Wahai orang-orang yang beriman! Barang siapa di antara kamu yang murtad (keluar) dari agamanya, maka kelak Allah akan mendatangkan suatu kaum, Dia mencintai mereka dan mereka pun mencintai-Nya, dan bersikap lemah lembut terhadap orang-orang yang beriman, tetapi bersikap keras terhadap orang-orang kafir, yang berjihad di jalan Allah, dan yang tidak takut kepada celaan orang yang suka mencela. Itulah karunia Allah yang diberikan-Nya kepada siapa yang Dia kehendaki. Dan Allah Mahaluas (pemberian-Nya), Maha Mengetahui
لِه في الكفرِ، إما في اليهوديةِ أو النصرانيةِ أو غيرِ ذلك مِن صنوفِ الكفرِ، فلن يَضُرَّ اللَّهَ شيئًا، وسيَأْتِى اللَّهُ بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه. يقولُ: فسوف يَجِيءُ اللَّهُ بدلًا منهم، المؤمنين الذين لم يُبَدِّلوا ولم يُغَيِّروا ولم يَرْتَدُّوا، بقومٍ خيرٍ مِن الذين ارْتَدُّوا
وبدَّلوا دينَهم، يُحِبُّهم اللَّهُ ويُحِبُّون اللَّهَ.
وكان هذا الوعيدُ مِن اللَّهِ تعالى ذكرُه لمَن سبَق في علمِه أنه سيَرْتَدُّ بعدَ وفاةِ نبيِّه محمدٍ ﷺ، وكذلك وعْدُه من وعَد مِن المؤمنين ما وعَده في هذه الآيةِ، لمن سبَق له في علمِه أنه لا يُبَدِّلُ ولا يُغَيِّرُ دينَه ولا يَرْتَدُّ، فلمَّا قبَض الله نبيَّه ﷺ ارْتَدَّ أَقْوامٌ مِن أهلِ الوَبَرِ وبعضُ أهلِ المَدَرِ، فأبْدَل اللَّهُ المؤمنين بخيرٍ منهم كما قال تعالى ذكرُه، ووفَّى للمؤمنين بوعدِه، وأنْفَذ في من ارتَدَّ منهم وَعِيدَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
يرٍ منهم كما قال تعالى ذكرُه، ووفَّى للمؤمنين بوعدِه، وأنْفَذ في من ارتَدَّ منهم وَعِيدَه.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني يونُسُ، قال: أخْبرَنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بنُ عَيَّاشٍ، عن أبي صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا، وعمرُ أميرُ المدينةِ يومَئذٍ، فقال: يا أبا حمزةَ، آيةٌ أَسْهَرَتْني البارحةَ. قال محمدٌ: وما هي أيُّها الأميرُ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾.
أيُّها الأميرُ؟ قال: قولُ اللَّهِ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ حتى بلَغ ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾. فقال محمدٌ: أيُّها الأميرُ، إنما عنَى اللَّهُ بالذين آمَنوا الوُلاةَ مِن قريشٍ مَن يَرْتَدُّ عن الحقِّ.
ثم اخْتَلَف أهلُ التأويلِ في أعْيانِ القومِ الذين أتَى اللَّهُ بهم المؤمنين، وأبْدَل المؤمنين مكانَ مَن ارْتَدَّ منهم؛ فقال بعضُهم: هو أبو بكرٍ الصديقُ وأصحابُه الذين قاتَلوا أهلَ الرِّدَّةِ حتى أدْخَلوهم مِن البابِ الذي خرَجوا منه.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا هَنَّادُ بنُ السَّرِيِّ، قال: ثنا حفصُ بنُ غِياثٍ، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن
الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
ن
الحسنِ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هذا واللَّهِ أبو بكرٍ وأصحابه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن الفضلِ بن دَلْهَمٍ، عن الحسنِ مثلَه.
حدَّثنا هَنَّادٌ، قال: ثنا عَبْدةُ بنُ سُليمانَ، عن جُوَيْبِرٍ، عن سهل، عن الحسنِ في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أبو بكرٍ وأصحابُه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا حسينُ بنُ عليٍّ، عن أبي موسى، قال: قرَأ الحسنُ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هي واللَّهِ لأبي بكرٍ وأصحابِه.
حدَّثني نصرُ بنُ عبدِ الرحمنِ الأوْديُّ، قال: ثنا أحمدُ بنُ بَشِيرٍ، عن هشامٍ، عن الحسنِ في قوله: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
لامِ، إلا ثلاثةَ مَساجدَ؛ أهلُ المدينةِ، وأهلُ مكةَ، وأهلُ البَحْرَيْنِ مِن عبدِ القيسِ. قالوا: نُصَلِّي ولا نُزَكِّي، واللَّهِ لا تُغْصَبُ أموالُنا. فكُلِّم أبو بكرٍ في ذلك فقيل له: إنهم لو قد فُقِّهوا لهذا، أعْطَوْها - [أو أدَّوها] - فقال: لا واللَّهِ، لا أُفَرِّقُ بينَ شيءٍ جمَع اللَّهُ بينَه، ولو منَعوا عِقالًا مما فرَض اللَّهُ ورسولُه لقاتَلْناهم عليه. فبعَث اللَّهُ عِصابةً مع أبى بكرٍ، فقاتَل على ما قاتَل عليه نبيُّ اللَّهِ ﷺ، حتى سبَى وقتَل وحرَّق بالنيرانِ أُناسًا ارْتَدُّوا عن الإسلامِ ومنَعوا الزكاةَ، فقاتَلَهم حتى أقَرُّوا بالماعونِ، وهى الزكاةُ، صَغَرَةً أَقْمِياءَ، فأتَتْه وُفودُ العربِ، فخيَّرهم بينَ خُطَّةٍ مُخْزِيَةٍ، أو حربٍ مُجْلِيَةٍ، فاخْتارُوا الخُطَّةَ المُخْزيةَ، وكانت أهْونَ عليهم؛ أن يَشْهَدوا أن قَتْلاهم في النارِ، وأن قَتْلى المؤمنين في الجنةِ، وأن ما أصابوا مِن المسلمين مِن مالٍ رَدُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم مِن مالٍ فهو لهم حَلالٌ.
ن قَتْلاهم في النارِ، وأن قَتْلى المؤمنين في الجنةِ، وأن ما أصابوا مِن المسلمين مِن مالٍ رَدُّوه عليهم، وما أصاب المسلمون لهم مِن مالٍ فهو لهم حَلالٌ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسين، قال: ثنى حَجَّاجُ، عن ابن جُرَيْجٍ قولَه:
﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال ابن جُرَيْجٍ: ارْتَدُّوا حينَ تُوُفِّي رسولُ اللَّهِ ﷺ، فقاتَلَهم أبو بكرٍ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أَخْبَرَنا سيفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَوْقٍ، عن الضَّحَّاكِ، عن أبي أيوب، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. قال: علِم الله المؤمنين، ووقَع معنى السُّوءِ على الحَشْوِ الذي فيهم مِن المنافقين ومَن في علمِه أن يَرْتَدُّوا.
َنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. قال: علِم الله المؤمنين، ووقَع معنى السُّوءِ على الحَشْوِ الذي فيهم مِن المنافقين ومَن في علمِه أن يَرْتَدُّوا. قال: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ﴾ المُرْتَدَّةَ [في دُورِهِم] ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه.
وقال آخَرون: يعنى بذلك قومًا مِن أهلِ اليمنِ. وقال بعضُ مَن قال ذلك منهم: هم رَهْطُ أبي موسى الأَشْعَريِّ عبدِ الأَشْعَرى عبدِ اللَّهِ بن قيس.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ المثنى، قال: ثنا محمدُ بن جعفرٍ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال: لما نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
نزَلَت هذه الآيةُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَوْمَأ رَسولُ اللَّهِ ﷺ إلى أبي موسى بشيءٍ كان معه، فقال: "هم قومُ هذا".
حدَّثنا ابن المثنى، قال: ثنا أبو الوليدِ، قال: ثنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا يُحَدِّثُ عن أبي موسى، أن النبيَّ ﷺ قرَأ هذه الآيةَ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: "يعنى قومَ أبي موسى".
حدَّثني أبو السائبِ سَلْمُ بنُ جُنادةَ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ - قال أبو السائب: قال أصحابُنا: هو عن سِماكِ بن حربٍ، وأنا لا أَحْفَظُ سِماكًا - عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هم قومُ هذا". يعنى أبا موسى.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال النبيُّ ﷺ لأبي موسى: "هم قومُ هذا".
. يعنى أبا موسى.
حدَّثنا سفيانُ بنُ وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن شعبةَ، عن سِماكٍ، عن عِياضٍ الأشْعَريِّ، قال النبيُّ ﷺ لأبي موسى: "هم قومُ هذا". في قولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
حدَّثنا مُجاهدُ بنُ موسى، قال: ثنا يزيدُ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، عن سِماكِ بن حربٍ، قال: سمِعْتُ عِياضًا الأَشْعَريَّ يقولُ: لما نزَلَت: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ قال رسولُ اللَّهِ ﷺ: "هم قومُك يا أبا موسى". أو قال: "هم قومُ هذا". يعنى أبا موسى.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو سفيانَ الحِمْيَريُّ، عن حُصَيْنٍ، عن عِياضٍ أو ابن عياضٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
ثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو سفيانَ الحِمْيَريُّ، عن حُصَيْنٍ، عن عِياضٍ أو ابن عياضٍ: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: هم أهلُ اليمنِ.
حدَّثنا محمدُ بنُ عوفٍ، قال: ثنا أبو المغيرةِ، قال: ثنا صَفْوانُ، قال: ثنا عبد الرحمن بن جُبيرٍ، عن شُرَيْحٍ بن عُبَيْدٍ، قال: لمَّا أَنْزَلَ اللَّهُ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾ إلى آخرِ الآيةِ. قال عمرُ: أنا وقومى هم يا رسولَ اللَّهِ؟
قال: "لا، بل هذا وقومُه". يعنى أبا موسى الأشعريَّ.
وقال آخَرون منهم: بل هم أهلُ اليمنِ جميعًا.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾.
مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ في قولِ اللَّهِ: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾. قال: أَناسٌ مِن أهلِ اليمنِ.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حُذيفةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابن أبي نَجِيحٍ، عن مُجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا ابن وَكيعٍ، قال: ثنا ابن إدْريسَ، عن ليثٍ، عن مُجاهِدٍ، قال: هم قومُ سَبَأً.
حدَّثنا مَطَرُ بنُ محمدٍ الضَّبِّيُّ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: أخْبرَنا شعبةُ، قال: أَخْبَرَني مَن سمِع شهرَ بنَ حَوْشَبٍ، قال: هم أهلْ اليمنِ.
حدَّثني يونُسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: أَخْبَرَني عبدُ اللَّهِ بْنُ عَيَّاشٍ، عن أبى صَخْرٍ، عن محمدِ بن كعبٍ القُرَظيِّ، أن عمرَ بنَ عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا وهو أميرُ المدينةِ يَسْأَله عن ذلك، فقال محمدٌ: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهلُ اليمنِ. قال عمرُ: يا ليْتَنى منهم.
عبدِ العزيزِ أرْسَل إليه يومًا وهو أميرُ المدينةِ يَسْأَله عن ذلك، فقال محمدٌ: ﴿يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ﴾ وهم أهلُ اليمنِ. قال عمرُ: يا ليْتَنى منهم. قال: آمين.
وقال آخَرون: هم أنصارُ رسولِ اللَّهِ ﷺ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المُفَضَّلِ، قال: ثنا أسْباطُ، عن السديِّ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾: يَزْعُمُ أَنهم الأنصارُ.
وتأويلُ الآيةِ على قولِ مَن قال: عنَى اللَّهُ بقولِه: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ أبا بكرٍ وأصحابَه في قتالِهم أهلَ الرِّدَّةِ بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ -: يا أَيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فلن يَضُرَّ اللَّهَ شَيئًا، وسَيَأْتى اللَّهُ مَنِ ارْتَدَّ منكم عن دينِه بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه، يَنْتَقِمُ بهم منهم على أيديهم.
وبذلك جاء الخبرُ والرِّواية عن بعضِ مَن تأوَّل ذلك كذلك.
َّهُ مَنِ ارْتَدَّ منكم عن دينِه بقومٍ يُحِبُّهم ويُحِبُّونه، يَنْتَقِمُ بهم منهم على أيديهم.
وبذلك جاء الخبرُ والرِّواية عن بعضِ مَن تأوَّل ذلك كذلك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخْبرَنا سيفُ بنُ عمرَ، عن أبي رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ﴾. قال: يقولُ: فسوف يَأْتِى اللَّهُ المُرتَدَّةَ في دورهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه.
وأما على قولِ مَن قال: عنى اللَّهُ بذلك أهلَ اليمن.
ف يَأْتِى اللَّهُ المُرتَدَّةَ في دورهم ﴿بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ بأبي بكرٍ وأصحابِه.
وأما على قولِ مَن قال: عنى اللَّهُ بذلك أهلَ اليمن. فإن تأويلَه: يا أيُّها الذين آمَنوا مَن يَرْتَدَّ منكم عن دينِه فسوف يَأْتِى اللَّهُ المؤمنين الذين لم يَرْتَدُّوا بقومٍ يُحبُّهم ويُحِبُّونه، أعْوانًا لهم وأنْصارًا.
وبذلك جاءت الرَّوايةُ عن بعض مَن كان يَتَأَوَّلُ ذلك كذلك.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد اللَّهِ بن صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بن صالحٍ، عن عليّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾
الآية: وَعيدٌ مِن اللَّهِ أنه مَن ارْتَدَّ منكم أنه سيَسْتَبْدِلُ خيرًا منهم.
وأما على قولِ مَن قال: عُنِى بذلك الأنْصارُ.
دَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾
الآية: وَعيدٌ مِن اللَّهِ أنه مَن ارْتَدَّ منكم أنه سيَسْتَبْدِلُ خيرًا منهم.
وأما على قولِ مَن قال: عُنِى بذلك الأنْصارُ. فإن تأويلَه في ذلك نَظيرُ تأويلِ مَن تأَوَّله أنه عُنِى به أبو بكرٍ وأصحابُه.
وأولى الأقوالِ في ذلك عندَنا بالصوابِ ما رُوِى به الخبرُ عن رسولِ اللَّهِ ﷺ أنهم أهلُ اليمنِ قومُ أبي موسى الأشْعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بالخبرِ الذي رُوِى عنه، ما كان القولُ عندى في ذلك إلا قولَ مَن قال: هم أبو بكرٍ وأصحابُه.
أشْعريِّ، ولولا الخبرُ الذي رُوِى في ذلك عن رسولِ اللَّهِ ﷺ بالخبرِ الذي رُوِى عنه، ما كان القولُ عندى في ذلك إلا قولَ مَن قال: هم أبو بكرٍ وأصحابُه. وذلك أنه لم يُقاتِلْ قومًا كانوا أظْهَروا الإسلامَ على عهدِ رسولِ اللَّهِ، ثم ارْتَدُّوا على أعْقابِهم كُفارًا، غيرُ أبي بكرٍ ومَن كان معَه ممَّن قاتَل أهلَ الرِّدةِ معه بعدَ رسولِ اللَّهِ ﷺ، ولكنا ترَكْنا القولَ في ذلك للخبرِ الذي رُوِى فيه عن رسولِ اللَّهِ؛ أن كان ﷺ مَعْدِنَ البَيانِ عن تأويلِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ مِن وحْيِه وآى كتابه.
فإن قال لنا قائلٌ: فإن كان القوم الذين ذكَر اللَّهُ أَنه سَيَأْتِي بهم عندَ ارْتِدادِ مَن ارْتَدَّ عن دينِه ممَّن كان قد أسْلَم على عهدِ رسولِ اللَّهِ ﷺ هم أهلَ اليمنِ، فهل كان اللَّهِ أهلُ اليمنِ أيامَ قتالِ أبى بكرٍ ﵁ أهلَ الرِّدَّةِ، أعْوانَ أبي بكرٍ على قتالِهم حتى تَسْتَجِيزَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ما وَجَّهَت إليه؟
َهِ أهلُ اليمنِ أيامَ قتالِ أبى بكرٍ ﵁ أهلَ الرِّدَّةِ، أعْوانَ أبي بكرٍ على قتالِهم حتى تَسْتَجِيزَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ما وَجَّهَت إليه؟ أم لم يَكُونوا أعْوانًا له عليهم، فكيف اسْتَجَزْتَ أن تُوَجِّهَ تأويلَ الآيةِ إلى ذلك، وقد علِمْتَ أنه لا خُلْفَ لوعدِ اللَّهِ؟
قيل له: إن اللَّهَ تعالى ذكرُه لم يَعِدِ المؤمنين أن يُبَدِّلَهم بالمرتدِّين منهم يومَئذٍ
خيرًا مِن المرتدِّين لقتالِ المرتدِّين، وإنما أخْبَر أنه سيَأْتِيهم بخيرٍ منهم بدلًا منهم، فقد فعَلَ ذلك بهم قريبًا غيرَ بعيدٍ، فجاء بهم على عهدِ عمرَ، فكان موقعُهم مِن الإسلامِ وأهلِه أحسنَ موقعٍ، وكانوا أعْوانَ أهلِ الإسلامِ، وأنْفعَ لهم ممَّن كان ارْتَدَّ بعدَ رسولِ الله الله ﷺ من طَغَامِ الأعْرابِ وجُفاةِ أهلِ البَوادِى الذين كانوا على أهلِ الإسلامِ كَلًّا لا نفعًا.
لامِ، وأنْفعَ لهم ممَّن كان ارْتَدَّ بعدَ رسولِ الله الله ﷺ من طَغَامِ الأعْرابِ وجُفاةِ أهلِ البَوادِى الذين كانوا على أهلِ الإسلامِ كَلًّا لا نفعًا.
واخْتَلَفَت القَرَأَةُ في قراءةِ قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾؛ فقرَأَته قَرأَةُ أهل المدينة: (يا أَيُّها الذين آمنوا من يَرْتَدِدْ منكم عن دينهِ). بإظهارِ التَّضْعيفِ بدالين، مَجْزومةَ الدالِ الآخِرةِ، وكذلك ذلك في مَصاحفِهم.
وأما قَرأةُ أهلِ العراقِ فإنهم قرَءوا ذلك: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ﴾. بالإدْغامِ بدالٍ واحدةٍ، وتَحْريكِها إلى الفتحِ بناءً على التَثْنيةِ؛ لأن المجزومَ الذي يَظْهَرُ تَضْعيفُه في الواحدِ إذا ثُنِّي أُدْغِم، ويقالُ للواحدِ: ارْدُدْ يا فلانُ إلى فلانٍ حقَّه. فإذا ثُنِّى قيل: رُدَّا إليه حَقَّه. ولا يُقالُ: ارْدُدا. وكذلك في الجمعِ: رُدُّوا. ولا يُقالُ: ارْدُدوا.
للواحدِ: ارْدُدْ يا فلانُ إلى فلانٍ حقَّه. فإذا ثُنِّى قيل: رُدَّا إليه حَقَّه. ولا يُقالُ: ارْدُدا. وكذلك في الجمعِ: رُدُّوا. ولا يُقالُ: ارْدُدوا. فتَبْنِى العربُ أحيانًا الواحدَ على الاثنين، وتُظْهِرُ أحيانًا في الواحدِ التَّضْعيفَ لسكونِ لامِ الفعلِ، وكلتا اللغتين فَصيحةٌ مشهورةٌ في العربِ.
والقراءةُ في ذلك عندَنا على ما هو به في مَصاحفِنا ومَصاحِفِ أهلِ المشرقِ (٣) بدالٍ واحدةٍ مُشَدَّدةٍ، بتركِ إظهارِ التَّضْعيفِ، وبفتحِ الدالِ؛ للعلَّةِ التي وصَفْتُ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾.
يعني تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أَرِقَّاءَ عليهم، رُحَماءَ بهم.
مِن قولِ القائلِ: ذَلَّ فلانٌ لفلانٍ. إذا خضَع له واسْتَكان.
ويعنى بقولِه: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أشدَّاءَ عليهم، غُلَظاءَ بهم. مِن قولِ القائلِ: قد عزَّنى فلانٌ. إذا أظْهَر العِزَّةَ مِن نفسِه له، وأبْدَى له الجَفْوةَ والغِلْظةَ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ هاشمٍ، قال: أخْبرَنا سيفُ بنُ عمرَ، عن أبى رَوْقٍ، عن أبي أيوبَ، عن عليٍّ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أهلِ رِقَّةٍ على أهلِ دينِهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أهلِ غِلْظةٍ على مَن خالَفهم في دينِهم.
يٍّ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾: أهلِ رِقَّةٍ على أهلِ دينِهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: أهلِ غِلْظةٍ على مَن خالَفهم في دينِهم.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ صالحٍ، قال: ثني معاويةُ بنُ صالحٍ، عن عليِّ بن أبي طلحةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: يعني بالذِّلَّةِ الرحمةَ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، قال: قال ابن جُرَيْجٍ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: رُحماءَ بينَهم، ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾. قال:
أشِدَّاءَ عليهم.
حدَّثنا الحارثُ بنُ محمدٍ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: قال سفيانُ: سمِعْتُ الأعْمشَ يقولُ في قولِه: ﴿أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾: ضُعَفَاءَ عن المؤمنين.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ (٥٤)﴾.
يعنى تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ﴾ هؤلاء المؤمنين الذين وعَد اللَّهُ المؤمنين أن يَأْتِيَهم بهم إن ارْتَدَّ منهم مُرْتَدٌّ بدلًا منهم، يُجاهِدون في قتالِ أعْداءِ اللَّهِ على النحوِ الذي أمَر اللَّهُ بقتالِهم والوجهِ الذي أذِنَ لهم به، ويُجاهِدون عدوَّهم، فذلك مُجاهَدتُهم في سبيلِ اللَّهِ، ﴿وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾ يقولُ: ولا يَخافون في ذاتِ اللَّهِ أحدًا، ولا يَصُدُّهم عن العملِ بما أمَرَهم اللَّهُ به مِن قتالِ عدوِّهم لَوْمةُ لائمٍ لهم في ذلك.
وأما قولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾.
ي ذاتِ اللَّهِ أحدًا، ولا يَصُدُّهم عن العملِ بما أمَرَهم اللَّهُ به مِن قتالِ عدوِّهم لَوْمةُ لائمٍ لهم في ذلك.
وأما قولُه: ﴿ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ﴾. فإنه يعنى: هذا النعْتُ الذي نعَتهم به تعالى ذكرُه مِن أنهم أذلةٌ على المؤمنين، أعزّةٌ على الكافرينِ، يُجاهِدون في سبيلِ اللَّهِ، ولا يَخافون في اللَّهِ لومةَ لائمٍ - فضلُ اللَّهِ الذي تفَضَّل به عليهم، واللَّهُ يُؤْتِى فضلَه مَن يَشاءُ مِن خلقِه، مِنَّةً عليه وتَطَوُّلًا.
﴿وَاللَّهُ وَاسِعٌ﴾ يقولُ: واللَّهُ جَوَادٌ بفضلِه على مَن جاد به عليه، لا يَخافُ نَفادَ خَزائنِه [فتتلفَ في] عطائِه، ﴿عَلِيمٌ﴾ بموضعِ جُودِه وعَطائِهِ، فلا يَبْذُلُه إلا لَمن
اسْتَحَقَّه، ولا يَبْذُلُ لَمن اسْتَحَقَّه إلا على قَدْرِ المَصْلحةِ؛ لعلمِه بموضعِ صَلاحِه له مِن موضعِ ضُرِّه.
َكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (٥٧)﴾
يقول تعالى مخبرا عن قدرته العظيمة أن من تولى عن نصرة دينه وإقامة شريعته، فإن الله يستبدل به من هو خير لها منه وأشد منعة وأقوم سبيلا كما قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَتَوَلَّوْا يَسْتَبْدِلْ قَوْمًا غَيْرَكُمْ ثُمَّ لا يَكُونُوا أَمْثَالَكُمْ﴾ [محمد: ٣٨] وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ﴾ [النساء: ١٣٣]، وقال تعالى: ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾ [إبراهيم: ١٩، ٢٠] أي: بممتنع ولا صعب. وقال تعالى هاهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.
قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش.
لى هاهنا: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ) أي: يرجع عن الحق إلى الباطل.
قال محمد بن كعب: نزلت في الولاة من قريش. وقال الحسن البصري: نزلت في أهل الردة أيام أبي بكر.
(فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال الحسن: هو والله أبو بكر وأصحابه [﵃] رواه ابن أبي حاتم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) هم أهل القادسية.
أبي حاتم.
وقال أبو بكر بن أبي شيبة: سمعت أبا بكر بن عياش يقول في قوله (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) هم أهل القادسية. وقال لَيْث بن أبي سليم، عن مجاهد: هم قوم من سبأ.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا عبد الله بن الأجلح، عن محمد بن عمرو، عن سالم، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: ناس من أهل اليمن، ثم من كِنْدَة، ثم من السَّكُون.
وحدثنا أبي، حدثنا محمد بن المصفى، حدثنا معاوية -يعني ابن حفص-عن أبي زياد الحلفاني، عن محمد بن المُنْكَدر، عن جابر بن عبد الله قال: سُئل رسول الله ﷺ عن قوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: "هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من
تجيب".
ل الله ﷺ عن قوله: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال: "هؤلاء قوم من أهل اليمن، ثم من كندة، ثم من السكون، ثم من
تجيب". وهذا حديث غريب جدا.
وقال ابن أبى حاتم: حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا عبد الصمد -يعني ابن عبد الوارث-حدثنا شعبة، عن سِمَاك، سمعت عياضًا يحدث عن الأشعري قال: لما نزلت: (فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ) قال رسول الله ﷺ: "هم قوم هذا". ورواه ابن جرير من حديث شعبة بنحوه.
وقوله تعالى: (أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ) هذه صفات المؤمنين الكُمَّل أن يكون أحدهم متواضعًا لأخيه ووليه، متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩].
متعززًا على خصمه وعدوه، كما قال تعالى: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾ [الفتح: ٢٩]. وفي صفة النبي ﷺ أنه: "الضحوك القتال" فهو ضحوك لأوليائه قتال لأعدائه.
وقوله [تعالى] (يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لائِمٍ) أي: لا يردهم عما هم فيه من طاعة الله، وقتال أعدائه، وإقامة الحدود، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لا يردهم عن ذلك راد، ولا يصدهم عنه صاد، ولا يحيك فيهم لوم لائم ولا عذل عاذل.
قال الإمام أحمد: حدثنا عفان، حدثنا سلام أبو المنذر، عن محمد بن واسع، عن عبد الله بن الصامت، عن أبي ذر قال: أمرني خليلي ﷺ بسبع، أمرني بحب المساكين والدنو منهم، وأمرني أن أنظر إلى من هو دوني، ولا أنظر إلى من هو فوقي، وأمرني أن أصل الرحم وإن أدبرت، وأمرني أن لا أسأل أحدًا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش.
ا شيئًا، وأمرني أن أقول الحق وإن كان مرًا، وأمرني ألا أخاف في الله لومة لائم، وأمرني أن أكثر من قول: لا حول ولا قوة إلا بالله، فإنهن من كنز تحت العرش.
وقال الإمام أحمد أيضًا: حدثنا أبو المغيرة، حدثنا صفوان عن أبي المثنى؛ أن أبا ذر قال: بايعني رسولُ الله ﷺ خمسا وواثقني سبعًا، وأشهد الله على تسعًا، أني لا أخاف في الله لومة لائم. قال أبو ذر: فدعاني رسول الله ﷺ فقال: "هل لك إلى بيعة ولك الجنة؟ " قلت: نعم، قال: وبسطت يدي، فقال النبي ﷺ وهو يشترط: على ألا تسأل الناس شيئا؟ قلت: نعم قال: "ولا سوطك وإن
سقط منك يعني تنزل إليه فتأخذه."
وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن الحسن، حدثنا جعفر، عن المعلى القُرْدوسي، عن الحسن، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم".
: قال رسول الله ﷺ: "ألا لا يمنعن أحدكم رَهْبةُ الناس أن يقول بحق إذا رآه أو شهده، فإنه لا يقرب من أجل، ولا يُبَاعد من رزق أن يقول بحق أو يذكر بعظيم". تفرد به أحمد.
وقال أحمد: حدثنا عبد الرزاق، أخبرنا سفيان، عن زُبَيْد عن عمرو بن مُرَّة، عن أبي البختري، عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: "لا يَحْقِرَنَّ أحدكم نفسه أن يرى أمرًا لله فيه مَقَال، فلا يقول فيه، فيقال له يوم القيامة: ما منعك أن تكون قلت فيّ كذا وكذا؟ فيقول: مخافة الناس. فيقول: إياي أحق أن تخاف".
ورواه ابن ماجه من حديث الأعمش، عن عَمْرو بن مرة به. وروى أحمد وابن ماجه، من حديث عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي طُوَالة عن نهار بن عبد الله العبدي المدني، عن أبي سعيد الخدري عن النبي ﷺ قال: "إن الله ليسأل العبد يوم القيامة، حتى إنه ليسأله يقول له: أيْ عبدي، رأيت منكرًا فلم تنكره؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس".
وثبت في الصحيح: "ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه"، قالوا: وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله؟
كره؟ فإذا لَقَّن الله عبدًا حجته، قال: أيْ رب، وثقت بك وخفت الناس".
وثبت في الصحيح: "ما ينبغي لمؤمن أن يذل نفسه"، قالوا: وكيف يذلّ نفسه يا رسول الله؟ قال: "يتحمل من البلاء ما لا يطيق".
(ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ) أي: من اتصف بهذه الصفات، فإنما هو من فضل الله عليه، وتوفيقه له، (وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) أي: واسع الفضل، عليم بمن يستحق ذلك ممن يَحْرمه إياه.
وقوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) أي: ليس اليهود بأوليائكم، بل ولايتكم راجعة إلى الله ورسوله والمؤمنين.
وقوله: (الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ [وَهُمْ رَاكِعُونَ]) أي: المؤمنون المتصفون بهذه الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين.
الصفات، من إقام الصلاة التي هي أكبر أركان الإسلام، وهي له وحده لا شريك له، وإيتاء الزكاة التي هي حق المخلوقين ومساعدة للمحتاجين من الضعفاء والمساكين.
وأما قوله (وَهُمْ رَاكِعُونَ) فقد توهم بعضهم أن هذه الجملة في موضع الحال من قوله: (وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ) أي: في حال ركوعهم، ولو كان هذا كذلك، لكان دفع الزكاة في حال الركوع أفضل من غيره؛ لأنه ممدوح، وليس الأمر كذلك عند أحد من العلماء ممن نعلمه من أئمة الفتوى، وحتى إن بعضهم ذكر في هذا أثرًا عن علي بن أبي طالب: أن هذه الآية نزلت فيه: [ذلك] أنه مر به سائل في حال ركوعه، فأعطاه خاتمه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا الربيع بن سليمان المرادي، حدثنا أيوب بن سُوَيْد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب.
حدثنا أيوب بن سُوَيْد، عن عتبة بن أبي حكيم في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا) قال: هم المؤمنون وعلي بن أبي طالب.
وحدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا الفضل بن دُكَيْن أبو نعيم الأحول، حدثنا موسى بن قيس الحضرمي، عن سلمة بن كُهَيْل قال: تصدق علي بخاتمه وهو راكع، فنزلت: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ).
وقال ابن جرير: حدثني الحارث، حدثنا عبد العزيز، حدثنا غالب بن عبيد الله، سمعت مجاهدًا يقول في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية: نزلت في علي بن أبي طالب، تَصَّدَق وهو راكع
وقال عبد الرزاق: حدثنا عبد الوهاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية: نزلت في علي بن أبي طالب.
عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.
هاب بن مجاهد، عن أبيه، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية: نزلت في علي بن أبي طالب.
عبد الوهاب بن مجاهد لا يحتج به.
ورواه ابن مَرْدُويه، من طريق سفيان الثوري، عن أبي سِنان، عن الضحاك، عن ابن عباس قال: كان علي بن أبي طالب قائمًا يصلي، فمر سائل وهو راكع، فأعطاه خاتمه، فنزلت: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) الآية.
الضحاك لم يلق ابن عباس.
وروى ابن مَرْدُويه أيضًا عن طريق محمد بن السائب الكلبي -وهو متروك-عن أبي صالح، عن ابن عباس قال: خرج رسول الله ﷺ إلى المسجد، والناس يصلون، بين راكع وساجد وقائم وقاعد، وإذا مسكين يسأل، فدخل رسول الله ﷺ فقال: "أعطاك أحد شيئًا؟ " قال: نعم. قال: "من؟ " قال: ذلك الرجل القائم. قال: "على أي حال أعطاكه؟ " قال: وهو راكع، قال: "وذلك علي بن أبي طالب".
الله ﷺ فقال: "أعطاك أحد شيئًا؟ " قال: نعم. قال: "من؟ " قال: ذلك الرجل القائم. قال: "على أي حال أعطاكه؟ " قال: وهو راكع، قال: "وذلك علي بن أبي طالب". قال: فكبر رسول الله ﷺ عند ذلك، وهو يقول: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)
وهذا إسناد لا يفرح به.
ثم رواه ابن مردويه، من حديث علي بن أبي طالب، ﵁، نفسه، وعمار بن ياسر، وأبي رافع. وليس يصح شيء منها بالكلية، لضعف أسانيدها وجهالة رجالها. ثم روى بسنده، عن ميمون بن مِهْران، عن ابن عباس في قوله: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ) نزلت في المؤمنين، وعلي بن أبي طالب أولهم.
وقال ابن جرير: حدثنا هَنَّاد، حدثنا عبدة، عن عبد الملك، عن أبي جعفر قال: سألته عن هذه [الآية] (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا!
َّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ) قلنا: من الذين آمنوا؟ قال: الذين آمنوا! قلنا: بلغنا أنها نزلت في علي بن أبي طالب! قال: عَلِيٌّ من الذين آمنوا.
وقال أسباط، عن السُّدِّي: نزلت هذه الآية في جميع المؤمنين، ولكن علي بن أبي طالب مر به سائل وهو راكع في المسجد فأعطاه خاتمه.
وقال علي بن أبي طلحة الوالبي، عن ابن عباس: من أسلم فقد تولى الله ورسوله والذين آمنوا. رواه ابن جرير.
وقد تقدم في الأحاديث التي أوردنا أن هذه الآيات كلها نزلت في عبادة بن الصامت، ﵁، حين تبرأ من حلْف يَهُود، ورضي بولاية الله ورسوله والمؤمنين؛ ولهذا قال تعالى بعد هذا كله: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ) كما قال تعالى: ﴿كَتَبَ اللَّهُ لأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ * لا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ
رة]؛ ولهذا قال [الله] تعالى في هذه الآية الكريمة: (وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ)
وهذا تنفير من موالاة أعداء الإسلام وأهله، من الكتابيين والمشركين، الذين يتخذون أفضل ما يعمله العاملون، وهي شرائع الإسلام المطهرة المحكمة المشتملة على كل خير دنيوي وأخروي، يتخذونها (هُزُوًا وَلَعِبًا) يستهزئون بها، (وَلَعِبًا) يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد كما قال القائل:
وَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا … وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ
َلَعِبًا) يعتقدون أنها نوع من اللعب في نظرهم الفاسد، وفكرهم البارد كما قال القائل:
وَكَمْ مِنْ عَائبٍ قَولا صَحِيحًا … وآفَتُهُ مِن الْفَهم السَّقِيمِ
وقوله: (مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ) "من" ههنا لبيان الجنس، كقوله: ﴿فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠]، وقرأ بعضهم (وَالْكُفَّارِ) بالخفض عطفا، وقرأ آخرون بالنصب على أنه معمول (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ) تقديره: ولا الكفار أولياء، أي: لا تتخذوا هؤلاء ولا هؤلاء أولياء.
والمراد بالكفار ههنا المشركون، وكذا وقع في قراءة ابن مسعود، فيها رواه ابن جرير: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ).
قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾ الآية.
أخبر تعالى المؤمنين في هذه الآية الكريمة أنهم إن ارتد بعضهم فإن الله يأتي عوضاً عن ذلك المرتد، بقوم من صفاتهم الذل للمؤمنين، والتواضع لهم، ولين الجانب، والقسوة والشدة على الكافرين، وهذا من كمال صفات المؤمنين، وبهذا أمر الله نبيه ﷺ، فأمره بلين الجانب للمؤمنين بقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ (٨٨)﴾ وقوله: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (٢١٥)﴾ وأمره بالقسوة على غيرهم بقوله: ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ
ْسَ الْمَصِيرُ (٧٣)﴾ وأثنى تعالى على نبيه باللين للمؤمنين في قوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ﴾ الآية. وصرح بأن ذلك المذكور من اللين للمؤمنين، والشدة على الكافرين، من صفات الرسول ﷺ وأصحابه ﵃، بقوله: ﴿مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾.
وقد قال الشاعر في رسول الله ﷺ:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أبر وأوفى ذمة من محمد
وأعطى إذا ما طلب العرف جاءه ... وأمضى بحد المشرفي المهند
وقال الآخر فيه:
وما حملت من ناقة فوق رحلها ... أشد على أعدائه من محمد
ويفهم من هذه الآيات أن المؤمن يجب عليه أن لا يلين إلا في الوقت المناسب للين، وألا يشتد إلا في الوقت المناسب للشدة؛ لأن اللين في محل الشدة ضعف وخور، والشدة في محل اللين حمق وخرق، وقد قال أبو الطيب المتنبي:
إذا قيل: حلم قل: فللحلم موضع ... وحلم الفتى في غير موضعه جهل
•