نُ عبدِ الرحمنِ، قال: ثنا أبو عَرفَجةَ، عن عطيةَ العَوْفيِّ في قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]. قال: هم يَنْظُرون إلى اللهِ، لا تُحِيطُ أبصارُهم به مِن عظمتِه،
وبصرُه يُحِيطُ بهم، فذلك قولُه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية.
واعتلَّ قائلو هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: إن اللهَ قال: ﴿[حَتَّى إِذَا] أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ﴾ [يونس: ٩٠]. قالوا: فوصَف اللهُ تعالى ذكرُه الغرقَ بأنه أدْرَك فرعونَ، ولا شكَّ أن الغرقَ غيرُ موصوفٍ بأنه رآه، ولا هو مما يَجوزُ وصفُه بأنه يَرَى شيئًا. قالوا: فمعنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. بمعنى: لا تراه، بعيدٌ؛ لأن الشيءَ قد يُدْرِكُ الشيءَ ولا يَراه، كما قال جلَّ ثناؤُه مُخْبِرًا عن قِيلِ أصحابِ موسى ﷺ لموسى حينَ قرُب منهم أصحابُ فرعونَ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١].
ن قِيلِ أصحابِ موسى ﷺ لموسى حينَ قرُب منهم أصحابُ فرعونَ: ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَى إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ [الشعراء: ٦١]. لأن اللهَ قد كان وعَد نبيَّه موسى ﷺ أنهم لا يُدْرَكون؛ لقولِه: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي فَاضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقًا فِي الْبَحْرِ يَبَسًا لَا تَخَافُ دَرَكًا وَلَا تَخْشَى﴾ [طه: ٧٧].
قالوا: فإذ كان الشيءُ قد يَرَى الشيءَ ولا يُدْرِكُه، ويُدْرِكُه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾.
خْشَى﴾ [طه: ٧٧].
قالوا: فإذ كان الشيءُ قد يَرَى الشيءَ ولا يُدْرِكُه، ويُدْرِكُه ولا يراه، فكان معلومًا بذلك أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. مِن معنى: لا تَراه الأبصارُ - بمَعْزِلٍ، وأن معنى ذلك: لا تُحيطُ به الأبصارُ؛ لأن الإحاطةَ به غيرُ جائزةٍ.
قالوا: فالمؤمنون وأهلُ الجنةِ يَرَوْن ربَّهم بأبصارِهم، ولا تُدْرِكُه أَبْصارُهم، بمعنى: أنها لا تُحِيطُ به، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يُوصَفَ اللهُ بأن شيئًا يُحِيطُ به.
قالوا: ونظيرُ جَوازِ وصفِه بأنه يُرَى ولا يُدْرَكُ، جوازُ وصفِه بأنه يُعْلَمُ ولا يُحاطُ به، وكما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]. قالوا: فنفَى جلَّ ثناؤُه عن خلقِه أن يكونوا يُحِيطون بشيءٍ من علمِه إلا بما
شاء. قالوا: ومعنى العلمِ في هذا الموضعِ: المعلومُ. قالوا: فلم يَكُنْ في نفيِه عن خلقِه أن يُحِيطوا بشيءٍ من علمِه إلا بما شاء، نفيٌ عن أن يَعْلَموه.
شاء. قالوا: ومعنى العلمِ في هذا الموضعِ: المعلومُ. قالوا: فلم يَكُنْ في نفيِه عن خلقِه أن يُحِيطوا بشيءٍ من علمِه إلا بما شاء، نفيٌ عن أن يَعْلَموه. قالوا: فإذ لم يَكُنْ في نفيِ الإحاطةِ بالشيءِ علمًا نفيٌ للعلمِ به، كان كذلك، لم يَكُنْ في نفيِ إدراكِ اللهِ عن البصرِ نفيُ رؤيتِه له. قالوا: وكما جاز أن يَعْلَمَ الخلقُ أشياءَ ولا يُحيطُون بها علمًا، كذلك جائزٌ أن يَرَوْا رَبَّهم بأبصارِهم ولا يُدْرِكوه بأبصارِهم، إذ كان معنى الرؤيةِ غيرَ معنى الإدراكِ، ومعنى الإدراكِ غير معنى الرؤيةِ، وأن معنى الإدراكِ إنما هو معنى الإحاطةِ، كما قال ابنُ عباسٍ في الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ.
قالوا: فإن قال لنا قائلٌ: وما أَنْكَرْتُم أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تراه الأبصارُ؟
ُ عباسٍ في الخبرِ الذي ذكَرْناه قبلُ.
قالوا: فإن قال لنا قائلٌ: وما أَنْكَرْتُم أن يكونَ معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا تراه الأبصارُ؟ قلنا له: أنْكَرْنا ذلك لأن اللهَ جلَّ ثناؤُه أخْبَر في كتابِه أن وجوهًا - في القيامةِ - إليه ناظرةٌ، وأن رسولَ اللهِ ﷺ أخْبَر أمتَه أنهم سيَرَوْن ربَّهم يومَ القيامةِ كما يُرَى القمرُ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ.
قالوا: فإذ كان اللهُ قد أخْبَر في كتابِه بما أخْبَر، وحقَّقَتْ أخبارُ رسولِ اللهِ ﷺ بما ذكَرْنا عنه مِن قيلِه ﷺ، أن تأويلَ قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ أنه نَظَرُ أبصارِ العيونِ للهِ ﷻ وكان كتابُ اللهِ يُصَدِّقُ بعضُه بعضًا، وكان مع ذلك غيرُ جائزٍ أن يكونَ أحدُ هذين الخبرين ناسخًا للآخرِ، إذ كان غيرَ جائزٍ في الأخبارِ؛ لما قد بيَّنَّا في كتابِنا: "كتابِ لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" وغيرِه - عُلِم أن معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾.
َ جائزٍ في الأخبارِ؛ لما قد بيَّنَّا في كتابِنا: "كتابِ لطيفِ البيانِ عن أصولِ الأحكامِ" وغيرِه - عُلِم أن معنى قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. غيرُ معنى قولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ
نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. فإن أهلَ الجنةِ يَنْظُرون بأبصارِهم يومَ القيامةِ إلى اللهِ، ولا يُدْرِكونه بها، تَصْديقًا للهِ في كلا الخبرين، وتسليمًا لما جاء به تنزيلُه، على ما جاء به في السُّورَتَين.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تراه الأبصارُ وهو يَرَى الأبصارَ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا يراه شيءٌ، وهو يرى الخَلائقَ.
َثنا محمدُ بنُ الحسينِ، قال: ثنا أحمدُ بنُ المفضلِ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾: لا يراه شيءٌ، وهو يرى الخَلائقَ.
حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وَكيعٌ، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، عن عائشةَ، قالت: مَن حدَّثك أن رسولَ اللهِ ﷺ رأى ربَّه فقد كذَب: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾، ﴿وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَنْ يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ﴾ [الشورى: ٥١]. ولكن قد رأَى جبريلَ في صورتِه مرتين.
حدَّثنا ابنُ وَكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: سبحانَ اللهِ! لقد قَفَّ شَعري مما قلتَ.
إسماعيلَ بنِ أبي خالدٍ، عن عامرٍ، عن مسروقٍ، قال: قلتُ لعائشةَ: يا أمَّ المؤمنين، هل رأى محمدٌ رَبَّه؟ فقالت: سبحانَ اللهِ! لقد قَفَّ شَعري مما قلتَ. ثم قرأَت: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
حدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا عبدُ الأعلى وابنُ عُلَيَّةً، عن داودَ، عن الشعبيِّ، عن
مسروقٍ، عن عائشةَ بنحوِه.
حدَّثنا ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا جريرٌ، عن مغيرةَ، عن الشعبيِّ، قال: قالت عائشةُ: مَن قال: إن أحدًا رأى ربَّه. فقد أعْظَم الفِرْيَةَ على اللهِ، قال اللهُ: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ﴾.
فقال قائلو هذه المقالةِ: معنى الإدراكِ في هذا الموضعِ: الرؤيةُ. وأنكروا أن يَكونَ اللهُ يُرَى بالأبصارِ في الدنيا والآخرةِ. وتأوَّلوا قولَه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
: الرؤيةُ. وأنكروا أن يَكونَ اللهُ يُرَى بالأبصارِ في الدنيا والآخرةِ. وتأوَّلوا قولَه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾. بمعنى انْتظارِها رحمةَ اللهِ وثوابَه.
وتأَوَّل بعضُهم في الأخبارِ التي رُوِيت عن رسولِ اللهِ ﷺ بتصحيحِ القولِ برؤيةِ أهلِ الجنةِ ربَّهم يومَ القيامةِ تأويلاتٍ. وأنكَر بعضُهم مجيئَها، ودافَعوا أن يَكونَ ذلك مِن قولِ رسولِ اللهِ ﷺ، وردُّوا القولَ فيه إلى عقولِهم، فزعَموا أن عقولَهم تُحِيلُ جوازَ الرؤيةِ على اللهِ ﷿ بالأبصارِ، وأتَوْا في ذلك بضروبٍ مِن التَّمْويهاتِ، وأكْثَروا القولَ فيه مِن جهةِ الاسْتِخْراجاتِ. وكان من أجلِّ ما زعَموا أنهم علِموا به صحةَ قولِهم ذلك مِن الدليلِ، أنهم لم يَجِدوا أبصارَهم تَرَى شيئًا إلا ما بايَنها دونَ ما لاصَقَها، فإنها لا تَرَى ما لاصَقَها. قالوا: فما كان للأبصارِ مُبايِنًا مما عايَنَتْه، فإن بينَه وبينَها فَضاءً وفُرْجةً.
يئًا إلا ما بايَنها دونَ ما لاصَقَها، فإنها لا تَرَى ما لاصَقَها. قالوا: فما كان للأبصارِ مُبايِنًا مما عايَنَتْه، فإن بينَه وبينَها فَضاءً وفُرْجةً. قالوا: فإن كانت الأبصارُ تَرَى ربَّها يومَ القيامةِ على نحوِ ما تَرَى الأشخاصَ اليومَ، فقد وجَب أن يَكونَ الصانعُ محدودًا. قالوا: ومَن وصَفَه بذلك فقد وصَفَه بصفاتِ الأجسامِ التي يَجوزُ عليها الزيادةُ والنقصانُ.
قالوا: وأُخرى، أن مِن شأنِ الأبصارِ أن تُدْرِكَ الألوانَ، كما مِن شأنِ الأسماعِ
أن تُدْرِكَ الأصواتَ، ومن شأنِ المتنسِّمِ أن يُدْرِكَ الأعْرافَ. قالوا: فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يَكونَ جائزًا أن يُقْضَى للسمعِ بغيرِ إدراكِ الأصواتِ، وللمتنسِّمِ إلا بإدراكِ الأعرافِ، فسَد أن يَكونَ جائزًا [القضاءُ للبصرِ] إلا بإدراكِ الألوانِ.
يَكونَ جائزًا أن يُقْضَى للسمعِ بغيرِ إدراكِ الأصواتِ، وللمتنسِّمِ إلا بإدراكِ الأعرافِ، فسَد أن يَكونَ جائزًا [القضاءُ للبصرِ] إلا بإدراكِ الألوانِ. قالوا: ولما كان غيرُ جائزٍ أن يكونَ اللهُ تعالى ذكرُه موصوفًا بأنه ذو لونٍ، صحَّ أنه غيرُ جائزٍ أن يكونَ موصوفًا بأنه مرئيٌّ.
وقال آخرون: معنى ذلك: لا تُدْرِكُه أبصارُ الخَلائقِ في الدنيا، وأما في الآخرةِ فإنها تُدْرِكُه. وقال أهلُ هذه المقالةِ: الإدراكُ في هذا الموضعِ الرؤيةُ.
واعتَلَّ أهلُ هذه المقالةِ لقولِهم هذا بأن قالوا: الإدراكُ وإن كان قد يَكونُ في بعضِ الأحوالِ بغيرِ معنى الرؤيةِ، فإن الرؤيةَ مِن أحدِ معانيه، وذلك أنه غيرُ جائزٍ أن يَلْحَق بصرُه شيئًا فيراه، وهو لِمَا أبْصَره وعايَنَه غيرُ مُدْرِكٍ، وإن لم يُحِطْ بأجزائِه كلِّها رؤيةً. قالوا: فرؤيةُ ما عايَنه الرائي إدراكٌ له دونَ ما لم يَرَه. قالوا: وقد أخْبَر اللهُ أن وُجوهًا يومَ القيامةِ إليه ناظرةٌ، قالوا: فمحالٌ أن تَكونَ إليه ناظرةً وهي له غيرُ مُدْرِكةٍ رؤيةً.
ٌ له دونَ ما لم يَرَه. قالوا: وقد أخْبَر اللهُ أن وُجوهًا يومَ القيامةِ إليه ناظرةٌ، قالوا: فمحالٌ أن تَكونَ إليه ناظرةً وهي له غيرُ مُدْرِكةٍ رؤيةً. قالوا: وإذا كان ذلك كذلك، وكان غيرُ جائزٍ أَن يَكونَ في أخبارِ اللهِ تضادٌّ وتعارُضٌ، وجَب وصحَّ أن قولَه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. على الخصوصِ لا على العمومِ، وأن معناه: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وهو يُدْرِكُ الأبصارَ في الدنيا والآخرةِ. إذ كان اللهُ قد اسْتَثْنَى ما اسْتَثْنَى منه بقولِه: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾.
وقال آخَرون من أهلِ هذه المقالةِ: الآيةُ على الخصوصِ، إلا أنه جائزٌ أن يَكونَ
معنى الآيةِ: لا تُدْرِكُه أبصارُ الظالمين في الدنيا والآخرة، وتُدْرِكُه أَبصارُ المؤمنين وأولياءِ اللهِ. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ بالنهايةِ والإحاطةِ، وأما بالرؤيةِ فبَلَى. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وتُدْرِكُه في الآخرةِ.
تُدْرِكُه الأبصارُ بالنهايةِ والإحاطةِ، وأما بالرؤيةِ فبَلَى. قالوا: وجائزٌ أن يكونَ معناها: لا تُدْرِكُه الأبصارُ في الدنيا، وتُدْرِكُه في الآخرةِ. وجائزٌ أن يَكونَ معناها: لا تُدْرِكُه أَبصارُ مَن يَراه، بالمعنى الذي يُدْرِكُ به القديمُ أبصارَ خلقِه، فيكونَ الذي نفَى عن خلقِه من إدراكِ أبصارِهم إياه. . الذي أثْبَته لنفسِه، إذ كانت أبصارُهم ضعيفةً، لا تَنْفُذُ إلا فيما قوَّاها جلَّ ثناؤُه على النفوذِ فيه، وكانت كلُّها مُتَجَلِّيةً لبصرِه، لا يَخْفَى عليه منها شيءٌ. قالوا: ولا شكَّ في خصوصِ قولِه: ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. وأن أولياءَ اللهِ سَيَرَوْنه يومَ القيامةِ بأبصارِهم، غيرَ أنَّا لا نَدْرِى أيَّ معاني الخصوصِ الأربعةِ أُرِيد بالآيةِ.
لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾. وأن أولياءَ اللهِ سَيَرَوْنه يومَ القيامةِ بأبصارِهم، غيرَ أنَّا لا نَدْرِى أيَّ معاني الخصوصِ الأربعةِ أُرِيد بالآيةِ. واعتلُّوا بتصحيحِ القولُ بأن اللهَ يُرَى في الآخرةِ بنحوِ عِللِ الذين ذكَرْنا قبلُ.
وقال آخرون: الآيةُ على العمومِ، ولن يُدْرِكَ اللهَ بصرُ أحدٍ في الدنيا والآخرةِ، ولكنَّ اللهَ يُحْدِثُ لأوليائِه يومَ القيامةِ حاسّةً سادسةً سوى حواسِّهم الخمسِ، فيَرَوْنه بها.
واعتَلُّوا لقولِهم هذا بأن اللهَ تعالى ذكرُه نفَى عن الأبصارِ أن تُدْرِكَه، مِن غيرِ أن يَدُلَّ فيها أو بآيةٍ غيرها على خصوصِها. قالوا: وكذلك أخْبَر في آيةٍ أُخرى أن وجوهًا إليه يومَ القيامةِ ناظرةٌ.
عن الأبصارِ أن تُدْرِكَه، مِن غيرِ أن يَدُلَّ فيها أو بآيةٍ غيرها على خصوصِها. قالوا: وكذلك أخْبَر في آيةٍ أُخرى أن وجوهًا إليه يومَ القيامةِ ناظرةٌ. قالوا: فأَخْبارُ اللهِ لا تتنافى ولا تَتَعارَضُ، وكلا الخبرَيْن صحيحٌ معناه، على ما جاء به التنزيلُ.
واعْتَلُّوا أيضًا من جهةِ العقلِ بأن قالوا: إن كان جائزًا أن نراه في الآخرةِ بأبصارِنا هذه وإن زِيد في قِواها، وجَب أن نَراه في الدنيا وإن ضعُفَت؛ لأن كلَّ حاسةٍ خُلِقَت لإدراك معنًى مِن المعاني، فهي وإن ضعُفَت كلَّ الضعفِ فقد تُدْرِكُ مع
ضعفِها ما خُلِقَت لإدراكِه، وإن ضعُف إدراكُها إياه، ما لم تُعْدَمْ. قالوا: فلو كان في البصرِ أن يُدْرِكَ صانعَه في حالٍ مِن الأحوالِ، أو وقتٍ مِن الأوقاتِ ويَرَاه، وجَب أن يكونَ يُدْرِكُه في الدنيا ويَراه فيها، وإن ضعُف إدراكُه إياه. قالوا: فلما كان ذلك غيرَ موجودٍ مِن أبصارِنا في الدنيا، كان غيرُ جائزٍ أن تكونَ في الآخرةِ إلا بهيئتِها في الدنيا، في أنها لا تُدْرِكُ إلا ما كان مِن شأنِها إدراكُه في الدنيا.
وجودٍ مِن أبصارِنا في الدنيا، كان غيرُ جائزٍ أن تكونَ في الآخرةِ إلا بهيئتِها في الدنيا، في أنها لا تُدْرِكُ إلا ما كان مِن شأنِها إدراكُه في الدنيا. قالوا: فلما كان ذلك كذلك، وكان اللهُ تعالى ذكرُه قد أخْبَر أن وجوهًا في الآخرةِ تَراه، عُلِم أنها تَراه بغيرِ حاسَّةِ البصرِ، إذ كان غيرُ جائزٍ أن يَكونَ خبرُه إلا حقًّا.
والصوابُ مِن القولِ في ذلك عندَنا ما تَظاهَرَت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إنكم ستَرَوْن ربَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَوْن القمرَ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ".
َت به الأخبارُ عن رسولِ اللهِ ﷺ أنه قال: "إنكم ستَرَوْن ربَّكم يومَ القيامةِ كما تَرَوْن القمرَ ليلةَ البدرِ، وكما تَرَوْن الشمسَ ليس دونَها سَحابٌ". فالمؤمنون يَرَوْنه، والكافرون عنه يومَئذٍ مَحْجُوبون، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
فأما ما اعتلَّ به منكرُو رؤيةِ اللهِ يومَ القيامةِ بالأبصارِ، لمَّا كانت لا تَرَى إلا ما بايَنها وكان بينَها وبينَه فضاءٌ وفرجةٌ، وكان ذلك عندَهم غيرَ جائزٍ أن تكونَ رؤيةُ اللهِ بالأبصارِ كذلك؛ لأن في ذلك إثباتَ حدٍّ له ونهايةٍ، فبطَل عندَهم لذلك جوازُ الرؤيةِ عليه، فإنَّه يقالُ لهم: هل علِمْتُم موصوفًا بالتدبيرِ، سوى صانعِكم، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا؟
فإن زعَموا أنهم يَعْلَمون ذلك، كُلِّفوا تبيينَه، ولا سبيلَ إلى ذلك.
وإن قالوا: لا نَعْلَمُ ذلك.
بالتدبيرِ، سوى صانعِكم، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا؟
فإن زعَموا أنهم يَعْلَمون ذلك، كُلِّفوا تبيينَه، ولا سبيلَ إلى ذلك.
وإن قالوا: لا نَعْلَمُ ذلك.
قيل لهم: أوَ ليس قد علِمْتُموه لا مماسًّا لكم ولا مُبايِنًا، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، ولم يَجِبْ عندَكم - إذ كنتم لم تَعْلَموا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَه، إلا مماسًّا لكم أو مُبايِنًا - أن يكونَ مستحيلًا العلمُ به، وهو موصوفٌ بالتدبيرِ والفعلِ، لا مماسٌّ ولا مُباينٌ؟
فإن قالوا: ذلك كذلك.
قيل لهم: فما تُنْكِرون أن تَكونَ الأبصارُ كذلك، لا تَرَى إلا ما بايَنها وكانت بينَه وبينَها فرجةٌ، قد تَراه وهو غيرُ مُباينٍ لها ولا فرجةَ بينَها وبينَه ولا فضاءَ، كما لا تَعْلَمُ القلوبُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علِمَتْه عندَكم لا كذلك؟
يرُ مُباينٍ لها ولا فرجةَ بينَها وبينَه ولا فضاءَ، كما لا تَعْلَمُ القلوبُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا مماسًّا لها أو مباينًا، وقد علِمَتْه عندَكم لا كذلك؟ وهل بينَكم وبينَ مَن أنْكَر أن يَكونَ موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ معلومًا، إلَّا مماسًّا للعالِمِ به أو مُباينًا، وأجاز أن يكونَ موصوفٌ برؤيةِ الأبصارِ لا مماسًّا لها ولا مُباينًا - فرقٌ؟
ثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في شيءٍ مِن ذلك قولًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.
وكذلك يُسْأَلُون فيما اعْتَلُّوا به في ذلك من أن مِن شأنِ الأبصارِ إدراكَ الألوانِ، كما أن مِن شأنِ الأسماعِ إدراكَ الأصواتِ، ومن شأنِ المُتَنَسِّمِ دَرَكَ الأعرافِ، فمِن الوجهِ الذي فسَد أن يُقْضَى السمعُ لغيرِ دَرَكِ الأصواتِ، فسَد أن تُقْضَى الأَبصارُ لغيرِ دَرَكِ الأَلْوَانِ.
فيقالُ لهم: ألستم لم تَعْلَموا فيما شاهدْتُم وعايَنْتُم موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ إلا ذا لونٍ، وقد علِمْتُموه موصوفًا بالتدبيرِ لا ذا لونٍ؟ فإن قالوا: نعم.
لهم: ألستم لم تَعْلَموا فيما شاهدْتُم وعايَنْتُم موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ إلا ذا لونٍ، وقد علِمْتُموه موصوفًا بالتدبيرِ لا ذا لونٍ؟ فإن قالوا: نعم. لا يَجِدون مِن الإقرارِ بذلك بُدًّا، إلا أن يَكْذِبوا فيَزْعُموا أنهم قد رأَوْا وعايَنوا موصوفًا بالتدبيرِ والفعلِ غيرَ ذي لونٍ، فيُكَلَّفوا بيانَ ذلك، ولا سبيلَ إليه.
فيُقالُ لهم: فإذ كان ذلك كذلك، فما أنْكَرْتُم أَن تَكونَ الأبصارُ فيما شاهَدْتُم وعايَنْتُم لم تَجِدوها تُدْرِكُ إلا الألوانَ، كما لم تَجِدوا أنفسَكم تَعْلَمُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا ذا لونٍ، وقد وجَدْتُموها علِمَتْه موصوفًا بالتدبيرِ غيرَ ذي لونٍ.
جِدوها تُدْرِكُ إلا الألوانَ، كما لم تَجِدوا أنفسَكم تَعْلَمُ موصوفًا بالتدبيرِ إلا ذا لونٍ، وقد وجَدْتُموها علِمَتْه موصوفًا بالتدبيرِ غيرَ ذي لونٍ. ثم يُسْأَلُون الفرقَ بينَ ذلك، فلن يقولوا في أحدِهما شيئًا إلا أُلْزِموا في الآخرِ مثلَه.
ولأهلِ هذه المقالةِ مسائلُ فيها تَلْبيسٌ، كرِهْنا ذكرَها وإطالةَ الكتابِ بها وبالجوابِ عنها، إذ لم يَكُنْ قَصْدُنا في كتابِنا هذا قصدَ الكشفِ عن تَمْويهاتِهم، بل قصْدُنا فيه البيانُ عن تأويلِ آيِ الفُرْقانِ، ولكنا ذكَرْنا القدرَ الذي ذكَرْنا؛ ليَعْلَمَ الناظرُ في كتابِنا هذا أنهم لا يَرْجِعون من قولِهم إلا إلى ما لبَس عليهم الشيطانُ، مما يَسْهُلُ على أهلِ الحقِّ البيانُ عن فسادِه، وأنهم لا يَرْجِعون في قولِهم إلى آيةٍ مِن التنزيلِ مُحْكَمةٍ، ولا روايةٍ عن رسولِ اللهِ ﷺ صحيحةٍ ولا سَقيمةٍ، فهم في الظُّلماتِ يَخْبِطون، وفي العَمْياءِ يَتَردَّدون، نَعوذُ باللهِ من الحَيْرةِ والضَّلالةِ.
وأما قولُه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾.
سَقيمةٍ، فهم في الظُّلماتِ يَخْبِطون، وفي العَمْياءِ يَتَردَّدون، نَعوذُ باللهِ من الحَيْرةِ والضَّلالةِ.
وأما قولُه: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فإنه يقولُ: واللهُ تعالى ذكرُه المتيسِّرُ له من إدراكِ الأبصارِ، والمتأتِّي له مِن الإحاطةِ بها رؤيةُ ما يَعْسُرُ على الأبصارِ؛ مِن إدراكِها إياه، وإحاطتِها به، ويَتَعَذَّرُ عليها، ﴿الْخَبِيرُ﴾. يقولُ: العليمُ بخلقِه وأبصارِهم، والسببِ الذي له تعَذَّر عليها إدراكُه، فلطَف بقدرتِه، فهيَّأ
أبصارَ خلقِه هيئةً لا تُدْرِكُه، وخبَر بعلمِه كيف تدبيرُها وشئونُها، وما هو أصلحُ بخلقِه.
كالذي حدَّثنا هنادٌ، قال: ثنا وكيعٌ، وحدَّثنا ابنُ وكيعٍ، قال: ثنا أبي، عن أبي جعفرٍ الرازيُّ، عن الربيعِ بنِ أنسٍ، عن أبي العاليةِ في قولِه: ﴿[اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ]﴾. قال: اللطيفُ باستخراجِها، الخبيرُ بمكانِها.
﴿ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ (١٠٢) لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٠٣)﴾
يقول تعالى: (ذَلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ) أي: الذي خلق كل شيء ولا ولد له ولا صاحبة، (لا إِلَهَ إِلا هُوَ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ فَاعْبُدُوهُ) فاعبدوه وحده لا شريك له، وأقروا له بالوحدانية، وأنه لا إله إلا
هو، وأنه لا ولد له ولا والد، ولا صاحبة له ولا نظير ولا عديل (وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ) أي: حفيظ ورقيب يدبر كل ما سواه، ويرزقهم ويكلؤهم بالليل والنهار.
وقوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ) فيه أقوال للأئمة من السلف:
أحدها: لا تدركه في الدنيا، وإن كانت تراه في الآخرة كما تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب.
تواترت به الأخبار عن رسول الله ﷺ من غير ما طريق ثابت في الصحاح والمسانيد والسنن، كما قال مسروق عن عائشة أنها قالت: من زعم أن محمدا أبصر ربه فقد كذب. [وفي رواية: على الله] فإن الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)
رواه ابن أبي حاتم من حديث أبي بكر بن عَيَّاش، عن عاصم بن أبي النَّجُود، عن أبي الضحى، عن مسروق. ورواه غير واحد عن مسروق، وثبت في الصحيح وغيره عن عائشة غير وجه
وقد خالفها ابن عباس، فعنه إطلاق الرؤية، وعنه أنه رآه بفؤاده مرتين. والمسألة تذكر في أول "سورة النجم" إن شاء الله [تعالى]
وقال ابن أبي حاتم: ذكر محمد بن مسلم، حدثنا أحمد بن إبراهيم الدَّوْرَقِي، حدثنا يحيى بن مَعِين قال: سمعت إسماعيل بن عُليَّة يقول في قول الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) قال: هذا في الدنيا.
، حدثنا يحيى بن مَعِين قال: سمعت إسماعيل بن عُليَّة يقول في قول الله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) قال: هذا في الدنيا. قال: وذكر أبي، عن هشام بن عبيد الله أنه قال نحو ذلك.
وقال آخرون: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ) أي: جميعها، وهذا مخصص بما ثبت من رؤية المؤمنين له في الآخرة
وقال آخرون، من المعتزلة بمقتضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله.
ضى ما فهموه من الآية: إنه لا يرى في الدنيا ولا في الآخرة. فخالفوا أهل السنة والجماعة في ذلك، مع ما ارتكبوه من الجهل بما دل عليه كتاب الله وسنة رسوله. أما الكتاب، فقوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، وقال تعالى عن الكافرين: ﴿كَلا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ﴾ [المطففين: ١٥].
قال الإمام الشافعي: فدل هذا على أن المؤمنين لا يُحْجَبُون عنه ﵎.
وأما السنة، فقد تواترت الأخبار عن أبي سعيد، وأبي هريرة، وأنس، وجرير، وصُهَيْب، وبلال، وغير واحد من الصحابة عن النبي ﷺ: أن المؤمنين يرون الله في الدار الآخرة في العرصات، وفي روضات الجنات، جعلنا الله تعالى منهم بمنه وكرمه آمين.
وقيل: المراد بقوله: (لا تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك.
ُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ) أي: العقول. رواه ابن أبي حاتم عن علي بن الحسين، عن الفلاس، عن ابن مهدي، عن أبي الحصين يحيى بن الحصين قارئ أهل مكة أنه قال ذلك. وهذا غريب جدًا، وخلاف ظاهر الآية، وكأنه اعتقد أن الإدراك في معنى الرؤية، والله [﷾] أعلم.
وقال آخرون: لا منافاة بين إثبات الرؤية ونفي الإدراك، فإن الإدراك أخص من الرؤية، ولا يلزم من نفي الأخص انتفاء الأعم. ثم اختلف هؤلاء في الإدراك المنفي، ما هو؟ فقيل: معرفة الحقيقة، فإن هذا لا يعلمه إلا هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.
وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة.
هو وإن رآه المؤمنون، كما أن من رأى القمر فإنه لا يدرك حقيقته وكنهه وماهيته، فالعظيم أولى بذلك وله المثل الأعلى.
وقال آخرون: المراد بالإدراك الإحاطة. قالوا: ولا يلزم من عدم الإحاطة عدم الرؤية كما لا يلزم من عدم إحاطة العلم عدم العلم، قال الله تعالى: ﴿وَلا يُحِيطُونَ بِهِ عِلْمًا﴾ [طه: ١١٠]، وفي صحيح مسلم: "لا أحصي ثناء عليك أنت كما أثنيت على نفسك" ولا يلزم من هذا عدم الثناء، فكذلك هذا.
قال العَوْفي، عن ابن عباس في قوله تعالى: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) قال: لا يحيط بصر أحد بالملك.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو زُرْعة، حدثنا عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عِكْرِمة، أنه قيل له: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ)؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟
عمرو بن حماد بن طلحة القناد، حدثنا أسباط عن سماك، عن عِكْرِمة، أنه قيل له: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ)؟ قال: ألست ترى السماء؟ قال: بلى. قال: فكلها ترى؟.
وقال سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) هو أعظم من أن تدركه الأبصار.
وقال ابن جرير: حدثنا سعد بن عبد الله بن عبد الحكم، حدثنا خالد بن عبد الرحمن، حدثنا أبو عرفجة، عن عطية العوفي في قوله تعالى: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ * إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾ [القيامة: ٢٢، ٢٣]، قال: هم ينظرون إلى الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث.
الله، لا تحيط أبصارهم به من عظمته، وبصره محيط بهم. فذلك قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)
وقد ورد في تفسير هذه الآية حديث. رواه ابن أبي حاتم هاهنا، فقال:
حدثنا أبو زرعة، حدثنا مِنْجَاب بن الحارث السهمي حدثنا بشر بن عمارة، عن أبي روق، عن عطية العوفي، عن أبي سعيد الخدري، عن رسول الله ﷺ في قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) قال: "لو أن الجن والإنس والشياطين والملائكة منذ خلقوا إلى أن فَنُوا صُفّوا صفًا واحدًا،
ما أحاطوا بالله أبدا".
غريب لا يعرف إلا من هذا الوجه، ولم يروه أحد من أصحاب الكتب الستة والله أعلم.
وقال آخرون في [قوله تعالى] (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ) بما رواه الترمذي في جامعه، وابن أبي عاصم في كتاب "السنة" له، وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مَرْدُوَيه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عِكْرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎.
وابن أبي حاتم في تفسيره، وابن مَرْدُوَيه أيضا، والحاكم في مستدركه، من حديث الحكم بن أبان قال: سمعت عِكْرِمة يقول: سمعت ابن عباس يقول: رأى محمد ربه ﵎. فقلت: أليس الله يقول: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) الآية؟ فقال: لي "لا أم لك. ذلك نوره، الذي هو نوره، إذا تجلى بنوره لا يدركه شيء". وفي رواية: "لا يقوم له شيء".
قال الحاكم: صحيح على شرط الشيخين، ولم يخرجاه
وفي معنى هذا الأثر ما ثبت في الصحيحين، عن أبي موسى الأشعري، ﵁، قال: قال رسول الله ﷺ: "إن الله لا ينام، ولا ينبغي له أن ينام يخفض القسط ويرفعه، يرفع إليه عمل الليل قبل عمل النهار، وعمل النهار قبل عمل الليل، حجابه النور -أو: النار -لو كشفه لأحرقت سُبُحات وجهه ما انتهى إليه بصره من خلقه"
وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر.
انتهى إليه بصره من خلقه"
وفي الكتب المتقدمة: إن الله تعالى قال لموسى لما سأل الرؤية: يا موسى، إنه لا يراني حي إلا مات، ولا يابس إلا تدهده. أي: تدعثر. وقال تعالى: ﴿فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ﴾ [الأعراف: ١٤٣] ونفي هذا الأثر الإدراك الخاص لا ينفي الرؤية يوم القيامة يتجلى لعباده المؤمنين كما يشاء. فأما جلاله وعظمته على ما هو عليه -تعالى وتقدس وتنزه -فلا تدركه الأبصار؛ ولهذا كانت أم المؤمنين عائشة، ﵂، تثبت الرؤية في الدار الآخرة وتنفيها في الدنيا، وتحتج بهذه الآية: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء.
ْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) فالذي نفته الإدراك الذي هو بمعنى رؤية العظمة والجلال على ما هو عليه، فإن ذلك غير ممكن للبشر، ولا للملائكة ولا لشيء.
وقوله: (وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ) أي: يحيط بها ويعلمها على ما هي عليه؛ لأنه خلقها كما قال تعالى: ﴿أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الملك: ١٤].
وقد يكون عبر بالأبصار عن المبصرين، كما قال السُّدِّي في قوله: (لا تُدْرِكُهُ الأبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأبْصَارَ)
لا يراه شيء وهو يرى الخلائق.
وقال أبو العالية في قوله [تعالى] (وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ) اللطيف باستخراجها، الخبير بمكانها. والله أعلم.
وهذا كما قال تعالى إخبارا عن لقمان فيما وعظ به ابنه: ﴿يَا بُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾ [لقمان: ١٦].
قوله تعالى: ﴿لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ﴾ الآية. أشار في
مواضع أخر: إلى أن نفي الإدراك المذكور هنا لا يقتضي نفي مطلق الرؤية، كقوله: ﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (٢٢) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (٢٣)﴾ وقوله: ﴿لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ﴾ والحسنى الجنة، والزيادة النظر إلى وجهه الكريم، وقوله: ﴿كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (١٥)﴾ يفهم منه أن المؤمنين ليسوا محجوبين عنه، وهو كذلك.
•