في ذلك من أهل العلم؛ لسقوطها عندنا؛ لمعارضتها النص الثابت عنه ﷺ .
قال البخاري ﵀ في صحيحه: باب من اطلع في بيت قوم ففقأوا عينه فلا دية له، ثم ذكر من أحاديث هذه الترجمة.
حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان، حدثنا أبو الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح". اهـ منه. والجناح الحرج.
اد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال: قال أبو القاسم ﷺ : "لو أن امرأ اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه لم يكن عليك جناح". اهـ منه. والجناح الحرج. وقوله ﷺ في هذا الحديث الصحيح: "لم يكن عليك جناح" لفظ جناح فيه نكرة في سياق النفي، فهي تعم رفع كل حرج من إثم ودية وقصاص كما تري.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثني زهير بن حرب، حدثنا جرير، عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ﵁، عن النبي ﷺ قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه. اهـ منه.
وهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه ﷺ أنهم يحل لهم أن يفقؤوا عينه.
عن النبي ﷺ قال: من اطلع في بيت قوم بغير إذنهم فقد حلَّ لهم أن يفقؤوا عينه. اهـ منه.
وهذا الحديث الصحيح فيه التصريح منه ﷺ أنهم يحل لهم أن يفقؤوا عينه. وكون ذلك حلالًا لهم مستلزم أنهم ليس عليهم فيه شيء من إثم، ولا دية، ولا قصاص؛ لأن كل ما أحله الله على لسان نبيه ﷺ لا مؤاخذة على فعله البتة بنوع من أنواع المؤاخذة، كما لا يخفي.
وقال مسلم بن الحجاج رحمه الله تعالى في صحيحه متصلًا بكلامه هذا الذي نقلنا عنه: حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن
أبي الزناد، عن الأعرج عن أبي هريرة ﵁: أن رسول الله ﷺ قال: "لو أن رجلًا اطلع عليك بغير إذن فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح". اهـ منه.
وقد بينا وجه دلالته على أنه لا شيء في عين المذكور، وثبوت هذا عن النبي ﷺ كما رأيت يدل على أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله ﷺ في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم.
أنه لما تعدى وانتهك الحرمة، ونظر إلى بيت غيره دون استئذان، أن الله أذن على لسان رسوله ﷺ في أخذ عينه الخائنة، وأنها هدر لا عقل فيها، ولا قود، ولا إثم. ويزيد ما ذكرنا توكيدًا وإيضاحًا ما جاء عنه ﷺ من أنه هم أن يفعل ذلك.
قال البخاري ﵀ في صحيحه تحت الترجمة المذكورة آنفًا وهي قوله: باب من اطلع بيت قوم ففقؤوا عينه فلا دية له: حدثنا أبو اليمان، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن أنس ﵁: أن رجلًا اطلع في بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، وجعل يختله ليطعنه.
حدثنا قتيبة بن سعيد، حدثنا ليث، عن ابن شهاب، أن سهل بن سعد الساعدي أخبره: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإِذن من قبل البصر". اهـ منه.
ل الله ﷺ مدري يحك به رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: "لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينيك، قال رسول الله ﷺ : إنما جعل الإِذن من قبل البصر". اهـ منه. وقد ذكر البخاري هذه الأحاديث التي ذكرناها عنه هنا في كتاب الديات.
وقد قال في كتاب الاستئذان: باب الاستئذان من أجل البصر: حدثنا علي بن عبد الله، حدثنا سفيان: قال الزهري: حفظته كما أنك هاهنا عن سهل بن سعد قال: اطلع رجل من جحر في حجر
النبي ﷺ ومع النبي ﷺ مدرى يحك بها رأسه فقال: "لو أعلم أنك تنتظر لطعنت به في عينك، إنما جعل الاستئذان من أجل البصر".
حدثنا مسدد، حدثنا حماد بن زيد، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁: أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ ، فقام إليه النبي ﷺ بمشقص أو بمشاقص، فكأني أنظر إليه يختل الرجل ليطعنه. وهذه النصوص الصحيحة تؤيد ما ذكرنا فلا التفات لمن خالفها من أهل العلم، ومن أولها؛ لأن النص لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه.
واعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض.
ولها؛ لأن النص لا يجوز العدول عنه إلَّا لدليل يجب الرجوع إليه.
واعلم أن المشقص بكسر أوله وسكون ثانيه، وفتح ثالثه هو نصل السهم إذا كان طويلًا غير عريض. وقوله في الحديث المذكور: من جحر في حجر النبي ﷺ . الجحر الأول: بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو كل ثقب مستدير في أرض أو حائط. والثاني: بضم الحاء المهملة وفتح الجيم جمع حجرة: وهي ناحية البيت.
وقال مسلم بن الحجاج ﵀ في صحيحه: حدثنا يحيى بن يحيى، وأبو كامل فضيل بن الحسين، وقتيبة بن سعيد، واللفظ ليحيى، وأبي كامل، قال يحيى: أخبرنا، وقال الآخران: حدثنا حماد بن زيدٍ، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه.
ن زيدٍ، عن عبيد الله بن أبي بكر، عن أنس بن مالك ﵁ أن رجلًا اطلع من بعض حجر النبي ﷺ فقام إليه بمشقص أو مشاقص، فكأني أنظر إلى رسول الله ﷺ يختله ليطعنه. وفي لفظ عند مسلم من حديث سهل بن سعد الساعدي: أن رجلًا اطلع في جحر في باب رسول الله ﷺ ، ومع رسول الله ﷺ مدري يحك بها رأسه، فلما رآه رسول الله ﷺ قال: لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به
في عينك، وقال رسول الله ﷺ : "إنما جعل الاستئذان من أجل البصر"، وفي مسلم روايات أخر بهذا المعنى قد اكتفينا منها بما ذكرنا.
وهذه النصوص الصحيحة التي ذكرنا لا ينبغي العدول عنها ولا تأويلها بغير مستند صحيح من كتاب أو سنَّة؛ ولذلك اخترنا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها، وتكون هدرًا، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه.
ا ما جاء فيها من أن تلك العين الخائنة يحل أخذها، وتكون هدرًا، ولم نلتفت إلى قول من أقوال من خالف ذلك، ولا لتأويلهم للنصوص بغير مستند يجب الرجوع إليه. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثامنة: اعلم أن صاحب المنزل إذا أرسل رسولًا إلى شخص ليحضر عنده، فإن أهل العلم قد اختلفوا، هل يكون الإِرسال إليه إذنًا؛ لأنه طلب حضوره بإرساله إليه، وعلى هذا القول إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإِرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا أتي المنزل استئذانًا جديدًا، ولا يكتفي بالإِرسال؟
إذا جاء منزل من أرسل إليه فله الدخول بلا إذن جديد اكتفاء بالإِرسال إليه، أو لا بد من أن يستأذن إذا أتي المنزل استئذانًا جديدًا، ولا يكتفي بالإِرسال؟ وكل من القولين قال به بعض أهل العلم.
واحتج من قال: إن الإِرسال إليه إذن يكفي عن الاستئذان عند إتيان المنزل بما رواه أبو داود في سننه: حدثنا موسى بن إسماعيل، ثنا حماد، عن حبيب وهشام، عن محمد، عن أبي هريرة أن النبي ﷺ قال: "رسول الرجل إلى الرجل إذنه"، حدثنا حسين بن معاذ، ثنا عبد الأعلى، ثنا سعيد، عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة؛ أن رسول الله ﷺ قال: "إذا دعي أحدكم إلى طعام فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن" قال أبو علي اللؤلؤي: سمعت أبا داود يقول: قتادة لم يسمع من أبي رافع شيئًا. اهـ من أبي داود.
قال ابن حجر في فتح الباري: وقد ثبت سماعه منه في
الحديث الذي سيأتي في البخاري في كتاب التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع حدثه. اهـ.
ويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقًا: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن.
التوحيد من رواية سليمان التيمي، عن قتادة: أن أبا رافع حدثه. اهـ.
ويدل لصحة ما رواه أبو داود ورواه البخاري تعليقًا: باب إذا دعي الرجل فجاء هل يستأذن. وقال سعيد عن قتادة، عن أبي رافع، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: هو إذنه. اهـ. ومعلوم أن البخاري لا يعلق بصيغة الجزم إلَّا ما هو صحيح عنده كما قدمناه مرارًا.
وقال ابن حجر في الفتح في حديث كون رسول الرجل إلى الرجل إذنه: له متابع أخرجه البخاري في الأدب المفرد من طريق محمد بن سيرين عن أبي هريرة بلفظ "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وأخرج له شاهدًا موقوفًا على ابن مسعود قال: "إذا دعي الرجل فهو إذنه" وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعًا الآية.
عن أبي هريرة بلفظ "رسول الرجل إلى الرجل إذنه" وأخرج له شاهدًا موقوفًا على ابن مسعود قال: "إذا دعي الرجل فهو إذنه" وأخرجه ابن أبي شيبة مرفوعًا الآية. انتهى محل الغرض منه.
فهذه جملة أدلة من قالوا بأن من دعي لا يستأذن إذا قدم.
وأما الذين قالوا: يستأذن إذا قدم إلى منزل المرسل، ولا يكتفي بإرسال الرسول، فقد احتجوا بما رواه البخاري في صحيحه: حدثنا أبو نعيم، حدثنا عمر بن ذر، وحدثني محمد بن مقاتل، أخبرنا عبد الله، أخبرنا عمر بن ذر، أخبرنا مجاهد عن أبي هريرة ﵁ قال: دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدح فقال: "أبا هرير الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا". اهـ منه.
دخلت مع رسول الله ﷺ فوجد لبنًا في قدح فقال: "أبا هرير الحق أهل الصفة فادعهم إليّ، قال: فأتيتهم، فدعوتهم، فأقبلوا فاستأذنوا فأذن لهم فدخلوا". اهـ منه. قال: هذا الحديث الصحيح صريح في أنه ﷺ أرسل أبا هريرة لأهل الصفة، ولم يكتفوا بالإِرسال عن الاستئذان، ولو كان يكفي عنه لبينه ﷺ ؛ لأنه لا يؤخر البيان عن وقت الحاجة.
ومن أدلة أهل هذا القول ظاهر عموم قوله تعالى: ﴿لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا﴾ الآية؛ لأن ظاهرها يشمل من أرسل إليه وغيره. وقد جمع بعض أهل العلم بين أدلة القولين.
قال ابن حجر في فتح الباري: وجمع المهلب وغيره بتنزيل ذلك على اختلاف حالين إن طال العهد بين الطلب والمجيء احتاج إلى استئناف الاستئذان، وكذا إن لم يطل لكن كان المستدعي في مكان يحتاج معه إلى الإِذن في العادة، وإلَّا لم يحتج إلى استئناف إذن.
وقال ابن التين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط.
ادة، وإلَّا لم يحتج إلى استئناف إذن.
وقال ابن التين: لعل الأول فيمن علم أنه ليس عنده من يستأذن لأجله والثاني بخلافه، قال: والاستئذان على كل حال أحوط. وقال غيره: إن حضر صحبة الرسول أغناه استئذان الرسول، ويكفيه سلام الملاقاة، وإن تأخر عن الرسول احتاج إلى الاستئذان. وبهذا جمع الطحاوي، واحتج بقوله في الحديث: فأقبلوا فاستأذنوا فدل على أن أبا هريرة لم يكن معهم، وإلَّا لقال: فأقبلنا. كذا قال. اهـ كلام ابن حجر. وأقربها عندي الجمع الأخير، ويدل له الحديث المذكور فيه وقوله في حديث أبي داود المتقدم: فجاء مع الرسول فإن ذلك له إذن. والعلم عند الله تعالى.
•