(Wahai orang-orang yang beriman! Penuhilah janji-janji! 252) Hewan ternak dihalalkan bagimu, kecuali yang akan disebutkan kepadamu, dengan tidak menghalalkan berburu ketika kamu sedang berihram (haji atau umrah). Sesungguhnya Allah menetapkan hukum sesuai dengan yang Dia kehendaki
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
قال أبو جعفرٍ محمدُ بنُ جريرٍ ﵀: يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا﴾: يا أيها الذين أقرُّوا بوحدانيةِ اللهِ وأَذْعَنوا للَّهِ بالعبودةِ، وسلَّموا له الألوهةَ، وصدَّقوا رسولَه محمدًا ﷺ فى نبوَّتِه، وفيما جاءهم به من عندِ ربِّهم من شرائعِ و دينهِ، ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: أَوْفُوا بالعهودِ التى عاهدتموها ربَّكم، والعقودِ التى عاقدتموها إيَّاه، وأَوْجَبتم بها على أنفسِكم حقوقًا، وألزَمتم بها أنفسَكم للهِ فروضًا، فأتِمُّوها بالوفاءِ والكمالِ والتمامِ منكم للهِ بما اَلْزَمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أو جَبتُموه له بها على أنفسِكم، ولا تَنْكُثوها فتَنْقُضوها بعدَ توكيدِها.
لوفاءِ والكمالِ والتمامِ منكم للهِ بما اَلْزَمكم بها، ولمن عاقدتموه منكم بما أو جَبتُموه له بها على أنفسِكم، ولا تَنْكُثوها فتَنْقُضوها بعدَ توكيدِها.
واخْتَلف أهلُ التأويلِ فى "العقودِ" التى أمَر اللهُ جلّ ثناؤُه بالوفاءِ بها بهذه الآيةِ، بعدَ إجماعِ جميعِهم على أن معنى العقودِ العهودُ؛ فقال بعضُهم: هي العقودُ التي كان أهلُ الجاهليةِ عاقَدَ بعضُهم بعضًا على النصرةِ
والمؤازرةِ والمظاهرةِ على من حاول ظلمَه أو بغاه سوءًا. وذلك هو معنى الحِلْفِ الذي كانوا يتعاقَدونه بينَهم.
ذكرُ من قال: معنى العقودِ العهودُ
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى معاويةُ بنُ صالحٍ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: بالعهودِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
العهودِ.
حدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ.
حدَّثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شِبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا [أبى، عن سفيانَ]، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبيدُ اللهِ، عن أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الرَّبيع بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مُطَرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ يحدِّثُهم، فقال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُود﴾. قال: العهودُ.
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
قُود﴾. قال: العهودُ.
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُويبرٍ، عن الضَّحَّاكِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ.
حُدِّثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سمِعت أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعت الضَّحاكَ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: بالعهودِ.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضَّلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّديِّ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هى العهودُ.
حدَّثنى الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيز، قال: سمِعت سفيانَ الثورىَّ يقولُ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: بالعهودِ.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسيُن، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ، [عن مجاهدٍ] مثلَه.
قال أبو جعفرٍ: والعقودُ جمعُ عَقْدٍ، وأصلُ العَقْدِ: عقدُ الشئِ بغيرِه، وهو وصلُه به، كما يُعْقَدُ الحبلُ بالحبلِ، إذا وُصِل به شدًّا، يقالُ منه: عقَد فلانٌ بينَه وبينَ فلانٍ عَقْدًا، فهو يعقِدُه.
قْدِ: عقدُ الشئِ بغيرِه، وهو وصلُه به، كما يُعْقَدُ الحبلُ بالحبلِ، إذا وُصِل به شدًّا، يقالُ منه: عقَد فلانٌ بينَه وبينَ فلانٍ عَقْدًا، فهو يعقِدُه. ومنه قولُ الحُطَيئةِ:
قومٌ إذا عقَدوا عَقْدًا لجارِهمُ … شدُّوا العِنَاجَ وشدُّوا فَوْقَه الكَرَبَا
وذلك إذا واثَقه على أمرٍ وعاهَده عليه عهدًا بالوفاءِ له بما عاقَده عليه، من أمانٍ أو ذمَّةٍ، أو نصرةٍ، أو نكاحٍ، أو بيعٍ، أو شَرِكةٍ، أو غيرِ ذلك من العقودِ.
ذكرُ من قال المعنى الذى ذكَرنا عمَّن قاله في المرادِ من قولِه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
حدثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أى: بعقدِ الجاهليةِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "أَوْفُوا بعقدِ الجاهليةِ، ولا تُحْدِثوا عقدًا في الإسلامِ ".
نُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أى: بعقدِ الجاهليةِ. ذُكِر لنا أن نبيَّ اللهِ ﷺ كان يقولُ: "أَوْفُوا بعقدِ الجاهليةِ، ولا تُحْدِثوا عقدًا في الإسلامِ ". وذُكِر لنا أن فُرَاتَ بنَ حَيَّانَ العِجْليَّ سأل رسولَ اللهِ ﷺ عن حِلْفِ الجاهليةِ، فقال نبىُّ اللهِ ﷺ: "لعلَّك تسألُ عن حِلْفِ [لَخْمٍ وتَيْمِ اللهِ] فقال: نعم يا نبىَّ اللهِ.
قال: "لا يَزِيدُه الإسلامُ إِلَّا شِدَّةً".
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: هي عقودُ الجاهليةِ، الحِلْفُ.
وقال آخرون: بل هى العهودُ التى أخَذ اللهُ على عبادِه بالإيمانِ به وطاعتِه فيما أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
ذلك
حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. يعنى: ما أَحَلَّ وما حرَّم، وما فرَض وما حدَّ فى القرآنِ كلِّه، فلا تَغْدِروا، ولا تَنْكُثوا، ثم شدَّد ذلك فقال: ﴿الَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾. إلى قولِه: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
حدثنى المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾: ما عقد الله على العبادِ مما أحَلَّ لهم وحرَّم عليهم.
وقال آخرون: بل هى العقودُ التى يتعاقدُها الناسُ بينَهم، ويعقِدُها المرءُ على نفسِه.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: حدثنا أبى، عن موسى بنِ عُبيدةَ، عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقْدَةُ الأيمانِ، وعُقْدُة النكاحِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ البيع، وعُقْدةُ الحِلْفِ.
ِ عُبيدةَ، عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقْدَةُ الأيمانِ، وعُقْدُة النكاحِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ البيع، وعُقْدةُ الحِلْفِ.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا وكيعٌ، عن موسى بن عُبيدةَ، عن محمدِ بنِ كعبٍ القُرَظىِّ، أو عن أخيه عبدِ اللهِ بنِ عُبيدةَ، بنحوِه.
حدثنى يونسُ بن عبدِ الأعلى، قال: أخبرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ فى قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: عَقدُ العهدِ، وعَقدُ اليمينِ، وعَقدُ الحلِفِ، وعَقدُ الشركةِ، وعَقدُ النكاحِ. قال: هذه العقودُ خمسٌ.
حدثني المثنى، قال: ثنا عُتْبةُ بنُ سعيدٍ الِحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، قال: ثنى أبى فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
الِحمْصيُّ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ بنُ زيدِ بنِ أسلمَ، قال: ثنى أبى فى قولِ اللهِ جلَّ ثناؤُه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العقودُ خمسٌ؛ عُقدةُ النكاحِ، وعُقْدَةُ الشركةِ، وعُقْدَةُ اليمينِ، وعُقْدةُ العهدِ، وعُقْدةُ الحِلْفِ.
وقال آخرون: بل هذه الآيةُ أمرٌ من اللهِ تعالى ذكرُه لأهلِ الكتابِ بالوفاءِ بما أخَذ
به ميثاقَهم من العملِ بما فى التوراةِ والإنجيلِ فى تصديقِ محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به من عنِد اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: الله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
محمدٍ ﷺ، وما جاءهم به من عنِد اللهِ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا حجاجٌ، عن ابنِ جُريجٍ: الله: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. قال: العهودُ التى أخَذها اللهُ على أهلِ الكتابِ أن يعمَلوا بما جاءهم.
حدثني المثنى، قال: ثني أبو صالحٍ، قال: ثنا الليثُ، قال: ثنى يونسُ، قال: قال محمدُ بنُ مسلمٍ: قرَأتُ كتابَ رسولِ اللهِ ﷺ الذى كتَب لعمرِو بنِ حَزْمٍ حينَ بعثَه على نَجْرانَ، فكان الكتابُ عندَ أبى بكرِ بنِ حَزْمٍ، فيه: هذا بيانٌ من اللهِ ورسولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
نَ بعثَه على نَجْرانَ، فكان الكتابُ عندَ أبى بكرِ بنِ حَزْمٍ، فيه: هذا بيانٌ من اللهِ ورسولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. فكتَب الآياتِ منها، حتى بلَغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾ [المائدة: ٤].
وأولى الأقوالِ فى ذلك عندَنا بالصوابِ ما قاله ابنُ عباسٍ، وأن معناه: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ الله التى أَوْجَبها عليكم وعقَدها، فيما أحلَّ لكم وحرَّم عليكم، وألْزمكم فَرْضَه، وبيَّن لكم حدودَه.
وإنما قلنا: ذلك أولى بالصوابِ من غيرِه من الأقوالِ؛ لأن اللهَ جلَّ ثناؤه أتْبَع ذلك البيانَ عما أحلَّ لعبادِه وحرَّم عليهم، وما أوْجب عليهم من فرائِضه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه عبادَه بالعملِ بما ألْزَمهم من
فرائضِه وعقودِه عَقِيبَ ذلك، ونَهْىٌ منه لهم عن نقضِ ما عقَده [عليهم منه]، مع أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾.
ٌ منه عبادَه بالعملِ بما ألْزَمهم من
فرائضِه وعقودِه عَقِيبَ ذلك، ونَهْىٌ منه لهم عن نقضِ ما عقَده [عليهم منه]، مع أن قولَه: ﴿أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. أمرٌ منه بالوفاءِ بكلِّ عقدٍ أذِن فيه، فغيرُ جائزٍ أن يُخَصَّ منه شيءٌ حتى تقومَ حجةٌ بخصوصِ شيءٍ منه يجبُ التسليمُ لها.
فإذ كان الأمرُ فى ذلك كما وصَفنا، فلا معنى [لقولِ من] وجَّه ذلك إلى معنى الأمر بالوفاءِ ببعضِ العقودِ التى أمَر الله جل ثناؤُه بالوفاءِ بها دونَ بعضٍ.
وأما قولُه: ﴿أَوْفُوا﴾. فإن للعربِ فيه لغتين: إحداهما: "أَوْفُوا". من قولِ القائلِ: أَوْفَيتُ لفلانٍ بعهدِه، أُوفِى له به.
ُه بالوفاءِ بها دونَ بعضٍ.
وأما قولُه: ﴿أَوْفُوا﴾. فإن للعربِ فيه لغتين: إحداهما: "أَوْفُوا". من قولِ القائلِ: أَوْفَيتُ لفلانٍ بعهدِه، أُوفِى له به. والأُخرى: "فُوا" من قولِهم: وَفَيْتُ له بعهدِه، أَفِى.
والإيفاءُ بالعهدِ: إتمامُه على ما عُقِد عليه من شروطِه الجائزةِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى "بهيمةِ الأنعامِ" التي ذكَر اللهُ جل ثناؤه في هذه الآيةِ أنه أحلَّها لنا؛ فقال بعضُهم: هى الأنعامُ كلُّها.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى، عن عوفٍ، عن الحسن، قال:
بهيمةُ الأنعامِ: مِن الإبلِ والبقرِ والغنمِ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
ِ والبقرِ والغنمِ.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها.
حدثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّيِّ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها.
حدثنى المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهٍ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ بنِ أنسٍ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها.
حدثت عن الحسينِ بنِ الفرجِ، قال: سِمعتُ أبا معاذٍ يقولُ: أخبرنا عُبيدُ بنُ سليمانَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: هي الأنعامُ.
وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾.
نَ، قال: سمِعتُ الضحاكَ يقولُ في قولِه: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾: هي الأنعامُ.
وقال آخرون: بل عنَى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. أجنَّةَ الأنعامِ التى تُوجدُ فى بطونِ أمهاتِها - إذا نُحِرت أو ذُبِحت - مَيِّتةً.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو عبدِ الرحمنِ الفَزاريُّ، عن عطيةَ العوفىِّ، عن ابنِ عمرَ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْعَامِ﴾. قال: ما في بطونِها. قال: قلت: إن خرَج ميِّتًا آكُلُه؟
لفَزاريُّ، عن عطيةَ العوفىِّ، عن ابنِ عمرَ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ
الْأَنْعَامِ﴾. قال: ما في بطونِها. قال: قلت: إن خرَج ميِّتًا آكُلُه؟ قال: نعم.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: أخبرنا يحيى بنُ زكريا، عن إدريسَ الأَوْدِيِّ، عن عطيةَ، عن ابنِ عمرَ نحوَه، وزاد فيه: قال: نعم، هو بمنزلةِ رِئَتِها وكَبِدِها.
حدثنا ابنُ حُميدٍ وابنُ وكيعٍ، قالا: ثنا جريرٌ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، قال: الجنينُ من بهيمةِ الأنعامِ، فكُلوه.
حدثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن مِسْعرٍ وسفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ، أن بقرةً نُحِرت، فُوجِد في بطنِها جنينٌ، فأخَذ ابنُ عباسٍ بذَنَبِ الجنينِ، فقال: هذا من بهيمةِ الأنعامِ التى أُحِلَّت لكم.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هو من بهيمةِ الأنعامِ.
من بهيمةِ الأنعامِ التى أُحِلَّت لكم.
حدثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا ابن يَمانٍ، عن سفيانَ، عن قابوسَ، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: هو من بهيمةِ الأنعامِ.
حدثنا ابنُ بشَّارٍ، قال: ثنا أبو عاصمٍ ومؤمَّلٌ، قالا: ثنا سفيانُ، عن قابوسَ، عن أبيه، قال: ذبَحنا بقرةً، فإذا في بطنِها جنينٌ، فسألنا ابنَ عباسٍ، فقال: هذه بهيمةُ الأنعامِ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى القولين بالصوابِ فى ذلك قولُ من قال: عَنى بقولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. الأنعامَ كلَّها، أجِنَّتَها وسِخالَها وكبارَها؛ لأن
العربَ لا تمتنعُ من تسميةِ جميعِ ذلك بهيمةً وبهائمَ، ولم يَخْصُصِ اللهُ منها شيئًا دونَ شيءٍ، فذلك على عمومِه وظاهرهِ حتى تأتىَ حجةٌ بخصوصِه يجبُ التسليمُ لها. وأما النَّعَمُ فإنها عندَ العربِ اسمٌ للإبلِ والبقرِ والغنمِ خاصَّةً، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥].
مٌ للإبلِ والبقرِ والغنمِ خاصَّةً، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَالْأَنْعَامَ خَلَقَهَا لَكُمْ فِيهَا دِفْءٌ وَمَنَافِعُ وَمِنْهَا تَأْكُلُونَ﴾ [النحل: ٥]. ثم قال: ﴿وَالْخَيْلَ وَالْبِغَالَ وَالْحَمِيرَ لِتَرْكَبُوهَا وَزِينَةً﴾ [النحل: ٨] ففصَل جنسَ النَّعَمِ من غيرِها من أجناسِ الحيوانِ.
وأما بهائمُها فإنها أولادُها. وإنما قلنا: يلزَمُ الكبارَ منها اسمُ بهيمةٍ كما يلزَمُ الصغارَ؛ لأن معنى قولِ القائلِ: بهيمةُ الأنعامِ. نظيُر قولِه: ولدُ الأنعامِ. [فكما لا] يسقُطُ معنى الولادةِ عنه بعدَ الكِبَرِ، فكذلك لا يسقُطُ عنه اسمُ البهيمةِ بعدَ الكِبَرِ.
وقد قال قومٌ: بهيمةُ الأنعامِ: وَحْشُها؛ كالظِّباءِ وبقرِ الوحشِ والحُمُرِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤه وتَقدَّست أسماؤُه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
قال أبو جعفرٍ: اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى الذي عناه اللهُ جل ثناؤه بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾؛ فقال بعضُهم: عنَى اللهُ بذلك: أُحِلَّت لكم أولادُ الإبلِ والبقرِ والغنمِ، إلا ما بيَّن اللهُ لكم فيما يُتْلى عليكم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية [المائدة: ٣].
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى
نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: إلَّا المَيْتَةَ وما ذُكِر معها.
حدثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ أي: من المَيْتَةِ التى نهَى اللهُ عنها وقدَّم فيها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
ةِ التى نهَى اللهُ عنها وقدَّم فيها.
حدثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرنا معمرٌ، عن قتادةَ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: إلا المَيْتَةَ وما لم يُذْكَرِ اسمُ اللهِ عليه.
أخبرنا محمدُ بنِ الحسين، قال: أخبرنا أحمدُ بنُ مفضَّلٍ، قال: أخبرنا أسباطُ، السُّدِّىِّ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ.
حدثنى المثنى، قال: أخبرنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىِّ بنِ أبى طلحةَ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾: هى الميتةُ والدَّمُ ولحمُ الخنزيرِ وما أُهِلَّ لغيرِ اللهِ به.
وقال آخرون: بل الذى اسْتَثنى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ الخنزيرُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
يرُ.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنى عليُّ بن داودَ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ، عن علىٍّ، عن ابنِ عباسٍ: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. قال: الخنزيرُ.
قال أبو جعفرٍ: وأولى التأويلين عندى بالصوابِ تأويلُ من قال: عنَى بذلك: إلا ما يُتْلَى عليكم من تحريمِ اللهَ ما حرَّم عليكم بقولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ﴾ الآية؛ لأن اللهَ تعالى ذكرُه اسْتَثْنَى مما أباح لعبادِه من بهيمةِ الأنعامِ ما حرَّم عليهم منها. والذى حرَّم عليهم منها ما بيَّنه في قولِه: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾. [والِخْنزيرُ] وإن كان مما حرَّمه اللهُ جلَّ وعزَّ علينا فليس من بهيمةِ الأنعامِ فيُسْتَثنى منها. فاستثناءُ ما حرَّم علينا مما دخَل في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ، أشبهُ من استثناءِ ما حرَّم مما لم يدخُلْ في جملةِ ما قبلَ الاستثناءِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
اخْتَلف أهلُ التأويلِ فى تأويلِ ذلك؛ فقال بعضُهم: معنى ذلك: يا أيها الذين آمَنوا أَوْفوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ.
فذلك على قولِهم من المؤخَّرِ الذى معناه التقديمُ، و فـ ﴿غَيْرَ﴾ منصوبٌ، على قولِ قائلى هذه المقالةِ، على الحالِ مما في قولِه: ﴿أَوْفُوا﴾ من ذكرِ "الذين آمَنوا".
وتأويلُ الكلام على مذهبِهم: أوْفُوا أيها المؤمنون بعقودِ اللهِ التي عقَدها عليكم في كتابِه، لا مُحِلِّين الصيدَ وأنتم حُرُمٌ.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ الوحشيَّةِ من الطَّبَاءِ والبقرِ والحُمُرِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، غير مستحلِّى اصطيادِها، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلا ما يُتْلَى عليكم.
َنْعَامِ﴾ الوحشيَّةِ من الطَّبَاءِ والبقرِ والحُمُرِ، ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾، غير مستحلِّى اصطيادِها، ﴿وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾، إلا ما يُتْلَى عليكم. فـ ﴿غَيْرَ﴾ على قولِ هؤلاء منصوبٌ على الحالِ من الكافِ والميم اللتين في قولِه: ﴿لَكُمْ﴾ بتأويل: أُحِلَّت لكم أيها الذين آمنوا بهيمةُ الأنعامِ لا مستحلِّى اصطيادِها في حالِ إحرامِكم.
وقال آخرون: معنى ذلك: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ كلّها، ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ فلا يحِلُّ لكم وأنتم حُرُمٌ. فكأَنَّ قال ذلك وجَّه الكلامَ إلى معنى: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ كلِّها، إلا ما يُبيِّنُ لكم من وحشيِّها، غيرَ مستحلِّى اصطيادِها فى حالِ إحرامِكم.
أَنَّ قال ذلك وجَّه الكلامَ إلى معنى: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ كلِّها، إلا ما يُبيِّنُ لكم من وحشيِّها، غيرَ مستحلِّى اصطيادِها فى حالِ إحرامِكم. فتكونُ ﴿غَيْرَ﴾ كل منصوبةً - على قولِهم - على الحالِ من الكافِ والميمِ في قولِه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾.
ذكرُ من قال ذلك
حدثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: أخبرنا [عبيدُ اللهِ، عن] أبى جعفرٍ الرازىِّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، قال: جلَسنا إلى مطرِّفِ بنِ الشِّخِّيرِ وعندَه رجلٌ فحدَّثهم، فقال: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ [إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. قال: إلا ما كان من الأنعامِ صَيدًا]، فهو عليكم حرامٌ. يعنى بقرَ الوحشِ والظِّباءَ وأشباهَه.
حدثنى المثنى، قال: أخبرنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾.
عن أبيه، عن الرَّبيعِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ﴾. قال: الأنعامُ كلُّها حِلٌّ إلا ما كان منها وحشيًّا، فإنه صيدٌ، فلا يحِلُّ إذا كان مُحْرِمًا.
قال أبو جعفرٍ: وأولى الأقوالِ فى ذلك بالصوابِ - على ما تظاهَرت به تأويلُ أهلِ التأويلِ فى قولِه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾. من أنها الأنعامُ و أجِنَّتُها وسخالُها، وعلى دلالةِ ظاهرِ التنزيلِ - قولُ من قال: معنى ذلك: أوْفُوا بالعقودِ غيرَ مُحِلِّى الصيدِ وأنتم حُرُمٌ، فقد أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ فى حالِ إحرامِكم وغيرِها من أحوالِكم، إلا ما يُتْلَى عليكم تحريمُه من الميتةِ منها والدمِ وما أُهِلَّ
لغيرِ اللهِ به. وذلك أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لو كان معناه: إلا الصيدَ. لقيل: إلا ما يُتْلَى عليكم من الصيدِ غيَر مُحِلِّيه.
ُهِلَّ
لغيرِ اللهِ به. وذلك أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. لو كان معناه: إلا الصيدَ. لقيل: إلا ما يُتْلَى عليكم من الصيدِ غيَر مُحِلِّيه. وفى تركِ اللهِ جل ذكرُه وصلَ قوله: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾ بما ذكَرتُ، وإظهارِ ذكر الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾. أوضحُ الدليلِ على أن قولَه: ﴿إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾. خبرٌ متناهيةٌ قصتُه، وأن معنى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ منفصلٌ منه، وكذلك لو كان قولُه تعالى ذِكرُه: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ﴾ مقصودًا به قصدُ الوَحْشِ، لم يكنْ أيضًا لإعادةِ ذكرِ الصيدِ فى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وجهٌ، وقد مضَى ذكرُه قبلُ، ولقيل: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إلا ما يُتْلَى عليكم غيرَ مُحِلِّيه وأنتم حُرُمٌ.
ى قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ وجهٌ، وقد مضَى ذكرُه قبلُ، ولقيل: أُحِلَّت لكم بهيمةُ الأنعامِ إلا ما يُتْلَى عليكم غيرَ مُحِلِّيه وأنتم حُرُمٌ. وفي إظهارِه ذكرَ الصيدِ في قولِه: ﴿غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ﴾ أبيُن الدلالةِ على صحةِ ما قلنا فى معنى ذلك.
فإن قال قائلٌ: فإن العربَ ربما أَظْهَرت ذكرَ الشيءِ باسمِه، وقد جرَى [ذكرُه باسِمه] [قبلُ. قيل]: ذلك من فعلِها فى ضرورةِ شعرٍ، وليس ذلك بالفصيحِ المستعملِ من كلامِهم، وتوجيهُ كلامِ اللهِ جل ثناؤه إلى الأفصحِ من لغاتِ من نزَلَ كلامُه بلغِته أوْلَى ما وُجِد إلى ذلك سبيلٌ من صرفِه إلى غيرِ ذلك.
فمعنى الكلام إذن: يا أيها الذين آمنوا أَوْفُوا بعقودِ اللهِ التى عقَد عليكم فيما حرَّم وأحلَّ، لا مُحِلِّين الصيدَ فى حرَمِكم؛ ففيما أُحِلَّ لكم من بهيمةِ الأنعامِ المذكَّاةِ دونَ ميتتِها متسَعٌ لكم، ومُسْتغْنىً عن الصيدِ فى حالِ إحرامِكم.
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ (١)﴾.
قال أبو جعفر: يعنى بذلك: إن اللهَ يقضى في خلقِه ما يشاءُ من تحليلِ ما أراد تحليلَه، وتحريمِ ما أراد تحريمَه، وإيجابِ ما شاء إيجابَه عليهم، وغيرَ ذلك من أحكامِه وقضاياه، فأؤفُوا أيها [المؤمنون له] بما عقَد عليكم من تحليلِ ما أحَلَّ لكم، وتحريمِ ما حرَّم عليكم، وغيرِ ذلك من عقودِه فلا تَنْكُثوها ولا تَنْقُضوها.
كما حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخبَرنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ﴾: إن اللهَ حكَم ما أراد فى خلقِه، وبيَّن لعبادِه، وفرَض فرائضَه، وحدَّ حدودَه، وأمرَ بطاعتِه، ونهَى عن معصيتِه.
، حدثنا نُعَيْم بن حماد، حدثنا عبد الله بن المبارك، حدثنا مِسْعَر، حدثني مَعْن وعَوْف -أو: أحدهما-أن رجلا أتى عبد الله بن مسعود [﵁] فقال: اعهد إليَّ. فقال: إذا سمعت الله يقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فارْعِها سَمْعَك، فإنه خَيْر يأمر به، أو شَر ينهى عنه.
وقال: حدثنا علي بن الحسين، حدثنا عبد الرحمن بن إبراهيم -دُحيم-حدثنا الوليد، حدثنا الأوزاعي، عن الزهري قال: إذا قال الله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) افعلوا، فالنبي ﷺ منهم.
وحدثنا أحمد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين".
مد بن سنَان، حدثنا محمد بن عُبيد حدثنا الأعمش، عن خَيْثَمَة قال: كل شيء في القرآن: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) فهو في التوراة: "يأ يها المساكين".
فأما ما رواه عن زيد بن إسماعيل الصائغ البغدادي، حدثنا معاوية -يعني: ابن هشام-عن عيسى بن راشد، عن علي بن بُذَيْمَة، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس قال: ما في القرآن آية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا) إلا أن عليًا سيدها وشريفها وأميرها، وما من أصحاب النبي ﷺ أحد إلا قد عوتب في القرآن إلا علي بن أبي طالب، فإنه لم يعاتبْ في شيء منه. فهو أثر غريب ولفظه فيه نكارة، وفي إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل.
إسناده نظر.
قال البخاري: عيسى بن راشد هذا مجهول، وخبره منكر. قلت: وعلي بن بذيمة -وإن كان ثقة-إلا أنه شيعي غالٍ، وخبره في مثل هذا فيه تُهمة فلا يقبل. وقوله: "ولم يبق أحد من الصحابة إلا
عوتب في القرآن إلا عليًا" إنما يشير به إلى الآية الآمرة بالصدقة بين يدي النجوي، فإنه قد ذَكَر غير واحد أنه لم يعمل بها أحد إلا عليٌّ، ونزل قوله: ﴿أَأَشْفَقْتُمْ أَنْ تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَاتٍ فَإِذْ لَمْ تَفْعَلُوا وَتَابَ اللَّهُ﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه.
﴾ الآية [سورة المجادلة: ١٣] وفي كون هذا عتابًا نظر؛ فإنه قد قيل: إن الأمر كان ندبا لا إيجابا، ثم قد نسخ ذلك عنهم قبل الفعل، فلم ير من أحد منهم خلافه. وقوله عن علي: "إنه لم يعاتب في شيء من القرآن" فيه نظر أيضًا؛ فإن الآية التي في الأنفال التي فيها المعاتبة على أخذ الفِداء عَمَّت جميع من أشار بأخذه، ولم يسلم منها إلا عُمر بن الخطاب، ﵁، فعلم بهذا، وبما تقدم ضَعفُ هذا الأثر، والله أعلم.
وقال ابن جرير: حدثني المثنى، حدثنا عبد الله بن صالح، حدثنا اللَّيْث، حدثني يونس قال: قال محمد بن مسلم: قرأت كتاب رسول الله ﷺ الذي كُتب لعمرو بن حَزْم حين بعثه إلى نَجْران، وكان الكتاب عند أبي بكر بن حزم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
زم، فيه: هذا بيان من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فكتب الآيات منها حتى بلغ: ﴿إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد، حدثنا يونس بن بُكَيْر، حدثنا محمد بن إسحاق، حدثني عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، عن أبيه قال: هذا كتابُ رسول الله ﷺ عندنا، الذي كتبه لعمرو بن حَزْم، حين بعثه إلى اليمن يُفَقه أهلها ويعلمهم السنة، ويأخذ صدقاتهم. فكتب له كتابا وعهدا، وأمره فيه بأمره، فكتب: " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا كتاب من الله ورسوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) عَهْدٌ من محمد رسول الله ﷺ لعمرو بن حزم، حين بعثه إلى اليمن، أمره بتقوى الله في أمره كله، فإن الله مع الذين اتقوا والذين هم محسنون".
قوله تعالى (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره.
بِالْعُقُودِ) قال ابن عباس ومجاهد وغير واحد: يعني بالعقود: العهود. وحكى ابن جرير الإجماع على ذلك قال: والعهود ما كانوا يتعاهدون عليه من الحلف وغيره. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس في قوله (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) يعني بالعهود: يعني ما أحل الله وما حرم، وما فرض وما حَد في القرآن كله، فلا تغدروا ولا تنكثوا، ثم شدد في ذلك فقال: ﴿وَالَّذِينَ يَنْقُضُونَ عَهْدَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مِيثَاقِهِ وَيَقْطَعُونَ مَا أَمَرَ اللَّهُ بِهِ أَنْ يُوصَلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُوءُ الدَّارِ﴾ [الرعد: ٢٥].
وقال الضحاك: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: ما أحل الله وما حرم وما أخذ الله من الميثاق على من أقر بالإيمان بالنبي [ﷺ] والكتاب أن يوفوا بما أخذ الله عليهم من الفرائض من الحلال والحرام.
وقال زيد بن أسلم: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
ِ) قال: هي ستة: عهد الله، وعقد الحلف، وعقد الشركة، وعقد البيع، وعقد النكاح، وعقد اليمين.
وقال محمد بن كعب: هي خمسة منها: حلف الجاهلية، وشركة المفاوضة.
وقد استدل بعض من ذهب إلى أنه لا خيار في مجلس البيع بهذه الآية: (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) قال: فهذا يدل على لزوم العقد وثبوته، فيقتضي نفي خيار المجلس، وهذا مذهب أبي حنيفة، ومالك. وخالفهما الشافعي وأحمد بن حنبل والجمهور، والحجة في ذلك ما ثبت في الصحيحين، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: "البَيِّعان بالخيار ما لم يَتَفرَّقا" وفي لفْظ للبخاري: "إذا تبايع الرجلان فكل واحد منهما بالخيار ما لم يتفرقا" وهذا صريح في إثبات خيار المجلس المتعقب لعقد البيع، وليس هذا منافيًا للزوم العقد، بل هو من مقتضياته شرعا، فالتزامه من تمام الوفاء بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب.
بالعقد.
وقوله تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ) هي: الإبل والبقر، والغنم. قاله الحسن وقتادة وغير واحد. قال ابن جرير: وكذلك هو عند العرب. وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد بهذه الآية على إباحة الجنين إذا وجد ميتا في بطن أمه إذا ذبحت، وقد ورد في ذلك حديث في السنن، رواه أبو داود والترمذي وابن ماجه، من طريق مُجالد، عن أبي الودَّاك جبر بن نَوْف، عن أبي سعيد، قال: قلنا: يا رسول الله، ننحر الناقة، ونذبح البقرة أو الشاة في بطنها الجنين، أنلقيه أم نأكله؟ فقال: "كلوه إن شئتم؛ فإن ذكاته ذكاة أمه". وقال الترمذي: حديث حسن.
[و] قال أبو داود: حدثنا محمد بن يحيى بن فارس، حدثنا إسحاق بن إبراهيم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه".
يم، حدثنا عَتَّاب بن بشير، حدثنا عبيد الله بن أبي زياد القداح المكي، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله، عن رسول الله ﷺ قال: " ذكاة الجنين ذكاة أمه". تفرد به أبو داود.
وقوله: (إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: يعني بذلك: الميتة، والدم، ولحم الخنزير.
وقال قتادة: يعني بذلك الميتة، وما لم يذكر اسم الله عليه.
والظاهر -والله أعلم-أن المراد بذلك قوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها.
أَكَلَ السَّبُعُ﴾ فإن هذه وإن كانت من الأنعام إلا أنها تحرم بهذه العوارض؛ ولهذا قال: ﴿إِلا مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾ يعني: منها. فإنه حرام لا يمكن استدراكه، وتلاحقُه؛ ولهذا قال تعالى: (أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الأنْعَامِ إِلا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ) أي: إلا ما سيتلى عليكم من تحريم بعضها في بعض الأحوال.
وقوله: (غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ) قال بعضهم: هذا منصوب على الحال. والمراد من الأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
لأنعام: ما يعم الإنسي من الإبل والبقر والغنم، وما يعم الوحشي كالظباء والبقر والحمر، فاستثنى من الإنسي ما تقدم، واستثنى من الوحشي الصيد في حال الإحرام.
وقيل: المراد [أحللنا لكم الأنعام إلا ما استثني لمن التزم تحريم الصيد وهو حرام، كقوله: ﴿فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلا عَادٍ﴾ أي: أبحنا تناول الميتة للمضطر بشرط أن يكون غير باغ ولا عاد، أي: كما] أحللنا الأنعام لكم في جميع الأحوال، فحرموا الصيد في حال الإحرام، فإن الله قد حكم بهذا وهو الحكيم في جميع ما يأمر به وينهى عنه؛ ولهذا قال: (إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ)
ثم قال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعَائِرَ اللَّهِ) قال ابن عباس: يعني بذلك مناسك الحج.
وقال مجاهد: الصفا والمروة والهدي والبُدن من شعائر الله.
وقيل: شعائر الله محارمه [التي حرمها] أي: لا تحلوا محارم الله التي حرمها تعالى؛ ولهذا قال [تعالى] (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني بذلك تحريمه والاعتراف بتعظيمه، وترك ما نهى الله عن تعاطيه فيه من الابتداء بالقتال وتأكيد اجتناب المحارم، كما قال تعالى: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالٌ فِيهِ كَبِيرٌ﴾ [البقرة: ٢١٧]، وقال تعالى: ﴿إِنَّ عِدَّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرًا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية.
ابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ فَلا تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ الآية. [التوبة: ٣٦].
وفي صحيح البخاري: عن أبي بكرة أن رسول الله ﷺ قال في حجة الوداع: "إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض، السنة اثنا عشر شهرا، منها أربعة حُرُم، ثلاث متواليات: ذو القَعْدة، وذو الحجة، والمحرم، ورجب مُضَر الذي بين جُمادى وشعبان".
وهذا يدل على استمرار تحريمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه.
يمها إلى آخر وقت، كما هو مذهب طائفة من السلف.
وقال علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: (وَلا الشَّهْرَ الْحَرَامَ) يعني: لا تستحلوا قتالا فيه. وكذا قال مُقَاتل بن حَيَّان، وعبد الكريم بن مالك الجزَريُّ، واختاره ابن جرير أيضًا، وقد ذهب الجمهور إلى أن ذلك منسوخ، وأنه يجوز ابتداء القتال في الأشهر الحرم، واحتجوا بقوله: ﴿فَإِذَا انْسَلَخَ الأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥] قالوا: والمراد أشهر التسيير الأربعة، ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ قالوا: فلم يستثن شهرا حراما من غيره.
وقد حكى الإمام أبو جعفر [﵀] الإجماع على أن الله قد أحل قتال أهل الشرك في الأشهر الحرم، وغيرها من شهور السنة، قال: وكذلك أجمعوا على أن المشرك لو قلد عنقه أو
ذراعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا.
راعيه بلحاء جميع أشجار الحرم، لم يكن ذلك له أمانا من القتل، إذا لم يكن تقدم له عقد ذمة من المسلمين أو أمان ولهذه المسألة بحث آخر، له موضع أبسط من هذا.
[و] قوله: (وَلا الْهَدْيَ وَلا الْقَلائِدَ) يعني: لا تتركوا الإهداء إلى البيت؛ فإن فيه تعظيمًا لشعائر الله، ولا تتركوا تقليدها في أعناقها لتتميز به عما عداها من الأنعام، وليعلم أنها هدي إلى الكعبة فيجتنبها من يريدها بسوء، وتبعث من يراها على الإتيان بمثلها، فإن من دعا إلى هدْيٍ كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه، من غير أن ينقص من أجورهم شيئا؛ ولهذا لما حَج رسول الله ﷺ بات بذي الحُلَيْفة، وهو وادي العَقيق، فلما أصبح طاف على نسائه، وكن تسعا، ثم اغتسل وتَطيَّب وصلَّى ركعتين، ثم أشعر هَدْيَه وقلَّدَه، وأهَلَّ بالحج والعمرة وكان هديه إبلا كثيرة تنيفُ على الستين، من أحسن الأشكال والألوان، كما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
ما قال تعالى: ﴿ذَلِكَ وَمَنْ يُعَظِّمْ شَعَائِرَ اللَّهِ فَإِنَّهَا مِنْ تَقْوَى الْقُلُوبِ﴾ [الحج: ٣٢].
قال بعض السلف: إعظامها: استحسانها واستسمانها.
وقال علي بن أبي طالب: أمرنا رسول الله ﷺ أن نستشرف العين والأذن. رواه أهل السنن
وقال مُقاتل بن حَيَّان: (وَلا الْقَلائِدَ) فلا تستحلوا وكان أهل الجاهلية إذا خرجوا من أوطانهم في غير الأشهر الحرم قلَّدوا أنفسهم بالشَّعْر والوَبَر، وتقلد مشركو الحرم من لَحاء شجر الحرم، فيأمنون به.
رواه ابن أبي حاتم، ثم قال: حدثنا محمد بن عَمَّار، حدثنا سعيد بن سليمان، حدثنا عَبَّاد بن العَوَّام، عن سفيان بن حسين، عن الحكم، عن مجاهد، عن ابن عباس قال: نسخ من هذه السورة آيتان: آية القلائد، وقوله: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟
ضْ عَنْهُمْ﴾ [المائدة: ٤٢].
وحدثنا المنذر بن شاذان، حدثنا زكريا بن عَدِيّ، حدثنا محمد بن أبي عَدِيّ، عن ابن عَوْن قال: قلت للحسن: نسخ من المائدة شيء؟ قال: لا.
وقال عطاء: كانوا يتقلدون من شجر الحرم، فيأمنون، فنهى الله عن قطع شجره. وكذا قال مُطرِّف بن عبد الله.
وقوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا) أي: ولا تستحلوا قتال القاصدين إلى بيت الله الحرام، الذي من دخله كان آمنا، وكذا من قصده طالبا فضل الله وراغبا في رضوانه، فلا تصدوه ولا تمنعوه ولا تهيجوه.
قال مجاهد، وعطاء، وأبو العالية، ومُطَرِّف بن عبد الله، وعبد الله بن عُبَيد بن عُمير، والربيع
بن أنس، وقتادة، ومُقاتل بن حَيَّان في قوله: (يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ) يعني بذلك: التجارة.
وهذا كما تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
تقدم في قوله: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَبْتَغُوا فَضْلا مِنْ رَبِّكُمْ﴾ [البقرة: ١٩٨]
وقوله: (وَرِضْوَانَا) قال ابن عباس: يترضَّون الله بحجهم.
وقد ذكر عِكْرِمة، والسُّدِّي، وابن جُرَيْجٍ: أن هذه الآية نزلت في الحُطم بن هند البكري، كان قد أغار على سَرْح المدينة، فلما كان من العام المقبل اعتمر إلى البيت، فأراد بعض الصحابة أن يعترضوا في طريقه إلى البيت، فأنزل الله ﷿ (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ يَبْتَغُونَ فَضْلا مِنْ رَبِّهِمْ وَرِضْوَانًا).
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم.
.
وقد حكى ابن جرير الإجماع على أن المشرك يجوز قتله، إذا لم يكن له أمان، وإن أمَّ البيت الحرام أو بيت المقدس؛ فإن هذا الحكم منسوخ في حقهم، والله أعلم. فأما من قصده بالإلحاد فيه والشرك عنده والكفر به، فهذا يمنع كما قال [تعالى] ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] ولهذا بعث رسول الله ﷺ عام تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان.
تسع -لما أمَّر الصديق على الحجيج-علِيّا، وأمره أن ينادي على سبيل النيابة عن رسول الله ﷺ ببراءة، وألا يحج بعد العام مُشْرِك، ولا يطوفن بالبيت عُرْيان.
وقال [على] بن أبي طلحة، عن ابن عباس قوله: (وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) يعني من توجه قِبَل البيت الحرام، فكان المؤمنون والمشركون يحجون البيت الحرام، فنهى الله المؤمنين أن يمنعوا أحدا يحج البيت أو يعرضوا له من مؤمن أو كافر، ثم أنزل الله بعدها: ﴿إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ [التوبة: ٢٨] وقال تعالى: ﴿مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ١٧] وقال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
[التوبة: ١٧] وقال [تعالى]: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ﴾ [التوبة: ١٨] فنفى المشركين من المسجد الحرام.
وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (وَلا الْقَلائِدَ وَلا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ) قال: منسوخ، كان الرجل في الجاهلية إذا خرج من بيته يريد الحج تَقلَّد من الشجر، فلم يعرض له أحد، وإذا رجع تقلد قلادة من شَعرٍ فلم يعرض له أحد. وكان المشرك يومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥].
ومئذ لا يصد عن البيت، فأمروا ألا يقاتلوا في الشهر الحرام ولا عند البيت، فنسخها قوله: ﴿فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾ [التوبة: ٥]. .
وقد اختار ابن جرير أن المراد بقوله: (وَلا الْقَلائِدَ) يعني: إن تقلدوا قلادة من الحرم فأمنوه، قال: ولم تزل العرب تعير من أخفر ذلك، قال الشاعر:
ألَمْ تَقْتُلا الحرْجَين إذ أعورا لكم … يمرَّان الأيدي اللَّحاء المُضَفَّرا
وقوله: (وَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا) أي: إذا فرغتم من إحرامكم وأحللتم منه، فقد أبحنا لكم ما كان محرما عليكم في حال الإحرام من الصيد. وهذا أمر بعد الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح.
د الحظر، والصحيح الذي يثبت على السَّبْر: أنه يرد الحكم إلى ما كان عليه قبل النهي، فإن كان واجبًا رده واجبًا، وإن كان مستحبًا فمستحب، أو مباحًا فمباح. ومن قال: إنه على الوجوب، ينتقض عليه بآيات كثيرة، ومن قال: إنه للإباحة، يرد عليه آيات أخر، والذي ينتظم الأدلة كلها هذا الذي ذكرناه، كما اختاره بعض علماء الأصول، والله أعلم.
وقوله: (وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ أَنْ صَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ أَنْ تَعْتَدُوا) ومن القراء من قرأ: "أن صدوكم" بفتح الألف من "أن" ومعناها ظاهر، أي: لا يحملنكم بغض قوم قد كانوا صدوكم عن الوصول إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد.
ل إلى المسجد الحرام، وذلك عام الحديبية، على أن تعتدوا [في] حكم الله فيكم فتقتصوا منهم ظلمًا وعدوانًا، بل احكموا بما أمركم الله به من العدل في كل أحد. وهذه الآية كما سيأتي من قوله تعالى: ﴿وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى﴾ [المائدة: ٨] أي: لا يحملنكم بغض أقوام على ترك العدل، فإن العدل واجب على كل أحد، في كل أحد في كل حال.
وقال بعض السلف: ما عاملتَ من عصى الله فيك بمثل أن تطيع الله فيه، والعدل به قامت السموات والأرض.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا سَهْل بن عثمان حدثنا عبد الله بن جعفر، عن زيد بن أسلم قال: كان رسول الله ﷺ بالحديبية وأصحابه حين صدهم المشركون عن البيت، وقد اشتد ذلك عليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية.
والشنآن هو: البغض.
ليهم، فمر بهم أناس من المشركين من أهل المشرق، يريدون العمرة، فقال أصحاب النبي ﷺ: نصد هؤلاء كما صدنا أصحابهم. فأنزل الله هذه الآية.
والشنآن هو: البغض. قاله ابن عباس وغيره، وهو مصدر من شنَأته أشنؤه شنآنا، بالتحريك، مثل قولهم: جَمَزَان، ودَرَجَان ورَفَلان، من جمز، ودرج، ورفل. قال ابن جرير: من العرب من يسقط التحريك في شنآن، فيقول: شنان. قال: ولم أعلم أحدًا قرأ بها، ومنه قول الشاعر:
ومَا العيشُ إلا ما تُحبُّ وتَشْتَهي … وَإنْ لامَ فيه ذو الشنَّان وفَنَّدَا
وقوله: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلا تَعَاوَنُوا عَلَى الإثْمِ وَالْعُدْوَانِ) يأمر تعالى عباده المؤمنين بالمعاونة على فعل الخيرات، وهو البر، وترك المنكرات وهو التقوى، وينهاهم عن التناصر على الباطل.
والتعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
تعاون على المآثم والمحارم.
قال ابن جرير: الإثم: ترك ما أمر الله بفعله، والعدوان: مجاوزة ما حد الله في دينكم، ومجاوزة ما فرض عليكم في أنفسكم وفي غيركم.
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا هُشَيْم، حدثنا عبيد الله بن أبي بكر بن أنس، عن جده أنس بن مالك قال: قال رسول الله ﷺ: "انْصُرْ أخاك ظالمًا أو مظلومًا". قيل: يا رسول الله، هذا نَصَرْتُه مظلوما، فكيف أنصره إذا كان ظالما؟ قال: "تحجزه تمنعه فإن ذلك نصره".
انفرد به البخاري من حديث هُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟
ُشَيْم به نحوه وأخرجاه من طريق ثابت، عن أنس قال: قال رسول الله ﷺ: "انصر أخاك ظالما أو مظلوما". قيل: يا رسول الله، هذا نصرته مظلوما، فكيف أنصره ظالما؟ قال: "تمنعه من الظلم، فذاك نصرك إياه".
وقال الإمام أحمد: حدثنا يزيد، حدثنا سفيان بن سعيد، عن يحيى بن وَثَّاب، عن رجل من أصحاب النبي ﷺ قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، أعظم أجرا من الذي لا يخالط الناس ولا يصبر على أذاهم".
وقد رواه أحمد أيضا في مسند عبد الله بن عمر: حدثنا حجاج، حدثنا شعبة عن الأعمش، عن يحيى بن وثاب، عن شيخ من أصحاب النبي ﷺ، [قال الأعمش: هو ابن عمر، عن النبي ﷺ] أنه قال: "المؤمن الذي يخالط الناس ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به.
س ويصبر على أذاهم، خير من الذي لا يخالطهم ولا يصبر على أذاهم".
وهكذا رواه الترمذي من حديث شعبة، وابن ماجه من طريق إسحاق بن يوسف، كلاهما عن الأعمش، به.
وقال الحافظ أبو بكر البزار: حدثنا إبراهيم بن عبد الله بن محمد أبو شيبة الكوفي، حدثنا بكر بن عبد الرحمن، حدثنا عيسى بن المختار، عن ابن أبي ليلى، عن فُضَيْل بن عمرو، عن أبي وائل، عن عبد الله قال: قال رسول الله ﷺ: "الدَّالُّ على الخير كفاعله". ثم قال: لا نعلمه يروى إلا بهذا الإسناد.
قلت: وله شاهد في الصحيح: "من دعا إلى هدي كان له من الأجر مثل أجور من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا".
اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من أجورهم شيئا، ومن دعا إلى ضلالة كان عليه من الإثم مثل آثام من اتبعه إلى يوم القيامة، لا ينقص ذلك من آثامهم شيئا".
وقال أبو القاسم الطبراني: حدثنا عمرو بن إسحاق بن إبراهيم بن العلاء بن زبريق الحمصي، حدثنا أبي، حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبد الله بن سالم، عن الزبيدي، قال عباس بن يونس: إن أبا الحسن نِمْرَان بن مخُمر حدثه أن رسول الله ﷺ قال: "من مشى مع ظالم ليعينه، وهو يعلم أنه ظالم، فقد خرج من الإسلام".
قوله تعالى: ﴿أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ﴾، لم يبين هنا ما هذا الذي يتلى عليهم المستثنى من حلية بهيمة الأنعام، ولكنه بينه بقوله: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ﴾، إلى قوله: ﴿وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ﴾، فالمذكورات في هذه الآية الكريمة كالموقوذة والمتردية، وإن كانت من الأنعام فإنها تحرم بهذه العوارض.
والتحقيق أن الأنعام هي الأزواج الثمانية، كما قدمنا في سورة آل عمران، وقد استدل ابن عمر، وابن عباس، وغير واحد من العلماء بهذه الآية على إباحة أكل الجنين إذا ذكيت أمه، ووجد في بطنها ميتاً.
وجاء عن النبي ﷺ "أن ذكاة أمه ذكاة له" كما أخرجه أبو داود، والترمذي، وابن ماجه من حديث أبي سعيد. وقال الترمذي: إنه حسن، ورواه أبو داود عن جابر عن النبي ﷺ.
•