Dan ketika Musa datang untuk (munajat) pada waktu yang telah Kami tentukan dan Tuhan telah berfirman (langsung) kepadanya, (Musa) berkata, "Ya Tuhanku, tampakkanlah (diri-Mu) kepadaku agar aku dapat melihat Engkau." (Allah) berfirman, "Engkau tidak akan (sanggup) melihat-Ku, namun lihatlah ke gunung itu, jika ia tetap di tempatnya (sebagai sediakala) niscaya engkau dapat melihat-Ku." Maka ketika Tuhannya menampakkan (keagungan-Nya) kepada gunung itu,337) gunung itu hancur luluh dan Musa pun jatuh pingsan. Setelah Musa sadar, dia berkata, " Mahasuci Engkau, aku bertobat kepada Engkau dan aku adalah orang yang pertama-tama beriman
القولُ في تأويلِ قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: ولما جاء موسى للوقتِ الذي وعدناه أن يلقانا فيه، وكلَّمه ربُّه وناجاه، قال موسى لربِّه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال اللهُ له مجيبًا:
﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
و كان سببَ مسألةِ موسى ربَّه النظرَ إليه ما حدَّثني به موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بن حمّادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: إن موسى لما كلَّمه ربُّه أحبَّ أن ينظُرَ إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾.
ُرَ إليه، ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾. فحَفَّ حولَ الجبلِ الملائكةَ، وحَفَّ حولَ الملائكةِ بنارٍ، وحَفَّ حولَ النارِ بملائكةٍ، و حولَ الملائكةِ بنارٍ، ثم تجلى ربُّه للجبل.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ في قولِه: ﴿وَقَرَّبْنَاهُ نَجِيًّا﴾ [مريم: ٥٢]. قال: حدَّثني من لقِى أصحابَ النبيِّ ﷺ أنه قرَّبَه الربُّ حتى سمِع صريفَ القلمِ، فقال عند ذلك مِن الشوقِ إليه: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ﴾.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثني حجاجٌ، عن أبي بكرٍ الهذليِّ، قال: لما تخلَّف موسى بعدَ الثلاثين حتى سمع كلامَ اللهِ، اشتاقَ إلى النظرِ إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. وليس لبشرٍ أن يُطيق أن ينظُرَ إليَّ في الدنيا، مَن نظَر إليَّ مات.
شتاقَ إلى النظرِ إليه فقال: ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي﴾. وليس لبشرٍ أن يُطيق أن ينظُرَ إليَّ في الدنيا، مَن نظَر إليَّ مات. قال: إلهى، سمِعتُ منطقَك فاشتقتُ إلى النظرِ إليكَ، وَلأن أنظُرَ إليك ثم أموتَ أحبُّ إليَّ مِن أن أعيشَ ولا أراك. قال:
فانظرْ إلى الجبلِ، فإن استقرَّ مكانه فسوف تراني.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا عبد الله، قال: ثني معاوية، عن علي، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾. قال: أعطنى.
حدَّثنا ابن حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: استخلَف موسى هارون على بنى إسرائيل وقال: إنى مُتعجِّلٌ إلى ربِّي، فاخلفني في قومِي ولا تتبغ سبيل المفسدين.
حميدٍ، قال: ثنا سلمةُ، عن ابن إسحاقَ، قال: استخلَف موسى هارون على بنى إسرائيل وقال: إنى مُتعجِّلٌ إلى ربِّي، فاخلفني في قومِي ولا تتبغ سبيل المفسدين. فخرج موسى إلى ربِّه مُتعجِّلًا للُقِيِّه شوقًا إليه، وأقام هارونُ في بنى إسرائيلَ ومعه السامريُّ يسيرُ بهم على أثرِ موسى ليُلْحِقَهم به، فلما كلَّم اللهُ موسى طمِع في رؤيتِه، فسأل ربَّه أن ينظُرَ إليه، فقال اللهُ له: إنَّكَ ﴿لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي﴾ الآية.
قال ابن إسحاق: فهذا ما وصل إلينا في كتابِ اللهِ مِن خبرِ موسى فيما طلَب مِن النظر إلى ربِّه، وأهلُ الكتابِ يزعُمون وأهلُ التوراةِ أنْ قد كان لذلك تفسيرٌ وقصةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتِنا في كتابِ اللهِ، فاللهُ أعلم.
ب مِن النظر إلى ربِّه، وأهلُ الكتابِ يزعُمون وأهلُ التوراةِ أنْ قد كان لذلك تفسيرٌ وقصةٌ وأمورٌ كثيرةٌ ومراجعةٌ لم تأتِنا في كتابِ اللهِ، فاللهُ أعلم.
قال ابن إسحاقَ عن بعضِ أهلِ العلمِ الأولِ بأحاديثِ أهلِ الكتابِ أنهم يجِدون في تفسيرِ ما عندَهم مِن خبرِ موسى حينَ طلَب ذلك إلى ربِّه، أنه كان مِن كلامِه إياه حينَ طمِع في رؤيتِه وطلَب ذلك منه، وردَّ عليه ربُّه [منه ما] ردَّ - أن
موسى كان تطهَّر وطهَّر ثيابَه وصامَ للقاءِ ربِّه، فلما أتى طورَ سيناءَ، ودنا اللهُ له في الغمامِ فكلَّمه، سبَّحه وحمَّده وكبَّره وقدَّسه، مع تضرُّعٍ وبكاءٍ حزينٍ، ثم أخَذ في مِدْحَتِه فقال: ربِّ ما أعظَمَكَ وأعظمَ شأنَك كلَّه! مِن عظمتِك أنه لم يكنْ شيءٌ، قَبلَك، فأنت الواحدُ القهارُ، كان عرشُك تحتَ عظمتِك نارًا توقَّدُ لك، وجَعَلْتَ سُرادِقًا مِن دونِه سرادقٌ من نورٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك! [جعلت بينَك وبينَ ملائكتِك مسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك] [وسلطانَك]!
ا مِن دونِه سرادقٌ من نورٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك! [جعلت بينَك وبينَ ملائكتِك مسيرةَ خمسِمائةِ عامٍ، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملكَك] [وسلطانَك]! وإذا أردتَ شيئًا تقضيه في جنودِك الذين في السماءِ أو الذين في الأرضِ، وجنودِك الذين في البحرِ، بعَثْتَ الريحَ من عندِك لا يراها شيءٌ مِن خلقِك إلا أنتَ إن شِئْتَ، فدخَلَت في جوفِ مَن شئتَ مِن أنبيائِك، فبلَّغوا ما أردتَ مِن عبادِك، وليس أحدٌ مِن ملائكتِك يستطيعُ شيئًا مِن عظمتِك ولا مِن عرشِك ولا يسمعُ صوتَك، فقد أنعمتَ عليَّ، وأَعْظَمْتَ عليَّ الفضلَ، وأحسنتَ إليَّ كلَّ الإحسانِ عظَّمْتَنِى في أممِ الأرضِ، وعظَّمْتَنِي عند ملائكتِك، وأسمعتَنى صوتَك، وبذَلتَ لى كلامَك، وأتيتَنى حِكْمَتَكَ، فَإِن أَعُدَّ نُعْماكَ لا أُحصِها، وإن أُرِدْ شكرَك لا أستطِعْه.
أُطيقُ نُعماكَ على أن أعُدَّها ولا أُحْصيَها، وإن أردتُ شكرَها لا أستطيعُها، فجئتُك اليومَ راغِبًا طالبًا سائلًا متضرِّعًا، لتعطيَني ما منَعتَ غيرِى. أطلبُ إليكَ وأسألُكَ يا ذا العظمَةِ والعِزَّةِ والسلطانِ أن تريَنى أنظرَ إليك، فإنِّي قد أحببتُ أن أَرَى وجهَك الذي لم يرَه شيءٌ مِن خلقِك.
قال له ربُّ العزةِ: ألَا ترَى يا بنَ عِمران ما تقولُ؟ تكلمتَ بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائر الخلق، لا يرانى أحدٌ فيحيا، أليس في السماواتِ مَعْمَرِى؟ فإنَّهن قد ضَعُفْنَ أن يحملْن عَظَمَتِى، أوَليس في الأرضِ مَعْمَرِى؟ فإنها قد ضَعُفَت أن تسَعَ لجندى، فلستُ في مكانٍ واحدٍ فأتجلى لعينٍ تنظرُ إليَّ.
قال موسى: ربِّ أَنِّي أراك فأموتُ أحبُّ إليَّ مِن ألَّا أراكَ فأحيا.
قال له ربُّ العزةِ: يا بنَ عمرانَ، تكلَّمتَ بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائرِ الخلقِ، لا يراني أحدٌ فيحيا.
ِّي أراك فأموتُ أحبُّ إليَّ مِن ألَّا أراكَ فأحيا.
قال له ربُّ العزةِ: يا بنَ عمرانَ، تكلَّمتَ بكلامٍ هو أعظمُ مِن سائرِ الخلقِ، لا يراني أحدٌ فيحيا. قال: ربِّ تممْ عليَّ نُعماكَ، وتمِّمْ عليَّ فضْلَك، وتممْ عليَّ إحسانَك بهذا الذي سألتُك، ليسَ لى أن أراكَ فأُقْبَضَ، ولكن أُحِبُّ أن أراكَ فيطمئنَّ قلبي، قال له: يا بنَ عمرانَ، لن يرانى أحدٌ فيحيا، قال موسى: ربِّ تمِّمْ عليَّ نُعْماكَ وفضلَك، وتمِّمْ إليَّ إحسانَك بهذا (٤) الذي سألتُك، فأموتُ على إثْرِ ذلك أَحَبُّ إليَّ مِن الحياةِ. فقال الرحمنُ المتَرحِّمُ على خلقِه: قد طلبتَ يا موسى، [وجئتَ] لأُعطيَك سُؤْلَك، إن استطعتَ أن تنظرَ إليَّ، فاذهبْ فاتَّخِذْ لَوْحَينِ، ثمَّ انظرْ إلى الحجرِ الأكبرِ في رأسِ الجبلِ، فإنَّ ما وراءه وما دونَه مَضِيقٌ لا يَسَعُ إلا مجلِسَك يا بنَ عمرانَ، ثم انظُرْ فإنى أَهْبِطُ إليك وجنودِى من قليلٍ وكثيرٍ؛ ففعَل موسى كما أَمَرَه ربُّه، نحَت لَوْحَينِ ثم صعِد بهما إلى الجبلِ.
لا مجلِسَك يا بنَ عمرانَ، ثم انظُرْ فإنى أَهْبِطُ إليك وجنودِى من قليلٍ وكثيرٍ؛ ففعَل موسى كما أَمَرَه ربُّه، نحَت لَوْحَينِ ثم صعِد بهما إلى الجبلِ. فجلَسَ على الحجرِ، فلما استوى عليه أمَر اللهُ جنودَه الذين في السماءِ الدنيا فقال: ضَعِي أكنافَك حولَ الجبلِ. فسمِعت السماءُ ما قال الربُّ ففعَلت أمرَه. ثم
أرسلَ اللَّهُ الصواعِقَ والظلمةَ والضبابَ على ما كان يلى الجبلَ الذي عليه موسى أربعةَ فراسخَ مِن كلِّ ناحيةٍ، ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الدنيا أن يمرُّوا بموسى، فاعترَضوا عليه، فمرُّوا به كثيرانِ البقرِ، تَنْبُعُ أفواهُهم بالتقديسِ والتسبيحِ بأصواتٍ عظيمةٍ كصوتِ الرعدِ الشديدِ، فقال موسى بنُ عمرانَ: ربِّ إني كنتُ غنيًّا، ما ترى عيناى شيئًا، قد ذهَب بصرُهما مِن شعاعِ النورِ المتضَعِّفِ على ملائكةِ ربِّي. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثانيةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعترِضوا عليه.
اى شيئًا، قد ذهَب بصرُهما مِن شعاعِ النورِ المتضَعِّفِ على ملائكةِ ربِّي. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثانيةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعترِضوا عليه. فهبطوا أمثالَ الأُسْدِ، لهم لَجَبٌ بالتسبيحِ والتقديسِ، ففزِع العبدُ الضعيفُ ابن عمرانَ مما رأى ومما سمِع، فاقشعرت كلُّ شعرةٍ في رأسِه [وفى] جلدِه، ثم قال: ندمتُ على مسألتي إياكَ، فهل ينجيني مِن مكاني الذي أنا فيه شيءٌ؟ فقال له حَبْرُ الملائكةِ ورأْسُهم: يا موسى، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الثالثةِ: أن اهبِطوا على موسى فاعْتَرِضوا عليه. فأقبلوا أمثال النسورِ لهم قَصْفٌ ورَجْفٌ ولَجَبٌ شديدٌ، وأفواهُهم تنبعُ بالتسبيحِ والتقديسِ كجلَبِ الجيشِ العظيمِ، ألوانُهم كلَهَبِ النارِ، ففزِع موسى وأَسِيَتْ نفسُه، وساءَ ظنُّه، وأيس مِن الحياةِ، فقال
له حَبْرُ الملائكةِ ورأسُهم: مكانَك يا بنَ عمرانَ، حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماءِ الرابعةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى بن عمرانَ.
رُ الملائكةِ ورأسُهم: مكانَك يا بنَ عمرانَ، حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمر اللهُ ملائكةَ السماءِ الرابعةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى بن عمرانَ. فأقبلوا فهبَطوا عليه لا يشبهُهم شيءٌ مِن الذين مرُّوا به قبلَهم، ألوانُهم كلَهَبِ النارِ، وسائرٌ خلقِهم كالثلجِ الأبيضِ، أصواتُهم عاليةٌ بالتسبيحِ والتقديسِ، لا يقارِبُهم شيءٌ مِن أصواتِ الذين مرَّوا به قبلَهم، فاصطكَّت رُكْبتاه، وأُرْعِدَ قلبُه، واشتدَّ بكاؤُه، فقال [له حَبْرُ] الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، اصبرْ لِما سألتَ، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأيتَ. ثم أمَر اللهُ ملائكةَ السماءِ الخامسةِ: أن اهبِطوا فاعترِضوا على موسى. فهبَطوا عليه سبعةَ ألوانٍ، فلم يستطِعْ موسى أن يُتبِعَهم طرفَه، لم يرَ مثلَهم، ولم يسمعْ مثلَ أصواتِهم، وامتلأ جَوْفُه خَوْفًا، واشتدَّ حُزنُه، وكثُرَ بكاؤُه، فقال له حبرُ (١) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، مكانَك حتى ترى ما لا تصبرُ عليه.
أصواتِهم، وامتلأ جَوْفُه خَوْفًا، واشتدَّ حُزنُه، وكثُرَ بكاؤُه، فقال له حبرُ (١) الملائكةِ ورأسُهم: يا بنَ عمرانَ، مكانَك حتى ترى ما لا تصبرُ عليه. ثم أمرَ اللهُ ملائكةَ السماءِ السادسةِ: أن اهبِطوا على عبدى الذي طلَب أن يراني موسى بن عمرانَ فاعترِضوا عليه. فهبَطوا عليه، في يد كلِّ مَلَكٍ مثل النَّخْلَةِ الطويلةِ نارٌ أشدُّ ضوءًا مِن الشمسِ، ولباسُهم كلَهَبِ النارِ، إذا سبَّحوا وقدَّسوا جاوبَهم مَن كان قَبْلَهم مِن ملائكةِ السماواتِ كلَّهم، يقولون بشدةِ أصواتِهم: سُبُّوحٌ قدُّوسٌ ربُّ العزَّةِ أبدًا لا يموتُ. في رأسِ كلِّ مَلَكٍ منهم أربعةُ أوجُهٍ، فلما رآهم موسى رفَع صوتَه يُسبِّحُ معهم حين سبَّحوا، وهو يبكي ويقولُ: ربِّ اذكرني ولا
تنسَ عبدَك، لا أدرى أَأَنْفَلتُ مما أنا فيه أم لا؟ إن خرجتُ احترقتُ، وإن مكثتُ مِتُّ. فقال له كبيرُ الملائكةِ ورئيسُهم: قد أوشكتَ يا بنَ عمرانَ أن يمتلِئَ جوفُك وينخلِعَ قلبُك ويَشْتَدَّ بكاؤُك، فاصبرْ للذى جلسْتَ لتنظرَ إليه يا بنَ عمرانَ.
له كبيرُ الملائكةِ ورئيسُهم: قد أوشكتَ يا بنَ عمرانَ أن يمتلِئَ جوفُك وينخلِعَ قلبُك ويَشْتَدَّ بكاؤُك، فاصبرْ للذى جلسْتَ لتنظرَ إليه يا بنَ عمرانَ. وكان جبلُ موسى جبلًا عظيمًا، فأمَر اللَّهُ أن يُحْمَلَ عرشُه، ثم قال: مرُّوا بى على عبدى ليرانى، فقليلٌ مِن كثيرٍ ما رأى. فانفرجَ الجبلُ مِن عظمةِ الربِّ، وغشَّى ضوءُ عرشِ الرحمنِ جبلَ موسى، ورفعت ملائكةُ السماواتِ أصواتَهم جميعًا، فارتجّ الجبلُ فاندَكَّ وكلُّ شجرةٍ كانت فيه، وخرَّ العبدُ الضعيفُ موسى بنُ عمرانَ صَعِقًا على وجهِهِ ليس معه رُوحُه، فأرسل اللَّهُ الحياةَ برحمتِه، فتغشاه الرُّوحُ برحمتِه وقلَب الحجرَ الذي كان عليه وجعَله كالمَعِدَة كهيئة القُبَّةِ؛ لئلَّا يحترقَ موسى، فأقامَه الرّوحُ مثلَ الأمِّ أقامت جنينَها حين يُصرَعُ.
ُوحُ برحمتِه وقلَب الحجرَ الذي كان عليه وجعَله كالمَعِدَة كهيئة القُبَّةِ؛ لئلَّا يحترقَ موسى، فأقامَه الرّوحُ مثلَ الأمِّ أقامت جنينَها حين يُصرَعُ. قال: فقام موسى يسبحُ اللَّهَ ويقولُ: آمنتُ أنك ربِّي، وصدَّقْتُ أنه لا يراك أحدٌ فيحيا، ومَن نظَرَ إلى ملائكتِك انخلعَ قلبُه، فما أعظمَك ربِّ وأعظمَ ملائكتَك، أنت ربُّ الأربابِ وإلهُ الآلهةِ وملِكُ الملوكِ، تأمرُ الجنودَ الذين هم عبيدُك فيُطيعونك، وتأمرُ السماءَ وما فيها فَتطيعُك، لا تستنكِفُ مِن ذلك، ولا يعدِلُك شيءٌ، ولا يقومُ لك شيءٌ، ربِّ تبتُ إليك، الحمدُ للَّهِ الذي لا شريكَ لك، ما أعظمَك
وأجلَّك ربَّ العالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ وعزَّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما اطَّلَع الربُّ للجبلِ جعَل اللَّهُ الجبلَ ﴿دَكًّا﴾. أي: مستويًا بالأرضِ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. يعنى: مغشيًّا عليه.
وبنحوِ ما قلنا في ذلك قال أهلُ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني [الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ] العَنْقَزِيُّ، قال: ثنى أبى، قال: ثنا أسباطُ بن نصرٍ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ في قولِ اللَّهِ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال: ما تجلَّى منه إلا قدرُ الخِنْصَرِ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ترابًا. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾.
قولِ اللَّهِ ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ﴾. قال: ما تجلَّى منه إلا قدرُ الخِنْصَرِ ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ترابًا. ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه.
حدَّثنا موسى بنُ هارون، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، قال: زعم السديُّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ أنه قال: تجلَّى منه مثلُ الخِنْصَرِ، فجعَل الجبلَ دكًّا، وخرّ موسى صَعِقًا، فلم يَزل صَعِقًا ما شاء اللَّهُ.
حدَّثنا يونسُ، قال: أخبرنا ابن وهبٍ، قال: قال ابن زِيدٍ في قولِه: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مغشيًّا عليه.
حدَّثنا بشرٌ، قال: ثنا يزيدُ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ قولَه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: تقَعَّرَ بعضُه على بعضٍ. وَ ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. أي: مَيِّتًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾.
﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. أي: مَيِّتًا.
حدَّثنا محمدُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: ثنا محمدُ بنُ ثورٍ، عَن مَعْمَرٍ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: دكّ بعضُه بعضًا.
حدثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حجاجٌ، عن ابن جُرَيجٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾. قال: مَيِّتًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا سويدٌ، قال: أخبرنا ابن المباركِ، قال: سمِعت سفيانَ يقولُ في قولِه: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: ساخ الجبلُ في الأرضِ حتى وقَع في البحرِ، فهو يذهبُ معه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، عن حجاجٍ، عن أبي بكرٍ الهُذَليِّ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾: انقَعر فدخَل تحتَ الأرضِ، فلا يظهَرُ إلى يومِ
القيامةِ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ سُهَيلٍ الواسطيُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا تَجَلَّى رَبُّه للجَبَل - أشارَ بإصْبَعِه - فجعَله دَكًّا".
يُّ، قال: ثنا قرةُ بنُ عيسى، قال: ثنا الأعمشُ، عن رجلٍ، عن أنسٍ، عن النبيِّ ﷺ قال: "لمَّا تَجَلَّى رَبُّه للجَبَل - أشارَ بإصْبَعِه - فجعَله دَكًّا". وأرانا أبو إسماعيلَ بإصبَعِه السبَّابةِ.
حدَّثني المثنى، قال: حدثنا الحجاجُ بنُ المنهالِ، قال: ثنا حمادٌ، عن ثابتٍ، عن أنسٍ، أن النبيَّ ﷺ قرأ هذه الآيةَ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال هكذا بإصبَعِه - ووضَع النبيُّ ﷺ الإبهامَ على المَفصِلِ الأعلى مِن الخِنْصَرِ - "فساخ الجبلُ".
حدَّثني المثنى، قال: ثنا هُدبةُ بنُ خالدٍ، قال: ثنا حمادُ بنُ سلمةَ، عن ثابتٍ، عن أنسِ بنِ مالكٍ، قال: قرأ رسولُ اللَّهِ ﷺ: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا﴾. قال: وضَع الإبهامَ قريبًا مِن طرفِ خِنْصَرِه. قال: "فساخ الجبلُ". فقال حميدٌ لثابتٍ: تقولُ هذا؟
بلِ صار صَخْرُه ترابًا.
واختلَف أهلُ العربيةِ في معناه إذا قُرئ كذلك؛ فكان بعضُ نحويِّى البصرةِ يقولُ: العربُ تقولُ: ناقةٌ دكاءُ. أي: ليس لها سَنامٌ. وقال: "الجبلُ" مذكرٌ، فلا يشبهُ أن يكونَ منه، إلَّا أن يكونَ جعَله: "مثلَ دكاءَ"، و حذَف "مثلَ"، فأجراه مُجرَى: ﴿وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢].
وكان بعضُ نحوييِّ الكوفةِ يقولُ: معنى ذلك: جعَل الجبلَ أرضًا دكاءَ. ثم حذِفت "الأرضُ"، وأُقيمت "الدكاءُ" مُقامَها إذ أَدَّت عنها.
وأولى القراءتين في ذلك بالصوابِ عندى قراءةُ مَن قرأَه: (جعَله دكاءَ) بالمدِّ وتركِ الإجراءِ؛ لدلالةِ الخبرِ الذى روَيناه عن رسولِ اللَّهِ ﷺ على صحتِه، وذلك أنه رُوِي عنه ﵇ أنه قال: "فساخ الجَبَلُ". ولم يقلْ: فتفتَّت. ولا: تحوَّل ترابًا. ولا شكَّ أنه إذا ساخ فذهَب، ظهَر وجهُ الأرضِ، فصار بمنزلةِ الناقةِ التي قد ذهَب سَنامُها وصارت دكّاء لا سَنامَ لها. وأما إذا دُكَّ بعضُه، فإنما يكسَرُ بعضُه بعضًا " [ويُفَتِّتُ] ولا يَسوخُ.
أرضِ، فصار بمنزلةِ الناقةِ التي قد ذهَب سَنامُها وصارت دكّاء لا سَنامَ لها. وأما إذا دُكَّ بعضُه، فإنما يكسَرُ بعضُه بعضًا " [ويُفَتِّتُ] ولا يَسوخُ. وأما الدَّكاءُ، فإنها خَلَفٌ مِن الأَرضِ، فلذلك أُنِّثَت على ما قد على ما قد بيَّنْتُ.
فمعنى الكلامِ إذن: فلما تجلى ربُّه للجبلِ ساخ، فجعَل مكانَه أرضًا دكّاءَ.
وقد بيَّنَّا معنى "الصعقِ" بشواهدِه قبلُ فيما مضى، بما أغنى عن إعادتِه في هذا الموضعِ.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾.
يقولُ تعالى ذكرُه: فلما ثاب إلى موسى فهمُه مِن غَشيتِه - وذلك هو الإفاقةُ من الصعقةِ التي خرّ لها موسى - قال: ﴿سُبْحَانَكَ﴾: تنزيهًا لك يا ربِّ وتبرئةً لك أن يراكَ أحدٌ في الدنيا ثم يعيشَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ﴾ مِن مسألتي إياك ما
سألتُك مِن الرؤيةِ، ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ بك من قومى أن لا يراكَ في الدنيا أحدٌ إلا هلَك.
وبنحوِ الذي قلنا في ذلك قال جماعةٌ مِن أهلِ التأويلِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا سفيانُ بنُ وكيعٍ، قال: ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ثنا عُبيدُ اللَّهِ بنُ موسى، عن أبي جعفرٍ الرازيِّ، عن الرَّبيعِ بن أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: قد كان قبلَه مؤمنون، ولكن يقولُ: أنا أوّلُ مَن آمن أنَّه لا يراكَ أحدٌ مِن خلقِك إلى يومِ القيامةِ.
حدثني المثنى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ بنُ أَبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ بن أنسٍ، قال: لما رأى موسى ذلك وأفاق، عرَف أنه قد سأل أمرًا لا ينبغى له، فقال: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِين﴾. قال الربيعُ: قال أبو العاليةِ: عَنَى: إنِّي أوّلُ مَن آمن بكَ أنه لن يراك أحدٌ قبلَ يومِ القيامةِ.
حدَّثني عبدُ الكريمِ بنُ الهيثمِ، قال: ثنا إبراهيمُ بنُ بشارٍ، قال: قال سفيانُ: قال أبو سعدٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: فمرّت به الملائكةُ وقد صَعِق، فقالت: يا بنَ النساءِ الحُيَّضِ، لقد سألتَ ربَّكَ أمرًا عظيمًا.
دٍ، عن عِكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا﴾: فمرّت به الملائكةُ وقد صَعِق، فقالت: يا بنَ النساءِ الحُيَّضِ، لقد سألتَ ربَّكَ أمرًا عظيمًا. فلما أفاق قال: سبحانَك لا إلهَ إلا أنتَ، ﴿تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أنا أوّلُ مَن آمن أنه لا يراك أحدٌ مِن خلقِك. يعني: في الدنيا.
حدَّثني المثنَّى، قال: ثنا عبدُ اللَّهِ، قال: ثنى معاويةُ، عن عليٍّ، عن ابن عباسٍ قولَه: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أنا أولُ مَن يُؤمن أنه لا يراك شيءٌ مِن خلقِك.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾.
يقولُ: أنا أولُ مَن يُؤمن أنه لا يراك شيءٌ مِن خلقِك.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبى، عن سفيانَ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾. قال: مِن مسألتى الرؤيةَ.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعيدٍ، عن مجاهدٍ: ﴿قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ.
حدَّثنا ابن وكيعٍ، قال: ثنا أبو نُعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبَرنا ابن عيينةَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن مجاهدٍ في قولِه: ﴿سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ﴾: أن أسألَك الرؤيةَ.
وقال آخرون: معنى قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ أنا أولُ مَن آمَن بك من بنى إسرائيلَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثني الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العنقزِيُّ، قال: حدثني أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
َثني الحسينُ بنُ عمرِو بن محمدٍ العنقزِيُّ، قال: حدثني أبى، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عِكرِمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ مَن آمَن بك مِن بنى إسرائيلَ.
حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، عن عكرمةَ، عن ابن عباسٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يعنى: أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ.
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قول اللَّهِ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. أنا أوّلُ قومى إيمانًا.
حدَّثنا ابن وكيعٍ والمثنى بنُ إبراهيمَ، قالا: ثنا أبو نعيمٍ، عن سفيانَ، عن عيسى بن ميمونٍ، عن رجلٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. يقولُ: أَوّلُ قومى إيمانًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾.
ينَ﴾. يقولُ: أَوّلُ قومى إيمانًا.
حدَّثني المثنى، قال: ثنا أبو حذيفةَ، قال: ثنا شبلٌ، عن ابن أبي نَجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ قومى إيمانًا.
حدَّثني الحارثُ، قال: ثنا عبدُ العزيزِ، قال: ثنا أبو سعدٍ، قال: سمِعت مجاهدًا يقولُ في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. قال: أوّلُ قومى آمَن.
وإنما اخْترنا القولَ الذي اخْترنا في قولِه: ﴿وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾. على قولِ مَن قال: معناه: أنا أوّلُ المؤمنين مِن بنى إسرائيلَ. لأنَّه قد كان قبلَه في بنى إسرائيلَ مؤمنون وأنبياءُ، منهم ولدُ إسرائيلَ لصلبِه، كانوا مؤمنين وأنبياءَ؛ فلذلك اخترنا القولَ الذي قلناه قبلُ.
﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (١٤٣)﴾
يخبر تعالى عن موسى، ﵇، أنه لما جاء لميقات الله تعالى، وحصل له التكليم من الله [تعالى] سأل الله تعالى أن ينظر إليه فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي)
وقد أشكل حرف "لن" هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة.
ْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي)
وقد أشكل حرف "لن" هاهنا على كثير من العلماء؛ لأنها موضوعة لنفي التأبيد، فاستدل به المعتزلة على نفي الرؤية في الدنيا والآخرة. وهذا أضعف الأقوال؛ لأنه قد تواترت الأحاديث عن رسول الله ﷺ بأن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة، كما سنوردها عند قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ * وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ بَاسِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٤].
وقوله تعالى إخبارًا عن الكفار: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥]
وقيل: إنها لنفي التأبيد في الدنيا، جمعا بين هذه الآية، وبين الدليل القاطع على صحة الرؤية في الدار الآخرة.
وقيل: إن هذا الكلام في هذا المقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وقد تقدم ذلك في الأنعام [الآية: ١٠٣].
مقام كالكلام في قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ وقد تقدم ذلك في الأنعام [الآية: ١٠٣].
وفي الكتب المتقدمة أن الله تعالى قال لموسى، ﵇: "يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده"؛ ولهذا قال تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا)
قال أبو جعفر بن جرير الطبري في تفسير هذه الآية: حدثنا أحمد بن سُهَيْل الواسطي، حدثنا قُرَّة بن عيسى، حدثنا الأعمش، عن رجل، عن أنس، عن النبي ﷺ قال: "لما تجلى ربه للجبل، أشار بإصبعه فجعله دكًا" وأرانا أبو إسماعيل بإصبعه السبابة
هذا الإسناد فيه رجل مبهم لم يسم، ثم قال
حدثني المثنى، حدثنا حجَّاج بن مِنْهال، حدثنا حَمَّاد، عن لَيْث، عن أنس؛ أن النبي ﷺ قرأ هذه الآية: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) قال: "هكذا بإصبعه -ووضع النبي ﷺ إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر-فساخ الجبل"
ذه الآية: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) قال: "هكذا بإصبعه -ووضع النبي ﷺ إصبعه الإبهام على المفصل الأعلى من الخنصر-فساخ الجبل"
هكذا وقع في هذه الرواية "حماد بن سلمة، عن ليث، عن أنس". والمشهور: "حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس"، كما قال ابن جرير:
حدثني المثنى، حدثنا هُدْبَة بن خالد، حدثنا حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس قال: قرأ رسول الله ﷺ: قال (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) قال: وضع الإبهام قريبًا من طرف خنصره، قال: فساخ الجبل -قال حميد لثابت: تقول هذا؟ فرفع ثابت يده فضرب صدر حميد، وقال: يقوله رسول الله ﷺ، ويقوله أنس وأنا أكتمه؟
وهكذا رواه الإمام أحمد في مسنده: حدثنا أبو المثنى، معاذ بن معاذ العنبري، حدثنا حماد بن
سلمة، حدثنا ثابت البناني، عن أنس بن مالك، عن النبي ﷺ في قوله: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [جَعَلَهُ دَكًّا]) قال: قال هكذا -يعني أنه خرج طرف الخنصر -قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟
رَبُّهُ لِلْجَبَلِ [جَعَلَهُ دَكًّا]) قال: قال هكذا -يعني أنه خرج طرف الخنصر -قال أحمد: أرانا معاذ، فقال له حميد الطويل: ما تريد إلى هذا يا أبا محمد؟ قال: فضرب صدره ضربة شديدة وقال: من أنت يا حميد؟! وما أنت يا حميد؟! يحدثني به أنس بن مالك عن النبي ﷺ، فتقول أنت: ما تريد إليه؟!
وهكذا رواه الترمذي في تفسير هذه الآية عن عبد الوهاب بن الحكم الوراق، عن معاذ بن معاذ به. وعن عبد الله بن عبد الرحمن الدارمي، عن سليمان بن حرب، عن حماد [بن سلمة] به ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق، عن حماد بن سلمة، به.
مان بن حرب، عن حماد [بن سلمة] به ثم قال: هذا حديث حسن صحيح غريب، لا نعرفه إلا من حديث حماد.
وهكذا رواه الحاكم في مستدركه من طرق، عن حماد بن سلمة، به. وقال: هذا حديث صحيح على شرط مسلم، ولم يخرجاه
ورواه أبو محمد الحسن بن محمد الخلال، عن محمد بن علي بن سُوَيْد، عن أبي القاسم البغوي، عن هدبة بن خالد، عن حماد بن سلمة، فذكره وقال: هذا إسناد صحيح لا علة فيه.
وقد رواه داود بن المحبر، عن شعبة، عن ثابت، عن أنس مرفوعًا [وهذا ليس بشيء، لأن داود ابن المحبر كذاب ورواه الحافظان أبو القاسم الطبراني وأبو بكر] بنحوه
وأسنده ابن مردويه من طريقين، عن سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن أنس مرفوعا بنحوه، وأسنده ابن مردويه من طريق ابن البيْلِمِاني، عن أبيه، عن ابن عمر مرفوعا، ولا يصح أيضًا.
وقال السُّدِّي، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس في قول الله تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر (جَعَلَهُ دَكًّا) قال: ترابا (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) قال: مغشيًا عليه.
تعالى: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) قال: ما تجلى منه إلا قدر الخنصر (جَعَلَهُ دَكًّا) قال: ترابا (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) قال: مغشيًا عليه. رواه ابن جرير.
وقال قتادة: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) قال: ميتًا.
وقال سفيان الثوري: ساخ الجبل في الأرض، حتى وقع في البحر فهو يذهب معه
وقال سُنَيْد، عن حجاج بن محمد الأعور، عن أبي بكر الهذلي: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا) انقعر فدخل تحت الأرض، فلا يظهر إلى يوم القيامة.
وجاء في بعض الأخبار أنه ساخ في الأرض، فهو يهوي فيها إلى يوم القيامة، رواه ابن مردويه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عمر بن شَبَّة، حدثنا محمد بن يحيى أبو غسان الكناني، حدثنا عبد العزيز بن عمران، عن معاوية بن عبد الله، عن الجلد بن أيوب، عن معاوية بن قُرَّة، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى.
ن قُرَّة، عن أنس بن مالك؛ أن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله للجبال طارت لعظمته ستة أجبل، فوقعت ثلاثة بالمدينة وثلاثة بمكة، بالمدينة: أحد، وورقان، ورضوى. ووقع بمكة: حراء، وثَبِير، وثور".
وهذا حديث غريب، بل منكر
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن محمد بن عبد الله بن أبي الثلج، حدثنا الهَيْثَم بن خارجة، حدثنا عثمان بن حُصَين بن عَلاق، عن عُرْوة بن رُوَيم قال: كانت الجبال قبل أن يتجلى الله لموسى على الطور صُمًا مُلْسا، فلما تجلى الله لموسى على الطور دك وتفطرت الجبال فصارت الشقوق والكهوف.
وقال الربيع بن أنس: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دك من الدكاك.
بن أنس: (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) وذلك أن الجبل حين كشف الغطاء ورأى النور، صار مثل دك من الدكاك. وقال بعضهم: (جَعَلَهُ دَكًّا) أي: فتته.
وقال مجاهد في قوله: (وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي) فإنه أكبر منك وأشد خلقا، (فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ) فنظر إلى الجبل لا يتمالك، وأقبل الجبل فدك على أوله، ورأى موسى ما يصنع الجبل، فخر صعقًا.
وقال عكرمة: (جَعَلَهُ دَكًّا) قال: نظر الله إلى الجبل، فصار صحراء ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع، رواه بن مردويه.
َلَهُ دَكًّا) قال: نظر الله إلى الجبل، فصار صحراء ترابًا.
وقد قرأ بهذه القراءة بعض القراء، واختارها ابن جرير، وقد ورد فيها حديث مرفوع، رواه بن مردويه.
والمعروف أن "الصَّعْق" هو الغشي هاهنا، كما فسره ابن عباس وغيره، لا كما فسره قتادة بالموت، وإن كان ذلك صحيحًا في اللغة، كقوله تعالى: ﴿وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ إِلا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ثُمَّ نُفِخَ فِيهِ أُخْرَى فَإِذَا هُمْ قِيَامٌ يَنْظُرُونَ﴾ [الزمر: ٦٨] فإن هناك قرينة تدل على الموت كما أن هنا قرينة تدل على الغشي، وهي قوله: (فَلَمَّا أَفَاقَ) والإفاقة إنما تكون من غشي.
(قَالَ سُبْحَانَكَ) تنزيها وتعظيما وإجلالا أن يراه أحد من الدنيا إلا مات.
وقوله: (تُبْتُ إِلَيْكَ) قال مجاهد: أن أسألك الرؤية.
(وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) أنه لا يراك أحد.
الْمُؤْمِنِينَ) قال ابن عباس ومجاهد: من بني إسرائيل. واختاره ابن جرير. وفي رواية أخرى عن ابن عباس: (وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ) أنه لا يراك أحد. وكذا قال أبو العالية: قد كان قبله مؤمنون، ولكن يقول: أنا أول من آمن بك أنه لا يراك أحد من خلقك إلى يوم القيامة.
وهذا قول حسن له اتجاه. وقد ذكر محمد بن جرير في تفسيره هاهنا أثرًا طويلا فيه غرائب وعجائب، عن محمد بن إسحاق بن يسار [﵀] وكأنه تلقاه من الإسرائيليات والله [تعالى] أعلم.
وقوله: (وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا) فيه أبو سعيد وأبي هريرة، عن النبي ﷺ فأما حديث أبي سعيد، فأسنده البخاري في صحيحه هاهنا، فقال:
حدثنا محمد بن يوسف، حدثنا سفيان، عن عمرو بن يحيى المازني، عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، ﵁، قال: جاء رجل من اليهود إلى النبي ﷺ قد لطم وجهه، فقال: يا محمد، إن رجلا من أصحابك من الأنصار لطم وجهي. قال: "ادعوه" فدعوه، قال: "لم لطمت وجهه؟ " قال: يا رسول الله، إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر.
قال: قلت: وعلى محمد؟
طم وجهي. قال: "ادعوه" فدعوه، قال: "لم لطمت وجهه؟ " قال: يا رسول الله، إني مررت باليهودي فسمعته يقول: والذي اصطفى موسى على البشر.
قال: قلت: وعلى محمد؟ فأخذتني غضبة فلطمته، قال: "لا تخيروني من بين الأنبياء، فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش، فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور".
وقد رواه البخاري في أماكن كثيرة من صحيحه، ومسلم في أحاديث الأنبياء من صحيحه، وأبو داود في كتاب "السنة" من سننه من طرق، عن عمرو بن يحيى بن عمارة بن أبي الحسن المازني الأنصاري المدني، عن أبيه، عن أبي سعيد سعد بن مالك بن سنان الخدري، به
وأما حديث أبي هريرة فقال الإمام أحمد في مسنده:
حدثنا أبو كامل، حدثنا إبراهيم بن سعد، حدثنا ابن شهاب، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁، قال: استب رجلان: رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين.
مة بن عبد الرحمن وعبد الرحمن الأعرج، عن أبي هريرة، ﵁، قال: استب رجلان: رجل من المسلمين، ورجل من اليهود، فقال المسلم: والذي اصطفى محمدًا على العالمين. وقال اليهودي: والذي اصطفى موسى على العالمين، فغضب المسلم على اليهودي فلطمه، فأتى اليهودي رسول الله ﷺ، فسأله فأخبره، فدعاه رسول الله ﷺ، فاعترف بذلك، فقال رسول الله ﷺ: "لا تخيروني على موسى؛ فإن الناس يصعقون يوم القيامة، فأكون أول من يفيق، فأجد موسى ممسكًا بجانب العرش، فلا أدري أكان ممن صعق فأفاق قبلي، أم كان ممن استثناه الله، ﷿". أخرجاه في الصحيحين، من حديث
الزهري، به
وقد روى الحافظ أبو بكر بن أبي الدنيا، ﵀: أن الذي لطم اليهودي في هذه القضية هو أبو بكر الصديق، ﵁ ولكن تقدم في الصحيحين أنه رجل من الأنصار، وهذا هو أصح وأصرح، والله أعلم.
والكلام في قوله، ﵇: "لا تخيروني على موسى"، كالكلام على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى"، قيل: من باب التواضع. وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب.
على قوله: "لا تفضلوني على الأنبياء ولا على يونس بن متى"، قيل: من باب التواضع. وقيل: قبل أن يعلم بذلك. وقيل: نهى أن يفضل بينهم على وجه الغضب والتعصب. وقيل: على وجه القول بمجرد الرأي والتشهي، والله أعلم.
وقوله: "فإن الناس يصعقون يوم القيامة"، الظاهر أن هذا الصعق يكون في عرصات القيامة، يحصل أمر يصعقون منه، والله أعلم به. وقد يكون ذلك إذا جاء الرب ﵎ لفصل القضاء، وتجلى للخلائق الملك الديان، كما صعق موسى من تجلي الرب، ﷿، ولهذا قال، ﵇: "فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور"؟
وقد روى القاضي عياض في أوائل كتابه "الشفاء" بسنده عن محمد بن محمد بن مرزوق: حدثنا قتادة، حدثنا الحسن، عن قتادة، عن يحيى بن وثاب، عن أبي هريرة، عن النبي ﷺ قال: "لما تجلى الله لموسى، ﵇، كان يبصر النملة على الصفا في الليلة الظلماء، مسيرة عشرة فراسخ" ثم قال: "ولا يبعد على هذا أن يختص نبيا بما ذكرناه من هذا الباب، بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى.
ا في الليلة الظلماء، مسيرة عشرة فراسخ" ثم قال: "ولا يبعد على هذا أن يختص نبيا بما ذكرناه من هذا الباب، بعد الإسراء والحظوة بما رأى من آيات ربه الكبرى.
انتهى ما قاله، وكأنه صحح هذا الحديث، وفي صحته نظر، ولا يخلو رجال إسناده من مجاهيل لا يعرفون، ومثل هذا إنما يقبل من رواية العدل الضابط عن مثله، حتى ينتهي إلى منتهاه، والله أعلم.
قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تراني﴾ الآية.
استدل المعتزلة النافون لرؤية الله بالأبصار يوم القيامة بهذه
الآية على مذهبهم الباطل، وقد جاءت آيات تدل على أن نفي الرؤية المذكور إنما هو في الدنيا، وأما في الآخرة فإن المؤمنين يرونه جل وعلا بأبصارهم، كما صرح الكفار: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ فإنه يفهم من مفهوم مخالفته أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه جل وعلا.
وقد ثبت عن النَّبي ﷺ أنه قال في قوله تعالى: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ الْحُسْنَى: الجنة، والزيادة: النظر إلى وجه الله الكريم، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ وقد تواترت الأحاديث عن النَّبي ﷺ: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم.
له الكريم، وذلك هو أحد القولين في قوله تعالى: ﴿وَلَدَيْنَا مَزِيدٌ (٣٥)﴾ وقد تواترت الأحاديث عن النَّبي ﷺ: أن المؤمنين يرون ربهم يوم القيامة بأبصارهم.
وتحقيق المقام في المسألة: أن رؤية الله جل وعلا بالأبصار جائزة عقلاً في الدنيا والآخرة، ومن أعظم الأدلة على جوازها عقلا في دار الدنيا: قول موسى ﴿رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ﴾ لأن موسى لا يخفى عليه الجائز والمستحيل في حق الله تعالى، وأما شرعاً فهي جائزة وواقعة في الآخرة، كما دلت عليه الآيات المذكورة، وتواترت به الأحاديث الصحاح، وأما في الدنيا فممنوعة شرعاً كما تدل عليه آية "الأعراف" هذه، وحديث "إنكم لن تروا ربكم حتى تموتوا" كما أوضحناه في كتابنا [دفع إيهام الاضطراب عن آيات الكتاب].
•