Wahai orang-orang yang beriman! Janganlah kamu memasuki rumah-rumah Nabi kecuali jika kamu diizinkan untuk makan tanpa menunggu waktu masak (makanannya),687) tetapi jika kamu dipanggil maka masuklah dan apabila kamu selesai makan, keluarlah kamu tanpa memperpanjang percakapan. Sesungguhnya yang demikian itu adalah mengganggu Nabi sehingga dia (Nabi) malu kepadamu (untuk menyuruhmu keluar), dan Allah tidak malu (menerangkan) yang benar. Apabila kamu meminta sesuatu (keperluan) kepada mereka (istri-istri Nabi), maka mintalah dari balik tabir. (Cara) yang demikian itu lebih suci bagi hatimu dan hati mereka. Dan tidak boleh kamu menyakiti (hati) Rasulullah dan tidak boleh (pula) menikahi istri-istrinya selama-lamanya setelahnya (Nabi wafat). Sungguh, yang demikian itu sangat besar (dosanya) di sisi Allah
لأصحاب رسول الله ﷺ: يأيُّها الذين آمنوا بالله ورسوله، لا تدخلوا بيوتَ نبيِّ الله إلا أن تُدْعَوْا إلى طعام تَطْعَمُونه، ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يعنى: غير مُنتظرين إدراكه وبلوغه، وهو مصدرٌ من قولهم: قد قد أَنَى هذا الشيءُ يَأنِي إنًى وَأَنْيًا وَأَنَاء. قال الحُطَيئةُ:
وآنيْتُ العَشاء إلى سُهَيْلٍ … أو الشِّعْرَى فَطال بى الأناءُ
وفيه لغةٌ أُخرى، يقالُ: قد آن لك؛ [أي: يَئينُ لك] أَيْنا، ونال لك، وأنالَ لك. ومنه قولُ رُؤبَةَ بن العَجّاجِ.
هاجَتْ وَمِثْلِى نَوْلُه أَن يَرْبَعا … حمامةٌ هاجَتْ حمامًا سُجَّعًا
وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمد بن عمرو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾.
عيسى، وحدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول الله: ﴿إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: مُتَحَيِّنين نُضْجَه.
حدَّثني محمدُ بن سعدٍ، قال: ثى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه: عن ابن عباس: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. يقولُ: غير ناظرين الطعامَ أَن يُصْنَعَ.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادة: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. قال: غير مُتحَيِّنين طعامه.
حدَّثنا ابن عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابن ثورٍ، عن معمرٍ، عن قتادة مثله.
ونصْبُ ﴿غَيْرَ﴾ في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾. لأن الكافَ والميمَ معرفةٌ، و"غيرَ" نكرةٌ، وهي من صفةِ الكافِ، والميمِ.
وكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ في "غيرُ" الجرُّ على الطعامِ، إلا أن تقولَ: أنتم. ويقولُ: ألا ترى أنك لو قلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها.
ِّى البصرةِ يقولُ: لا يجوزُ في "غيرُ" الجرُّ على الطعامِ، إلا أن تقولَ: أنتم. ويقولُ: ألا ترى أنك لو قلت: أبدَى لعبدِ اللَّهِ على امرأةٍ مُبغضًا لها. لم يكَنْ فيه إلا النصبُ، إلا أن تقولَ: مُبْغِضٍ لها هو. لأنك إذا أجريتَ صفتَه عليها، ولم تُظهرِ الضميرَ الذي يدُلُّ على أن الصفةَ له، لم يكنْ كلامًا، لو قلتَ: هذا رجلٌ مع امرأةٍ مُلازمِها. كان لحنًا، حتى ترفَعَ فتقولَ: ملازِمُها. أو تقولَ: مُلازمِها هو. فنجُر.
وَكان بعضُ نحويِّى الكوفةِ يقول: لو جعَلتَ "غيرَ" في قولِه: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ﴾. خَفْضًا كان صوابًا؛ لأن قبلَها الطعامَ وهو نكرةٌ، فيُجعَلُ فعلُهم تابعًا للطعامِ، لرجوعِ ذكرِ الطعامِ في "إناهُ"، كما تقولُ العربُ: رأيتُ زيدًا مع امرأةٍ مُحسِنًا إليها، ومُحسنِ إليها. فمن قال: محسنًا، جعَله من صفةِ زيدٍ، ومَن خفَضه فكأنه قال: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسِنُ إليها.
ُ: رأيتُ زيدًا مع امرأةٍ مُحسِنًا إليها، ومُحسنِ إليها. فمن قال: محسنًا، جعَله من صفةِ زيدٍ، ومَن خفَضه فكأنه قال: رأيتُ زيدًا مع التي يُحسِنُ إليها. فإذا صارت الصلةُ للنكرةِ أتبعَتْها، وإن كانت فعلًا لغيرِ النكرةِ، كما قال الأعشى:
فَقُلْتُ له هذه هاتِها … إِلَيْنَا بِأَدْمَاءَ مُقْتَادِها
فجعَل المقتادَ تابعًا لإعرابِ "بأدماءَ"؛ لأنه بمنزلةِ قولِك: بأدماءَ تقتادُها. فخفَضَه؛ لأنه صلةٌ لها. قال: وقد يُنْشَدُ: "بأدماءِ مقتادِها". بخفضِ الأدماءِ،
لإضافتِها إلى المقتادِ، قال: ومعناه: هاتِها على يَدَى مَن اقتادَها.
َتِى لِلْمَوْتِ أَنْتِ فَمَيِّتٌ … وَهَل لِلنُّفُوسِ المُسْلَماتِ بَقاءُ
ولم يُقلْ: فميِّتٌ أنا. وقال الكسائيُّ: سمِعتُ العربَ تقولُ: يدُكَ باسِطُها. يريدونَ أنت، وهو كثيرٌ في الكلامِ، قال: فعلَى هذا يجوزُ خفضُ "غيرُ".
والصوابُ من القولِ في ذلك عندَنا القولُ بإجازةِ جرِّ ﴿غَيْرَ﴾ في: ﴿غَيْرَ نَاظِرِينَ﴾ في الكلامِ، لا في القراءةِ؛ لما ذكَرنا من الأبياتِ التي حكَيْناها، فأما في القراءةِ فغيرُ جائزٍ في: ﴿غَيْرَ﴾ غيرُ النصبِ؛ لإجماع الحجة من القرأةِ على نصبِها.
وقولُه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا﴾. يقولُ: ولكن إذا دعاكم رسولُ الله ﷺ فادخُلوا البيتَ الذي أذِن لكم بدخولِه، ﴿فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا﴾. يقولُ: فإذا أكَلتُم الطعامَ الذي دُعِيتُم لأكْلِه فانتشِروا، يعنى فتَفرَّقوا واخرُجوا من منزلِهِ، ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: لا تدخُلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ لحديثٍ].
وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. [يقولُ تعالى ذكرُه: لا تدخُلوا بيوتَ النبيِّ إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ غيرَ ناظرين إناهُ وغيرَ مستأنسينَ لحديثٍ]. وقولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. في موضعِ خَفْضٍ عطفًا به على ﴿نَاظِرِينَ﴾، كما يقالُ في الكلامِ: أنت غيرُ ساكتٍ ولا ناطقٍ. وقد يَحتمِلُ أن
يقالَ: ﴿مُسْتَأْنِسِينَ﴾. في موضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾. نصبًا حينئذٍ.
وضعِ نَصْبٍ عطفًا على معنى ﴿نَاظِرِينَ﴾؛ لأن معناه: إلا أن يؤذَنَ لكم إلى طعامٍ لا ناظرين إناهُ، فيكونَ قولُه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ﴾. نصبًا حينئذٍ. والعربُ تفعَلُ ذلك إذا حالت بينَ الأوّلِ والثاني، فترُدُّ الثانيَ أحيانًا على لفظِ الأوّلِ، وأحيانًا على معناه، وقد ذكَر الفرَّاءُ أن أبا القمقامِ أنشدَه:
أجِدَّك لَسْت الدَّهْرَ رَائِىَ رَامَةٍ … ولا عاقِلٍ إِلَّا وأَنْتَ جَنِيبُ
ولَا مُصْعِدٍ في المُصْعِدِينَ لِمَنْعِجٍ … ولا هابطٍ ما عشْتَ هَضْبَ شَطِيبٍ
فردَّ مُصعِدٍ على أن رائىَ فيه باءٌ خافضةٌ، إذ حال بينَه وبينَ المُصْعِدِ بما حالَ بينَهما من الكلامِ.
ومعنى قولِه: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾: ولا مُتحَدِّثين بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ؛ إيناسًا من بعضِكم لبعضٍ به.
كما حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا.
: ثنا عيسى، وحدَّثني الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابن أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾ بعدَ أن تأكُلوا.
واختلَف أهلُ العلمِ في السببِ الذي نزَلت هذه الآيةُ فيه؛ فقال بعضُهم: نزلت بسببِ قومٍ طَعِموا عندَ رسولِ الله ﷺ في وليمةِ زينبَ بنتِ جَحْشٍ، ثم جلَسوا يتحدَّثون في منزلِ رسول الله ﷺ، وبرسول الله ﷺ إلى أهلِه حاجةٌ، فمنَعه الحياءُ من أمْرِهم بالخروجِ من منزلِه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني عمرانُ بنُ موسى القزازُ، قال: ثنا عبدُ الوارثِ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ بنُ صُهَيبٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بَنى رسولُ الله ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ، فَبُعِثْتُ داعيًا إلى الطعامِ، فدعوتُ، فيجئُ القومُ يأكلون ويخرُجون، ثم يجِيءُ القومُ يأكلون ويخرُجون، فقلتُ: يا نبيَّ الله قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه. قال: "ارفَعوا طعامَكم".
، فيجئُ القومُ يأكلون ويخرُجون، ثم يجِيءُ القومُ يأكلون ويخرُجون، فقلتُ: يا نبيَّ الله قد دَعوتُ حتى ما أجِدُ أحدًا أَدْعُوه. قال: "ارفَعوا طعامَكم". وإن زينبَ الجالسةٌ في ناحيةِ البيتِ، وكانت قد أُعطِيتْ جمالًا، وبقِىَ ثلاثةُ نفَرٍ يتحدَّثون في البيتِ، وخرَج رسولُ اللَّهِ ﷺ مُنطلِقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فقال: "السَّلامُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ البَيْتِ". فقالوا: وعليك السلامُ يا رسولَ اللَّهِ، كيف وجَدتَ أهلَك؟ قال: فأتى حُجَرَ نسائِه، فقالوا مثَل ما قالت عائشةُ، فرجَع النبي ﷺ، فإذا الثلاثةُ يتحدَّثون في البيتِ، وكان النبيُّ ﷺ شديدَ الحياءِ، فخرَج النبيُّ ﷺ مُنطلقًا نحوَ حجرةِ عائشةَ، فلا أدرِى أخبَرتْه، أو أُخبِر أن الرهطَ قد خرَجوا، فرجَع حتى وضَع رجلَه في أُسْكُفَّةٍ داخلَ البيتِ، والأخرَى خارِجَه، إِذ أَرْخَى السَّترَ بينى وبينَه، وأُنزِلت آيةُ الحجابِ.
حدَّثني أبو معاويةَ بشرُ بنُ دِحيةَ، قال: ثنا سفيانُ، عن الزهريِّ، عن أنسِ بن
أنه كان ابنَ عشْرِ سنينَ مَقْدَمَ رسولِ الله ﷺ إلى المدينةِ، فكنتُ أعلَمَ الناسِ بشأنِ الحجابِ حينَ أُنزِلَ، [لقد كان أي: أبيُّ بنُ كعبٍ يسألُنى عنه. قال: وكان أولَ ما أُنزِلَ] فِي مُبْتَنَى رسولِ اللَّهِ ﷺ بزينبَ بنتِ جَحْشٍ؛ أصبَح رسولُ الله ﷺ بها عَرُوسًا، فدعا القومَ، فأَصابوا من الطعامِ ثم خرَجوا، وبَقِيَ منهم رَهْطٌ عندَ رسولِ الله ﷺ، فأطالوا المُكْثَ، فقامَ رسولُ اللَّهِ ﷺ فخرَج، وخرَجتُ معه، لكي يخرُجوا، فمشَى رسولُ اللهِ ﷺ ومشَيْتُ معه، حتى جاء عَتَبةَ حجرةِ عائشةَ زَوْحِ النبيِّ ﷺ، ثم ظَنَّ رَسولُ اللَّهِ ﷺ أنهم قد خرَجوا، فرجَع ورَجَعْتُ معه، حتى دخَل على زينبَ، فإذا هم جلوسٌ لم يقوموا، فرجَع رسولُ اللهِ ﷺ، ورجَعْتُ معه، فإذا هم قد خرَجوا، فضرَب بينى وبينَه سِترًا، وأُنزِل الحجابُ.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوتُ المسلمينَ إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحةَ بنَى بزينبَ بنتِ جَحْشٍ،
لحجابُ.
حدَّثنا محمدُ بن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسٍ، قال: دعوتُ المسلمينَ إلى وليمة رسول الله ﷺ، صبيحةَ بنَى بزينبَ بنتِ جَحْشٍ،
فأوسَعهم خبزًا ولحمًا، ثم رجَع كما كان يصنَعُ، فأَتَى حُجَرَ نسائِه فسلَّم عليهنَّ، فَدَعَوْن له، ورجَع إلى بيتِه وأنا معه، فلما انتهَيْنا إلى البابِ إذا رجلان قد جرَى بهما الحديثُ في ناحيةِ البيتِ، فلما أبصَرهما ولَّى راجعًا، فلما رأيا النبيَّ ﷺ ولَّى عن بيتِه، ولَّيا مُسْرِعَين، فلا أَدْرِى أنا أخبَرتُه، أو أُخبِر، فرجَع إلى بيتِه، فأرخَى السِّتْرَ بينى وبينَه، ونزَلت آيةُ الحجابِ.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ الله ﷺ: لو حَجَبْتَ عن أمهاتِ المؤمنين.
حدَّثنا ابن بشارٍ، قال: ثنا ابن أبى عديٍّ، عن حميدٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطابِ: قلتُ لرسولِ الله ﷺ: لو حَجَبْتَ عن أمهاتِ المؤمنين. فإنه يدخُلُ عليك البَرُّ والفاجِرُ، فنزَلت آيةُ الحجابِ.
حدَّثني القاسمُ بنُ بشرِ بن معروفٍ، قال: ثنا سليمانُ بنُ حربٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ زيدٍ، عن أيوبَ، عن أبي قِلابةَ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: أنا أعلَمُ الناسِ بهذه الآيةِ؛ آيةِ الحجابِ، لمّا أُهدِيَتْ زينبُ إلى رسولِ الله ﷺ صنَع طعامًا، ودَعا القومَ، فجاءوا فدخَلوا، وزينبُ مع رسولِ الله ﷺ في البيتِ، وجعَلوا يتحدَّثون، وجعَل رسولُ الله ﷺ يخرُجُ ثم يدخُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
ُلُ وهم قعودٌ، قال: فنزَلت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ﴾ إلى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: فقامَ القومُ، وضُرِب الحجابُ.
حدَّثني عمرُ بنُ إسماعيلَ بن مجالدٍ، قال: ثنا أَبي، عن بيانٍ، عن أنسِ بن مالكٍ، قال: بنَى رسول الله ﷺ بامرأةٍ من نسائِه، فأرسَلَني، فدعوتُ قومًا إلى الطعامِ، فلما أكَلوا وخرَجوا، قامَ رسولُ الله ﷺ مُنطلقًا قبَلَ بيتِ عائشةَ، فرأى رَجُلَيْن جالِسَيْن، فانصَرف راجعًا، فأنزَل الله: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ﴾.
حدَّثنا عمرُو بنُ عليٍّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا المسعوديُّ، قال: ثنا [أبو نَهْشَلٍ]، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ ﷺ بالحجابِ، فقالت زينَبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتَغارُ علينا والوحْىُ ينزِل في بيوتِنا.
]، عن أبي وائلٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: أمَر عمرُ نساءَ النبيِّ ﷺ بالحجابِ، فقالت زينَبُ: يا بنَ الخطابِ، إنك لتَغارُ علينا والوحْىُ ينزِل في بيوتِنا. فأنزَل الله: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
حدَّثني محمدُ بنُ مَرزوقٍ، قال: ثنا أَشْهَلُ بنُ حاتمٍ، قال: ثنا ابن عونٍ، عن عمرِو بن سعيدٍ، عن أنسٍ، قال: وكنتُ مع النبيِّ ﷺ، وكان يَمرُّ على نسائِه. قال: فأُتِى بامرأةٍ عَروسٍ، ثم جاءَ وعندَها قومٌ، فانْطلَق فقضَى حاجتَه واحتَبَس، وعادَ وقد خرَجوا، قال: فدخَل، فأَرْخَى بينى وبينَه سِترًا. قال: فحدَّثتُ أبا طلحةَ، فقال: إن كان كما تقولُ، لينزِلَنَّ في هذا شيءٌ، قال: ونزَلت آيةُ الحجابِ.
وقال آخرون: كان ذلك في بيتِ أُمِّ سَلَمَةَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾.
ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلَا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ﴾. قال: كان هذا في بيتِ أَمِّ سَلَمَةَ، قال: أكَلوا، ثم أَطالُوا الحديثَ، فجعَل النبيُّ ﷺ يدخُلُ ويخرُجُ، ويستَحْيى منهم، والله لا يستَحْيى من الحقِّ.
قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: بلَغنا أنهنَّ أُمِرن بالحجابِ عندَ ذلك.
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾.
هُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. قال: بلَغنا أنهنَّ أُمِرن بالحجابِ عندَ ذلك.
وقولُه: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ﴾. يقولُ: إن دخولَكم بيوتَ النبيِّ، من غيرِ أن يؤذَنَ لكم، وجلوسَكم فيها مُستأنِسين للحديثِ، بعدَ فراغِكم من أكلِ الطعامِ الذي دُعيتم له - كان يؤذِى النبيَّ، فيستَحْيى منكم أن يُخرجَكم منها، إذا قعَدتُم فيها للحديثِ، بعدَ الفراغِ من الطعامِ، أو يمنعَكم من الدخولِ إذا دخَلتم بغيرِ إذنٍ، مع كراهيتِه لذلك منكم، ﴿وَاللَّهُ لَا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقّ﴾ أَن يَتَبَيَّنَ لكم، وإن استَحْيا نبيُّكم، فلم يُبَيَّنْ لكم كراهيتَه ذلك؛ حياءً منكم، ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: وإذا سألتم أزواجَ رسولِ الله ﷺ ونساءَ المؤمنين اللواتي لَسْنَ لكم بأزواجٍ، متاعًا، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
ْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: وإذا سألتم أزواجَ رسولِ الله ﷺ ونساءَ المؤمنين اللواتي لَسْنَ لكم بأزواجٍ، متاعًا، ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾. يقولُ: من وراءِ سِترٍ بينَكم وبينَهن، ولا تدخُلوا عليهن بيوتَهن؛ ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: سؤالُكم إياهن
المتاع، إذا سألتموهن ذلك من وراء حجابٍ - أطهرُ لقلوبكم وقلوبِهن من عوارضِ العين فيها، التي تعرضُ في صدور الرجال من أَمْرِ النساء، وفي صدور النساء من أمر الرجال، وأحْرى من أن لا يكونَ للشيطان عليكم وعليهنَّ سبيلٌ.
وقد قيل: إن سبب أمرِ اللهِ النساء بالحجاب، إنما كان من أجل أن رجلًا كان يأكُلُ مع رسولِ الله وعائشةُ معهما، فأصابت يدُها يد الرجل، فكره ذلك رسول الله ﷺ.
ذكر من قال ذلك
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا هشيمٌ، عن ليثٍ، عن مجاهدٍ: أن رسول الله ﷺ كان يَطعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فكره ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فنزلت آيةُ الحجاب.
وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله ﷺ.
ه ﷺ كان يَطعَمُ ومعه بعضُ أصحابه، فأصابت يدُ رجلٍ منهم يدَ عائشةَ، فكره ذلك رسولُ اللهِ ﷺ، فنزلت آيةُ الحجاب.
وقيل: نزلت من أجل مسألة عمر رسول الله ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا أبو كُرَيب ويعقوبُ، قالا: ثنا هشيمٌ، قال: ثنا حميدٌ الطويلُ. عن أنسٍ، قال: قال عمرُ بنُ الخطاب: قلتُ: يا رسولَ اللَّهِ، إن نساءك يدخُلُ عليهنَّ البرُّ والفاجِرُ، فلو أَمَرتَهن أن يحتَجِبْنَ؟ قال: فنزلت آيةُ الحجاب.
حدَّثني يعقوب، قال: ثنا ابن عليَّةَ، قال: ثنا حميدٌ، عن أنس، عن النبيِّ ﷺ بنحوه.
حدَّثني أحمدُ بنُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنى عمِّي عبدُ اللَّهِ بنُ وَهْبٍ، قال: ثنى يونسُ، عن الزهرى، عن عروة، عن عائشةَ، قالت: إن أزواج النبيِّ ﷺ كُنَّ يَخرُجن بالليل إذا تبرّزْنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمر يقولُ لرسول الله ﷺ: احجب نساءَك. فلم يكُن رسولُ الله ﷺ، يفعَلُ، فخرَجتْ سَوْدة بنت زمعةَ، زوجُ النبيَّ ﷺ، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناكِ يا سودةُ.
نساءَك. فلم يكُن رسولُ الله ﷺ، يفعَلُ، فخرَجتْ سَوْدة بنت زمعةَ، زوجُ النبيَّ ﷺ، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناكِ يا سودةُ. حرصًا أن ينزِلَ الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا ابن نميرٍ، عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشةَ، قالت: خرجت سَوْدةُ لحاجتها، بعد ما ضُرِب علينا الحجابُ، وكانت امرأةً تَفْرَعُ النساء طولًا، فأبصرها عمرُ، فناداها: يا سوْدَةُ، إنك والله ما تخفين علينا، فانظُرى كيف تخرُجين، أو كيف تصنعين؟ فانكفأت، فرجعت إلى رسول الله ﷺ وإنه ليتعَشَّى، فأخبرته بما كان، وما قال لها، وإن في يدِه لَعَرْقًا، فأُوحِى إليه، ثم رفع عنه، وإن العَرْقَ لفى يده، فقال: "قد أُذِن لكنَّ أن تخرُجنَ لحاجتكنَّ".
حدَّثني أحمدُ بن محمدٍ الطوسيُّ، قال: ثنا عبدُ الصمد بن عبد الوارث، قال: ثنا همامٌ، قال: ثنا عطاءُ بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمرُ نساء النبيِّ ﷺ بالحجاب، فقالت زينبُ: يا بن الخطاب، إنك لتغارُ علينا والوحى ينزِلُ في بيوتنا؟
عطاءُ بن السائب، عن أبي وائل، عن ابن مسعود، قال: أمر عمرُ نساء النبيِّ ﷺ بالحجاب، فقالت زينبُ: يا بن الخطاب، إنك لتغارُ علينا والوحى ينزِلُ في بيوتنا؟ فأَنزَل اللَّهُ: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾.
حدَّثني أبو أيوبَ البَهْرانيُّ سليمانُ بنُ عبدِ الحميد، قال: ثنا يزيدُ بنُ عبدِ ربِّه، قال: ثنى ابن حربٍ، عن الزُّبَيْديِّ، عن الزهريِّ، عن عروة، عن عائشة: أن أزواج النبيِّ ﷺ، كُنَّ يخرُجن بالليل إذا تَبرَّزنَ إلى المناصع، وهو صعيدٌ أفيحُ، وكان عمرُ بن الخطاب يقولُ لرسول الله ﷺ: احجُب نساءَك، فلم يكُن رسولُ اللهِ ﷺ يفعلُ، فخرجت سَوْدةُ بنتُ زَمعة زوج النبيِّ ﷺ ليلةً من الليالى عشاءً، وكانت امرأةً طويلةً، فناداها عمرُ بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سوْدَةُ.
ا رَسُولَ اللَّهِ﴾. يقول تعالى ذكرُه: وما ينبغى لكم أن تُؤذوا رسول الله، وما يصلح ذلك لكم، ﴿وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾. يقولُ: وما ينبغى لكم أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدًا؛ لأنهنَّ أمهاتُكم، ولا يحلُّ للرجُل أن يتزوَّج أُمَّه.
وذُكر أن ذلك نزل في رجُلٍ كان يدخُلُ قبل الحجاب، قال: لئن مات محمدٌ لأتزوَّجَنَّ امرأةٌ من نسائه سمَّاها، فأنزل الله ﵎ في ذلك:
﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا﴾.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قوله: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾.
مَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلَا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. قال: رُبَّما بلغ النبيَّ ﷺ أن الرجُل يقول: لو أن له النبيَّ ﷺ تُوفِّي، تَزوَّجتُ فلانةَ من بعده، قال: فكان ذلك يُؤذِى النبيَّ ﷺ، فنزل القرآنُ: ﴿وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ﴾ الآية.
حدثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا عبدُ الوهابِ، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن النبيَّ ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعَثِ، فتزوَّجها عكرمةُ بن أبي جهلٍ بعد ذلك، فشقَّ على أبى بكرٍ مشقةً شديدةً، فقال له عمرُ: يا خليفة رسولِ اللَّهِ، إنها ليست من نسائه، إنها لم يخيِّرها رسول الله ﷺ ولم يَحجُبها، وقدَ برَّأَها منه بالردَّةِ التي ارتدَّت مع قومها، فاطمَأَنَّ أبو بكرٍ وسكن.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رسول الله ﷺ تُوفِّى وقد ملك بنتَ الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها.
َّ أبو بكرٍ وسكن.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا عبد الأعلى، قال: ثنا داودُ، عن عامرٍ، أن رسول الله ﷺ تُوفِّى وقد ملك بنتَ الأشعث بن قيسٍ، ولم يجامعها. فذكر نحوه.
وقوله: ﴿إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا﴾. يقول: إن أذاكُم رسول الله ﷺ، ونكاحكم أزواجه من بعده، عندَ اللَّهِ عظيم من الإثم.
وهي مما وافق تنزيلها قول عمر بن الخطاب، ﵁، كما ثبت ذلك في الصحيحين عنه أنه قال: وافقت ربي في ثلاث، فقلت: يا رسول الله، لو اتخذت من مقام إبراهيم مصلى؟ فأنزل الله: ﴿وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاهِيمَ مُصَلًّى﴾ [البقرة: ١٢٥]. وقلت: يا رسول الله، إن نساءك يدخل عليهن البر والفاجر، فلو حجبتهن؟ فأنزل الله آية الحجاب. وقلت لأزواج النبي ﷺ لما تمالأن عليه في الغيرة: ﴿عَسَى رَبُّهُ إِنْ طَلَّقَكُنَّ أَنْ يُبْدِلَهُ أَزْوَاجًا خَيْرًا مِنْكُنَّ﴾ [التحريم: ٥]، فنزلت كذلك.
وفي رواية لمسلم ذكر أسارى بدر، وهي قضية رابعة.
وقد قال البخاري: حدثنا مُسَدَّد، عن يحيى، عن حُمَيْد، أن أنس بن مالك قال: قال عمر بن
الخطاب: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟
ي: حدثنا مُسَدَّد، عن يحيى، عن حُمَيْد، أن أنس بن مالك قال: قال عمر بن
الخطاب: يا رسول الله، يدخل عليك البر والفاجر، فلو أمرت أمهات المؤمنين بالحجاب؟ فأنزل الله آية الحجاب.
وكان وقت نزولها في صبيحة عرس رسول الله ﷺ بزينب بنت جحش، التي تولى الله تعالى تزويجها بنفسه، وكان ذلك في ذي القعدة من السنة الخامسة، في قول قتادة والواقدي وغيرهما.
وزعم أبو عُبَيدة معمر بن المثنى، وخليفة بن خياط: أن ذلك كان في سنة ثلاث، فالله أعلم.
قال البخاري: حدثنا محمد بن عبد الله الرَّقاشي، حدثنا مُعْتَمر بن سليمان، سمعت أبي، حدثنا أبو مِجْلَز، عن أنس بن مالك، ﵁، قال: لما تزوج رسول الله ﷺ زينب بنت جحش، دعا القوم فَطَعموا ثم جلسوا يتحدثون، فإذا هو [كأنه] يتهيأ للقيام فلم يقوموا. فلما رأى ذلك قام، فلما قام [قام] مَنْ قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا.
أى ذلك قام، فلما قام [قام] مَنْ قام، وقعد ثلاثة نفر. فجاء النبي ﷺ ليدخل، فإذا القوم جلوس، ثم إنهم قاموا فانطلقت، فجئت فأخبرت النبي ﷺ أنهم قد انطلقوا. فجاء حتى دخل، فذهبت أدخل، فألقي [الحجاب] بيني وبينه، فأنزل الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ) الآية.
وقد رواه أيضا في موضع آخر، ومسلم والنسائي، من طرق، عن معتمر بن سليمان، به. ثم رواه البخاري منفردا به من حديث أيوب، عن أبي قِلابة، عن أنس بن مالك، ﵁، [بنحوه. ثم قال: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك] قال: بُني [على] النبي ﷺ بزينب بنت جحش بخبز ولحم، فأرسلْتُ على الطعام داعيا، فيجيء قوم فيأكلون ويخرجون، ثم يجيء قوم فيأكلون ويخرجون. فدعوتُ حتى ما أجد أحدا أدعوه، فقلت: يا نبي الله، ما أجد أحدا أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته".
أدعوه. قال: "ارفعوا طعامكم"، وبقي ثلاثة رهط يتحدثون في البيت، فخرج النبي ﷺ فانطلق إلى حجرة عائشة، فقال: "السلام عليكم أهل البيت ورحمة الله وبركاته". قالت: وعليك السلام ورحمة الله، كيف وجدت أهلك، بارك الله لك؟ فَتَقَرّى حجر نسائه كُلّهن، يقول لهن كما يقول لعائشة، ويقلن له كما قالت عائشة. ثم رجع رسول الله ﷺ فإذا رهط ثلاثة [في البيت] يتحدثون. وكان النبي ﷺ شديد الحياء، فخرج منطلقا نحو حُجْرة عائشة، فما أدري أخبرتُه أم أخبر أن القوم خَرَجُوا؟ فرجع حتى إذا وضع رجله في أُسْكُفة الباب داخله، وأخرى خارجة، أرْخَى الستر بيني وبينه، وأنزلت آية الحجاب.
انفرد به البخاري من بين أصحاب الكتب [الستة]، سوى النسائي في اليوم والليلة، من حديث عبد الوارث.
ثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور -عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حُمَيد، عن أنس، بنحو ذلك، وقال: "رجلان" انفرد به من هذا الوجه.
يلة، من حديث عبد الوارث.
ثم رواه عن إسحاق -هو ابن منصور -عن عبد الله بن بكر السهمي، عن حُمَيد، عن أنس، بنحو ذلك، وقال: "رجلان" انفرد به من هذا الوجه. وقد تقدم في أفراد مسلم من حديث سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا أبو المظفر، حدثنا جعفر بن سليمان، عن الجعد -أبي عثمان اليَشْكُرِي -عن أنس بن مالك قال: أعرس رسول الله ﷺ ببعض نسائه، فصنعت أم سليم حيسا ثم وضعته في تَوْر، فقالت: اذهب بهذا إلى رسول الله ﷺ، وأقرئه مني السلام، وأخبره أن هذا منا له قليل -قال أنس: والناس يومئذ في جَهد -فجئت به فقلت: يا رسول الله، بعثت بهذا أم سُلَيم إليك، وهي تقرئك السلام، وتقول: أخبره أن هذا منا له قليل، فنظر إليه ثم قال: "ضعه" فوَضَعته في ناحية البيت، ثم قال: "اذهب فادع لي فلانا وفلانا". وسمى رجالا كثيرا، وقال: "ومَنْ لقيتَ من [المسلمين". فدعوتُ مَنْ قال لي، ومَنْ لقيت من] المسلمين، فجئت والبيت والصُّفَّة والحجرة مَلأى من الناس -فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟
"ومَنْ لقيتَ من [المسلمين". فدعوتُ مَنْ قال لي، ومَنْ لقيت من] المسلمين، فجئت والبيت والصُّفَّة والحجرة مَلأى من الناس -فقلت: يا أبا عثمان، كم كانوا؟ فقال: كانوا زهاء ثلاثمائة -قال أنس: فقال لي رسول الله ﷺ: "جِئْ به". فجئتُ به إليه، فوضع يده عليه، ودعا وقال: "ما شاء الله". ثم قال: "ليتَحَلَّق عَشَرة عَشَرة، وليسموا، وليأكل كل إنسان مما يليه". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ: "ارفعه". قال: فجئتُ فأخذت التَّورَ فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟
نسان مما يليه". فجعلوا يسمون ويأكلون، حتى أكلوا كلهم. فقال لي رسول الله ﷺ: "ارفعه". قال: فجئتُ فأخذت التَّورَ فما أدري أهو حين وضعت أكثر أم حين أخذت؟ قال: وتخلف رجال يتحدثون في بيت رسول الله، وزَوجُ رسول الله ﷺ التي دخل بها معهم مُولّية وجهها إلى الحائط، فأطالوا الحديث، فشقوا على رسول الله ﷺ، وكان أشد الناس حياء -ولو أعلموا كان ذلك عليهم عزيزًا -فقام رسول الله ﷺ فخرج فسلم على حُجَره وعلى نسائه، فلما رأوه قد جاء ظنوا أنهم قد ثَقَّلوا عليه، ابتدروا الباب فخرجوا، وجاء رسول الله ﷺ حتى أرخى الستر، ودخل البيت وأنا في الحجرة، فمكث رسولُ الله ﷺ في بيته يسيرا، وأنزل الله عليه القرآن، فخرج وهو يقرأ هذه الآية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) إلى قوله: (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا).
ْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا) إلى قوله: (بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا). قال أنس: فقرأهن عَليّ قبل الناس، فأنا أحْدثُ الناس بهن عهدا.
وقد رواه مسلم والترمذي والنسائي جميعا، عن قتيبة، عن جعفر بن سليمان، به. وقال الترمذي: حسن صحيح وعَلَّقه البخاري في كتاب النكاح فقال:
وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه.
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الجعد، به.
اح فقال:
وقال إبراهيم بن طَهْمَان، عن الجَعْد أبي عثمان، عن أنس، فذكر نحوه.
ورواه مسلم أيضا عن محمد بن رافع، عن عبد الرزاق، عن مَعْمَر، عن الجعد، به. وقد روى هذا الحديث عبد الله بن المبارك، عن شَرِيك، عن بيان بن بشر، عن أنس، بنحوه.
وروى البخاري والترمذي، من طريقين آخرين، عن بَيَان بن بشر الأحَمَسِي الكوفي، عن أنس، بنحوه.
ورواه ابن أبي حاتم أيضا، من حديث أبي نَضْرَة العبدي، عن أنس بن مالك، بنحوه ورواه ابن جرير من حديث عمرو بن سعيد، ومن حديث الزهري، عن أنس، بنحو ذلك.
وقال الإمام أحمد: حدثنا بَهْزُ وهاشم بن القاسم قالا حدثنا سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس قال: لما انقضت عدة زينب قال رسول الله ﷺ: لزيد "اذهب فاذكرها علي". قال: فانطلق زيد حتى أتاها، قال: وهي تُخَمِّر عجينها، فلما رأيتُها عَظُمت في صدري … وذكر تمام الحديث، كما قدمناه عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به.
ا عَظُمت في صدري … وذكر تمام الحديث، كما قدمناه عند قوله: ﴿فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِنْهَا وَطَرًا﴾، وزاد في آخره بعد قوله: وَوَعَظ القوم بما وعظوا به. قال هاشم في حديثه: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ).
وقد أخرجه مسلم والنسائي، من حديث سليمان بن المغيرة، به.
وقال ابن جرير: حدثني أحمد بن عبد الرحمن -ابن أخي ابن وهب -حدثني عمي عبد الله بن وهب، حدثني يونس عن الزهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كُنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح -وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك.
زهري، عن عُرْوَة، عن عائشة قالت: إن أزواج رسول الله ﷺ كُنّ يخرجن بالليل إذا تبرزن إلى المناصع -وهو صعيد أفيح -وكان عمر يقول لرسول الله ﷺ: احجب نساءك. فلم يكن رسول الله ﷺ ليفعل، فخرجت سودة بنت زمعة زوج رسول الله ﷺ، وكانت امرأة طويلة، فناداها عمر بصوته الأعلى: قد عرفناك يا سودة. حرْصًا أن ينزل الحجاب، قالت: فأنزل الله الحجاب.
هكذا وقع في هذه الرواية. والمشهور أن هذا كان بعد نزول الحجاب، كما رواه الإمام أحمد والبخاري ومسلم، من حديث هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، ﵂، قالت: خرجت سودة بعدما ضرب الحجاب لحاجتها، وكانت امرأة جَسيمَةً لا تخفَى على مَنْ يعرفها، فرآها عمر بن الخطاب فقال: يا سودة، أما والله ما تَخْفَين علينا، فانظري كيف تخرجين؟ قالت: فانكفأت راجعة، ورسولُ الله ﷺ في بيتي، وإنه ليتعشى، وفي يده عَرْق، فدخلت فقالت: يا رسول الله، إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العَرْق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن".
إني خرجت لبعض حاجتي، فقال لي عمر كذا وكذا. قالت: فأوحى الله إليه، ثم رُفعَ عنه وإن العَرْق في يده، ما وضعه. فقال: "إنه قد أذنَ لكن أن تخرجن لحاجتكن". لفظ البخاري.
فقوله: (لا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ): حَظَر على المؤمنين أن يدخلوا منازل رسول الله ﷺ بغير إذن، كما كانوا قبل ذلك يصنعون في بيوتهم في الجاهلية وابتداء الإسلام، حتى غار الله لهذه الأمة، فأمرهم بذلك، وذلك من إكرامه تعالى هذه الأمة؛ ولهذا قال رسول الله ﷺ: "إياكم والدخول على النساء".
ثم استثنى من ذلك فقال: (إِلا أَنْ يُؤْذَنَ لَكُمْ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ).
قال مجاهد وقتادة وغيرهما: أي غير متحينين نضجه واستواءه، أي: لا ترقبوا الطعام حتى إذا قارب الاستواء تعرضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين.
ضتم للدخول، فإن هذا يكرهه الله ويذمه. وهذا دليل على تحريم التطفيل، وهو الذي تسميه العرب الضيفن، وقد صنف الخطيب البغدادي في ذلك كتابا في ذم الطفيليين. وذكر من أخبارهم أشياء يطول إيرادها.
ثم قال تعالى: (وَلَكِنْ إِذَا دُعِيتُمْ فَادْخُلُوا فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا). وفي صحيح مسلم عن ابن عمر، ﵄، قال: قال رسول الله ﷺ: "إذا دعا أحدكم أخاه فَلْيجب، عُرسًا كان أو غيره". وأصله في الصحيحين وفي الصحيح أيضا، عن رسول الله ﷺ: "لو دُعيت إلى ذراع لأجبت، ولو أهدي إليَّ كُرَاع لقبلت، فإذا فَرَغتم من الذي دُعيتم إليه فخففوا عن أهل المنزل، وانتشروا في الأرض"؛ ولهذا قال: (وَلا مُسْتَأْنِسِينَ لِحَدِيثٍ) أي: كما وقع لأولئك النفر الثلاثة الذين استرسل بهم الحديث، ونسُوا أنفسهم، حتى شَقّ ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال [الله] تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ).
سترسل بهم الحديث، ونسُوا أنفسهم، حتى شَقّ ذلك على رسول الله ﷺ، كما قال [الله] تعالى: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ يُؤْذِي النَّبِيَّ فَيَسْتَحْيِي مِنْكُمْ).
وقيل: المراد أن دخولكم منزله بغير إذنه كان يشق عليه ويتأذى به، لكن كان يكره أن ينهاهم عن ذلك من شدة حيائه، ﵇، حتى أنزل الله عليه النهي عن ذلك؛ ولهذا قال: (وَاللَّهُ لا يَسْتَحْيِي مِنَ الْحَقِّ) أي: ولهذا نهاكم عن ذلك وزجرَكم عنه.
ثم قال تعالى: (وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ) أي: وكما نهيتكم عن الدخول عليهن، كذلك لا تنظروا إليهن بالكلية، ولو كان لأحدكم حاجة يريد تناولها منهن فلا ينظر إليهن، ولا يسألهن حاجة إلا من وراء حجاب.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن أبي عمر، حدثنا سفيان، عن مِسْعَر، عن موسى بن أبي كثير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حَيْسًا في قَعْب، فمر عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ -أو: أوّه -لو أطاع فيكن ما رأتك عين.
ير، عن مجاهد، عن عائشة قالت: كنت آكل مع النبي ﷺ حَيْسًا في قَعْب، فمر عمر فدعاه، فأصابت إصبعه إصبعي، فقال: حَسِّ -أو: أوّه -لو أطاع فيكن ما رأتك عين. فنزل الحجاب.
(ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ) أي: هذا الذي أمرتكم به وشرعته لكم من الحجاب أطهر وأطيب.
وقوله: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ وَلا أَنْ تَنْكِحُوا أَزْوَاجَهُ مِنْ بَعْدِهِ أَبَدًا إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا): قال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا محمد بن أبي حماد، حدثنا مهْرَان، عن سفيان، عن داود بن أبي هند، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) قال: نزلت في رَجُل هَمّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟
عباس في قوله تعالى: (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّهِ) قال: نزلت في رَجُل هَمّ أن يتزوج بعض نساء النبي ﷺ. قال رجل لسفيان: أهي عائشة؟ قال: قد ذكروا ذاك.
وكذا قال مقاتل بن حَيَّان، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم، وذكر بسنده عن السدي أن الذي عزم على ذلك طلحة بن عبيد الله، ﵁، حتى نزل التنبيه على تحريم ذلك؛ ولهذا أجمع العلماء قاطبة على أن من توفي عنها رسول الله ﷺ من أزواجه أنه يحرم على غيره تزويجها من بعده؛ لأنهن أزواجه في الدنيا والآخرة وأمهات المؤمنين، كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين، مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله: (مِنْ بَعْدِهِ) أم لا؟
منين، كما تقدم. واختلفوا فيمن دخل بها ثم طلقها في حياته هل يحل لغيره أن يتزوجها؟ على قولين، مأخذهما: هل دخلت هذه في عموم قوله: (مِنْ بَعْدِهِ) أم لا؟ فأما من تزوجها ثم طلقها قبل أن يدخل بها، فما نعلم في حلها لغيره -والحالة هذه -نزاعا، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني [محمد] بن المثنى، حدثنا عبد الوهاب، حدثنا داود، عن عامر؛ أن نبي الله ﷺ مات وقد ملك قيلة بنت الأشعث -يعني: ابن قيس -فتزوجها عكرمة بن أبي جهل بعد ذلك، فشق ذلك على أبي بكر مشقة شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخَيّرها رسول الله ﷺ، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت
مع قومها.
شديدة، فقال له عمر: يا خليفة رسول الله، إنها ليست من نسائه، إنها لم يُخَيّرها رسول الله ﷺ، ولم يحجبها، وقد برأها الله منه بالردة التي ارتدت
مع قومها. قال: فاطمأن أبو بكر، ﵄ وسكن.
وقد عظم الله ﵎ ذلك، وشدد فيه وتوعد عليه بقوله: (إِنَّ ذَلِكُمْ كَانَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمًا)، ثم قال: (إِنْ تُبْدُوا شَيْئًا أَوْ تُخْفُوهُ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا) أي: مهما تكنه ضمائركم وتنطوي عليه سرائركم، فإن الله يعلمه؛ فإنه لا تخفى عليه خافية، ﴿يَعْلَمُ خَائِنَةَ الأَعْيُنِ وَمَا تُخْفِي الصُّدُورُ﴾ [غافر: ١٩].
قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾.
قد قدمنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك أن من أنواع البيان التي
تضمنها أن يقول بعض العلماء في الآية قولًا، وتكون في نفس الآية قرينة تدل على عدم صحة ذلك القول، وذكرنا له أمثلة في الترجمة، وأمثلة كثيرة في الكتاب لم تذكر في الترجمة.
ومن أمثلته التي ذكرنا في الترجمة هذه الآية الكريمة فقد قلنا في ترجمة هذا الكتاب المبارك: ومن أمثلته قول كثير من الناس: إن آية الحجاب أعني قوله تعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعًا فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ خاصة بأزواج النبي ﷺ ، فإن تعليله تعالى لهذا الحكم الذي هو إيجاب الحجاب بكونه أطهر لقلوب الرجال والنساء من الريبة في قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة
قُلُوبِهِنَّ﴾ قرينة واضحة على إرادة تعميم الحكم، إذ لم يقل أحد من جميع المسلمين إن غير أزواج النبي ﷺ لا حاجة إلى أطهرية قلوبهن، وقلوب الرجال من الريبة منهن. وقد تقرر في الأصول: أن العلة قد تعمم معلولها، وإليه أشار في مراقي السعود بقوله:
وقد تخصص وقد تعمم ... لأصلها لكنها لا تخرم
انتهى محل الغرض من كلامنا في الترجمة المذكورة.
وبما ذكرنا تعلم أن في هذه الآية الكريمة الدليل الواضح على أن وجوب الحجاب حكم عام في جميع النساء، لا خاص بأزواجه ﷺ ، وإن كان أصل اللفظ خاصًا بهن؛ لأن عموم علته دليل على عموم الحكم فيه. ومسلك العلة الذي دل على أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ هو المسلك المعروف في الأصول بمسلك الإِيماء والتنبيه وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم
لكان الكلام معيبًا عند العارفين.
تنبيه وضابط هذا المسلك المنطبق على جزئياته: هو أن يقترن وصف بحكم شرعي على وجه لو لم يكن فيه ذلك الوصف علة لذلك الحكم
لكان الكلام معيبًا عند العارفين. وعرف صاحب مراقي السعود دلالة الإِيماء والتنبيه في مبحث دلالة الاقتضاء والإشارة والإيماء والتنبيه بقوله:
دلالة الإِيماء والتنيه ... في الفن تقصد لدى ذويه
أن يقرن الوصف بحكم إن يكن ... لغير علة يعبه من فطن
وعرف أيضًا الإِيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله:
والثالث الإِيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير ...
ر علة يعبه من فطن
وعرف أيضًا الإِيماء والتنبيه في مسالك العلة بقوله:
والثالث الإِيما اقتران الوصف ... بالحكم ملفوظين دون خلف
وذلك الوصف أو النظير ... قرانه لغيرها يضير
فقوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ لو لم يكن علة لقوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ لكان الكلام معيبًا غير منتظم عند الفطن العارف.
وإذا علمت أن قوله تعالى: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ﴾ هو علة قوله: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ وعلمت أن حكم العلة عام.
فاعلم أن العلة قد تعمم معلولها، وقد تخصصه كما ذكرنا في بيت مراقي السعود، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية.
فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.
، وبه تعلم أن حكم آية الحجاب عام لعموم علته، وإذا كان حكم هذه الآية عامًا بدلالة القرينة القرآنية.
فاعلم أن الحجاب واجب بدلالة القرآن على جميع النساء.
واعلم أنا في هذا المبحث يزيد أن نذكر الأدلة القرآنية على وجوب الحجاب على العموم، ثم الأدلة من السنَّة، ثم نناقش أدلة الطرفين، ونذكر الجواب عن أدلة من قالوا بعدم وجوب الحجاب على غير أزواجه ﷺ ، وقد ذكرنا آنفًا أن قوله: ﴿ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ﴾ الآية. قرينة على عموم حكم آية الحجاب.
ومن الأدلة القرآنية على احتجاب المرأة وسترها جميع بدنها حتى وجهها قوله تعالى ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ قُلْ لِأَزْوَاجِكَ وَبَنَاتِكَ وَنِسَاءِ الْمُؤْمِنِينَ يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلَّا عين واحدة تبصر بها.
ابِيبِهِنَّ﴾ فقد قال غير واحد من أهل العلم: إن معنى: يدنين عليهن من جلابيبهن: أنهن يسترن بها جميع وجوههن، ولا يظهر منهن شيء إلَّا عين واحدة تبصر بها. وممن قال به ابن مسعود، وابن عباس، وعبيدة السلماني وغيرهم.
فإن قيل: لفظ الآية الكريمة وهو قوله تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يستلزم معناه ستر الوجه لغة، ولم يرد نص من كتاب، ولا سنَّة، ولا إجماع على استلزامه ذلك، وقول بعض المفسرين: إنه يستلزمه معارض يقول بعضهم: إنه لا يستلزمه، وبهذا يسقط الاستدلال بالآية على وجوب ستر الوجه.
فالجواب: أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها.
أن في الآية الكريمة قرينة واضحة على أن قوله تعالى فيها: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ يدخل في معناه ستر وجوههن بإدناء جلابيبهن عليها. والقرينة المذكورة: هي قوله تعالى: ﴿قُلْ لِأَزْوَاجِكَ﴾ ووجوب احتجاب أزواجه وسترهن وجوههن لا نزاع فيه بين المسلمين، فذكر الأزواج مع البنات ونساء المؤمنين يدل على وجوب ستر الوجوه بإدناء الجلابيب كما ترى.
ومن الأدلة على ذلك أيضًا: هو ما قدمنا في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ من أن استقراء القرآن يدل على أن معنى (إلَّا ما ظهر منها) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إلَّا ما ظهر منها) بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه.
واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله
) الملاءة فوق الثياب، وأنه لا يصح تفسير (إلَّا ما ظهر منها) بالوجه والكفين، كما تقدم إيضاحه.
واعلم أن قول من قال: إنه قد قامت قرينة قرآنية على أن قوله
تعالى: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ لا يدخل فيه ستر الوجه، وأن القرينة المذكورة هي قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ قال: وقد دل قوله: (أن يعرفن) على أنهن سافرات كاشفات عن وجوههن؛ لأن التي تستر وجهها لا تعرف = باطل. وبطلانه واضح، وسياق الآية يمنعه منعًا باتًا؛ لأن قوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾ صريح في منع ذلك.
وإيضاحه: أن الإِشارة في قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ راجعة إلى إدنائهن عليهن من جلابيبهن وإدناؤهن عليهن من جلابيبهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.
بهن، لا يمكن بحال أن يكون أدنى أن يعرفن بسفورهن، وكشفهن عن وجوههن كما ترى، فإدناء الجلابيب مناف لكون المعرفة معرفة شخصية بالكشف عن الوجوه كما لا يخفى.
وقوله في الآية الكريمة (لأزواجك) دليل أيضًا على أن المعرفة المذكورة في الآية ليست بكشف الوجوه؛ لأن احتجابهن لا خلاف فيه بين المسلمين.
والحاصل: أن القول المذكور تدل على بطلانه أدلة متعددة:
الأول: سياق الآية كما أوضحناه آنفًا.
الثاني: قوله: (لأزواجك) كما أوضحناه أيضًا.
الثالث: أن عامة المفسرين من الصحابة فمن بعدهم فسروا الآية مع بيانهم سبب نزولها بأن نساء أهل المدينة كن يخرجن بالليل لقضاء حاجتهن خارج البيوت، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإِماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإِماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق
، وكان بالمدينة بعض الفساق يتعرضون للإِماء، ولا يتعرضون للحرائر، وكان بعض نساء المؤمنين يخرجن في زي ليس متميزًا عن زي الإِماء، فيتعرض لهن أولئك الفساق
بالأذى ظنًا منهم أنهن إماء، فأمر الله نبيه ﷺ أن يأمر أزواجه وبناته ونساء المؤمنين أن يتميزن في زيهن عن زي الإِماء، وذلك بأن يدنين عليهن من جلابيبهن، فإذا فعلن ذلك وراهن الفساق علموا أنهن حرائر، ومعرفتهم بأنهن حرائر، لا إماء هو معنى قوله: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ فهي معرفة بالصفة لا بالشخص، وهذا التفسير منسجم مع ظاهر القرآن كما ترى. فقوله: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ مِنْ جَلَابِيبِهِنَّ﴾؛ لأن إدنائهن عليهن من جلابيبهن يشعر بأنهن حرائر، فهو أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإِماء. وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح.
أدنى وأقرب لأن يعرفن، أي: يعلم أنهن حرائر، فلا يؤذين من قبل الفساق الذين يتعرضون للإِماء. وهذا هو الذي فسر به أهل العلم بالتفسير هذه الآية، وهو واضح. وليس المراد منه أن تعرض الفساق للإِماء جائز بل هو حرام، ولا شك أن المتعرضين لهن من الذين في قلوبهم مرض، وأنهم يدخلون في عموم قوله: ﴿وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ﴾ في قوله تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا (٦١)﴾.
ومما يدل على أن المتعرض لما لا يحل من النساء من الذين في قلوبهم مرض قوله تعالى: ﴿فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية. وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى ...
فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ﴾ الآية. وذلك معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول الأعشى:
حافظ للفرج راض بالتقى ... ليس ممن قلبه فيه مرض
وفي الجملة: فلا إشكال في أمر الحرائر بمخالفة زي الإماء ليهابهن الفساق، ودفع ضرر الفساق عن الإِماء لازم، وله أسباب أخر ليس منها إدناء الجلابيب.
تنبيه
قد قدما في سورة إسرائيل في الكلام على قوله تعالى: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة:
المصدر اسم ما سوى الزمان من ...
قُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾ أن الفعل الصناعي عند النحويين ينحل عن مصدر وزمن. كما قال ابن مالك في الخلاصة:
المصدر اسم ما سوى الزمان من ... مدلولي الفعل كأمن من أمن
وأنه عند جماعات من البلاغيين ينحل عن مصدر وزمن ونسبة.
وإذا علمت ذلك: فاعلم أن المصدر والزمن كامنان في مفهوم الفعل إجماعًا، وقد ترجع الإشارات والضمائر تارة إلى المصدر الكامن في مفهوم الفعل، وتارة إلى الزمن الكامن فيه.
فمثال رجوع الإِشارة إلى المصدر الكامن فيه قوله تعالى هنا: ﴿يُدْنِينَ عَلَيْهِنَّ﴾ ثم قال: ﴿ذَلِكَ أَدْنَى أَنْ يُعْرَفْنَ﴾ أي: ذلك الإدناء المفهوم من قوله: يدنين.
ومثال رجوع الإشارة للزمن الكامن فيه قوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠)﴾ فقوله: ذلك يعني زمن النفخ المفهوم من قوله: ونفخ، أي: ذلك الزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب.
لزمن يوم الوعيد.
ومن الأدلة على أن حكم آية الحجاب عام هو ما تقرر في الأصول من أن خطاب الواحد يعم حكمه جميع الأمة، ولا يختص الحكم بذلك الواحد المخاطب. وقد أوضحنا هذه المسألة في سورة الحج في مبحث النهي عن لبس المعصفر، وقد قلنا في ذلك: لأن خطاب النبي ﷺ لواحد من أمته يعم حكمه جميع الأمة، لاستوائهم في أحكام التكليف إلَّا بدليل خاص يجب الرجوع إليه. وخلاف أهل الأصول في خطاب الواحد، هل هو من صيغ العموم الدالة على
عموم الحكم؟ خلاف في حال لا خلاف حقيقي، فخطاب الواحد عند الحنابلة صيغة عموم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم.
وم، وعند غيرهم من المالكية والشافعية وغيرهم أن خطاب الواحد لا يعم، لأن اللفظ للواحد لا يشمل بالوضع غيره، وإذا كان لا يشمله وضعًا، فلا يكون صيغة عموم. ولكن أهل هذا القوله موافقون على أن حكم خطاب الواحد عام لغيره، ولكن بدليل آخر غير خطاب الواحد، وذلك الدليل بالنص والقياس.
وأما القياس فظاهر؛ لأن قياس غير ذلك المخاطب عليه بجامع استواء المخاطبين في أحكام التكليف من القياس الجلي.
والنص كقوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء، وما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة".
قالوا: ومن أدلة ذلك حديث: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة".
قال ابن قاسم العبادي في الآيات البينات: اعلم أن حديث حكمي على الواحد حكمي على الجماعة: لا يعرف له أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء" وساق الحديث كما ذكرناه.
أصل بهذا اللفظ، ولكن روى الترمذي وقال: حسن صحيح، والنسائي، وابن ماجه، وابن حبان قوله ﷺ في مبايعة النساء: "إني لا أصافح النساء" وساق الحديث كما ذكرناه.
وقال صاحب كشف الخفاء ومزيل الإِلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس: "حكمي على الواحد حكمي على الجماعة" وفي لفظ: "كحكمي على الجماعة" ليس له أصل بهذا اللفظ. كما قاله العراقي في تخريج أحاديث البيضاوي. وقال في الدرر كالزركشي: لا يعرف، وسئل عنه المزي والذهبي فأنكراه.
نعم يشهد له ما رواه الترمذي، والنسائي من حديث أميمة بنت رقيقة، فلفظ النسائي: "ما قولي لامرأة واحدة إلَّا كقولي لمائة امرأة" ولفظ الترمذي: "إنما قولي لمائة امرأة كقولي لامرأة واحدة" وهو من الأحاديث التي ألزم الدارقطني الشيخين بإخراجها؛ لثبوتها على شرطهما.
وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل. إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه.
ي الشيخين بإخراجها؛ لثبوتها على شرطهما.
وقال ابن قاسم العبادي في شرح الورقات الكبير: حكمي على الواحد لا يعرف له أصل. إلى آخره، قريبًا مما ذكرناه عنه. انتهى.
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: الحديث المذكور ثابت من حديث أميمة بنت رقيقة بقافين مصغرًا، وهي صحابية من المبايعات، ورقيقة أمها، وهي أخت خديجة بنت خويلد. وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله ابن عمير التيمي، تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله:
خطاب واحد لغير الحنبلي ...
وقيل: عمتها، واسم أبيها بجاد بموحدة ثم جيم ابن عبد الله ابن عمير التيمي، تيم بن مرة، وأشار إلى ذلك في مراقي السعود بقوله:
خطاب واحد لغير الحنبلي ... من غير رعي النص والقيس الجلي
انتهى محل الغرض منه.
وبهذه القاعدة الأصولية التي ذكرنا تعلم أن حكم آية الحجاب عام كان كان لفظها خاصًا بأزواجه ﷺ ؛ لأن قوله لامرأة واحدة من أزواجه، أو من غيرهن كقوله لمائة امرأة، كما رأيت إيضاحه قريبًا.
ومن الأدلة القرآنية الدالة على الحجاب قوله تعالى: ﴿وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاءِ اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَنْ يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (٦٠)﴾؛ لأن الله جلَّ وعلا بين في هذه الآية الكريمة أن القواعد، أي: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطمعن في النكاح؛ لكبر السن وعدم حاجة
عَلِيمٌ (٦٠)﴾؛ لأن الله جلَّ وعلا بين في هذه الآية الكريمة أن القواعد، أي: العجائز اللاتي لا يرجون نكاحًا، أي: لا يطمعن في النكاح؛ لكبر السن وعدم حاجة
الرجال إليهن يرخص لهن برفع الجناح عنهن في وضع ثيابهن بشرط كونهن غير متبرجات بزينة، ثم إنه جلَّ وعلا مع هذا كله قال: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ أي: يستعففن عن وضع الثياب خير لهن، أي: واستعفافهن عن وضع ثيابهن مع كبر سنهن وانقطاع طمعهن في التزويج، وكونهن غير متبرجات بزينة خير لهن.
وأظهر الأقوال في قوله: أن يضعن ثيابهن، أنه وضع ما يكون فوق الخمار، والقميص من الجلابيب التي تكون فوق الخمار والثياب.
فقوله جلَّ وعلا في هذه الآية الكريمة: ﴿وَأَنْ يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها، ولا الإِخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب.
خَيْرٌ لَهُنَّ﴾ دليل واضح على أن المرأة التي فيها جمال ولها طمع في النكاح لا يرخص لها في وضع شيء من ثيابها، ولا الإِخلال بشيء من التستر بحضرة الأجانب.
وإذا علمت بما ذكرنا أن حكم آية الحجاب عام، وأن ما ذكرنا معها من الآيات فيه الدلالة على احتجاب جميع بدن المرأة عن الرجال الأجانب، علمت أن القرآن دل على الحجاب. ولو فرضنا أن آية الحجاب خاصة بأزواجه ﷺ ، فلا شك أنهن خير أسوة لنساء المسلمين في الآداب الكريمة المقتضية للطهارة التامة، وعدم التدنس بأنجاس الريبة، فمن يحاول منع نساء المسلمين كالدعاة للسفور والتبرج والاختلاط اليوم من الاقتداء بهن في هذا الأدب السماوي الكريم المتضمن سلامة العرض، والطهارة من دنس الريبة غاش لأمة محمد ﷺ ، مريض القلب كما ترى.
واعلم أنه مع دلالة القرآن على احتجاب المرأة عن الرجال الأجانب، قد دلت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية: فمن ذلك
ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء.
دلت على ذلك أيضًا أحاديث نبوية: فمن ذلك
ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما وغيرهما من حديث عقبة بن عامر الجهني ﵁ أن النبي ﷺ قال: "إياكم والدخول على النساء. فقال رجل من الأنصار: يا رسول الله ﷺ أفرأيت الحمو؟ قال: الحمو الموت" أخرج البخاري هذا الحديث في كتاب النكاح في باب: لا يخلون رجل بامرأة إلَّا ذو محرم. إلخ. ومسلم في كتاب السلام في باب: تحريم الخلوة بالأجنبية والدخول عليها. فهذا الحديث الصحيح صرح فيه النبي ﷺ بالتحذير الشديد من الدخول على النساء، فهو دليل واضح على منع الدخول عليهن، وسؤالهن متاعًا إلَّا من وراء حجاب؛ لأن من سألها متاعًا لا من وراء حجاب فقد دخل عليها، والنبي ﷺ حذَّره من الدخول عليها، ولما سألته الأنصارى عن الحمو الذي هو قريب الزوج الذي ليس محرمًا لزوجته كأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه ونحو ذلك قال له ﷺ : الحمو الموت. فسمى ﷺ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت.
ذي ليس محرمًا لزوجته كأخيه، وابن أخيه، وعمه، وابن عمه ونحو ذلك قال له ﷺ : الحمو الموت. فسمى ﷺ دخول قريب الرجل على امرأته وهو غير محرم لها باسم الموت. ولا شك أن تلك العبارة هي أبلغ عبارات التحذير؛ لأن الموت هو أفظع حادث يأتي على الإِنسان في الدنيا كما قال الشاعر:
والموت أعظم حادث ... مما يمر على الجبلة
والجبلة: الخلق. ومنه قوله تعالى: ﴿وَاتَّقُوا الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالْجِبِلَّةَ الْأَوَّلِينَ (١٨٤)﴾، فتحذيره ﷺ هذا التحذير البالغ من دخول الرجال على النساء، وتعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ عام في جميع النساء كما ترى.
تعبيره عن دخول القريب على زوجة قريبه باسم الموت، دليل صحيح نبوي على أن قوله تعالى: ﴿فَاسْأَلُوهُنَّ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ عام في جميع النساء كما ترى. إذ لو كان حكمه خاصًا بأزواجه ﷺ لما حذر الرجال هذا التحذير البالغ العام من الدخول على النساء.
وظاهر الحديث التحذير من الدخول عليهن ولو لم تحصل الخلوة بينهما، وهو كذلك، فالدخول عليهن، والخلوة بهن كلاهما محرم تحريمًا شديدًا بانفراده، كما قدمنا أن مسلمًا ﵀ أخرج هذا الحديث في باب تحريم الخلوة بالأجنبية، والدخول عليها فدل على أن كليهما حرام.
وقال ابن حجر في فتح الباري في شرح الحديث المذكور: إياكم والدخول بالنصب على التحذير، وهو تنبيه المخاطب على محذور؛ ليتحرز عنه، كما قيل: إياك والأسد. وقوله: إياكم: مفعول لفعل مضمر تقديره: اتقوا.
وتقدير الكلام اتقوا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب بلفظ لا تدخلوا على النساء. وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى.
ا أنفسكم أن تدخلوا على النساء، والنساء أن يدخلن عليكم. ووقع في رواية ابن وهب بلفظ لا تدخلوا على النساء. وتضمن منع الدخول منع الخلوة بها بطريق الأولى. انتهى محل الغرض منه.
وقال البخاري ﵀ في صحيحه: باب وليضربن بخمرهن على جيوبهن. وقال أحمد بن شبيب: حدثنا أبي عن يونس، قال ابن شهاب عن عروة، عن عائشة ﵂ قالت: يرحم الله نساء المهاجرات الأول، لما أنزل الله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ شققن مروطهن فاختمرن بها.
حدثنا أبو نعيم، حدثنا إبراهيم بن نافع، عن الحسن بن مسلم عن صفية بنت شيبة: أن عائشة رضى الله عنها كانت تقول: لما نزلت هذه الآية ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ أخذن أزرهن فشققنها من قبل الحواشي، فاختمرن بها. انتهى من صحيح البخاري.
وقال ابن حجر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع.
ر في الفتح في شرح هذا الحديث: قوله: فاختمرن؛ أي: غطين وجوههن. وصفة ذلك أن تضع الخمار على رأسها وترميه من الجانب الأيمن على العاتق الأيسر، وهو التقنع. قال الفراء: كانوا في الجاهلية تسدل المرأة خمارها من ورائها وتكشف ما قدامها فأمرن بالاستتار. انتهى محل الغرض من فتح الباري.
وهذا الحديث الصحيح صريح في أن النساء الصحابيات المذكورات فيه فهمن أن معنى قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ يقتضي ستر وجوههن، وأنهن شققن أزرهن، فاختمرن، أي: ستون وجوههن بها امتثالًا لأمر الله في قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ المقتضي ستر وجوههن. وبهذا يتحقق المنصف: أن احتجاب المرأة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه.
أة عن الرجال وسترها وجهها عنهم ثابت في السنة الصحيحة المفسرة لكتاب الله تعالى، وقد أثنت عائشة ﵂ على تلك النساء بمسارعتهن لامتثال أوامر الله في كتابه. ومعلوم أنهن ما فهمن ستر الوجوه من قوله: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ إلَّا من النبي ﷺ لأنه موجود، وهن يسألنه عن كل ما أشكل عليهن في دينهن، واللَّه جل وعلا يقول: ﴿وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾ فلا يمكن أن يفسرنها من تلقاء أنفسهن.
وقال ابن حجر في فتح الباري: ولابن أبي حاتم من طريق عبد الله بن عثمان بن خيثم، عن صفية ما يوضح ذلك: ولفظه: ذكرنا عند عائشة نساء قريش وفضلهن فقالت: إن لنساء قريش لفضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى
فضلًا، ولكن واللَّه ما رأيت أفضل من نساء الأنصار أشد تصديقًا بكتاب الله ولا إيمانًا بالتنزيل، لقد أنزلت سورة النور ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى
جُيُوبِهِنَّ﴾ فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل فيها، ما منهن امرأة إلَّا قامت إلى مرطها فأصبحن يصلين الصبح معتجرات على رؤوسهن الغربان. انتهى محل الغرض من فتح الباري. ومعنى معتجرات مختمرات كما جاء موضحًا في رواية البخاري المذكورة آنفًا. فترى عائشة ﵂ مع علمها، وفهمها وتقاها أثنت عليهن هذا الثناء العظيم، وصرحت بأنها ما رأت أشد منهن تصديقًا بكتاب الله، ولا إيمانًا بالتنزيل. وهو دليل واضح على أن فهمهن لزوم ستر الوجوه من قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى.
ى جُيُوبِهِنَّ﴾ من تصديقهن بكتاب الله وإيمانهن بتنزيله، وهو صريح في أن احتجاب النساء عن الرجال وسترهن وجوههن تصديق بكتاب الله وإيمان بتنزيله كما ترى. فالعجب كل العجب ممن يدعي من المنتسبين للعلم أنه لم يرد في الكتاب ولا السنَّة ما يدل على ستر المرأة وجهها عن الأجانب، مع أن الصحابيات فعلن ذلك ممتثلات أمر الله في كتابه إيمانًا بتنزيله. ومعنى هذا ثابت في الصحيح كما تقدم عن البخاري. وهذا من أعظم الأدلة وأصرحها في لزوم الحجاب لجميع نساء المسلمين كما ترى.
وقال ابن كثير ﵀ في تفسيره: وقال البزار أيضًا: حدثنا محمد بن المثنى، حدثني عمرو بن عاصم: حدثنا همام، عن قتادة، عن مورق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله ﵁، عن النبي ﷺ قال: "إن المرأة عورة فإذا خرجت استشرفها الشيطان، وأقرب ما تكون بروحة ربها وهي في قعر بيتها" ورواه الترمذي عن بندار، عن عمرو بن عاصم به نحوه. اهـ منه.
وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال: رواه
الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة.
اصم به نحوه. اهـ منه.
وقد ذكر هذا الحديث صاحب مجمع الزوائد. وقال: رواه
الطبراني في الكبير، ورجاله موثقون. وهذا الحديث يعتضد بجميع ما ذكرنا من الأدلة. وما جاء فيه من كون المرأة عورة يدل على الحجاب؛ للزوم ستر كل ما يصدق عليه اسم العورة.
ومما يؤيد ذلك: ما ذكر الهيثمي أيضًا في مجمع الزوائد عن ابن مسعود، قال: إنما النساء سورة، كان المرأة لتخرج من بيتها وما بها من بأس فيستشرفها الشيطان فيقول: إنك لا تمرين بأحد إلَّا أعجبتيه. كان المرأة لتلبس ثيابها فيقال: أين تريدين فتقول: أعود مريضًا، أو أشهد جنازة، أو أصلي في مسجد، وما عبدت امرأة ربها مثل أن تعبده في بيتها. ثم قال: رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات. أهـ منه. ومثله له حكم الرفع إذ لا مجال للرأي فيه.
ومن الأدلة الدالة على ذلك الأحاديث التي قدمناها الدالة على أن صلاة المرأة في بيتها خير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ الآية.
ير لها من صلاتها في المساجد، كما أوضحناه في سورة النور في الكلام على قوله تعالى: ﴿يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ (٣٦) رِجَالٌ﴾ الآية. والأحاديث بمثل ذلك كثيرة جدًّا. وفيما ذكرنا كفاية لمن يريد الحق.
فقد ذكرنا الآيات القرآنية الدالة على ذلك، والأحاديث الصحيحة الدالة على الحجاب، وبينا أن من أصرحها في ذلك آية النور مع تفسير الصحابة لها، وهي قوله تعالى: ﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ﴾ فقد أوضحنا غير بعيد تفسير الصحابة لها، والنبي ﷺ موجود بينهم ينزل عليه الوحي بأن المراد بها يدخل فيه ستر الوجه وتغطيته عن الرجال، وأن ستر المرأة وجهها عمل بالقرآن كما قالته عائشة ﵂.
وإذا علمت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي
المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهه ويديها بحضرة الأجانب.
ت أن هذا القدر من الأدلة على عموم الحجاب يكفي
المنصف، فسنذكر لك أجوبة أهل العلم عما استدل به الذين قالوا بجواز إبداء المرأة وجهه ويديها بحضرة الأجانب.
فمن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث خالد بن دريك عن عائشة ﵂: أن أسماء بنت أبي بكر دخلت على النبي ﷺ ، وعليها ثياب رقاق فأعرض عنها، وقال: "يا أسماء إن المرأة إذا بلغت الحيض لم يصلح أن يرى منها إلَّا هذا، وأشار إلى وجهه وكفيه" وهذا الحديث يجاب عنه بأنه ضعيف من جهتين.
الأولى: هي كونه مرسلًا؛ لأن خالد بن دريك لم يسمع من عائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور.
الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في التقريب: ضعيف.
ائشة، كما قاله أبو داود، وأبو حاتم الرازي كما قدمناه في سورة النور.
الجهة الثانية: أن في إسناده سعيد بن بشير الأزدي مولاهم، قال فيه في التقريب: ضعيف. مع أنه مردود بما ذكرنا من الأدلة على عموم الحجاب، ومع أنه لو قدر ثبوته قد يحمل على أنه كان قبل الأمر بالحجاب.
ومن الأحاديث التي استدلوا بها على ذلك حديث جابر الثابت في الصحيح قال: شهدت مع رسول الله ﷺ الصلاة يوم العيد، فبدأ بالصلاة قبل الخطبة بغير أذان، ولا إقامة، ثم قام متوكئًا على بلال فأمر بتقوى الله، وحث على طاعته، ووعظ الناس، وذكرهم ثم مضى حتى أتى النساء فوعظهن وذكرهن فقال: "تصدقن فإن أكثركن حطب جهنم. ققامت امرأة من سطة النساء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". اهـ.
ء سفعاء الخدين فقالت: لم يا رسول الله؟ قال: لأنكن تكثرن الشكاة، وتكفرن العشير. قال فجعلن يتصدقن من حليهن يلقين في ثوب بلال من أقراطهن وخواتمهن". اهـ. هذا لفظ مسلم في صحيحه.
قالوا: وقوله جابر في هذا الحديث: سفعاء الخدين يدل على أنها كانت كاشفة عن وجهها، إذ لو كانت محتجبة لما رأى خديها، ولما علم بأنها سفعاء الخدين.
وأجيب عن حديث جابر هذا: بأنه ليس فيه ما يدل على أن النبي ﷺ رآها كاشفة عن وجهها، وأقرها على ذلك، بل غاية ما يفيده الحديث أن جابرًا رأى وجهها، وذلك لا يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ...
يستلزم كشفها عنه قصدًا، وكم من امرأة يسقط خمارها عن وجهها من غير قصد، فيراه بعض الناس في تلك الحال كما قال نابغة ذبيان:
سقط النصيف ولم ترد إسقاطه ... فتناولته واتقتنا باليد
فعلى المحتج بحديث جابر المذكور أن يثبت أنه ﷺ رآها سافرة، وأقرها على ذلك، ولا سبيل له إلى إثبات ذلك.
وقد روى القصة المذكورة غير جابر، فلم يذكر كشف المرأة المذكورة عن وجهها، وقد ذكر مسلم في صحيحه ممن رواها غير جابر أبا سعيد الخدري، وابن عباس، وابن عمر، وذكره غيره عن غيرهم. ولم يقل أحد ممن روى القصة غير جابر: إنه رأى خدي تلك المرأة السفعاء الخدين، وبذلك تعلم أنه لا دليل على السفور في حديث جابر المذكور.
وقد قال النووي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: وقوله: فقامت امرأة من سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء.
وي في شرح حديث جابر هذا عند مسلم: وقوله: فقامت امرأة من سطة النساء. هكذا هو في النسخ سطة بكسر السين، وفتح الطاء المخففة. وفي بعض النسخ: واسطة النساء. قال القاضي: معناه: من خيارهن، والوسط العدل والخيار قال: وزعم حذاق شيوخنا أن هذا الحرف مغير في كتاب مسلم، وأن صوابه من
سفلة النساء، وكذا رواه ابن أبي شيبة في مسنده، والنسائي في سننه، وفي رواية لابن أبي شيبة: امرأة ليست من علية النساء. وهذا ضد التفسير الأول، ويعضده قوله بعده: سفعاء الخدين. هذا كلام القاضي. وهذا الذي ادعوه من تغيير الكلمة غير مقبول، بل هي صحيحة، وليس المراد بها من خيار النساء كما فسره به هو، بل المراد: امرأة من وسط النساء جالسة في وسطهن. قال الجوهري وغيره من أهل اللغة: يقال: وسطت القوم أسطهم وسطًا وسطة: أي توسطتهم. اهـ منه. وهذا التفسير الأخير هو الصحيح، فليس في حديث جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة. ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدين قبح في النساء.
جابر ثناء البتة على سفعاء الخدين المذكورة. ويحتمل أن جابرًا ذكر سفعة خديها ليشير إلى أنها ليست ممن شأنها الافتتان بها؛ لأن سفعة الخدين قبح في النساء. قال النووي: سفعاء الخدين، أي: فيها تغير وسواد. وقال الجوهري في صحاحه: والسفعة في الوجه: سواد في خدي المرأة الشاحبة، ويقال للحمامة. سفعاء لما في عنقها من السفعة، قال حميد بن ثور:
من الورق سفعاء العلاطين باكرت ... فروع أشاء مطلع الشمس أسحما
قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: السفعة في الخدين من المعاني المشهورة في كلام العرب: أنها سواد وتغير في الوجه، من مرض أو مصيبة، أو سفر شديد، ومن ذلك قول متمم بن نويرة التميمي يبكي أخاه مالكًا:
تقول ابنة العمري مالك بعدما ... أراك خضيبًا ناعم البال أروعا
فقلت لها طول الأسى إذ سألتني ... ولوعة وجد تترك الخد أسفعا
ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور،
فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ...
الخد أسفعا
ومعلوم أن من السفعة ما هو طبيعي كما في الصقور،
فقد يكون في خدي الصقر سواد طبيعي، ومنه قول زهير بن أبي سلمى:
أهوى لها أسفع الخدين مطرق ... ريش القوادم لم تنصب له الشبك
والمقصود: أن السفعة في الخدين إشارة إلى قبح الوجه، وبعض أهل العلم يقول: إن قبيحة الوجه التي لا يرغب فيها الرجال لقبحها لها حكم القواعد اللاتي لا يرجون نكاحًا.
ومن الأحاديث بها التي استدلوا على ذلك حديث ابن عباس الذي قدمناه قال: أردف رسول الله ﷺ الفضل بن عباس ﵄ يوم النحر خلفه على عجز راحلته، وكان الفضل رجلًا وضيئًا فوقف النبي ﷺ للناس يفتيهم، وأقبلت امرأة من خثعم وضيئة تستفتي رسول الله ﷺ ، فطفق الفضل ينظر إليها، وأعجبه حسنها فالتفت النبي ﷺ ، والفضل ينظر إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا. . . الحديث.
إليها، فأخلف بيده، فأخذ بذقن الفضل فعدل وجهه عن النظر إليها، فقالت: يا رسول الله، إن فريضة الله في الحج على عباده أدركت أبي شيخًا كبيرًا. . . الحديث. قالوا: فالإِخبار عن الخثعمية بأنها وضيئة يفهم منه أنها كانت كاشفة عن وجهها.
وأجيب عن ذلك أيضًا من وجهين:
الأول: الجواب بأنه ليس في شيء من روايات الحديث التصريح بأنها كانت كاشفة عن وجهها، وأن النبي ﷺ رآها كاشفة عنه، وأقرها على ذلك، بل غاية ما في الحديث أنها كانت وضيئة، وفي بعض روايات الحديث: أنها حسناء، ومعرفة كونها وضيئة أو حسناء لا يستلزم أنها كانت كاشفة عن وجهها، وأنه ﷺ أقرها على
ذلك، بل قد ينكشف عنها خمارها من غير قصد، فيراها بعض الرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها.
لرجال من غير قصد كشفها عن وجهها، كما أوضحناه في رؤية جابر سفعاء الخدين. ويحتمل أن يكون يعرف حسنها قبل ذلك الوقت لجواز أن يكون قد رآها قبل ذلك وعرفها. ومما يوضح هذا أن عبد الله بن عباس ﵄ الذي روى عنه هذا الحديث لم يكن حاضرًا وقت نظر أخيه إلى المرأة، ونظرها إليه؛ لما قدمنا من أن النبي ﷺ قدمه بالليل من مزدلفة إلى منى في ضعفة أهله، ومعلوم أنه إنما روى الحديث المذكور من طريق أخيه الفضل، وهو لم يقل له: إنها كانت كاشفة عن وجهها، وإطلاع الفضل على أنها وضيئة حسناء لا يستلزم السفور قصدًا؛ لاحتمال أن يكون رأى وجهها، وعرف حسنه من أجل انكشاف خمارها من غير قصد منها، واحتمال أنه رآها قبل ذلك وعرف حسنها.
فإن قيل: قوله: إنها وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإِعجابه بحسنه.
وضيئة، وترتيبه على ذلك بالفاء قوله: فطفق الفضل ينظر إليها، وقوله: وأعجبه حسنها، فيه الدلالة الظاهرة على أنه كان يرى وجهها، وينظر إليه لإِعجابه بحسنه.
فالجواب: أن تلك القرائن لا تستلزم استلزامًا لا ينفك أنها كانت كاشفة، وأن النبي ﷺ رآها كذلك، وأقرها، لما ذكرنا من أنواع الاحتمال، مع أن جمال المرأة قد يعرف، وينظر إليها؛ لجمالها وهي مختمرة، وذلك الحسن قدها وقوامها، وقد تعرف وضاءتها وحسنها من رؤية بنانها فقط كما هم معلوم، ولذلك فسر ابن مسعود: ﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾ بالملاءة فوق الثياب كما تقدم. ومما يوضح أن الحسن يعرف من تحت الثياب قول الشاعر:
طافت أمامة بالركبان آونة ... يا حسنها من قوام ما ومنتقبا
فقد بالغ في حسن قوامها، مع أن العادة كونه مستورًا بالثياب لا منكشفًا.
الوجه الثاني: أن المرأة محرمة، وإحرام المرأة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإِحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ ، وغيرهن.
ة في وجهها وكفيها، فعليها كشف وجهها إن لم يكن هناك رجال أجانب ينظرون إليها، وعليها ستره من الرجال في الإِحرام، كما هو معروف عن أزواج النبي ﷺ ، وغيرهن. ولم يقل أحد إن هذه المرأة الخثعمية نظر إليها أحد غير الفضل بن عباس ﵄، والفضل منعه النبي ﷺ من النظر إليها، وبذلك يعلم أنها محرمة لم ينظر إليها أحد فكشفها عن وجهها إذًا لإِحرامها، لا لجواز السفور.
فإن قيل: كونها مع الحجاج مظنة أن ينظر الرجال وجهها إن كانت سافرة؛ لأن الغالب أن المرأة السافرة وسط الحجيج لا تخلو ممن ينظر إلى وجهها من الرجال.
فالجواب: أن الغالب على أصحاب النبي ﷺ الورع وعدم النظر إلى النساء، فلا مانع عقلًا ولا شرعًا، ولا عادة من كونها لم ينظر إليها أحد منهم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها. ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى.
هم، ولو نظر إليها لحكى كما حكى نظر الفضل إليها. ويفهم من صرف النبي ﷺ بصر الفضل عنها أنه لا سبيل إلى ترك الأجانب ينظرون إلى الشابة، وهي سافرة كما ترى. وقد دلت الأدلة المتقدمة على أنها يلزمها حجب جميع بدنها عنهم.
وبالجملة، فإن المنصف يعلم أنه يبعد كل البعد أن يأذن الشارع للنساء في الكشف عن الوجه أمام الرجال الأجانب، مع أن الوجه هو أصل الجمال، والنظر إليه من الشابة الجميلة هو أعظم مثير للغريزة
البشرية، وداع إلى الفتنة، والوقوع فيما لا ينبغي. ألم تسمع بعضهم يقول:
قلت اسمحوا في أن أفوز بنظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم
أترضى أيها الإِنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:
وما عجب أن النساء ترجلت ...
نظرة ... ودعوا القيامة بعد ذاك تقوم
أترضى أيها الإِنسان أن تسمح له بهذه النظرة إلى نسائك وبناتك وأخواتك، ولقد صدق من قال:
وما عجب أن النساء ترجلت ... ولكن تأنيث الرجال عجاب
مسألة تتعلق بهذه الآية الكريمة أعني آية الحجاب هذه
اعلم أنه لا يجوز للرجل الأجنبي أن يصافح امرأة أجنبية منه.
ولا يجوز له أن يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها.
والدليل على ذلك أمور:
الأول: أن النبي ﷺ ثبت عنه أنه قال: "إني لا أصافح النساء" الحديث. واللَّه يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾ فيلزمنا ألا نصافح النساء اقتداء به ﷺ . والحديث المذكور قد قدمناه موضحًا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره للرجال.
زمنا ألا نصافح النساء اقتداء به ﷺ . والحديث المذكور قد قدمناه موضحًا في سورة الحج في الكلام على النهي عن لبس المعصفر مطلقًا في الإِحرام وغيره للرجال. وفي سورة الأحزاب في آية الحجاب هذه.
وكونه ﷺ لا يصافح النساء وقت البيعة دليل واضح على أن الرجل لا يصافح المرأة، ولا يمس شيء من بدنه شيئًا من بدنها؛ لأن أخف أنواع اللمس المصافحة، فإذا امتنع منها ﷺ في الوقت الذي يقتضيها، وهو وقت المبايعة، دل ذلك على أنها لا تجوز،
وليس لأحد مخالفته ﷺ؛ لأنه هو المشرع لأمته بأقواله وأفعاله وتقريره.
الأمر الثاني: هو ما قدمنا من أن المرأة كلها عورة يجب عليها أن تحتجب، وإنما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك.
ما أمر بغض البصر خوف الوقوع في الفتنة، ولا شك أن مس البدن للبدن أقوى في إثارة الغريزة، وأقوى داعيًا إلى الفتنة من النظر بالعين، وكل منصف يعلم صحة ذلك.
الأمر الثالث: أن ذلك ذريعة إلى التلذذ بالأجنبية، لقلة تقوى الله في هذا الزمان وضياع الأمانة، وعدم التورع عن الربية، وقد أخبرنا مرارًا أن بعض الأزواج من العوام يقبل أخت امرأته بوضع الفم على الفم، ويسمون ذلك التقبيل الحرام بالإِجماع سلامًا، فيقولون: سلم عليها يعنون قبلها، فالحق الذي لا شك فيه التباعد عن جميع الفتن والريب، وأسبابها، ومن أكبرها لمس الرجل شيئًا من بدن الأجنبية، والذريعة إلى الحرام يجب سدها، كما أوضحناه في غير هذا الموضع، وإليه الإِشارة يقول صاحب مراقي السعود:
سد الذرائع إلى المحرم ... حتم كفتحها إلى المنحتم
•