Mereka sangat suka mendengar berita bohong, banyak memakan (makanan) yang haram.278) Jika mereka (orang Yahudi) datang kepadamu (Muhammad untuk meminta putusan), maka berilah putusan di antara mereka atau berpalinglah dari mereka, dan jika engkau berpaling dari mereka maka mereka tidak akan membahayakanmu sedikit pun. Tetapi jika engkau memutuskan (perkara mereka), maka putuskanlah dengan adil. Sesungguhnya Allah menyukai orang-orang yang adil
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: هؤلاء اليهودُ الذين وصَفْتُ لك يا محمدُ صفتَهم، سمَّاعون لِقيلِ الباطلِ والكذبِ، مِن قيلِ بعضِهم لبعضٍ: محمدٌ كاذبٌ ليس بنبيٍّ. وقِيلِ بعضِهم: إن حكمَ الزانى المُحْصَنِ في التوراةِ الجلدُ والتحميمُ. وغيرِ ذلك مِن الأباطيلِ والإفْكِ، ويَقْبَلون الرِّشَا، فيأْكُلونها على كَذِبِهم على اللَّهِ وفِرْيَتِهم عليه.
كما حدَّثني المثنى، قال: ثنا مسلمُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا أبو عَقِيلٍ، قال:
سمِعْتُ الحسنَ يقولُ في قولِه: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: تلك الحُكَّامُ، سَمِعوا كِذْبَةً، وأكَلوا رِشْوةً.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾.
ً، وأكَلوا رِشْوةً.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: كان هذا في حُكَّامِ اليهودِ بينَ أيديكم، كانوا يَسْمَعون الكذِبَ ويَقْبَلون الرِّشَا.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهِدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ، وهم يهودُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدثنا سُفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبى وإسحاقُ الأزْرقُ، وحدَّثنا محمدُ بنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن عبدِ اللَّهِ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ وواصلُ بنُ عبدِ الأعلى، قالا: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: قيل لعبدِ اللَّهِ: ما السُّحْتُ؟ قال: الرِّشْوةُ. قالوا: في الحكمِ؟
نا ابن فُضَيْلٍ، عن الأعمشِ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، قال: قيل لعبدِ اللَّهِ: ما السُّحْتُ؟ قال: الرِّشْوةُ. قالوا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا غُنْدَرٌ ووَهْبُ بنُ جَريرٍ، عن شعبةَ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن حُرَيْثٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلنا لعبدِ اللَّهِ: ما كنَّا نُرَى السُّحْتَ إلا الرِّشْوةَ في الحكمِ. قال عبدُ اللَّهِ: ذاك الكفرُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: السُّحْتُ الرِّشَا؟
مدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن منصورٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: السُّحْتُ الرِّشَا؟ قال: نعم.
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا محمدُ بنُ جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن عمارٍ الدُّهْنيِّ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مَسْروقٍ، قال: سأَلْتُ عبدَ اللَّهِ عن السُّحْتِ، فقال: الرجلُ يَطْلُبُ الحاجةَ للرجلِ فيَقْضِيها، فيُهْدِى إليه فيَقْبَلُها.
حدَّثنا سَوَّارٌ، قال: ثنا بشرُ بنُ المُفَضَّلِ، قال ثنا شعبةُ، عن منصورٍ وسليمانَ الأعْمشِ، عن سالمِ بن أبى الجعدِ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ أنه قال: السُّحْتُ الرِّشَا.
حدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا المُحاربيُّ، عن سفيانَ، عن عاصمٍ، عن زِرٍّ، عن
عبدِ اللَّهِ: السُّحْتُ، قال: الرِّشْوةُ في الدينِ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عمرُ: بابان مِن السُّحْتِ، الرِّشَا ومَهْرُ الزانيةِ.
ِشْوةُ في الدينِ.
حدَّثني أبو السائبِ، قال: ثنا أبو مُعاويةَ، عن الأعمشِ، عن خَيْثَمةَ، قال: قال عمرُ: بابان مِن السُّحْتِ، الرِّشَا ومَهْرُ الزانيةِ.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا أبى، عن سُفيانَ، عن منصورٍ، عن إبراهيمَ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمَرٌ، عن قتادةَ قولَه: [﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾]. قال: الرِّشَا.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، وحدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنى أبى، عن طلحةَ، عن أبي هريرةَ، قال: مَهْرُ البَغِيِّ سُحْتٌ، وعَسْبُ الفَحْلِ سُحْتٌ، وكَسْبُ الحَجَّامِ سُحْتٌ، وثمنُ الكلبِ سُحْتٌ.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبو خالدٍ الأحمرُ، عن جُوَيْبِرٍ، عن الضَّحَّاكِ، قال: السُّحْتُ الرِّشْوةُ في الحكمِ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو غَسَّانَ، قال: ثنا إسرائيلُ، عن حَكيمِ بن جُبيرٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، قال: الرِّشَا. فقلتُ: في الحكمِ؟
قال: ثنا إسرائيلُ، عن حَكيمِ بن جُبيرٍ، عن سالمِ بن أبى الجَعْدِ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، قال: الرِّشَا. فقلتُ: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. يقولُ: للرِّشَا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخْبَرَنا عبدُ الملكِ بنُ أبى سليمانَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مَسْروقٍ و علقمةَ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: هي السُّحْتُ. قالا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ.
أبى سليمانَ، عن سلمةَ بن كُهَيْلٍ، عن مَسْروقٍ و علقمةَ، أنهما سأَلا ابنَ مسعودٍ عن الرِّشْوةِ، فقال: هي السُّحْتُ. قالا: في الحكمِ؟ قال: ذاك الكفرُ. ثم تلا هذه الآيةَ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن المَسْعوديِّ، عن بُكَيْرِ بن أبى بُكَيْرٍ، عن مسلمِ بنِ صُبَيْحٍ، قال: شفَع مَسْروقٌ لرجلٍ في حاجةٍ،
فأهْدَى له جاريةً، فغضِب غضبًا شديدًا، وقال: لو علِمْتُ أنك تَفْعَلُ هذا ما كلَّمْتُ في حاجتِك، ولا أُكَلِّمُ فيما بقِى مِن حاجتِك، سمِعْتُ ابنَ مسعودٍ يقولُ: مَن شفَع شَفاعةً لِيَرُدَّ بها حقًّا، أو يَرْفَعَ بها ظلمًا، فأُهْدِى له فقبِل، فهو سُحْتٌ. فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما كنا نُرَى ذلك إلا الأخذَ على الحكمِ.
اعةً لِيَرُدَّ بها حقًّا، أو يَرْفَعَ بها ظلمًا، فأُهْدِى له فقبِل، فهو سُحْتٌ. فقيل له: يا أبا عبدِ الرحمنِ، ما كنا نُرَى ذلك إلا الأخذَ على الحكمِ. قال: الأخْذُ على الحكمِ كفرٌ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ: ﴿سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾: وذلك أنهم أخَذوا الرِّشُوةَ في الحكمِ، وقضَوْا بالكذبِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ، عن عمارٍ، عن مسلمٍ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشَا في الحكمِ؟
لكذبِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبِيدةُ، عن عمارٍ، عن مسلمٍ بن صُبَيْحٍ، عن مسروقٍ، قال: سأَلْتُ ابنَ مسعودٍ عن السُّحْتِ، أهو الرِّشَا في الحكمِ؟ فقال: لا، مَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو كافرٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو ظالمٌ، ومَن لم يَحْكُمْ بما أنْزَل اللَّهُ فهو فاسقٌ، ولكنَّ السُّحْتَ؛ يَسْتَعِينُك الرجلُ على المَظْلِمةِ فتُعِينُه عليها، فيُهْدِى لك الهديةَ فتَقْبَلُها.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن فُضَيْلٍ، عن يحيى بن سعيدٍ، عن عبدِ اللَّهِ بن هبَيْرةَ السَّبَئيِّ، قال: مِن السُّحْتِ ثلاثةٌ؛ مَهْرُ البَغِيِّ، والرِّشْوةُ في الحكمِ، وما كان يُعْطَى الكُهَّانُ في الجاهليةِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا ابن مُطِيعٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ضَمْرةَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ أنه قال في كسبِ الحَجَّامِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وثمنِ
قال: ثنا ابن مُطِيعٍ، عن حمادِ بن سلمةَ، عن عطاءٍ الخُراسانيِّ، عن ضَمْرةَ، عن عليِّ بن أبى طالبٍ أنه قال في كسبِ الحَجَّامِ، ومَهْرِ البَغِيِّ، وثمنِ
الكلبِ، والاسْتِجْعالِ في القضيةِ، وحُلْوانِ الكاهنِ، وعَسْبِ الفحلِ، والرِّشْوةِ في الحكمِ، وثمنِ الخمرِ، وثمنِ المَيْتةِ: مِن السُّحْتِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وَهْبٍ، قال: قال ابن زيدٍ في قولِه: ﴿أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ﴾. قال: الرِّشْوةُ في الحكمِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الرحمنِ بنُ أبى المَوَالِ، عن عمرَ بن حمزةَ بن عبدِ اللَّهِ بن عمرَ، أن رسولَ اللَّهِ ﷺ قال: "كُلُّ لحمٍ أنْبَتَه السُّحْتُ فالنارُ أولى به". قيل: يا رسولَ اللَّهِ، وما السُّحْتُ؟ قال: "الرِّشْوةُ في الحكمِ".
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: أخْبرَنى عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال لى أنسُ بنُ مالكٍ: إذا انْقَلَبْتَ إلى أبيك فقُلْ له: إياك والرِّشْوةَ، فإنها سُحْتٌ.
رَنى عبدُ الجبارِ بنُ عمرَ، عن الحكمِ بن عبدِ اللَّهِ، قال: قال لى أنسُ بنُ مالكٍ: إذا انْقَلَبْتَ إلى أبيك فقُلْ له: إياك والرِّشْوةَ، فإنها سُحْتٌ. وكان أبوه على شُرَطِ المدينةِ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن منصورٍ، عن سالمٍ، عن مسروقٍ، عن عبدِ اللَّهِ، قال: الرِّشْوةُ سُحْتٌ. قال مَسْروقٌ: فقلْنا لعبدِ اللَّهِ: أفى الحكمِ؟ قال:
لا. ثم قرَأ: ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ﴾، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾، [المائدة: ٤٤، ٤٥، ٤٧].
وأصلُ السُّحْتِ كَلَبُ الجوعِ، يُقالُ منه: فلانٌ مَسْحوتُ المَعِدةِ. إذا كان أَكولًا لا يُلْقَى أبدًا إلا جائعًا. وإنما قيل للرِّشْوةِ: السُّحْتُ. تَشْبيهًا بذلك، كأنّ بالمُسْتَرْشِى مِن الشَّرَةِ إلى أخْذِ ما يُعْطاه مِن ذلك، مثْلَ الذي بالمَسْحوتِ المَعِدةِ مِن الشَّرَهِ إلى الطعامِ. يقالُ منه: سَحَتَه وأَسْحَتَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ (٤٢)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: إن جاء هؤلاء القومُ الآخَرون الذين لم يَأْتُوك بعدُ، وهم قومُ المرأةِ البَغِيَّةِ، مُحْتَكِمين
إليك، فاحْكُمْ بينَهم إن شئْتَ، بالحقِّ الذي جعَله اللَّهُ حُكْمًا له في مَن فعَل فِعْلَ المرأةِ البَغِيةِ منهم، أو أعْرِضْ عنهم فدَعِ الحُكْمَ بينَهم إن شئْتَ، والخيارُ إليك في ذلك.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
يةِ منهم، أو أعْرِضْ عنهم فدَعِ الحُكْمَ بينَهم إن شئْتَ، والخيارُ إليك في ذلك.
وبمثلِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: يهودُ، زنَى رجلٌ منهم له نَسَبٌ حَقيرٌ فرجَموه، ثم زنَى منهم شَريفٌ فحمَّموه ثم طافوا به، ثم استَفْتَوْا رسولَ اللَّهِ ﷺ ليُوافِقَهم. قال: فأفْتاهم فيه بالرجْمِ، فأنْكَروه، فأمَرهم أن يَدْعوا أحْبارَهم ورُهْبانَهم، فناشَدَهم باللَّهِ: "أتَجِدونه في التوراةِ؟ " فكتَموه إلا رجلًا مِن أصغرِهم أعْورَ، فقال: كذَبوك يا رسولَ اللَّهِ، إنه لَفى التوراةِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن ابن شِهابٍ، أن الآيةَ التي في سورةِ "المائدةِ": ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾.
المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثنى الليثُ، عن ابن شِهابٍ، أن الآيةَ التي في سورةِ "المائدةِ": ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ﴾. كانت في شأنِ الرجْمِ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبى، قال: ثنى عمى، قال: ثنى أبى، عن أبيه، عن ابن عباسٍ، قال: إنهم أتَوْه - يعنى اليهودَ - في امرأةٍ منهم زنَت يَسْأَلونه عن عُقوبتِها، فقال لهم رسولُ اللَّهِ ﷺ: "كيف تَجِدونه مَكْتوبًا عندَكم في التَّوْراةِ؟ ". فقالوا: نُؤْمَرُ برجْمِ الزانيةِ. فأمَر بها رسولُ اللَّهِ ﷺ فرُجِمَت، وقد
قال اللهُ ﵎: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
قاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ عن عبدِ اللهِ بن كَثيرٍ قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: كانوا يَحُدُّون في الزنى، إلى أن زنَى شابٌّ منهم ذو شَرفٍ، فقال بعضُهم لبعضٍ: لا يَدَعُكم قومُه تَرْجُمونه، ولكن اجْلِدوه ومَثِّلوا به. فجلَدوه وحمَلوه على [إكافِ حمارٍ]، وجعَلوا وجهَه مُسْتَقْبِلَ ذَنَبِ الحَمارِ، إلى أن زنَى آخرُ وَضيعٍ ليس له شرفٌ، فقالوا: ارْجُموه. ثم قالوا: فكيف لم تَرْجُموا الذي قبلَه؟ ولكن مثل ما صنَعْتُم به فاصْنَعوا بهذا. فلما كان النبيُّ ﷺ قالوا: سَلُوه، لعلكم تَجِدون عندَه رُخصةً. فنزَلَت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
فاصْنَعوا بهذا. فلما كان النبيُّ ﷺ قالوا: سَلُوه، لعلكم تَجِدون عندَه رُخصةً. فنزَلَت: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. إلى قولِه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
وقال آخَرون: بل نزَلَت هذه الآيةُ في قَتيلٍ قُتِل في يهودَ منهم، قتَله بعضُهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ وأبو كُرَيْبٍ، قالا: ثنا يونُسُ بنُ بُكَيْرٍ، عن محمدِ بن إسحاقَ، قال: ثنى داودُ بنُ الحُصينِ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: إن الآياتِ في "المائدة" قولَه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ إلى قولِه: ﴿الْمُقْسِطِينَ﴾. إنما نزَلَت في الديةِ في بنى النَّضيرِ وبنى قُريظةَ، وذلك أن قَتْلى بني النَّضيرِ - و كان لهم شَرَفٌ - تُودَى الدية كاملةً، وإن قريظة كانوا يُودَوْنَ نصف الدية، فتَحاكَموا في ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ذلك فيهم، فحمَلهم رسولُ اللهِ ﷺ على الحقِّ
في ذلك، فجعَل الديةَ في ذلك سواءً.
يُودَوْنَ نصف الدية، فتَحاكَموا في ذلك إلى رسولِ اللهِ ﷺ، فأنْزَل اللهُ ذلك فيهم، فحمَلهم رسولُ اللهِ ﷺ على الحقِّ
في ذلك، فجعَل الديةَ في ذلك سواءً. واللهُ أعلمُ أيُّ ذلك كان.
حدَّثنا أبو كُرَيْبٍ، قال: ثنا عُبَيْدُ اللهِ بنُ موسى، عن عليِّ بن صالحٍ، عن سِماكٍ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ، قال: كانت قريظةُ والنَّضيرُ، وكان النَّضيرُ أشْرفَ مِن قُريظةَ، فكان إذا قتل رجلٌ مِن قُريظة رجلًا مِن النَّضِيرِ قُتِل به، وإذا قتل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا مِن قُريظةَ وَدَى مائةَ وَسْقِ تمرٍ، فلمَّا بُعِث رسولُ اللهِ ﷺ قتَل رجلٌ مِن النَّضيرِ رجلًا من قريظةً، فقالوا: ادْفَعوه إلينا فقالوا: بينَنا وبينَكم رسولُ اللهِ ﷺ. فنزَلت: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في حكمِ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ: للنَّضَريِّ دِيَتان، والقُرَظيِّ دِيَةٌ؛ لأنه كان مِن النَّضيرِ.
يونُسُ، قال: أخْبَرَنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زيدٍ: كان في حكمِ حُيَيِّ بن أَخْطَبَ: للنَّضَريِّ دِيَتان، والقُرَظيِّ دِيَةٌ؛ لأنه كان مِن النَّضيرِ. قال: وأَخْبَر الله نبيَّه ﷺ بما في التوراةِ، قال: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾ إلى آخرِ الآية. قال: فلمَّا رأَت ذلك قُرَيْظةُ، لم يَرْضَوا بحكمِ ابن أَخْطَبَ، فقالوا: نَتَحاكَمُ إلى محمدٍ. فقال اللهُ ﵎: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾ فخيَّره، ﴿وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ﴾ الآية كلها.
وكان الشريفُ إذا زنَى بالدَّنيئةِ رجَموها هي، وحمَّمُوا وجهَ الشريفِ، وحمَلوه على البعيرِ، و جعَلوا وجْهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، وإذا زنَى الدَّنيءُ بالشريفةِ رجَموه، وفعَلوا بها هي ذلك، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ فرجَمَها. قال: وكان النبيُّ ﷺ قال لهم: "مَن أَعْلَمُكم بالتوراةِ؟ " قالوا: فلانٌ الأعْورُ.
ريفةِ رجَموه، وفعَلوا بها هي ذلك، فتَحاكَموا إلى النبيِّ ﷺ فرجَمَها. قال: وكان النبيُّ ﷺ قال لهم: "مَن أَعْلَمُكم بالتوراةِ؟ " قالوا: فلانٌ الأعْورُ. فأَرْسَل إليه فأتاه، فقال: "أنت أعْلَمُهم بالتوراةِ؟ ". قال: كذاك تَزْعُمُ يَهودُ. فقال له النبيُّ ﷺ: "أَنْشُدُك باللهِ وبالتوراةِ التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التوراةِ في الزانِيَيْنِ؟ ". فقال: يا أبا القاسمِ، يَرْجُمون الدَّنِيئةَ، ويَحْمِلون الشريفَ على بعيرٍ، ويُحَمِّمون وجهَه، ويَجْعَلون وجهَه مِن قِبَلِ ذَنَبِ البعيرِ، ويَرْجُمون الدَّنيءَ إذا زنَى بالشريفةِ، ويَفْعَلون بها هي ذلك. فقال له النبيُّ ﷺ: "أَنْشُدُك باللهِ وبالتَّوراة التي أنْزَلَها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، ما تَجِدُ في التَّوراة؟ ". فجعَل يَروغُ والنبيُّ ﷺ يَنْشُدُه باللَّهِ وبالتَّوراةِ التي أنْزَلها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، حتى قال: يا أبا القاسمُ، الشيخُ والشيخةُ إذا زنَيا فارْجُموهما الْبَتَّةَ.
َنْشُدُه باللَّهِ وبالتَّوراةِ التي أنْزَلها على موسى يومَ طُورِ سَيْناءَ، حتى قال: يا أبا القاسمُ، الشيخُ والشيخةُ إذا زنَيا فارْجُموهما الْبَتَّةَ. فقال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "فهو ذاك، اذْهَبوا بهما فارْجُمُوهما". قال عبدُ اللَّهِ: فكنتُ في مَن رجَمهما، فما زال يُحْنى عليها ويَقِيها الحجارةَ بنفسِه حتى مات
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في حكمِ هذه الآيةِ، هل هو ثابتٌ اليومَ؟ وهل للحُكَّامِ مِن الخيارِ في الحكمِ والنظَرِ بينَ أهلِ الذمةِ والعهدِ إذا احتَكموا إليهم مثلُ الذي جعَل لنبيِّه ﷺ في هذه الآيةِ، أم ذلك مَنْسوخٌ؟
َ؟ وهل للحُكَّامِ مِن الخيارِ في الحكمِ والنظَرِ بينَ أهلِ الذمةِ والعهدِ إذا احتَكموا إليهم مثلُ الذي جعَل لنبيِّه ﷺ في هذه الآيةِ، أم ذلك مَنْسوخٌ؟ فقال بعضُهم: ذلك ثابتٌ اليومَ لم يَنْسَخه شيءٌ، وللحُكَّامِ مِن الخياِر في كلِّ دهرٍ بهذه الآيةِ مثلُ ما جعلَه اللهُ
لرسولِه ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا سلمةُ بنُ الفضلِ، عن عمرِو بن أبي قيسٍ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: إن رُفِع إليك أحدٌ من المشركين في قَضاءٍ، فإن شئتَ فاحْكُمْ بينهم بما أنْزَل اللهُ، وإن شئتَ أَعْرَضْتَ عنهم.
حدَّثنا ابن حُميد، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مُغيرةَ، عن الشعبيِّ وإبراهيمَ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك، فاحْكُمْ بينهم أو أَعْرِضْ عنهم، وإن حكمْتَ فاحكُمْ بحكمِ المسلمين، ولا تَعْدُه إلى غيره.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
أبى، وحدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا وَكِيعٌ، عن سفيانَ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا: إن شاء حكم، وإن شاء لم يَحْكُمْ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، قال: ثنا سفيانُ، عن ابن جُرَيْجٍ، عن عَطاءٍ، قال: إن شاء حكَم، وإن شاء لم يَحْكُمْ.
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا جَريرٌ، عن محمدِ بن سالمٍ، عن الشعبيِّ، قال: إذا أتاك أهلُ الكتابِ بينَهم أمرٌ، فاحْكُمْ بينهم بحكمِ المسلمين، أو خلِّ عنهم وأهلَ دينِهم يَحْكُمون فيهم، إلا في سَرقِةٍ أو قتلٍ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ الرزاقِ، عن ابن جُرَيْجٍ، قال: قال لى عطاءٌ: نحن مُخَيَّرون؛ إن شئْنا حكَمْنا بينَ أهلِ الكتابِ، وإن شئْنا أَعْرَضْنا فلم نَحْكُمْ بينَهم، وإن حكَمْنا بينَهم حكَمْنا بحكمِنا بينَنا، أو نَتْرُكُهم وحُكْمَهم بينَهم. قال ابن جُريج: وقال مثلَ ذلك عمرُو بنُ شُعَيْبٍ.
ضْنا فلم نَحْكُمْ بينَهم، وإن حكَمْنا بينَهم حكَمْنا بحكمِنا بينَنا، أو نَتْرُكُهم وحُكْمَهم بينَهم. قال ابن جُريج: وقال مثلَ ذلك عمرُو بنُ شُعَيْبٍ. وذلك قولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
حدَّثنا يعقوب، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أَخْبَرنا مُغيرةُ، وحدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أَخْبَرنا هُشَيْمٌ، عن مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبِّي في قولِه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قالا: إذا جاءوا إلى حاكمِ المسلمين، فإن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، وإن حكَم بينَهم حكَم بينَهم بما في كتابِ اللهِ.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
حدَّثنا بشرُ بنُ مُعاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُرَيْعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. يقولُ: إن جاءوك فاحْكُمْ بينَهم بما أنْزَل اللهُ أو أعْرِضْ عنهم، فجعَل اللهُ له في ذلك رُخصةً، إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا جَرِيرٌ، عن مغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ، قالا: إذا أتاك المشركون فحكَّموك فيما بينَهم، فاحْكُم بينَهم بحكمِ المسلمين ولا تَعْدُه إلى غيرِه، أو أعْرِضْ عنهم وخَلهم وأهلَ دينِهم.
وقال آخَرون: بل التَّخْيِيرُ مَنْسوخٌ، وعلى الحاكمِ إذا احْتَكم إليه أهلُ الذمةِ أن يَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، وليس له تركُ النظرِ بينَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
ل آخَرون: بل التَّخْيِيرُ مَنْسوخٌ، وعلى الحاكمِ إذا احْتَكم إليه أهلُ الذمةِ أن يَحْكُمَ بينَهم بالحقِّ، وليس له تركُ النظرِ بينَهم.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابن حُميدٍ، قال: ثنا يحيى بنُ واضحٍ، قال: ثنا الحسينُ بنُ واقدٍ، عن يزيدَ النَّحْويِّ، عن عكرمةَ والحسنِ البصريِّ: فإن ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾: نُسِخَت بقولِه: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩].
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن سفيانَ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
حدَّثنا ابن وكيعٍ ومحمدُ بنُ بشارٍ، قالا: ثنا ابن مَهْديٍّ، عن سفيانَ، عن السديِّ، قال: سمِعْتُ عكرمة يقولُ: نسَخَتْها: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
هُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾ [والمائدة: ٤٨]. فأمَر اللهُ نبيَّه ﷺ أن يَحْكُم بينَهم بما أَنْزَلَ اللهُ، بعدَ ما رخَّص له إن شاء أن يُعْرِضَ عنهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبد الرزاقِ، قال: أَخْبَرَنَا مَعْمَرٌ، عن عبد الكريمِ الجَزَريِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ كتب إلى عديِّ بن عديِّ: إذا جاءَك أهلُ الكتابِ فاحْكُمْ بينَهم.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أَخْبرَنا الثَّورِيُّ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، قال: نُسِخَت بقولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ، عن معمرٍ، عن الزهريِّ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. قال: مضَت السنةُ أن يُرَدُّوا
في حقوقهم ومَواريثِهم إلى أهلِ دينِهم، إلا أن يَأْتوا راغبِيِن في حدٍّ يُحْكُمُ بينَهم فيه بكتابِ اللهِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ مُفَضَّلٍ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ، قال: لمَّا نزَلَت: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. كان النبي ﷺ إن شاء حكَم بينَهم وإن شاء أعْرَض عنهم، ثم نسَخَها فقال: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ﴾. وكان مَجْبورًا على أن يَحْكُمَ بَينَهم.
حدَّثنا محمدُ بنُ عمارٍ، قال: ثنا سعيدٌ بن سليمانَ، قال: ثنا عَبَّادُ بنُ العَوَّامِ، عن سفيانَ بن حسينٍ، عن الحكمِ عن مُجاهِدٍ، قال: آيتان نُسِخَتا مِن هذه السورة - يعنى "المائدة" - آيةُ القَلائدِ، وقولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾.
، عن الحكمِ عن مُجاهِدٍ، قال: آيتان نُسِخَتا مِن هذه السورة - يعنى "المائدة" - آيةُ القَلائدِ، وقولُه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾. فكان النبيُّ ﷺ مُخَيَّرًا، إن شاء حكَم، وإن شاء أعْرَض عنهم، فردَّهم إلى أَن يَحْكُمَ بينَهم بما في كتابِنا.
وأولى القولين في ذلك عندى بالصوابِ قولُ مَن قال: إن حكْمَ هذه الآيةِ ثابتٌ لم يُنسَخُ، وإن للحُكَّام - مِن الخيارِ في الحكمِ بينَ أهلِ العهدِ إذا ارْتَفَعوا إليهم فاحْتَكموا، وتَرْكِ الحكمِ بينَهم والنظر - مثلَ الذي جعَله اللهُ لرسولِه ﷺ مِن ذلك
في هذه الآيةِ.
وإنما قلنا: ذلك أَوْلاهما بالصوابِ؛ لأن القائلين: إن حكَم هذه الآيةِ مَنْسوخٌ. زعَموا أنه نُسِخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
قلنا: ذلك أَوْلاهما بالصوابِ؛ لأن القائلين: إن حكَم هذه الآيةِ مَنْسوخٌ. زعَموا أنه نُسِخ بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. وقد دلَّلْنا في كتابِنا "كتابِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" أن النسخُ لا يكونُ نَسْخًا إلا ما كان نفْيًا لحكمٍ غيرِه بكلِّ مَعانِيه، حتى لا يَجوزَ اجْتماعُ الحكمِ بالأمرَيْن جميعًا على صحتِه بوجهٍ مِن الوجوهِ، بما أغْنَى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
وإذ كان ذلك كذلك، وكان غيرَ مُستحيلٍ في الكلامِ أن يُقالَ: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. ومعناه: وأنِ احْكُم بينَهم بما أنْزَل اللهُ إذا حكَمْتَ بينَهم باختيارِك الحكمَ بينَهم، إذا اخْتَرْتَ ذلك، ولم تَخْتَرِ الإعراضَ عنهم. إذ كان قد تقَدَّم إعْلامُ المَقولِ له ذلك مِن قائلِه: إن له الخيارَ في الحكمِ وتَرْكِ الحكمِ - كان معلومًا بذلك ألّا دلالةَ في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾.
له ذلك مِن قائلِه: إن له الخيارَ في الحكمِ وتَرْكِ الحكمِ - كان معلومًا بذلك ألّا دلالةَ في قوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾. أنه ناسخٌ قولَه: ﴿فَإِنْ جَاءُوكَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾؛ لما وصَفْنا مِن احتمالِ ذلك ما بيَّنَّا، بل هو دليلٌ على مثلِ الذي دلَّ عليه قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. وإذا لم يَكُنْ في ظاهر التنزيلِ دليل على نسخِ إحدى الآيتين الأخرى، ولا نفيِ أحدِ الأمرين حكَم الآخرِ، ولم يَكُنْ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ خبرٌ يَصِحُّ بأن أحدَهما ناسخٌ صاحبَه، ولا مِن المسلمين على ذلك إجماعٌ - صحَّ ما قلنا مِن أن كِلَا الأمْرَيْن يُؤَيِّدُ أحدُهما صاحبه، ويُوافِقُ حكمه حكمَه، ولا نسخَ في أحدِهما للآخَرِ.
وأما قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾.
أمْرَيْن يُؤَيِّدُ أحدُهما صاحبه، ويُوافِقُ حكمه حكمَه، ولا نسخَ في أحدِهما للآخَرِ.
وأما قوله: ﴿وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. فإن معناه: وإن تُعْرضُ يا محمدُ عن المحْتَكِمين إليك مِن أهلِ الكتابِ، فتَدَعَ النظر بينَهم فيما
احْتَكَموا فيه إليك، فلا تَحْكُمَ فيه بينَهم، ﴿فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا﴾. يقولُ: فلن يَقِدِروا لك على ضُرٍّ في دينٍ ولا دنيا، فدَعِ النظر بينَهم إذا اختَرْتَ تركَ النظرِ بينَهم.
وأما قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
وا لك على ضُرٍّ في دينٍ ولا دنيا، فدَعِ النظر بينَهم إذا اختَرْتَ تركَ النظرِ بينَهم.
وأما قولُه: ﴿وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. فإن معناه: وإن اختَرْتَ الحكمَ والنظرَ يا محمدُ بين أهل العهدِ إِذا أَتَوْك، ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾ وهو العَدْلُ، وذلك هو الحكمُ بما جعَله اللهُ حُكْمًا في مثلِه على جميعِ خلقهِ مِن أمة نبيِّنا ﷺ.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال جماعةُ أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يعقوبُ بنُ إبراهيمَ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، قال: أخبَرنا مُغيرةَ، عن إبراهيمَ والشعبيِّ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قالا: إن حكَم بينَهم حكَم بما في كتابِ اللهِ.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾.
في كتابِ اللهِ.
حدَّثنا سفيانُ، قال: ثنا يزيدُ بنُ هارونَ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُم فيهم بالرجمِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عمرُو بنُ عونٍ، قال: أخبَرنا هُشَيْمٌ، عن العوَّامِ، عن إبراهيمَ التِّيْميِّ في قوله: ﴿إِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ﴾. قال: بالرجمِ.
حدَّثنا المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن
مُجاهدٍ: ﴿بِالْقِسْطِ﴾: بالعدلِ.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا هُشَيْمٌ، عن العَوَّامِ بن حَوْشَبٍ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُمَ بينَهم بالرجْمِ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾.
َّيْمِيِّ في قولِه: ﴿فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ إ﴾. قال: أُمِر أن يَحْكُمَ بينَهم بالرجْمِ.
وأما قولُه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾. فإن معناه: إن الله يُحِبُّ العادلين في حكمِه بينَ الناسِ، القاضِين بينَهم بحكمِ اللهِ الذي أنْزَله في كتابِه وأمرِه أنبياءَه صلواتُ اللهِ عليهم.
يقالُ منه: أقْسَط الحاكمُ في حكمِه، إذا عدَل وقضَى بالحقِّ، يُقْسِطُ إقْساطًا. [وأما "قسَط" فمعناه الجَوْرُ]، ومنه قولُ اللَّهِ تعالى ذكرُه: ﴿وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُوا لِجَهَنَّمَ حَطَبًا﴾ [الجن: ١٥]. يعني بذلك الجائرين عن الحقِّ.
اعُونَ لِلْكَذِبِ
﴾ أي: الباطل (أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ) أي: الحرام، وهو الرشوة كما قاله ابن مسعود وغير واحد أي: ومن كانت هذه صفته كيف يطهر الله قلبه؟ وأنى يستجيب له.
ثم قال لنبيه: (فَإِنْ جَاءُوكَ) أي: يتحاكمون إليك (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ وَإِنْ تُعْرِضْ عَنْهُمْ فَلَنْ يَضُرُّوكَ شَيْئًا) أي: فلا عليك ألا تحكم بينهم؛ لأنهم لا يقصدون بتحاكمهم إليك اتباع الحق، بل ما وافق هواهم.
قال ابن عباس، ومجاهد، وعِكْرِمَة، والحسن، وقتادة، والسُّدِّي، وزيد بن أسلم، وعطاء الخراساني: هي منسوخة بقوله: ﴿وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ﴾ [المائدة: ٤٩]، (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي: بالحق والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
ة: ٤٩]، (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ) أي: بالحق والعدل وإن كانوا ظلمة خارجين عن طريق العدل (إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ)
ثم قال تعالى -منكرًا عليهم في آرائهم الفاسدة ومقاصدهم الزائغة، في تركهم ما يعتقدون صحته من الكتاب الذي بأيديهم، الذي يزعمون أنهم مأمورون بالتمسك به أبدًا، ثم خرجوا عن حكمه وعدلوا إلى غيره، مما يعتقدون في نفس الأمر بطلانه وعدم لزومه لهم -فقال: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)
قال: (وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْرَاةُ فِيهَا حُكْمُ اللَّهِ ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَمَا أُولَئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ)
ثم مدح التوراة التي أنزلها على عبده ورسوله موسى بن عمران، فقال: (إِنَّا أَنزلْنَا التَّوْرَاةَ فِيهَا هُدًى وَنُورٌ يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ الَّذِينَ أَسْلَمُوا لِلَّذِينَ هَادُوا) أي: لا يخرجون عن حكمها ولا يبدلونها ولا يحرفونها (وَالرَّبَّانِيُّونَ وَالأحْبَارُ) أي: وكذلك الربانيون منهم وهم العباد العلماء، والأحبار وهم العلماء (بِمَا اسْتُحْفِظُوا مِنْ كِتَابِ اللَّهِ) أي: بما استودعوا من كتاب الله الذي أمروا أن يظهروه ويعملوا به (وَكَانُوا عَلَيْهِ شُهَدَاءَ فَلا تَخْشَوُا النَّاسَ وَاخْشَوْنِ) أي: لا تخافوا منهم وخافوني (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) فيه قولان سيأتي بيانهما.
وخافوني (وَلا تَشْتَرُوا بِآيَاتِي ثَمَنًا قَلِيلا وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) فيه قولان سيأتي بيانهما. سبب آخر لنزول هذه الآيات الكريمة.
قال الإمام أحمد: حدثنا إبراهيم بن العباس، حدثنا عبد الرحمن بن أبي الزناد، عن أبيه، عن عُبيد الله بن عبد الله، عن ابن عباس قال: إن الله أنزل: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) و ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ [المائدة: ٤٥] ﴿فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ [المائدة: ٤٧] قال: قال ابن عباس: أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون
أنزلها الله في الطائفتين من اليهود، كانت إحداهما قد قهرت الأخرى في الجاهلية، حتى ارتضوا أو اصطلحوا على أن كل قتيل قتلته العزيزة من الذليلة فديته خمسون
وَسَقا، وكل قتيل قتلته الذليلة من العزيزة فديته مائة وسق، فكانوا على ذلك حتى قدم النبي ﷺ المدينة، فذلت الطائفتان كلتاهما، لمقدم رسول الله ﷺ، ويومئذ لم يظهر، ولم يوطئهما عليه، وهو في الصلح، فقتلت الذليلة من العزيزة قتيلا فأرسلت العزيزة إلى الذليلة: أن ابعثوا لنا بمائة وسق، فقالت الذليلة: وهل كان هذا في حيين قط دينهما واحد، ونسبهما واحد، وبلدهما واحد: دية بعضهم نصف دية بعض. إنما أعطيناكم هذا ضيمًا منكم لنا، وفَرقًا منكم، فأما إذ قدم محمد فلا نعطيكم ذلك، فكادت الحرب تهيج بينهما، ثم ارتضوا على أن يجعلوا رسول الله ﷺ بينهم، ثم ذكرت العزيزة فقالت: والله ما محمد بمعطيكم منهم ضعف ما يعطيهم منكم ولقد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسّوا إلى محمد: من يَخْبُر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حَكمتموه وإن لم يعطكم حُذّرتم فلم تحكموه.
قد صدقوا، ما أعطونا هذا إلا ضيمًا منا وقهرًا لهم، فدسّوا إلى محمد: من يَخْبُر لكم رأيه، إن أعطاكم ما تريدون حَكمتموه وإن لم يعطكم حُذّرتم فلم تحكموه. فدسوا إلى رسول الله ﷺ ناسًا من المنافقين ليَخْبُروا لهم رأي رسول الله ﷺ فلما جاءوا رسول الله ﷺ أخبر الله رسوله ﷺ بأمرهم كله، وما أرادوا، فأنزل الله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: (الْفَاسِقُونَ) ففيهم -والله-أنزل، وإياهم عنى الله، ﷿.
ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، بنحوه.
نَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ﴾ إلى قوله: (الْفَاسِقُونَ) ففيهم -والله-أنزل، وإياهم عنى الله، ﷿.
ورواه أبو داود من حديث ابن أبي الزناد، عن أبيه، بنحوه.
وقال أبو جعفر بن جرير: حدثنا هَنَّاد بن السري وأبو كُرَيْب قالا حدثنا يونس بن بُكَيْر، عن محمد بن إسحاق، حدثني داود بن الحصين، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس؛ أن الآيات في "المائدة"، قوله: (فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ أَوْ أَعْرِضْ عَنْهُمْ) إلى (الْمُقْسِطِينَ) إنما أنزلت في الدية في بني النَّضير وبني قُرَيْظَة، وذلك أن قتلى بني النضير، كان لهم شرف، تُؤدَى الدية كاملة، وأن قريظة كانوا يُودَوْن نصف الدية فتحاكموا في ذلك إلى رسول الله ﷺ، فأنزل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء-والله أعلم أي ذلك كان.
ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن إسحاق.
زل الله ذلك فيهم، فحملهم رسول الله ﷺ على الحق في ذلك، فجعل الدية في ذلك سواء-والله أعلم أي ذلك كان.
ورواه أحمد، وأبو داود، والنسائي من حديث ابن إسحاق.
ثم قال ابن جرير: حدثنا أبو كريب، حدثنا عبيد الله بن موسى، عن علي بن صالح، عن سِمَاك، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: كانت قريظة والنضير وكانت النضير أشرف من قريظة، فكان إذا قتل رجل من قريظة رجلا من النضير قتل به، وإذا قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، ودي مائة وسق تمر. فلما بعث رسول الله ﷺ، قتل رجل من النضير رجلا من قريظة، فقالوا: ادفعوه إلينا فقالوا: بيننا وبينكم رسول الله ﷺ. فنزلت: (وَإِنْ حَكَمْتَ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِالْقِسْطِ)
ورواه أبو داود والنسائي، وابن حِبَّان، والحاكم في المستدرك، من حديث عبيد الله بن موسى،
بنحوه.
وهكذا قال قتادة، ومُقاتل بن حَيَّان، وابن زيد وغير واحد.
وقد روى العَوْفِيّ، وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك.
وابن زيد وغير واحد.
وقد روى العَوْفِيّ، وعلي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: أن هذه الآيات نزلت في اليهوديين اللذين زنيا، كما تقدمت الأحاديث بذلك. وقد يكون اجتمع هذان السببان في وقت واحد، فنزلت هذه الآيات في ذلك كله، والله أعلم.
ولهذا قال بعد ذلك: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ﴾ إلى آخرها، وهذا يقوي أن سبب النزول قضية القصاص، والله ﷾ أعلم.
وقوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال البراء بن عازب، وحذيفة بن اليمان، وابن عباس، وأبو مِجْلزٍ، وأبو رَجاء العُطارِدي، وعِكْرِمة، وعبيد الله بن عبد الله، والحسن البصري، وغيرهم: نزلت في أهل الكتاب -زاد الحسن البصري: وهي علينا واجبة.
وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها.
د الحسن البصري: وهي علينا واجبة.
وقال عبد الرزاق عن سفيان الثوري، عن منصور، عن إبراهيم قال: نزلت هذه الآيات في بني إسرائيل، ورضي الله لهذه الأمة بها. رواه ابن جرير.
وقال ابن جرير أيضًا: حدثنا يعقوب، حدثنا هُشَيْم، أخبرنا عبد الملك بن أبي سليمان، عن سلمة بن كُهَيل، عن عَلْقَمَة ومسروق أنهما سألا ابن مسعود عن الرشوة فقال: من السُّحْت: قال: فقالا وفي الحكم؟ قال: ذاك الكفر! ثم تلا (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ)
وقال السُّدِّي: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) يقول: ومن لم يحكم بما أنزلتُ فتركه عمدًا، أو جار وهو يعلم، فهو من الكافرين [به]
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس، قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق.
قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: من جحد ما أنزل الله فقد كفر. ومن أقر به ولم يحكم فهو ظالم فاسق. رواه ابن جرير.
ثم اختار أن الآية المراد بها أهل الكتاب، أو من جحد حكم الله المنزل في الكتاب.
وقال عبد الرزاق، عن الثوري، عن زكريا، عن الشعبي: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ) قال: للمسلمين.
وقال ابن جرير: حدثنا ابن المثنى، حدثنا عبد الصمد، حدثنا شعبة، عن ابن أبي السفر، عن الشعبي: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: هذا في المسلمين، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾
قال: هذا في اليهود، ﴿وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: هذا في النصارى.
وكذا رواه هُشَيْم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي.
لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ﴾ قال: هذا في النصارى.
وكذا رواه هُشَيْم والثوري، عن زكريا بن أبي زائدة، عن الشعبي.
وقال عبد الرزاق أيضًا: أخبرنا مَعْمَر، عن ابن طاوس عن أبيه قال: سئل ابن عباس عن قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ [بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ]) قال: هي به كفر -قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الثوري، عن ابن جُرَيْج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق.
به كفر -قال ابن طاوس: وليس كمن كفر بالله وملائكته وكتبه ورسله.
وقال الثوري، عن ابن جُرَيْج عن عطاء أنه قال: كفر دون كفر، وظلم دون ظلم، وفسق دون فسق. رواه ابن جرير.
وقال وَكِيع عن سفيان، عن سعيد المكي، عن طاوس: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس بكفر ينقل عن الملة.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عبد الله بن يزيد المقري، حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حُجَير، عن طاوس، عن ابن عباس في قوله: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِمَا أَنزلَ اللَّهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْكَافِرُونَ) قال: ليس بالكفر الذي يذهبون إليه.
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث سفيان بن عيينة، وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه.