Dan sungguh, pada hewan ternak itu benar-benar terdapat pelajaran bagi kamu. Kami memberimu minum dari apa yang ada dalam perutnya (berupa) susu murni antara kotoran dan darah, yang mudah ditelan bagi orang yang meminumnya
يهم. بغير ألفٍ.
وقرأ ذلك عامةُ قَرَأةِ أهلِ المدينةِ - سوى أبى جعفرٍ - ومِن أهلِ العراقِ عاصمٌ: (نَسقيكم). بفتح النونِ، من: سقاه اللهُ، فهو يَسْقِيه. والعربُ قد تُدْخِلُ الأَلفَ فيما كان من السقى غيرَ دائمٍ، وتَنْزِعُها فيما كان دائمًا، وإن كان أشهرُ الكلامَين عندَها ما قال الكِسائيُّ. يَدلُّ على ما قلنا من ذلك قولُ لَبِيدٍ في صفةِ سحابٍ:
سَقَى قَوْمِى بنى مَجْدٍ وأَسْقَى … نُميْرًا والقبائلَ من هِلالِ
فجمَع اللغتين كلتيهما في معنًى واحدٍ.
فإذ كان ذلك كذلك، فبأيةِ القراءتين قرأ القارئُ فمصيبٌ، غيَر أن أعجبَ القراءتين إليَّ قراءةُ ضمِّ النونِ؛ لِمَا ذكَرْتُ من أن أكثرَ الكلامَين عندَ العربِ فيما كان دائمًا من السقى: أسقى، بالألفِ، فهو يُسْقِى. و [أن ما] أسقى اللهُ عبادَه من بطونِ الأنعامِ، فدائمٌ لهم غيرُ منقطِعٍ عنهم.
وأما قولُه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.
ن السقى: أسقى، بالألفِ، فهو يُسْقِى. و [أن ما] أسقى اللهُ عبادَه من بطونِ الأنعامِ، فدائمٌ لهم غيرُ منقطِعٍ عنهم.
وأما قولُه: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. وقد ذكَر الأنعامَ قبلَ ذلك، وهى جمعٌ، والهاءُ في البطونِ مُوحدةٌ، فإن لأهل العربيةِ في ذلك أقوالًا؛ فكان بعضُ نحويِّي الكوفةِ يقولُ: النَّعَمُ والأنعامُ شيءٌ واحدٌ؛ لأنهما جميعًا جمعان، فردَّ الكلامَ في قولِه: ﴿مِمَّا فِي [بُطُونِهِ﴾ إلى] التذكيرِ، مرادًا به معنى النَّعَم، إذ كان يؤدِّى عن الأنعامِ. ويَستشهِدُ لقولِه ذلك برجزِ بعضِ الأعرابِ:
إذا رأيْتَ أَنْجُمًا مِنَ الأَسَدُ
جَبْهَتَهُ أَوِ الخَرَاتَ والكَتَدْ
بال سُهَيْلٌ فِي الفَضِيخُ فَفَسَدْ
وطابَ الْبَانُ اللِّقاحِ فَبَرَدْ
ويقولُ: رجَع بقولِه: فبَرد. إلى معنى اللبنِ؛ لأن اللبنَ والألبانَ يكونُ في معنَى واحدٍ.
وفي تذكيرِ النَّعَمِ قولُ الآخرِ:
أكُلَّ عامٍ نَعَمٌ تَحْوُونَهُ
يُلْقحُهُ قَوْمٌ وتَنْتِجُونَهُ
فذكَّر النَّعَمَ.
وكان غيُره منهم يقولُ: إنما قال: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾.
جاءت.
وكان بعضُ البصريين يقولُ: قيل: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾. لأن المعنى: نُسقيكم من أيِّ الأنعامِ كان في بطونِه اللبنُ. ويقولُ: "فيه اللبنُ" مضمَرٌ. يعنى: أنه يُسقى من أيِّها كان ذا لبنٍ؛ وذلك لأنه ليس لكُلِّها لبنٌ، وإنما يُسقى من ذواتِ اللبن.
والقولان الأوّلان أصحُّ مخرجًا على كلامِ العربِ من هذا القولِ الثالثِ.
وقولُه: ﴿مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا﴾. يقولُ: نُسقيكم لبنًا نُخرجُه لكم من بين فَرْثٍ ودمٍ ﴿خَالِصًا﴾. يقولُ: خلَص من مخالطةِ الدمِ والفَرْثِ فلم يختلِطا به، ﴿سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ﴾. يقولُ: يَسوعُ لمن شرِبه، فلا يَغُصُّ به كما يَغَصُّ الغاصُّ ببعضِ ما يأكلُه من الأطعمةِ. وقيل: إنه لم يَغَصَّ أحدٌ باللبنِ قَطُّ.
مْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ) وأفرد هاهنا [الضمير] عودًا على معنى النعم، أو الضمير عائد على الحيوان؛ فإن الأنعام حيوانات، أي نسقيكم مما في بطن هذا الحيوان.
وفي الآية الأخرى: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهَا﴾ [المؤمنون: ٢١]، ويجوز هذا وهذا، كما في قوله تعالى: ﴿كَلا إِنَّهُ تَذْكِرَةٌ * فَمَنْ شَاءَ ذَكَرَهُ﴾ [المدثر: ٥٤، ٥٥]، وفي قوله تعالى: ﴿وَإِنِّي مُرْسِلَةٌ إِلَيْهِمْ بِهَدِيَّةٍ فَنَاظِرَةٌ بِمَ يَرْجِعُ الْمُرْسَلُونَ * فَلَمَّا جَاءَ سُلَيْمَانَ﴾ [النمل: ٣٥، ٣٦] أي: المال.
وقوله: (مِنْ بَيْنِ فَرْثٍ وَدَمٍ لَبَنًا خَالِصًا) أي: يتخلص الدم بياضه وطعمه وحلاوته من بين فرث ودم في باطن الحيوان، فيسري كلٌ إلى موطنه، إذا نضج الغذاء في معدته تصرف منه دم إلى العروق، ولبن إلى الضرع وبول إلى المثانة، وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به.
وقوله: (لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) أي: لا يغص به أحد.
وروث إلى المخرج، وكل منها لا يشوب الآخر ولا يمازجه بعد انفصاله عنه، ولا يتغير به.
وقوله: (لَبَنًا خَالِصًا سَائِغًا لِلشَّارِبِينَ) أي: لا يغص به أحد.
ولما ذكر اللبن وأنه تعالى جعله شرابا للناس سائغا، ثَنَّى بذكر ما يتخذه الناس من الأشربة، من ثمرات النخيل والأعناب، وما كانوا يصنعون من النبيذ المسكر قبل تحريمه؛ ولهذا امتن به عليهم فقال: (وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا) دل على إباحته شرعا قبل تحريمه، ودل على التسوية بين السَّكَر المتخذ من العنب، والمتخذ من النخل كما هو مذهب مالك والشافعي وأحمد وجمهور العلماء، وكذا حُكْم سائر الأشربة المتخذة من الحنطة والشعير والذرة والعسل، كما جاءت السنة بتفصيل ذلك، وليس هذا موضع بسط ذلك، كما قال ابن عباس في قوله: (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) قال: السَّكَر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السَّكر حرامه، والرزق الحسن حلاله.
ي قوله: (سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا) قال: السَّكَر: ما حرم من ثمرتيهما، والرزق الحسن ما أحل من ثمرتيهما. وفي رواية: السَّكر حرامه، والرزق الحسن حلاله. يعني: ما يبس منهما من تمر وزبيب، وما عمل منهما من طلاء -وهو الدِّبس -وخل ونبيذ، حلال يشرب قبل أن يشتد، كما وردت السنة بذلك.
(إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) ناسب ذكر العقل هاهنا، فإنه أشرف ما في الإنسان؛ ولهذا حرم الله على هذه الأمة الأشربة المسكرة صيانة لعقولها؛ قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا فِيهَا جَنَّاتٍ مِنْ نَخِيلٍ وَأَعْنَابٍ وَفَجَّرْنَا فِيهَا مِنَ الْعُيُونِ * لِيَأْكُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ وَمَا عَمِلَتْهُ أَيْدِيهِمْ أَفَلا يَشْكُرُونَ * سُبْحَانَ الَّذِي خَلَقَ الأَزْوَاجَ كُلَّهَا مِمَّا تُنْبِتُ الأَرْضُ وَمِنْ أَنْفُسِهِمْ وَمِمَّا لا يَعْلَمُونَ﴾ [يس: ٣٤ - ٣٦].
َهُمْ فِيهَا مَنَافِعُ
وَمَشَارِبُ أَفَلَا يَشْكُرُونَ (٧٣)﴾ وقوله: ﴿أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (١٧)﴾ إلى غير ذلك من الآيات.
وقد دلت الآيات المذكورة على أن الأنعام يصح تذكيرها وتأنيثها؛ لأنه ذكرها هنا في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ وأنثها "في سورة قد أفلح المؤمنون" في قوله: ﴿نُسْقِيكُمْ مِمَّا فِي بُطُونِهَا وَلَكُمْ فِيهَا مَنَافِعُ كَثِيرَةٌ﴾ ومعلوم في العربية: أن أسماء الأجناس يجوز فيها التذكير نظرًا إلى اللفظ، والتأنيث نظرًا إلى معني الجماعة الداخلة تحت اسم الجنس. وقد جاء في القرآن تذكير الأنعام وتأنيثها كما ذكرناه آنفًا. وجاء فيه تذكير النخل وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ ونحو ذلك.
ل وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ مُنْقَعِرٍ (٢٠)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿كَأَنَّهُمْ أَعْجَازُ نَخْلٍ خَاوِيَةٍ (٧)﴾ ونحو ذلك. وجاء في القرآن تذكير السماء وتأنيثها؛ فالتذكير في قوله: ﴿السَّمَاءُ مُنْفَطِرٌ بِهِ كَانَ وَعْدُهُ مَفْعُولًا (١٨)﴾ والتأنيث في قوله: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ والآية، ونحو ذلك من الآيات. وهذا معروف في العربية، ومن شواهده قول قيس بن الحصين الحارثي الأسدي وهو صغير في تذكير النعم:
في كل عام نعم تحوونه ... يلقحه قوم وتنتجونه
وقرأ هذا الحرف نافع وابن عامر وشعبة عن عاصم ﴿نُسْقِيكُمْ﴾ بفتح النون. والباقون بضمها، كما تقدم بشواهده "في سورة الحجر".
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير
في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾: أن لبن الفحل يفيد التحريم.
جر".
مسائل تتعلق بهذه الآية الكريمة
المسألة الأولى: استنبط القاضي إسماعيل من تذكير الضمير
في قوله: ﴿مِمَّا فِي بُطُونِهِ﴾: أن لبن الفحل يفيد التحريم. وقال: إنما جيء به مذكرًا لأنه راجع إلى ذكر النعم؛ لأن اللبن للذكر محسوب، ولذلك قضي النبي ﷺ "أن لبن الفحل يحرم" حيث أنكرته عائشة في حديث أفلح أخي أبي القعيس، فللمرأة السقي، وللرجل اللقاح؛ فجري الاشتراك فيه بينهما اهـ. بواسطة نقل القرطبي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أما اعتبار لبن الفحل في التحريم فلا شك فيه، ويدل له الحديث المذكور في قصة عائشة مع أفلح أخي أبي القعيس؛ فإنه متفق عليه مشهور. وأما استنباط ذلك من عود الضمير في الآية فلا يخلو عندي من بعد وتعسف. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثانية: استنبط النقاش وغيره من هذه الآية الكريمة: أن المني ليس بنجس، قالوا: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغًا خالصًا، كذلك يجوز أن يخرج المني من مخرج البول طاهرًا.
قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع!
س، قالوا: كما يخرج اللبن من بين الفرث والدم سائغًا خالصًا، كذلك يجوز أن يخرج المني من مخرج البول طاهرًا.
قال ابن العربي: إن هذا لجهل عظيم، وأخذ شنيع! اللبن جاء الخبر عنه مجيء النعمة والمنة الصادرة عن القدرة، ليكون عبرة، فاقتضى ذلك كله وصف الخلوص واللذة. وليس المني من هذه الحالة حتى يكون ملحقًا به، أو مقيسًا عليه.
قال القرطبي بعد أن نقل الكلام المذكور: قلت: قد يعارض هذا بأن يقال: وأي منة أعظم وأرفع من خروج المني الذي يكون عنه الإنسان المكرم؟ وقد قال تعالى: ﴿يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ (٧)﴾ وقال: ﴿وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا وَجَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَنِينَ
وَحَفَدَةً﴾ وهذا غاية في الامتنان.
فإن قيل: إنه يتنجس بخروجه في مجري البول.
قلنا: هو ما أردناه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية الكريمة لا يخلو عندي من بعد.
اه. فالنجاسة عارضة وأصله طاهر اهـ محل الغرض من كلام القرطبي.
قال مقيده -عفا الله عنه-: وأخذ حكم طهارة المني من هذه الآية الكريمة لا يخلو عندي من بعد. وسنبين إن شاء الله حكم المني هل هو نجس أو طاهر، وأقوال العلماء في ذلك، مع مناقشة الأدلة.
اعلم أن في مني الإنسان ثلاثة أقوال للعلماء:
الأول: أنه طاهر، وأن حكمه حكم النخامة والمخاط، وهذا هو مذهب الشافعي، وأصح الروايتين عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة ﵃.
ن عن أحمد، وبه قال سعيد بن المسيب، وعطاء، وإسحاق بن راهويه، وأبو ثور، وداود، وابن المنذر، وحكاه العبدري وغيره عن سعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وعائشة ﵃. كما نقله النووي في (شرح المهذب) وغيره.
القول الثاني: أنه نجس، ولابد في طهارته من الماء سواء كان يابسًا أو رطبًا؛ وهذا هو مذهب مالك، والثوري، والأوزاعي.
القول الثالث: أنه نجس، ورطبه لابد له من الماء، ويابسه لا يحتاج إلى الماء بل يطهر بفركه من الثوب حتى يزول منه، وهذا هو مذهب أبي حنيفة.
واختار الشوكاني في "نيل الأوطار": أنه نجس، وأن إزالته لا تتوقف على الماء مطلقًا.
أما حجة من قال: إنه طاهر كالمخاط فهي بالنص والقياس معًا، ومعلوم في الأصول: أن القياس الموافق للنص لا مانع منه؛ لأنه دليل آخر عاضد للنص، ولا مانع من تعاضد الأدلة.
أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، ثم يذهب فيصلي فيه". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد.
أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ، ثم يذهب فيصلي فيه". أخرجه مسلم في صحيحه، وأصحاب السنن الأربعة، والإمام أحمد. قالوا: فركها له يابسًا، وصلاته في الثوب من غير ذكر غسل -دليل على الطهارة. وفي رواية عند أحمد: كان رسول الله ﷺ يسلت المني من ثوبه بعرف الإذخر ثم يصلي فيه، ويحته من ثوبه يابسًا ثم يصلي فيه. وفي رواية عن عائشة عند الدارقطني: "كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا". وعن إسحاق بن يوسف قال: حدثنا شريك عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب فقال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة".
قال صاحب (منتقي الأخبار) بعد أن ساق هذا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك.
قلت: وهذا لا يضر؛ لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.
ا الحديث كما ذكرنا: رواه الدارقطني وقال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق عن شريك.
قلت: وهذا لا يضر؛ لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين، فيقبل رفعه وزيادته.
قال مقيده -عفا الله عنه-: ما قاله الإمام المجد ﵀ في المنتقي من قبول رفع العدل وزيادته، هو الصحيح عند أهل الأصول وأهل الحديث كما بيناه مرارًا. إلى غير ذلك من الأحاديث في فرك المني وعدم الأمر بغسله.
وأما القياس العاضد للنص فهو من وجهين:
أحدهما: إلحاق المني بالبيض، بجامع أن كلًا منهما مائع يتخلق منه حيوان حي طاهر، والبيض طاهر إجماعًا، فيلزم كون المني طاهرًا أيضًا.
قال مقيده -عفا الله عنه-: هذا النوع من القياس هو المعروف بالقياس الصوري، وجمهور العلماء لا يقبلونه، ولم يشتهر بالقول به إلا إبراهيم بن علية كما أشار له في مراقي السعود بقوله:
وابن علية يري للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير
وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة، كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري.
ن علية يري للصوري ... كالقيس للخيل على الحمير
وصور القياس الصوري المختلف فيها كثيرة، كقياس الخيل على الحمير في سقوط الزكاة، وحرمة الأكل للشبه الصوري. وكقياس المني على البيض لتولد الحيوان الطاهر من كل منهما في طهارته، وكقياس أحد التشهدين على الآخر في الوجوب أو الندب لتشابههما في الصورة، وكقياس الجلسة الأولى على الثانية في الوجوب لتشبهها بها في الصورة، وكإلحاق الهرة الوحشية بالإنسية في التحريم، وكإلحاق خنزير البحر وكلبه بخنزير البر وكلبه، إلى غير ذلك من صوره الكثيرة المعروفة في الأصول.
واستدل من قال بالقياس الصوري: بأن النصوص دلت على
اعتبار المشابهة في الصورة في الأحكام؛ كقوله: ﴿فَجَزَاءٌ مِثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ﴾ والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور، وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف ﷺ بكرًا ورد رباعيًا كما هو ثابت في الصحيح.
ِنَ النَّعَمِ﴾ والمراد المشابهة في الصورة على قول الجمهور، وكبدل القرض فإنه يرد مثله في الصورة. وقد استسلف ﷺ بكرًا ورد رباعيًا كما هو ثابت في الصحيح. وكسروره ﷺ بقول القائف المدلجي في زيد بن حارثة وابنه أسامة: هذه الأقدام بعضها من بعض؛ لأن القيافة قياس صوري؛ لأن اعتماد القائف على المشابهة في الصورة.
الوجه الثاني من وجهي القياس المذكور: إلحاق المني بالطين، بجامع أن كلًا منهما مبتدأ خلق بشر، كما قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ مِنْ سُلَالَةٍ مِنْ طِينٍ (١٢) ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً﴾ الآية.
فإن قيل: هذا القياس يلزمه طهارة العلقة، وهي الدم الجامد؛ لأنها أيضًا مبتدأ خلق بشر، لقوله تعالى: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً﴾ والدم نجس بلا خلاف.
فالجواب: أن قياس الدم على الطين في الطهارة فاسد الاعتبار، لوجود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني.
وأما حجة من قال بأن المني نجس فهي بالنص والقياس أيضًا.
ود النص بنجاسة الدم. أما قياس المني على الطين فليس بفاسد الاعتبار لعدم ورود النص بنجاسة المني.
وأما حجة من قال بأن المني نجس فهي بالنص والقياس أيضًا. أما النص فهو ما ثبت عن عائشة ﵂ قالت: "كنت أغسل المني من ثوب رسول الله ﷺ، ثم يخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء". متفق عليه. قالوا: غسلها له دليل على أنه نجس. وفي رواية عند مسلم عن عائشة بلفظ: "أن رسول الله ﷺ كان يغسل المني ثم يخرج إلى الصلاة في ذلك الثوب وأنا
أنظر إلى أثر الغسل فيه".
قال مقيده -عفا الله عنه-: وهذه الرواية الثابتة في صحيح مسلم تقوي حجة من يقول بالنجاسة؛ لأن المقرر في الأصول، أن الفعل المضارع بعد لفظة "كان" يدل على المداومة على ذلك الفعل، فقول عائشة في رواية مسلم هذه: "إن رسول الله ﷺ كان يغسل" تدل على كثرة وقوع ذلك منه، ومداومته عليه، وذلك يشعر بتحتم الغسل، وفي رواية عن عائشة في صحيح مسلم أيضًا، أن رجلًا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني
ية عن عائشة في صحيح مسلم أيضًا، أن رجلًا نزل بها فأصبح يغسل ثوبه، فقالت عائشة: إنما كان يجزئك إن رأيته أن تغسل مكانه، فإن لم تر نضحت حوله، ولقد رأيتني أفركه من ثوب رسول الله ﷺ فركًا فيصلي فيه. اهـ.
قالوا: هذه الرواية الثابتة في الصحيح عن عائشة صرحت فيها بأنه إنما يجزئه غسل مكانه، وقد تقرر في الأصول (في مبحث دليل الخطاب) وفي المعاني (في مبحث القصر) أن "إنما" من أدوات الحصر؛ فعائشة صرحت بحصر الإجزاء في الغسل، فدل ذلك على أن الفرك لا يجزئ دون الغسل، إلى غير ذلك من الأحاديث الدالة على غسله.
وأما القياس: فقياسهم المني على البول والحيض، قالوا: ولأنه يخرج من مخرج البول، ولأن المذي جزء من المني؛ لأن الشهوة تحلل كل واحد منهما فاشتركا في النجاسة.
وأما حجة من قال: إنه نجس، وأن يابسه يطهر بالفرك ولا يحتاج إلى الغسل فهي ظواهر نصوص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدارقطني الذي قدمناه آنفًا،
"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا".
ص تدل على ذلك، ومن أوضحها في ذلك حديث عائشة عند الدارقطني الذي قدمناه آنفًا،
"كنت أفرك المني من ثوب رسول الله ﷺ إذا كان يابسًا، وأغسله إذا كان رطبًا".
وقال المجد في منتقي الأخبار بعد أن ساق هذه الرواية ما نصه: قلت: فقد بان من مجموع النصوص جواز الأمرين.
قال مقيده -عفا الله عنه-: إيضاح الاستدلال بهذا الحديث لهذا القول أن الحرص على إزالة المني بالكلية دليل على نجاسته، والاكتفاء بالفرك في يابسه يدل على أنه لا يحتاج إلى الماء. ولا غرابة في طهارة متنجس بغير الماء، فإن ما يصيب الخفاف والنعال من النجاسات المجمع على نجاستها يطهر بالدلك حتى تزول عينه. ومن هذا القبيل قول الشوكاني: إنه يطهر مطلقًا بالإزالة دون الغسل، لما جاء في بعض الروايات من سلت رطبه بإذخرة ونحوها.
ورد من قال: إن المني طاهر احتجاج القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس؛ لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب.
حتجاج القائلين بنجاسته، بأن الغسل لا يدل على نجاسة الشيء، فلا ملازمة بين الغسل والتنجيس؛ لجواز غسل الطاهرات كالتراب والطين ونحوه يصيب البدن أو الثوب. قالوا: ولم يثبت نقل بالأمر بغسله، ومطلق الفعل لا يدل على شيء زائد على الجواز.
قال ابن حجر في التلخيص: وقد ورد الأمر بفركه من طريق صحيحه، رواه ابن الجارود في المنتقي عن محسن بن يحيى، عن أبي حذيفة، عن سفيان، عن منصور، عن إبراهيم، عن همام بن الحارث، قال: كان عند عائشة ضيف فأجنب، فجعل يغسل ما أصابه، فقالت عائشة: كان رسول الله ﷺ يأمرنا بحته -
إلى أن قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له.
وأجابوا عن قول عائشة: "إنما يجزئك أن تغسل مكانه" لحمله على الاستحباب؛ لأنها احتجت بالفرك.
له ﷺ يأمرنا بحته -
إلى أن قال: وأما الأمر بغسله فلا أصل له.
وأجابوا عن قول عائشة: "إنما يجزئك أن تغسل مكانه" لحمله على الاستحباب؛ لأنها احتجت بالفرك. قالوا: فلو وجب الغسل لكان كلامها حجة عليها لا لها، وإنما أرادت الإنكار عليه في غسل كل الثوب فقالت: "غسل كل الثوب بدعة منكرة، وإنما يجزيك في تحصيل الأفضل والأكمل أن تغسل مكانه" إلخ.
وأجابوا عن قياس المني على البول والدم بأن المني أصل الآدمي المكرم فهو بالطين أشبه، بخلاف البول والدم.
وأجابوا عن خروجه من مخرج البول بالمنع، قالوا: بل مخرجهما مختلف، وقد شق ذكر رجل بالروم، فوجد كذلك، فلا ينجسه بالشك، قالوا: ولو ثبت أنه يخرج من مخرج البول لم يلزم منه النجاسة؛ لأن ملاقاة النجاسة في الباطن لا تؤثر، وإنما تؤثر ملاقاتها في الظاهر.
وأجابوا عن دعوي أن المذي جزء من المني بالمنع أيضًا قالوا: بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج؛ لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي فعكسه، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي.
بل هو مخالف له في الاسم والخلقة وكيفية الخروج؛ لأن النفس والذكر يفتران بخروج المني، وأما المذي فعكسه، ولهذا من به سلس المذي لا يخرج منه شيء من المذي.
وهذه المسألة فيها للعلماء مناقشات كثيرة، كثير منها لا طائل تحته. وهذا الذي ذكرنا فيها هو خلاصة أقوال العلماء وحججهم.
قال مقيده -عفا الله عنه-: أظهر الأقوال دليلًا في هذه المسألة عندي والله أعلم: أن المني طاهر؛ لما قدمنا من حديث
إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن، عن عطاء، عن ابن عباس: أن النبي ﷺ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق، وإنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو بإذخرة" وهذا نص في محل النزاع.
وقد قدمنا عن صاحب (المنتقى) أن الدارقطني قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، وأنه هو قال: قلت: وهذا لا يضر لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين؛ فيقبل رفعه وزيادته.
المنتقى) أن الدارقطني قال: لم يرفعه غير إسحاق الأزرق، عن شريك، وأنه هو قال: قلت: وهذا لا يضر لأن إسحاق إمام مخرج عنه في الصحيحين؛ فيقبل رفعه وزيادته. انتهى.
وقد قدمنا مرارًا أن هذا هو الحق؛ فلو جاء الحديث موقوفًا من طريق، وجاء مرفوعًا من طريق أخرى صحيحة حكم برفعه؛ لأن الرفع زيادة، وزيادات العدول مقبولة، قال في مراقي السعود:
والرفع والوصل وزيد اللفظ ... مقبولة عند إمام الحفظ ... إلخ
وبه تعلم صحة الاحتجاج برواية إسحاق المذكور المرفوعة، ولاسيما أن لها شاهدًا من طريق أخرى.
قال ابن حجر (في التلخيص) ما نصه: فائدة:
روي الدارقطني، والبيهقي من طريق إسحاق الأزرق، عن شريك، عن محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلي، عن عطاء، عن ابن عباس قال: سئل النبي ﷺ عن المني يصيب الثوب؟ قال: "إنما هو بمنزلة المخاط والبصاق - وقال: إنما يكفيك أن تمسحه بخرقة أو إذخرة" ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي من
طريق عطاء، عن ابن عباس موقوفًا.
حه بخرقة أو إذخرة" ورواه الطحاوي من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس مرفوعًا، ورواه هو والبيهقي من
طريق عطاء، عن ابن عباس موقوفًا. قال البيهقي: الموقوف هو الصحيح. انتهى.
فقد رأيت الطريق الأخرى المرفوعة من حديث حبيب بن أبي عمرة، عن سعيد، عن ابن عباس، وهي مقوية لطريق إسحاق الأزرق المتقدمة.
واعلم أن قول البيهقي ﵀: والموقوف هو الصحيح. لا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة؛ لأنه يري أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة.
قدمة.
واعلم أن قول البيهقي ﵀: والموقوف هو الصحيح. لا يسقط به الاحتجاج بالرواية المرفوعة؛ لأنه يري أن وقف الحديث من تلك الطريق علة في الطريق المرفوعة. وهذا قول معروف لبعض العلماء من أهل الحديث والأصول، ولكن الحق: أن الرفع زيادة مقبولة من العدل، وبه تعلم صحة الاحتجاج بالرواية المرفوعة عن ابن عباس في طهارة المني، وهي نص صريح في محل النزاع، ولم يثبت في نصوص الشرع شيء يصرح بنجاسة المني.
فإن قيل: أخرج البزار، وأبو يعلي الموصلي في مسنديهما، وابن عدي في الكامل، والدارقطني، والبيهقي، والعقيلي في الضعفاء، وأبو نعيم في المعرفة من حديث عمار بن ياسر ﵄: أن النبي ﷺ مر بعمار فذكر قصة، وفيها: "إنما تغسل ثوبك من الغائط والبول والمني والدم والقيء يا عمار. ما نخامتك ودموع عينيك والماء الذي في ركونك إلا سواء".
فالجواب: أن في إسناده ثابت بن حماد، عن على بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم -إلا أبا يعلي- بثابت ابن حماد، واتهمه بعضهم بالوضع.
وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه.
حماد، عن على بن زيد بن جدعان، وضعفه الجماعة المذكورون كلهم -إلا أبا يعلي- بثابت ابن حماد، واتهمه بعضهم بالوضع.
وقال اللالكائي: أجمعوا على ترك حديثه. وقال البزار: لا نعلم لثابت إلا هذا الحديث. وقال الطبراني: تفرد به ثابت بن حماد، ولا يروي عن عمار إلا بهذا الإسناد. وقال البيهقي: هذا حديث باطل، إنما رواه ثابت بن حماد وهو متهم بالوضع؛ قاله ابن حجر في (التلخيص).
ثم قال: قلت: ورواه البزار، والطبراني من طريق إبراهيم بن زكريا العجلي، عن حماد بن سلمة، عن على بن زيد، لكن إبراهيم ضعيف، وقد غلط فيه، إنما يرويه ثابت بن حماد. انتهى.
وبهذا تعلم أن هذا الحديث لا يصح الاحتجاج به على نجاسة المني. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثالثة: قال القرطبي: في هذه الآية دليل على جواز الانتفاع بالألبان من الشرب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذًا من وعاء نجس.
ب وغيره. فأما لبن الميتة فلا يجوز الانتفاع به؛ لأنه مائع طاهر حصل في وعاء نجس، وذلك أن ضرع الميتة نجس، واللبن طاهر، فإذا حلب صار مأخوذًا من وعاء نجس. فأما لبن المرأة الميتة فاختلف أصحابنا فيه، فمن قال: إن الإنسان طاهر حيًا وميتًا فهو طاهر، ومن قال: ينجس بالموت فهو نجس. وعلي القولين جميعًا تثبت الحرمة؛ لأن الصبي قد يتغذي به كما يتغذي من الحية. وذلك أن رسول الله ﷺ قال: "الرضاع ما أنبت اللحم وأنشز العظم"، ولم يخص - انتهى كلام القرطبي.
•