القولُ في تأويلِ قولِه ﷿: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.
قال أبو جعفرٍ ﵀: يقولُ تعالى ذكرُه: ونحن أقربُ إلى الإنسانِ مِن وريدِ حلْقِه، حينَ يَتَلَقَّى المَلَكانِ - وهما المُتَلَقِّيانِ - عن اليَمِينِ، وعن الشِّمالِ قَعِيدٌ.
وقيل: عَنَى بالقعيدِ الرَّصَدَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، وحدَّثني
الحارثُ، قال: ثنا الحسنُ، قال: ثنا ورقاءُ، جميعًا عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿قَعِيدٌ﴾. قال: رَصَدٌ.
واختلَف أهلُ العربيةِ في وجهِ توحيدِ ﴿قَعِيدٌ﴾. وقد ذُكر مِن قبلُ المتلقِّيانِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. ولم يَقُلْ: عن اليمينِ قعيدٌ، وعن الشمالِ قعيدٌ.
ذُكر مِن قبلُ المتلقِّيانِ؛ فقال بعضُ نحويِّي البصرةِ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. ولم يَقُلْ: عن اليمينِ قعيدٌ، وعن الشمالِ قعيدٌ. أي أحدُهما، ثم استَغْنى، كما قال: ﴿يُخْرِجُكُمْ طِفْلًا﴾ [غافر: ٦٧]، و استغنى بالواحدِ عن الجميعِ، كما قال: ﴿فَإِنْ طِبْنَ لَكُمْ عَنْ شَيْءٍ مِنْهُ نَفْسًا﴾ [النساء: ٤].
وقال بعضُ نحويِّي الكوفةِ: ﴿قَعِيدٌ﴾. يريدُ: قعودٌ عن اليمينِ وعن الشِّمالِ. فجعَل ﴿قَعِيدٌ﴾ جمعًا، كما يُجْعَلُ الرسولُ للقومِ وللاثنينِ؛ قال اللَّهُ ﷿: ﴿إِنَّا رَسُولُ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الشعراء: ١٦]. لموسى وأخيه.
لَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. يقولُ تعالى ذكرُه: ما يَلْفِظُ الإنسانُ من قولٍ، فيَتَكَلَّمُ به، إلا عندَ ما يَلْفِظُ به من قولٍ، ﴿رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. يعني: حافظٌ يَحْفَظُه، عَتِيدٌ مُعَدٌّ.
وبنحوِ الذي قلْنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا ابنُ بشارٍ، قال: ثنا عبدُ الرحمنِ، قال: ثنا سفيانُ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: عن اليمينِ الذي يَكْتُبُ الحسناتِ، وعن الشمالِ الذي يَكْتُبُ السيئاتِ.
حدَّثنا ابنُ بَشَّارٍ، قال: ثنا مُؤَمَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
مَّلٌ، قال: ثنا سفيانُ، عن الأعمشِ، عن إبراهيمَ التَّيْمِيِّ في قولِه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: إن صاحبَ اليمينِ أميرٌ أو أمينٌ على صاحبِ الشِّمالِ، فإذا عمِل العبدُ سيئةً قال صاحبُ اليمينِ لصاحبِ الشمالِ: أَمْسِكْ؛ لعلَّه يَتُوبُ.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا حكَّامٌ، قال: ثنا عمرٌو، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ﴾. قال: مَلَكٌ عن يمينِه، وآخرُ عن شمالِه، فأما الذي عن يمينِه فيَكْتُبُ الخيَر، وأما الذي عن شمالِه فيَكْتُبُ الشرَّ.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ قال: ثنا جريرٌ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ قال: مع كلِّ إنسانٍ ملكان؛ ملَكٌ عن يمينِه، وآخرُ عن يسارهِ؛ فأما الذي عن يمينِه فيَكْتُبُ الخيرَ، وأما الذي عن يسارِه فيَكْتُبُ الشرَّ.
رٍ، عن مجاهدٍ قال: مع كلِّ إنسانٍ ملكان؛ ملَكٌ عن يمينِه، وآخرُ عن يسارهِ؛ فأما الذي عن يمينِه فيَكْتُبُ الخيرَ، وأما الذي عن يسارِه فيَكْتُبُ الشرَّ.
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبي، قال: ثنى عمي، قال: ثنى أبي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ﴾ إِلَى ﴿عَتِيدٌ﴾. قال: جعَل اللَّهُ على ابنِ آدمَ حافِظَين في الليلِ وحافِظَين في النهارِ، يَحْفَظان عليه عمله ويَكْتُبان أثرَه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ حتى بلَغ: ﴿عَتِيدٌ﴾. قال الحسنُ وقتادةُ: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ﴾. أي: ما يَتَكَلَّمُ به من شيءٍ إلا كُتِبَ عليه. وكان عكرِمةُ يقولُ: إنما ذلك في الخيرِ والشرِّ يُكْتَبان عليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا الحسنُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
الخيرِ والشرِّ يُكْتَبان عليه.
حدَّثنا ابنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا ابنُ ثورٍ، عن معمرٍ، قال: تلا الحسنُ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: فقال: يا بنَ آدمَ، بُسِطت لك صحيفةٌ، ووُكِّل بك ملَكان كرِيمان؛ أحدُهما عن يمينِك، والآخَرُ عن شمالِك؛ فأما الذي عن يمينِك
فيَحْفَظُ حسناتِك، وأما الذي عن شمالِك فيَحْفَظُ سيئاتِك، فاعْمَلْ ما شِئْتَ، أَقَلِلْ أو أَكْثِرْ، حتى إذا مِتَّ طُوِيتْ صحيفتُك، فجُعِلت في عُنقِك معك في قبرِك، حتى تَخْرُجَ يومَ القيامةِ. فعندَ ذلك يقولُ: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ﴾ حتى بلَغ: ﴿حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤]، عدَلَ واللَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾.
للَّهِ عليك مَن جعَلك حسيبَ نفسِك.
حدَّثنا ابنُ حميدٍ، قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، عن منصورٍ، عن مجاهدٍ: ﴿عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾. قال: كاتبُ الحسناتِ عن يمينِه، وكاتبُ السيئاتِ عن شمالِه.
قال: ثنا مهرانُ، عن سفيانَ، قال: بلَغَني أن كاتبَ الحسناتِ أميرٌ على كاتبِ السيئاتِ، فإذا أذنَب قال له: لا تَعْجَلْ؛ لعله يَسْتَغْفِرُ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ﴾. قال: جعَل معه مَن يَكْتُبُ كلَّ ما لفَظ به، وهو معه رقيبٌ.
حدَّثني يونسُ، قال: أخبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: أخبَرني عمرُو بنُ الحارثِ، عن هشامٍ الحِمْصِيِّ، أنه بلَغه أن الرجلَ إذا عمِل سيئةً قال كاتبُ اليمينِ لصاحبِ الشمالِ: اكتُبْ. فيقولُ: لا، بل أنت اكتُبْ. [ويَمْتَنِعان]، فينادِي منادٍ: يا صاحبَ الشمالِ، اكتُبْ ما ترَك صاحبُ اليمينِ.
﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ (١٦) إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨) وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ (١٩) وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ (٢٠) وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ (٢١) لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ (٢٢)﴾
يخبر تعالى عن قدرته على الإنسان بأنه خالقه، وعمله محيط بجميع أموره، حتى إنه تعالى يعلم ما توسوس به نفوس بني آدم من الخير والشر. وقد ثبت في الصحيح عن رسول الله ﷺ أنه قال: "إن الله تجاوز لأمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل".
وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) يعني: ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه.
دثت به أنفسها ما لم تقل أو تعمل".
وقوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) يعني: ملائكته تعالى أقربُ إلى الإنسان من حبل وريده إليه. ومن تأوله على العلم فإنما فر لئلا يلزم حلول أو اتحاد، وهما منفيان بالإجماع، تعالى الله وتقدس، ولكن اللفظ لا يقتضيه فإنه لم يقل: وأنا أقرب إليه من حبل الوريد، وإنما قال: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ) كما قال في المحتضر: ﴿وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْكُمْ وَلَكِنْ لا تُبْصِرُونَ﴾ [الواقعة: ٨٥]، يعني ملائكته. وكما قال [تعالى]: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن-بإذن الله، ﷿.
لائكته. وكما قال [تعالى]: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: ٩]، فالملائكة نزلت بالذكر -وهو القرآن-بإذن الله، ﷿. وكذلك الملائكة أقرب إلى الإنسان من حبل وريده إليه بإقدار الله لهم على ذلك، فللملك لَمّة في الإنسان كما أن للشيطان لمة وكذلك: "الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم"، كما أخبر بذلك الصادق المصدوق؛ ولهذا قال هاهنا: (إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ) يعني: الملكين اللذين يكتبان عمل الإنسان. (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ) أي: مترصد.
(مَا يَلْفِظُ) أي: ابن آدم (مِنْ قَوْلٍ) أي: ما يتكلم بكلمة (إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) أي: إلا ولها من يراقبها معتد لذلك يكتبها، لا يترك كلمة ولا حركة، كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟
عَلَيْكُمْ لَحَافِظِينَ * كِرَامًا كَاتِبِينَ * يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ﴾ [الانفطار: ١٠ - ١٢].
وقد اختلف العلماء: هل يكتب الملك كل شيء من الكلام؟ وهو قول الحسن وقتادة، أو إنما يكتب ما فيه ثواب وعقاب كما هو قول ابن عباس، على قولين، وظاهر الآية الأول، لعموم قوله: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ)
وقد قال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية، حدثنا محمد بن عمرو بن علقمة الليثي، عن أبيه، عن جده علقمة، عن بلال بن الحارث المزني قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الرجل ليتكلم بالكلمة من رضوان الله تعالى ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله له بها رضوانه إلى يوم يلقاه. وإن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله ما يظن أن تبلغ ما بلغت، يكتب الله عليه بها سخطه إلى يوم يلقاه". قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث.
ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن عمرو به. وقال الترمذي: حسن
صحيح.
". قال: فكان علقمة يقول: كم من كلام قد منعنيه حديث بلال بن الحارث.
ورواه الترمذي والنسائي وابن ماجه، من حديث محمد بن عمرو به. وقال الترمذي: حسن
صحيح. وله شاهد في الصحيح.
وقال الأحنف بن قيس: صاحب اليمين يكتب الخير، وهو أمير على صاحب الشمال، فإن أصاب العبد خطيئة قال له: أمسك، فإن استغفر الله تعالى نهاه أن يكتبها، وإن أبى كتبها. رواه ابن أبي حاتم.
وقال الحسن البصري وتلا هذه الآية: (عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ): يا ابن آدم، بُسطت لك صحيفة، ووكل بك ملكان كريمان أحدهما عن يمينك، والآخر عن شمالك، فأما الذي عن يمينك فيحفظ حسناتك، وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت، أقلل أو أكثر حتى إذا مت طويت صحيفتك، وجعلت في عنقك معك في قبرك، حتى تخرج يوم القيامة، فعند ذلك يقول: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَائِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] ثم
نُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا * اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيبًا﴾ [الإسراء: ١٣، ١٤] ثم يقول: عدل -والله-فيك من جعلك حسيب نفسك.
وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ) قال: يكتب كل ما تكلم به من خير أو شر، حتى إنه ليكتب قوله: "أكلت، شربت، ذهبت، جئت، رأيت"، حتى إذا كان يوم الخميس عرض قوله وعمله، فأقر منه ما كان فيه من خير أو شر، وألقى سائره، وذلك قوله: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين.
ءُ وَيُثْبِتُ وَعِنْدَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: ٣٩]، وذكر عن الإمام أحمد أنه كان يئن في مرضه، فبلغه عن طاوس أنه قال: يكتب الملك كل شيء حتى الأنين. فلم يئن أحمد حتى مات ﵀.
وقوله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، يقول تعالى: وجاءت -أيها الإنسان-سكرة الموت بالحق، أي: كشفت لك عن اليقين الذي كنت تمتري فيه، (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) أي: هذا هو الذي كنت تفر منه قد جاءك، فلا محيد ولا مناص، ولا فكاك ولا خلاص.
وقد اختلف المفسرون في المخاطب بقوله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو.
تلف المفسرون في المخاطب بقوله: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ)، فالصحيح أن المخاطب بذلك الإنسان من حيث هو. وقيل: الكافر، وقيل: غير ذلك.
وقال أبو بكر بن أبي الدنيا: حدثنا إبراهيم بن زياد -سَبَلان-أخبرنا عَبَّاد بن عَبَّاد عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن أبيه عن جده علقمة بن وقاص أن عائشة، ﵂، قالت: حضرت أبي وهو يموت، وأنا جالسة عند رأسه، فأخذته غشيةٌ فتمثلت ببيت من الشعر:
من لا يزال دمعه مُقَنَّعا … فإنه لا بد مرةً مدقوق
قالت: فرفع رأسه فقال: يا بنية، ليس كذلك ولكن كما قال تعالى: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ).
وحدثنا خلف بن هشام؛ حدثنا أبو شهاب [الخياط]، عن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر، ﵁، جاءت عائشة، ﵂، فتمثلت بهذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
اعيل بن أبي خالد، عن البهي قال: لما أن ثقل أبو بكر، ﵁، جاءت عائشة، ﵂، فتمثلت بهذا البيت:
لعمرك ما يغني الثراء عن الفتى … إذا حشرجت يوما وضاق بها الصدر
فكشف عن وجهه وقال: ليس كذلك، ولكن قولي: (وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) وقد أوردت لهذا الأثر طرقا [كثيرة] في سيرة الصديق عند ذكر وفاته، ﵁.
وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ: لما تغشاه الموت جعل يمسح العرق عن وجهه ويقول: "سبحان الله! إن للموت لسكرات". وفي قوله: (ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ) قولان:
أحدهما: أن "ما" هاهنا موصولة، أي: الذي كنت منه تحيد -بمعنى: تبتعد وتنأى وتفر-قد حل بك ونزل بساحتك.
والقول الثاني: أن "ما" نافية بمعنى: ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه.
أي: الذي كنت منه تحيد -بمعنى: تبتعد وتنأى وتفر-قد حل بك ونزل بساحتك.
والقول الثاني: أن "ما" نافية بمعنى: ذلك ما كنت تقدر على الفرار منه ولا الحيد عنه.
وقد قال الطبراني في المعجم الكبير: حدثنا محمد بن علي الصائغ المكي، حدثنا حفص بن عمر الحدي، حدثنا معاذ بن محمد الهُذَلي، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن سَمُرة قال: قال رسول الله ﷺ: "مثل الذي يفر من الموت مثل الثعلب، تطلبه الأرض بدَيْن، فجاء يسعى حتى إذا أعيى وأسهر دخل جحره، فقالت له الأرض: يا ثعلب، ديني. فخرج وله حصاص، فلم يزل كذلك حتى تقطعت عنقه ومات".
ومضمون هذا المثل: كما لا انفكاك له ولا محيد عن الأرض كذلك الإنسان لا محيد له عن الموت.
وقوله: (وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ). قد تقدم الكلام على حديث النفخ في الصور والفزع والصعق والبعث، وذلك يوم القيامة. وفي الحديث أن رسول الله ﷺ قال: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له". قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل".
ل الله ﷺ قال: "كيف أنعم وصاحب القرن قد التقم القرن وحنى جبهته، وانتظر أن يؤذن له". قالوا: يا رسول الله كيف نقول؟ قال: "قولوا حسبنا الله ونعم الوكيل". فقال القوم: حسبنا الله ونعم الوكيل.
(وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ) أي: ملك يسوقه إلى المحشر، وملك يشهد عليه بأعماله. هذا هو الظاهر من الآية الكريمة. وهو اختيار ابن جرير، ثم روي من حديث إسماعيل بن أبي خالد عن يحيى بن رافع -مولى لثقيف-قال: سمعت عثمان بن عفان يخطب، فقرأ هذه الآية: (وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ)، فقال: سائق يسوقها إلى الله، وشاهد يشهد عليها بما عملت. وكذا قال مجاهد، وقتادة، وابن زيد.
وقال مُطَرِّف، عن أبي جعفر -مولى أشجع-عن أبي هريرة: السائق: الملك والشهيد: العمل. وكذا قال الضحاك والسدي.
وقال العَوْفي عن ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد: الإنسان نفسه، يشهد على نفسه.
أبي هريرة: السائق: الملك والشهيد: العمل. وكذا قال الضحاك والسدي.
وقال العَوْفي عن ابن عباس: السائق من الملائكة، والشهيد: الإنسان نفسه، يشهد على نفسه. وبه قال الضحاك بن مُزاحِم أيضا.
وحكى ابن جرير ثلاثة أقوال في المراد بهذا الخطاب في قوله: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ)
أحدها: أن المراد بذلك الكافر. رواه علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس. وبه يقول الضحاك بن مزاحم وصالح بن كيسان.
والثاني: أن المراد بذلك كل أحد من بر وفاجر؛ لأن الآخرة بالنسبة إلى الدنيا كاليقظة والدنيا كالمنام. وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
والثالث: أن المخاطب بذلك النبي ﷺ. وبه يقول زيد بن أسلم، وابنه.
والدنيا كالمنام. وهذا اختيار ابن جرير، ونقله عن حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس.
والثالث: أن المخاطب بذلك النبي ﷺ. وبه يقول زيد بن أسلم، وابنه. والمعنى على قولهما: لقد كنت في غفلة من هذا الشأن قبل أن يوحى إليك، فكشفنا عنك غطاءك بإنزاله إليك، فبصرك اليوم حديد.
والظاهر من السياق خلاف هذا، بل الخطاب مع الإنسان من حيث هو، والمراد بقوله: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا) يعني: من هذا اليوم، (فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) أي: قوي؛ لأن كل واحد يوم القيامة يكون مستبصرا، حتى الكفار في الدنيا يكونون يوم القيامة على الاستقامة، لكن لا ينفعهم ذلك. قال الله تعالى: ﴿أَسْمِعْ بِهِمْ وَأَبْصِرْ يَوْمَ يَأْتُونَنَا﴾ [مريم: ٣٨]، وقال تعالى: ﴿وَلَوْ تَرَى إِذِ الْمُجْرِمُونَ نَاكِسُو رُءُوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ رَبَّنَا أَبْصَرْنَا وَسَمِعْنَا فَارْجِعْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا إِنَّا مُوقِنُونَ﴾ [السجدة: ١٢].
قوله تعالى: ﴿إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ (١٧) مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾.
قوله: (إذ) منصوب بقوله: (أقرب) أي نحن أقرب إليه من حبل الوريد في الوقت الذي يتلقى فيه الملكان جميع ما يصدر منه، والمراد: أن الذي خلق الإنسان ويعلم ما توسوس به نفسه وهو أقرب إليه من حبل الوريد في وقت كتابة الحفظة أعماله، لا حاجة له لكتب الأعمال؛ لأنه عالم بها لا يخفى عليه منها شيء، وإنما أمر بكتابة الحفظة للأعمال لحكم أخرى، كإقامة الحجة على العبد يوم القيامة، كما أوضحه بقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنْشُورًا (١٣) اقْرَأْ كِتَابَكَ كَفَى بِنَفْسِكَ الْيَوْمَ عَلَيكَ حَسِيبًا (١٤)﴾، ومفعول التلقي في الفعل الذي هو يتلقى، والوصف الذي هو المتلقيان، محذوف تقديره: إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه.
قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة.
يتلقى، والوصف الذي هو المتلقيان، محذوف تقديره: إذ يتلقى المتلقيان جميع ما يصدر عن الإنسان فيكتبانه عليه.
قال الزمخشري: والتلقي التلقن بالحفظ والكتبة. اهـ منه، والمعنى واضح؛ لأن الملك يتلقى عمل الإنسان عند صدوره منه فيكتبه عليه، والمتلقيان هما اليلكان اللذان يكتبان أعمال الإنسان، وقد دلت الآية الكريمة على أن مقعد أحدهما عن يمينه ومقعد الآخر عن شماله.
والقعيد: قال بعضهم: معناه القاعد.
والأظهر أن معناه: المقاعد، وقد يكثر في العربية إطلاق الفعل
وإرادة المفاعل، كالجليس بمعنى المجالس، والأكيل بمعنى المُآكل، والنديم بمعنى المنادم.
وقال بعضهم: القعيد هنا هو الملازم، وكل ملازم دائمًا أو غالبًا يقال له قعيد، ومنه قول متمم بن نويرة التميمي:
قعيدك ألا تسمعيني ملامة ... ولا تنكئي قرح الفؤاد فييجعا
والمعنى: عن اليمين قعيد وعن الشمال قعيد، فحذف الأول بدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ...
عن الشمال قعيد، فحذف الأول بدلالة الثاني عليه، وهو أسلوب عربي معروف، وأنشد له سيبويه في كتابه قول عمرو بن أحمر الباهلي:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ... بريئًا ومن جَوْلِ الطويِّ رماني
وقول قيس بن الخطيم الأنصاري:
نحن بما عندنا وأنت بما ... عندك راض والرأي مختلف
وقول ضابئ بن الحارث البرجمي:
فمن يك أمسى بالمدينة رحله ... فإني وقيار بها لغريب
فقول ابن أحمر: "كنت منه ووالدي بريئًا" أي كنت بريئًا منه وكان والدي بريئًا منه.
وقول ابن الخطيم: "نحن بما عندنا وأنت بما عندك راض" أي نحن راضون وأنت راض.
وقول ضابئ بن الحارث: "فإني وقيار بها لغريب" يعني إني لغريب وقيار غريب.
وهذا أسلوب عربي معروف.
ودعوى أن قوله في الآية: (قعيد) هي الأولى أُخِّرت وحذفت
الثانية لدلالتها عليها، لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخيرة فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.
دلالتها عليها، لا دليل عليه، ولا حاجة إليه كما ترى، لأن المحذوف إذا صحت الدلالة عليه بالأخيرة فلا حاجة إلى أن هذا الأخير أصله هو الأول، ولا دليل عليه.
وقوله تعالى في هذه الآية الكريمة: (ما يلفظ من قول) أي ما ينطق بنطق ولا يتكلم بكلام (إلا لديه) أي إلا والحال أن عنده رقيبًا، أي ملكًا مراقبًا لأعماله حافظًا لها شاهدًا عليها لا يفوته منها شيء.
(عتيد) أي حاضر ليس بغائب، يكتب عليه ما يقول من خير وشر.
وما تضمنته هذه الآية الكريمة من أن الإنسان عليه حفظة من الملائكة يكتبون أعماله، جاء موضحًا في آيات كثيرة من كتاب الله، كقوله تعالى: ﴿وَإِنَّ عَلَيكُمْ لَحَافِظِينَ (١٠) كِرَامًا كَاتِبِينَ (١١) يَعْلَمُونَ مَا تَفْعَلُونَ (١٢)﴾، وقوله تعالى: ﴿أَمْ يَحْسَبُونَ أَنَّا لَا نَسْمَعُ سِرَّهُمْ وَنَجْوَاهُمْ بَلَى وَرُسُلُنَا لَدَيهِمْ يَكْتُبُونَ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا
َ (٨٠)﴾، وقوله تعالى: ﴿وَتَرَى كُلَّ أُمَّةٍ جَاثِيَةً كُلُّ أُمَّةٍ تُدْعَى إِلَى كِتَابِهَا الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٨) هَذَا كِتَابُنَا يَنْطِقُ عَلَيكُمْ بِالْحَقِّ إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (٢٩)﴾.
وقد قدمنا الآيات الموضحة لهذا في سورة مريم في الكلام على قوله تعالى ﴿كَلَّا سَنَكْتُبُ مَا يَقُولُ﴾ الآية، وفي سورة الزخرف في الكلام على قوله تعالى: ﴿سَتُكْتَبُ شَهَادَتُهُمْ وَيُسْأَلُونَ (١٩)﴾.
وقد ذكر جماعة من أهل العلم أن القعيد الذي هو عن اليمين يكتب الحسنات، والذي عن الشمال يكتب السيئات، وأن صاحب الحسنات أمين على صاحب السيئات، فإذا عمل حسنة كتبها صاحب اليمين عشرًا، وإذا عمل سيئة قال صاحب اليمين لصاحب الشمال: أمهله ولا تكتبها عليه لعله يتوب أو يستغفر. وبعضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟
ضهم يقول: يمهله سبع ساعات. والعلم عند الله تعالى.
تنبيه
اعلم أن العلماء اختلفوا في عمل الجائز الذي لا ثواب ولا عقاب عليه، هل تكتبه الحفظة عليه أو لا؟ فقال بعضهم: يكتب عليه كل شيء حتى الأنين في المرض، وهذا هو ظاهر قوله: ﴿مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إلا لَدَيهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ (١٨)﴾؛ لأنه قوله: (من قول) نكرة في سياق النفي زيدت قبلها لفظة مِنْ، فهي نص صريح في العموم.
وقال بعض العلماء: لا يكتب من الأعمال إلا ما فيه ثواب أو عقاب.
وكلهم مجمعون على أنه لا جزاء إلا فيما فيه ثواب أو عقاب، فالذين يقولون: لا يكتب إلا ما فيه ثواب أو عقاب، والذين يقولون: يكتب الجميع، متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا ثم يمحى.
أو عقاب، والذين يقولون: يكتب الجميع، متفقون على إسقاط ما لا ثواب فيه ولا عقاب، إلا أن بعضهم يقولون: لا يكتب أصلًا، وبعضهم يقولون: يكتب أولًا ثم يمحى. وزعم بعضهم أن محو ذلك، وإثبات ما فيه ثواب أو عقاب، هو معنى قوله تعالى: ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ﴾ الآية.
والذين قالوا: لا يكتب ما لا جزاء فيه، قالوا: إن في الآية نعتًا محذوفًا سوَّغ حذفه العلم به؛ لأن كل الناس يعلمون أن الجائز لا ثواب فيه ولا عقاب، وتقدير النعت المحذوف: ما يلفظ من قول مستوجب للجزاء.
وقد قدمنا أن حذف النعت إذا دل عليه في أسلوب عربي معروف، وقدمنا أن منه قوله تعالى: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ يَأْخُذُ كُلَّ سَفِينَةٍ غَصْبًا (٧٩)﴾ أي كل سفينة صحيحة لا عيب فيها، بدليل قوله: ﴿وَكَانَ وَرَاءَهُمْ مَلِكٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي قرية ظالمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
مَلِكٌ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إلا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾ الآية، أي قرية ظالمة، بدليل قوله تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا
مُهْلِكِي الْقُرَى إلا وَأَهْلُهَا ظَالِمُونَ (٥٩)﴾، وأن من شواهده قول المرقش الأكبر:
ورب أسيلة الخدين بكر ... مهفهفة لها فرع وجيد
أي لها فرع فاحم وجيد طويل. وقول عبيد بن الأبرص:
من قوله قول ومن فعله ... فعل ومن نائله نائل
أي قول فصل، وفعل جميل، ونائل جزل.
•