القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾.
قال أبو جعفرٍ: إن قال لنا قائلٌ: أوَ لم يكُنْ رسولُ اللهِ ﷺ يَعلَمُ أن اللهَ على كلِّ شيءٍ قديرٌ، وأن اللهَ له مُلكُ السماواتِ والأرضِ حتى قيل له ذلك؟
قيل: بَلَي، فقد كان بعضُهم يقولُ: إنما ذلك مِن اللهِ جل ثناؤه خبرٌ عن أن محمدًا ﷺ قد علِم ذلك، ولكنه أَخْرَجَ الكلامَ مُخْرَجَ التقريرِ، كما تفعَلُ مثلَه العربُ في خطابِ بعضِها بعضًا، فيقولُ أحدُهم لصاحبِه: ألم أُكْرِمْك، ألم أُفْضِلْ عليك. بمعنى إخبارِه أنه قد أكرَمَه وأَفضَل عليه. يُرِيدُ: أليس قد أكرمتُك، أليس قد أفْضلْتُ عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك.
قال: وهذا قولٌ لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾. إنما معناه: أمَا عَلِمتَ.
ك، أليس قد أفْضلْتُ عليك. بمعنى: قد علِمتَ ذلك.
قال: وهذا قولٌ لا وجهَ له عندنا، وذلك أن قولَه جل ثناؤه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ﴾. إنما معناه: أمَا عَلِمتَ. وهو حَرْفُ جَحْدٍ أُدخِلَ عليه حرفُ استفهامٍ، وحروفُ الاستفهامِ إنما تَدْخُلُ في الكلامِ؛ إمَّا بمعنى الاسْتِثْباتِ، وإمَّا بمعنى النفىِ، فأمَّا بمعنى الإثباتِ، فذلك غيرُ معروفٍ في كلامِ العربِ، ولا سيَّما إذا أُدخِلتْ على حروفِ الجحدِ، ولكنَّ ذلك عندي، وإن كان ظهَر ظُهورَ الخطابِ للنبيِّ ﷺ، فإنما هو مَعْنِيٌّ به أصحابُه الذين قال لهم اللهُ جل ثناؤه: ﴿لَا تَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انْظُرْنَا وَاسْمَعُوا﴾. والذى يَدُلُّ على أنَّ ذلك كذلك قولُه جل ثناؤه: ﴿وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلَا نَصِيرٍ﴾. فعاد بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ ﷺ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾.
بالخطابِ في آخرِ الآيةِ إلى جميعِهم، وقد ابتدأ أوَّلَها بخطابِ النبيِّ ﷺ بقولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾. لأنَّ المرادَ بذلك الذين وصَفتُ أمرَهم مِن أصحابِه، وذلك مِن كلامِ
العربِ مستفيضٌ بينهم فصيحٌ، أن يُخْرِجَ المتكلِّمُ منهم كلامَه على وجهِ الخطابِ منه لبعضِ الناسِ، وهو قاصدٌ به غيرَه، وعلى وجهِ الخطابِ لواحدٍ، وهو يَقْصِدُ به جماعةً غيرَه، أو جماعةٍ المخاطَبُ به أحدُهم، وعلى وجهِ الخطابِ للجماعةِ والمقصودُ به أحدُهم، مِن ذلك قولُ اللهِ جل ثناؤه: ﴿يَاأَيُّهَا النَّبِيُّ اتَّقِ اللهَ وَلَا تُطِعِ الْكَافِرِينَ وَالْمُنَافِقِينَ﴾ ثم قال: ﴿وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ إِنَّ اللهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا﴾ [الأحزاب: ١، ٢]. فرجَع إلى خطابِ الجماعةِ، وقد ابتدَأ الكلامَ بخطابِ النَّبِيِّ ﷺ.
ِّفينَ؛ لأنه معلومٌ أنه لا أحدَ يُوصَفُ [من المسلمين] بتعنيفِ مادحِ النَّبِيِّ ﷺ وتفضيلِه، ولا بإكثارِ الضِّجاجِ واللَّجَبِ في إطنابِ القِيلِ بفضلِه. وكما قال جَمِيلُ بنُ مَعْمَرٍ:
ألا إنَّ جِيرَانى العَشِيَّةَ رَائِحُ … دَعَتْهُم دَواعٍ مِن هَوًى ومَنادِحُ
فقال: ألا إن جيرانى العشيةَ. فابْتَدَأ الخبرَ عن جماعةِ جيرانِه، ثم قال: رائحُ؛ لأن قصْدَه في ابتدائِه ما ابْتَدَأ مِن كلامِه الخبرُ عن واحدٍ منهم دونَ جماعتِهم. وكما قال جَمِيلٌ أيضًا في كلمتِه الأُخرَى:
خَلِيليَّ فيما عِشْتُما هل رَأيْتُما … قَتِيلًا بَكَى من حُبِّ قاتِلِه قَبْلِى
وهو يُريدُ قاتلتَه؛ لأنه إنما يَصِفُ امرأةً، فكنَى بوصفِ الرجلِ عنها وهو يَعْنِيها.
فإنه عنَى بذلك مُلْكَ السلطانِ والمملكةِ دونَ المِلْكِ، والعربُ إذا أرادت الخبرَ عن المملكةِ التى هى مملكةُ سلطانٍ، قالت: ملَك اللهُ الخلقَ مُلْكًا. وإذا أرادت الخبرَ عن المِلْكِ قالت: ملَك فلانٌ هذا الشئَ، فهو يَمْلِكُه مِلْكًا ومَلَكَةً ومَلْكًا.
فتأويلُ الآيةِ إذن: ألم تعلَمْ يا محمدُ أن لى مُلكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما دونَ غيرِي، أحْكُمُ فيهما وفيما فيهما ما أشاءُ، وآمُرُ فيهما وفيما فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التى أحْكُمُ بها في عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ.
ا فيهما بما أشاءُ، وأنْهَى عمَّا أشاءُ، وأَنْسَخُ وأُبَدِّلُ وأغيِّرُ مِن أحكامى التى أحْكُمُ بها في عبادى ما أشاءُ إذا أشاءُ، وأُقِرُّ منها ما أشاءُ.
وهذا الخبرُ وإن كان مِن اللهِ ﷿ خطابًا لنبيه محمدٍ ﷺ على وجهِ الخبرِ عن عَظَمتِه، فإنه منه جل ثناؤه تكذيبٌ لليهودِ الذين أنْكَروا نسْخَ أحكامِ التوراةِ، وجحَدوا نبوَّةَ عيسى ومحمدٍ صلى الله عليهما، لمجيئِهما بما جاءا به مِن عندِ اللهِ بتغييرِ ما غيَّرَ اللهُ مِن أحكامِ التوراةِ، فأخبَرهم اللهُ أن له مُلْكَ السماواتِ والأرضِ وسلطانَهما، [وأنَّ] الخلقَ أهلُ مَمْلَكتِه وطاعتِه، عليهم السمعُ له والطاعةُ لأمرِه ونهيهِ، وأن له أمْرَهم بما شاءَ، ونهيَهم عمَّا شاءَ، وإقرارَ ما شاءَ، ونسْخَ ما شاءَ، وإنساءَ ما شاءَ مِن أحكامِه وأمْرِه ونهيهِ، ثم قال لنبيِّه ﷺ وللمؤمنين معه: انقادُوا لأمرِي، وانْتَهُوا إلى طاعتِى فيما أَنْسَخُ وفيما أتْرُكُ، فلا
دُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ
جهرةً، فسألت العربُ محمدًا ﷺ أن يأْتيَهم باللهِ فيَرَوْنَه جهرةً.
وقال آخَرون بما حدَّثنى به محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ فى قولِ اللهِ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً، فسأَلت قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفا ذهبًا، قال: "نعم، [وهو] لكم [كالمائدةِ لبَنِى] إسرائيلَ ". فأبَوْا ورجَعوا.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: "نَعَمْ، [وهو] لكم كالمَائِدةِ لبَنى إسرائيلَ إن كفَرْتُم".
ابنِ جُرَيْجٍ، عن مجاهدٍ، قال: سألتْ قريشٌ محمدًا ﷺ أن يَجْعَلَ لهم الصَّفَا ذهبًا، فقال: "نَعَمْ، [وهو] لكم كالمَائِدةِ لبَنى إسرائيلَ إن كفَرْتُم". فأبَوْا ورجَعوا، فأَنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾ أن يُرِيَهم اللهَ جهرةً.
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا أبو حُذَيْفَةَ، قال: ثنا شِبْلٌ، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
وقال آخَرون بما حدَّثنى به المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ،
عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ]، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟
ا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ،
عن أبيه، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ، قال: قال رجلٌ: [يا رسولَ اللهِ]، لو كانت كفَّاراتُنا كفَّاراتِ بنى إسرائيلَ؟ فقال النبىُّ ﷺ: "اللهمَّ لا نَبْغِيها، [اللهمَّ لا نبغيها]، ما أعطَاكم اللهُ خيرٌ ممَّا أعطَى بنى إسرائيلَ؛ كانت بنو إسرائيلَ إذا أصابَ أحدُهم الخَطيئةَ وجَدها مكتوبةً على بابِه وكفَّارتَها، فإن كفَّرها كانت له خِزْيًا فى الدنيا، وإن لم يُكَفِّرْها كانت له خِزيًا فى الآخرةِ، [وقد] أعْطاكم اللهُ خيرًا ممَّا أعْطى بنى إسرائيلَ، قال: ﴿وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللهَ يَجِدِ اللهَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾ " [النساء: ١١٠]. قال: وقال: "الصلواتُ الخمسُ، والجُمُعَةُ إلى الجُمُعَةِ، كَفَّاراتٌ لمَا بينَهنَّ". وقال: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ".
بينَهنَّ". وقال: "مَنْ هَمَّ بِحَسَنَةٍ فلم يَعْمَلْها كُتِبت له حسنةً، وإن عمِلها كُتِبت له عشْرَةَ أمثالِهَا، ولا يَهْلِكُ على اللهِ إلَّا هالكٌ". فأنْزَل اللهُ: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ أَنْ تَسْأَلُوا رَسُولَكُمْ كَمَا سُئِلَ مُوسَى مِنْ قَبْلُ﴾.
واخْتَلف أهلُ العربيةِ فى معنى "أمْ" التى فى قوله: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾.
فقال بعضُ البصريِّين: هى بمعنى الاستفهامِ، وتأويلُ الكلامِ: أتُرِيدون أن تسألوا رسولَكم؟
وقال آخَرُ منهم: هى بمعنى استفهامٍ مُسْتَقْبَلٍ مُنْقَطِعٍ مِن الكلامِ، كأنك تَمِيلُ بها إلى أوَّلِه، كقولِ العربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ نفسى.
قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم.
ربِ: إنها لإبلٌ -يا قومُ- أم شاءٌ، ولقد كان كذا وكذا أمْ حَدْسُ نفسى.
قال: وليس قولُه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ على الشكِّ، ولكنه قاله ليُقَبِّحَ له صنيعَهم. واسْتَشْهَد لقولِه ذلك ببيتِ الأَخْطَلِ:
كَذَبَتْكَ عَيْنُك أم رَأَيْتَ بوَاسِطٍ … غَلَسَ الظَّلامِ مِن الرَّبَابِ خَيَالَا
وقال بعضُ نحويِّى الكوفيِّين: إن شِئتَ جعَلتَ قولَه: ﴿أَمْ تُرِيدُون﴾ استفهامًا مُبتدأً على كلامٍ قد سبَقه، كما قال جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. فجاءت "أمْ" وليس قبلَها استفهامٌ.
(١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (٢) أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾ [السجدة: ١ - ٣]. فجاءت "أمْ" وليس قبلَها استفهامٌ. فكان ذلك عندَه دليلًا على أنها استفهامٌ مبتدَأٌ على كلامٍ قد سبَقه.
وقال قائلُ هذه المقالةِ: "أم" فى المعنى تكونُ ردًّا على الاستفهامِ على جهتين: إحداهما، أن تُفَرِّقَ معنى "أىّ"، والأُخْرَى، أن يُسْتَفْهَمَ بها، ويكونَ على جهةِ النَّسَقِ، والذى يُنْوَى به الابتداءُ، إلَّا أنه ابتداءٌ مُتَّصلٌ بكلامٍ، فلو ابتدأتَ كلامًا ليس قبلَه كلامٌ ثم استَفْهمتَ، لم يكنْ إلَّا بالألفِ أو بـ "هل".
قال: وإن شِئتَ قلتَ فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾: قبلَه استفهامٌ فرُدَّ عليه، وهو فى قولِه: ﴿أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾.
والصوابُ مِن القولِ فى ذلك عندى -على ما جاءتْ به الآثارُ التى ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟
لِ فى ذلك عندى -على ما جاءتْ به الآثارُ التى ذكَرْناها عن أهلِ التأويلِ- أنه استفهامٌ مُبْتدَأٌ بمعنى: أَتُرِيدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم؟ وإنما جاز أن يَسْتَفْهِمَ القومَ بـ "أم" -وإن كانت "أم" أحدُ شروطِها أن تكونَ نَسَقًا
فى الاستفهامِ- لتقدُّمِ ما تقدَّمَها مِن الكلامِ؛ لأنها تكونُ استفهامًا مُبتَدأً إذا تقدَّمَها سابقٌ مِن الكلامِ، ولم يُسْمَعْ مِن العربِ استفهامٌ بها ولمَّا يتقدَّمْها كلامٌ. [ونظيرُه] قولُه جل ثناؤه: ﴿الم (١) تَنْزِيلُ الْكِتَابِ لَا رَيْبَ فِيهِ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ﴾. وقد تكونُ "أم" بمعنى "بل" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه "أىّ"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟ [يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ].
بل" إذا سبَقها استفهامٌ لا تَصْلُحُ فيه "أىّ"، فيقولون: هل لك قِبَلَنا حقٌّ، أم أنت رجلٌ معروفٌ بالظلمِ؟ [يرادُ به: بل أنت رجلٌ مَعْروفٌ بالظُّلْمِ]. كما قال الشاعر:
فَوَاللهِ ما أَدْرِى أسَلْمَى [تَغَوَّلَتْ … أمِ النَّوْمُ] أمْ كُلٌّ إلىَّ حَبِيبُ
يَعنى: بل كلٌّ إلىَّ حبيبٌ.
وقد كان بعضُهم يقولُ -مُنْكِرًا قولَ مَن زعَم أن "أم" فى قولِه: ﴿أَمْ تُرِيدُونَ﴾ استِفهامٌ مُستقبَلٌ مُنقطِعٌ مِن الكلامِ، يَمِيلُ بها إلى أوَّلِه-: إن الأولَ خبرٌ، والثانىَ استفهامٌ، والاستفهامُ لا يكونُ فى الخبرِ، والخبرُ لا يكونُ فى الاستفهامِ، ولكن أدرَكه الشكُّ -بزَعمِه- بعدَ مُضِىِّ الخبرِ، فاسْتَفْهَمَ.
فإذ كان بمعنى "أم" ما وصَفْنا، فتأويلُ الكلامِ: أتُريدون أيُّها القومُ أن تَسْأَلوا رسولَكم مِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان
ِن الأشياءِ نظيرَ ما سأَل قومُ موسى موسى مِن قبلِكم، فتَكْفُروا إن مُنِعْتُموه، بمسألَتِكم ما لا يجوزُ فى حكمةِ اللهِ إعطاؤُكُموه، أو تَهْلِكوا إن كان
ممَّا يجوزُ فى حكمتِه إعطاؤُكُموه، فأعْطاكُموه، ثم كفَرتُم مِن بعدِ ذلك، كما هلَك مَن كان قبلَكم مِن الأممِ التى سألت أنبياءَها ما لم يكنْ لها مسألتُها إيَّاهم، فلمَّا أُعْطِيَتْ كفَرَت، فعُوجِلَت بالعقوباتِ لكفرِها بعدَ إعطاءِ اللهِ إيَّاها سُؤْلَها.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾.
يعنى جلَّ ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ﴾: ومَن يَسْتَبْدِلْ، ﴿الْكُفْرَ﴾، ويعنى بالكفرِ الجحودَ باللهِ وبآياتِه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به.
وقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ.
حودَ باللهِ وبآياتِه، ﴿بِالْإِيمَانِ﴾، يعنى بالتصديقِ باللهِ وبآياتِه والإقرارِ به.
وقد قيل: عَنى بالكفرِ فى هذا الموضعِ الشدَّةَ، وبالإيمانِ الرخاءَ.
ولا أعرِفُ الشدةَ فى معانى الكفرِ، ولا الرخاءَ فى معنى الإيمانِ، إلَّا أن يكونَ قائلُ ذلك أراد -بتأويلِه الكفرَ بمعنى الشدَّةِ فى هذا الموضعِ، وبتأويلِه الإيمانَ فى معنى الرخاءِ- ما أعَدَّ اللهُ للكفارِ فى الآخرةِ مِن الشدائدِ، وما أعَدَّ اللهُ لأهلِ الإيمانِ فيها مِن النعمِ، فيكونُ ذلك وجهًا وإن كان بعيدًا مِن المفهومِ بظاهرِ الخطابِ.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى المُثَنَّى، قال: ثنا إسحاقُ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، [عن الربيعِ]، عن أبى العاليةِ: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ﴾. يقولُ: يَتَبَدَّلِ
الشدَّةَ بالرخاءِ.
حدَّثنا القاسمُ، قال: حدَّثنا الحسينُ، قال: حدَّثنى حَجَّاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثلِه.
وفى قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾.
حَجَّاجٌ، عن أبى جعفرٍ، عن الربيعِ، عن أبى العاليةِ بمثلِه.
وفى قولِه: ﴿وَمَنْ يَتَبَدَّلِ الْكُفْرَ بِالْإِيمَانِ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. دليلٌ واضحٌ على صحةِ ما قلنا مِن أن هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾. خطابٌ مِن اللهِ المؤمنين به مِن أصحابِ رسولِ اللهِ ﷺ، وعتابٌ منه لهم على أمرٍ سلَف منهم، ممَّا سُرَّ به اليهودُ، وكرِهه رسولُ اللهِ ﷺ لهم، فكرِهه اللهُ لهم، فعاتَبهم على ذلك، وأعْلَمَهم أن اليهودَ أهلُ غِشٍّ لهم، وحسَدٍ وبَغْىٍ، وأنهم يتمنَّوْن لهم المكارِهَ، ويَبْغُونهم الغوائلَ، ونهاهم أن يَنْتَصِحوهم، وأخبرَهم أن مَن ارتدَّ منهم عن دينِه فاسْتَبْدَل بإيمانِه [باللهِ وبرسولِه] كُفرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾
أمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ.
فرًا، فقد أخْطَأ قصدَ السبيلِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (١٠٨)﴾
أمَّا قولُه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ﴾. فإنه يعنى به: ذهَب وجارَ. وأصلُ الضلالِ عن الشئِ: الذهابُ عنه والجورُ، ثم يُسْتَعْمَلُ فى الشئِ الهالكِ والشئِ الذى لا يُؤْبَهُ
له، كقولِهم للرجلِ الخاملِ الذى لا ذِكْرَ له ولا نباهةَ: ضُلُّ بنُ ضُلٍّ، وقُلُّ بن قُلٍّ. وكقولِ الأخطلِ فى الشئِ الهالكِ:
كُنْتَ القَذَى فى مَوْجِ أَكْدَرَ مُزْبِدٍ … قَذَفَ الأَتِىُّ بِهِ فَضَلَّ ضَلالا
يعنى: هلَك فذهَب.
والذى عنَى اللهُ تعالى ذكرُه بقولِه: ﴿فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾: فقد ذهَب عن سواءِ السبيلِ وجارَ عنه.
وأمَّا تأويلُ قولِه: ﴿سَوَاءَ السَّبِيلِ﴾. فإنه يعنى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ. وأصلُ السواءِ الوَسَطُ. ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى. يعنى: وَسَطى.
نى بالسواءِ القصدَ والمَنْهَجَ. وأصلُ السواءِ الوَسَطُ. ذُكِر عن عيسى بنِ عُمرَ النحوىِّ أنه قال: مازِلْتُ أكتُبُ حتى انْقَطعَ سَوَائى. يعنى: وَسَطى. وقال حسَّانُ بنُ ثابتٍ:
يا وَيْحَ أنْصَارِ النبىِّ ونَسْلِهِ … بَعْدَ المُغَيَّبِ فِى سَوَاءِ المُلْحَدِ
يعنى بالسواءِ: الوسَطَ. والعربُ تقولُ: فى سواءِ الليلِ. يعنى: فى مُسْتَوى الليْلِ. وسواءُ الأرضِ مستواها عندَهم.
وأمَّا "السبيل"، فإنها الطريقُ المسبولُ، صُرِف مِن مسبولٍ إلى سبيلٍ.
فتأويلُ الكلامِ إذن: ومَن يَسْتَبْدِلْ بالإيمانِ باللهِ وبرسولِه الكفرَ، فيَرْتَدَّ عن دينِه، فقد جار عن منهجِ الطريقِ ووسَطِه الواضحِ المسبولِ.
وهذا القولُ ظاهرُه الخبرُ عن زوالِ المُسْتبدِل بالإيمانِ الكفرَ عن الطريقِ، والمعنىُّ به الخبرُ عنه أنه قد ترَك دينَ اللهِ الذى ارْتَضَاه لعبادِه، وجعَله لهم طريقًا يَسْلُكونه إلى رضاه، وسبيلًا يَرْكَبونها إلى محبَّتِه والفوزِ بجِنانِه.
َّذِينَ أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ﴾.
القولُ فى تأويلِ قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾.
قال أبو جعفرٍ: وقد صَرَّح هذا القولُ مِن قولِ اللهِ جل ثناؤُه، بأن خطابَه بجميعِ هذه الآياتِ مِن قولِه: ﴿يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقُولُوا رَاعِنَا﴾ وإن صرَف فى بعضِه الكلامَ إلى خطابِ النبىِّ ﷺ، إنما هو خطابٌ منه للمؤمنين [من أصحابِه]، وعِتابٌ منه لهم، ونهىٌ عن انتصاحِ اليهودِ ونُظَرائِهم مِن أهلِ الشركِ، وقبولِ آرائِهم فى شيءٍ مِن أمورِ دينِهم، ودليلٌ على أنهم كانوا اسْتَعملوا، أو مَن اسْتَعمل منهم، فى [خطابِ ومسألةِ] رسولِ اللهِ ﷺ الجفاءَ، وما لم يكنْ له استعمالُه معَه، تأسِّيًا فى ذلك باليهودِ أو ببعضِهم، قال لهم ربُّهم ناهيًا لهم عن استعمالِ ذلك: لا تقولوا لنبيِّكم ﷺ كما تقولُ اليهودُ: راعِنا. تأسِّيًا منكم بهم، ولكنْ قولوا: انْظُرْنا واسْمَعوا.
سنُ بنُ يحيى، قال: أخبرَنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخبرَنا مَعْمَرٌ، عن الزُّهْرِىِّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾: هو كعُب بنُ الأشرفِ.
وحدَّثنا القاسِمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنا أبو سفيانَ المعْمَرىُّ، عن مَعْمَرٍ، عن الزُّهْرِىِّ وقتادةَ: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ قال: كعبُ بنُ الأَشْرفِ.
وقال بعضُهم بما حدَّثنا به ابنُ حُميدٍ، قال: ثنا سلَمةُ، قال: حدَّثنى ابنُ إسحاقَ، وحدَّثنا أبو كُريبٍ، قال: ثنا يونسُ بنُ بُكَيرٍ، قال: ثنا محمدُ بنُ إسحاقَ، قال: حدَّثنى محمدُ بنُ أبى محمدٍ مولى زيدِ بنِ ثابتٍ، قال: حدَّثنى سعيدُ بنُ جبيرٍ، أو عكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان حُيَىُّ بنُ أَخْطَبَ، وأبو ياسرِ ابنُ أَخْطَبَ، مِن أشدِّ يهودَ للعربِ حسدًا، إذْ خَصَّهم اللهُ برسولِه ﷺ، وكانا جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلامِ بما استطاعا، فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
رسولِه ﷺ، وكانا جاهدَيْن فى ردِّ الناسِ عن الإسلامِ بما استطاعا، فأنزَل اللهُ فيهما: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ﴾ الآية.
وليس لقولِ القائلِ: عَنَى بقولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ كعبَ بنَ الأشرفِ. معنًى مفهومٌ؛ لأن كعبَ بنَ الأشرفِ واحدٌ، وقد أخبرَ اللهُ جلّ ثناؤُه أن كثيرًا منهم يَوَدُّون لو يَرُدُّون المؤمنين كفارًا بعد إيمانِهم، والواحدُ لا يقالُ له: كثيرٌ. بمعنى الكثرةِ فى العددِ، إلا أن يكونَ قائلُ ذلك أرادَ توجيهَ الكثرةِ التى وصَف اللهُ بها مَن وصَفه بها فى هذه الآيةِ، الكثرةَ فى العزِّ ورفعةِ المنزلةِ فى قومِه وعشيرتِه، كما يقالُ: فلانٌ فى الناسِ كثيرٌ. يرادُ به كثرةُ المنزلةِ والقدْرِ. فإن كان أراد ذلك فقد أخطأَ؛ لأن اللهَ جل ثناؤُه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به الكثرةَ فى العددِ.
َ جل ثناؤُه قد وصَفَهم بصفةِ الجماعةِ، فقال: ﴿لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. فذلك دليلٌ على أنه عَنَى به الكثرةَ فى العددِ. أو يكونَ ظَنَّ أنه من الكلامِ الذى يَخْرُجُ مَخْرَجَ الخبرِ عن الجماعةِ، والمقصودُ بالحبرِ عنه الواحدُ، نظيرَ ما قلْنا آنفًا فى بيتِ جَميلٍ، فيكونُ ذلك أيضًا خطأً. وذلك أن الكلامَ إذا كان بذلك المعنى فلابدَّ من دَلالةٍ فيه تدلُّ على أن ذلك معناه، ولا دلالةَ تدلُّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ﴾ أن المرادَ به واحدٌ دونَ جماعةٍ كثيرةٍ، فيجوزَ صرفُ تأويلِ الآيةِ إلى ذلك، وإحالةُ دليلِ ظاهرِها إلى غيرِ الغالبِ فى الاستعمالِ.
القولُ فى تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾.
يعنى جلّ ذكرُه بقولِه: ﴿حَسَدًا﴾. أن كثيرًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم، من الرِّدَّةِ عن إيمانِهم إلى الكفرِ، حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم.
ًا من أهلِ الكتابِ يَوَدُّون للمؤمِنين ما أخبَر جل ثناؤُه عنهم أنهم يَوَدُّونه لهم، من الرِّدَّةِ عن إيمانِهم إلى الكفرِ، حسَدًا منهم وبَغْيًا عليهم. فالحسَد إذن منصوبٌ على غيرِ النعتِ للكفارِ، ولكن على
وجهِ المصدرِ الذى يأتى خارجًا من معنى الكلامِ الذى يخالفُ لفظُه لفظَ المصدرِ، كقولِ القائلِ لغيرِه: تمنَّيْتُ لك ما تمنَّيْتُ من السوءِ حسَدًا منى لك. فيكونُ الحسَدُ مصدرًا مِن معنى قولِه: تمنَّيْتُ [لك ما تمنَّيْتُ] من السوءِ. لأنَّ فى قولِه: تمنَّيْتُ لك ذلك. معنى: حَسَدْتُك على ذلك. فعلى هذا نَصْبُ الحسدِ؛ لأنَّ فى قولِه: ﴿وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا﴾. معنى: حسَدكم أهلُ الكتابِ على ما أعْطاكم اللهُ من التوفيقِ، ووَهَب لكم من الرَّشادِ لدينِه والإيمانِ [به وبرسولِه ﷺ]، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم رجلًا منكم، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم، فتكونوا لهم تبَعًا. فكان قولُه: ﴿حَسَدًا﴾.
[به وبرسولِه ﷺ]، وخَصَّكم بهِ من أن جعَل رسولَه إليكم رجلًا منكم، رَءُوفًا بكم رَحيمًا، ولم يجعَلْه منهم، فتكونوا لهم تبَعًا. فكان قولُه: ﴿حَسَدًا﴾. مصدرًا مِن ذلك المعنى.
وأما قولُه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾. فإنه يَعْنى بذلك: من قِبَلِ أنفسِهم. كما يقولُ القائلُ: لى عندك كذا وكذا. بمعنى: لى قِبَلَك.
وكما حدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبى جعفرٍ، [عن أبيه، عن الربيعِ] قولَه: ﴿مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ﴾: [من قِبَلِ أنفسِهم].
وإنما أخبرَ اللهُ جل ثناؤُه عنهم المؤمنين أنهم وَدُّوا ذلك للمؤمنين من عندِ أنفسِهم، إعلامًا منه لهم أنهم لم يُؤْمَروا بذلك فى كتابِهم، وأنهم يَأتُونَ ما يَأتُون من
ذلك على علمٍ منهم بنَهْىِ اللهِ إياهم عنه.
﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١٠٦) أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ (١٠٧)﴾
قال ابن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما نبدل من آية.
وقال ابن جُرَيج، عن مجاهد: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) أي: ما نمح من آية.
وقال ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) قال: نثبت خطها ونبدل حكمها. حَدَّث به عن أصحاب عبد الله بن مسعود.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن أبي العالية، ومحمد بن كعب القرظي، نحو ذلك.
وقال الضحاك: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما نُنْسِكَ. وقال عطاء: أما (مَا نَنْسَخْ) فما نترك من القرآن. قال ابن أبي حاتم: يعني: تُرِكَ فلم ينزل على محمد ﷺ.
وقال السدي: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) نسخها: قبضها.
عطاء: أما (مَا نَنْسَخْ) فما نترك من القرآن. قال ابن أبي حاتم: يعني: تُرِكَ فلم ينزل على محمد ﷺ.
وقال السدي: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) نسخها: قبضها. وقال ابن أبي حاتم: يعني: قبضها: رفعها، مثل قوله: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة. وقوله: "لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى لهما ثالثًا".
وقال ابن جرير: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) ما ينقل من حكم آية إلى غيره فنبدله ونغيره، وذلك أن يُحوَّل الحلالُ حرامًا والحرام حلالا والمباح محظورًا، والمحظور مباحًا. ولا يكون ذلك إلا في الأمر والنهي والحظر والإطلاق والمنع والإباحة. فأما الأخبار فلا يكون فيها ناسخ ولا منسوخ. وأصل النسخ من نسخ الكتاب، وهو نقله من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره،
إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة.
من نسخة أخرى إلى غيرها، فكذلك معنى نسخ الحكم إلى غيره،
إنما هو تحويله ونقل عبَادَة إلى غيرها. وسواء نسخ حكمها أو خطها، إذ هي في كلتا حالتيها منسوخة. وأما علماء الأصول فاختلفت عباراتهم في حد النسخ، والأمر في ذلك قريب؛ لأن معنى النسخ الشرعي معلوم عند العلماء ولخَّص بعضهم أنه رفع الحكم بدليل شرعي متأخر. فاندرج في ذلك نسخ الأخف بالأثقل، وعكسه، والنسخ لا إلى بدل. وأما تفاصيل أحكام النسخ وذكر أنواعه وشروطه فمبسوط في فَنِّ أصول الفقه.
وقال الطبراني: حدثنا أبو شبيل عبيد الله بن عبد الرحمن بن واقد، حدثنا أبي، حدثنا العباس بن الفضل، عن سليمان بن أرقم، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه، قال: قرأ رجلان سورة أقرأهما رسول الله ﷺ فكانا يقرآن بها، فقاما ذات ليلة يصليان، فلم يقدرا منها على حرف فأصبحا غاديين على رسول الله ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: "إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها". فكان الزهري يقرؤها: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) بضم النون خفيفة.
له ﷺ فذكرا ذلك له، فقال رسول الله ﷺ: "إنها مما نسخ وأنسي، فالهوا عنها". فكان الزهري يقرؤها: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) بضم النون خفيفة. سليمان بن أرقم ضعيف.
[وقد روى أبو بكر بن الأنباري، عن أبيه، عن نصر بن داود، عن أبي عبيد، عن عبد الله بن صالح، عن الليث، عن يونس وعبيد وعقيل، عن ابن شهاب، عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف مثله مرفوعًا، ذكره القرطبي].
وقوله تعالى: (أَوْ نُنْسِهَا) فقرئ على وجهين: "ننسأها ونُنْسها". فأما من قرأها: "نَنسأها" -بفتح النون والهمزة بعد السين-فمعناه: نؤخرها. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسأهَا) يقول: ما نبدل من آية، أو نتركها لا نبدلها.
وقال مجاهد عن أصحاب ابن مسعود: (أَوْ نَنسأَهَا) نثبت خطها ونبدل حكمها. وقال عبيد بن عمير، ومجاهد، وعطاء: (أَوْ نَنسَأهَا) نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: (أَوْ نَنسأهَا) نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [قال] الربيع بن أنس.
ومجاهد، وعطاء: (أَوْ نَنسَأهَا) نؤخرها ونرجئها. وقال عطية العوفي: (أَوْ نَنسأهَا) نؤخرها فلا ننسخها. وقال السدي مثله أيضا، وكذا [قال] الربيع بن أنس. وقال الضحاك: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسأهَا) يعني: الناسخ من المنسوخ. وقال أبو العالية: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسأهَا) أي: نؤخرها عندنا.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا عبيد الله بن إسماعيل البغدادي، حدثنا خلف، حدثنا الخفاف، عن إسماعيل -يعني ابن مسلم-عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال:
خطبنا عمر، ﵁، فقال: يقول الله ﷿: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسأهَا) أي: نؤخرها.
وأما على قراءة: (أَوْ نُنْسِهَا) فقال عبد الرزاق، عن قتادة في قوله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا) قال: كان الله تعالى ينسي نبيه ما يشاء وينسخ ما يشاء.
وقال ابن جرير: حدثنا سواد بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: (أَوْ نُنْسِهَا) قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن جرير: حدثنا سواد بن عبد الله، حدثنا خالد بن الحارث، حدثنا عوف، عن الحسن أنه قال في قوله: (أَوْ نُنْسِهَا) قال: إن نبيكم ﷺ أقرئ قرآنا ثم نسيه.
وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا ابن نُفَيل، حدثنا محمد بن الزبير الحراني، عن الحجاج -يعني الجزري -عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: كان مما ينزل على النبي ﷺ الوحي بالليل وينساه بالنهار، فأنزل الله، ﷿: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)
قال أبو حاتم: قال لي أبو جعفر بن نفيل: ليس هو الحجاج بن أرطاة، هو شيخ لنا جَزَري.
وقال عبيد بن عمير: (أَوْ نُنْسِهَا) نرفعها من عندكم.
وقال ابن جرير: حدثني يعقوب بن إبراهيم، حدثنا هُشَيْم، عن يعلى بن عطاء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: " ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا" قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيَّب يقرأ: "أَو تُنْسَها".
ء، عن القاسم بن ربيعة قال: سمعت سعد بن أبي وقاص يقرأ: " ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَو تَنْسَهَا" قال: قلت له: فإن سعيد بن المسيَّب يقرأ: "أَو تُنْسَها". قال: فقال سعد: إن القرآن لم ينزل على المسيب ولا على آل المسيب، قال الله، جل ثناؤه: ﴿سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسَى﴾ [الأعلى: ٦] ﴿وَاذْكُرْ رَبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾ [الكهف: ٢٤]..
وكذا رواه عبد الرزاق، عن هشيم وأخرجه الحاكم في مستدركه من حديث أبي حاتم الرازي، عن آدم، عن شعبة، عن يعلى بن عطاء، به. وقال: على شرط الشيخين، ولم يخرجاه.
قال ابن أبي حاتم: وروي عن محمد بن كعب، وقتادة وعكرمة، نحو قول سعيد.
وقال الإمام أحمد: أخبرنا يحيى، حدثنا سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أُبيُّ، وأبيّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء.
عيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: عليٌّ أقضانا، وأُبيٌّ أقرؤنا، وإنا لندع بعض ما يقول أُبيُّ، وأبيّ يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول، فلن أدعه لشيء. والله يقول: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نَنسَأها نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا).
قال البخاري: حدثنا عمرو بن علي، حدثنا يحيى، حدثنا سفيان، عن حبيب، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أُبيٌّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن
أبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ.
عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس، قال: قال عمر: أقرؤنا أُبيٌّ، وأقضانا علي، وإنا لندع من قول أبيّ، وذلك أن
أبيا يقول: لا أدع شيئًا سمعته من رسول الله ﷺ. وقد قال الله: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا)
وقوله: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) أي: في الحكم بالنسبة إلى مصلحة المكلفين، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا) يقول: خير لكم في المنفعة، وأرفق بكم.
وقال أبو العالية: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ) فلا نعمل بها، (أَوْ نَنسأهَا) أي: نرجئها عندنا، نأت بها أو نظيرها.
وقال السدي: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
نأت بخير من الذي نسخناه، أو مثل الذي تركناه.
وقال قتادة: (نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا) يقول: آية فيها تخفيف، فيها رخصة، فيها أمر، فيها نهي.
وقوله: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) يرشد تعالى بهذا إلى أنه المتصرف في خلقه بما يشاء، فله الخلق والأمر وهو المتصرف، فكما يخلقهم كما يشاء، ويسعد من يشاء، ويشقي من يشاء، ويصح من يشاء، ويمرض من يشاء، ويوفق من يشاء، ويخذل من يشاء، كذلك يحكم في عباده بما يشاء، فيحل ما يشاء، ويحرم ما يشاء، ويبيح ما يشاء، ويحظر ما يشاء، وهو الذي يحكم ما يريد لا معقب لحكمه. ولا يسأل عما يفعل وهم يسألون. ويختبر عباده وطاعتهم لرسله بالنسخ، فيأمر بالشيء لما فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا.
ا فيه من المصلحة التي يعلمها تعالى، ثم ينهى عنه لما يعلمه تعالى .. فالطاعة كل الطاعة في امتثال أمره واتباع رسله في تصديق ما أخبروا. وامتثال ما أمروا. وترك ما عنه زجروا. وفي هذا المقام رد عظيم وبيان بليغ لكفر اليهود وتزييف شبهتهم -لعنهم الله -في دعوى استحالة النسخ إما عقلا كما زعمه بعضهم جهلا وكفرا، ً وإما نقلا كما تخرصه آخرون منهم افتراء وإفكا.
قال الإمام أبو جعفر بن جرير، ﵀: فتأويل الآية: ألم تعلم يا محمد أن لي ملك السماوات والأرض وسلطانهما دون غيري، أحكم فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وآمر فيهما وفيما فيهما بما أشاء، وأنهى عما أشاء، وأنسخ وأبدل وأغير من أحكامي التي أحكم بها في عبادي ما أشاء إذا أشاء، وأقر فيهما ما أشاء.
ثم قال: وهذا الخبر وإن كان من الله تعالى خطابا لنبيه ﷺ على وجه الخبر عن عظمته، فإنه منه تكذيب لليهود الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة
والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة.
الذين أنكروا نَسْخَ أحكام التوراة، وجحدوا نبوة عيسى ومحمد، عليهما الصلاة
والسلام، لمجيئهما بما جاءا به من عند الله بتغير ما غير الله من حكم التوراة. فأخبرهم الله أن له ملك السماوات والأرض وسلطانهما، وأن الخلق أهل مملكته وطاعته وعليهم السمع والطاعة لأمره ونهيه، وأن له أمرهم بما يشاء، ونهيهم عما يشاء، ونسخ ما يشاء، وإقرار ما يشاء، وإنشاء ما يشاء من إقراره وأمره ونهيه.
[وأمر إبراهيم، ﵇، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل].
ره وأمره ونهيه.
[وأمر إبراهيم، ﵇، بذبح ولده، ثم نسخه قبل الفعل، وأمر جمهور بنى إسرائيل بقتل من عبد العجل منهم، ثم رفع عنهم القتل كيلا يستأصلهم القتل].
قلت: الذي يحمل اليهود على البحث في مسألة النسخ، إنما هو الكفر والعناد، فإنه ليس في العقل ما يدل على امتناع النسخ في أحكام الله تعالى؛ لأنه يحكم ما يشاء كما يفعل ما يريد، مع أنه قد وقع ذلك في كتبه المتقدمة وشرائعه الماضية، كما أحل لآدم تزويج بناته من بنيه، ثم حرم ذلك، وكما أباح لنوح بعد خروجه من السفينة أكل جميع الحيوانات، ثم نسخ حِلُّ بعضها، وكان نكاح الأختين مباح لإسرائيل وبنيه، وقد حرم ذلك في شريعة التوراة وما بعدها. وأشياء كثيرة يطول ذكرها، وهم يعترفون بذلك ويصدفون عنه. وما يجاب به عن هذه الأدلة بأجوبة لفظية، فلا تصرف الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، كما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، ﵇، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته.
الدلالة في المعنى، إذ هو المقصود، كما في كتبهم مشهورا من البشارة بمحمد ﷺ والأمر باتباعه، فإنه يفيد وجوب متابعته، ﵇، وأنه لا يقبل عمل إلا على شريعته. وسواء قيل إن الشرائع المتقدمة مُغَيَّاة إلى بعثته، ﵇، فلا يسمى ذلك نسخًا كقوله: ﴿ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إِلَى اللَّيْلِ﴾ [البقرة: ١٨٧]، وقيل: إنها مطلقة، وإن شريعة محمد ﷺ نسختها، فعلى كل تقدير فوجوب اتباعه معين لأنه جاء بكتاب هو آخر الكتب عهدا بالله ﵎.
ففي هذا المقام بين تعالى جواز النسخ، ردا على اليهود، عليهم لعائن الله، حيث قال تعالى: (أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ* أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأرْضِ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ وَلِيٍّ وَلا نَصِيرٍ) الآية، فكما أن له الملك بلا منازع، فكذلك له الحكم بما يشاء، ﴿أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقرئ في سورة آل عمران، التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ عند اليهود في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ
الْخَلْقُ وَالأَمْرُ﴾ [الأعراف: ٥٤] وقرئ في سورة آل عمران، التي نزل صدرها خطابًا مع أهل الكتاب، وقوع النسخ عند اليهود في قوله تعالى: ﴿كُلُّ الطَّعَامِ كَانَ حِلا لِبَنِي إِسْرَائِيلَ إِلا مَا حَرَّمَ إِسْرَائِيلُ عَلَى نَفْسِهِ﴾ الآية [آل عمران: ٩٣] كما سيأتي تفسيرها، والمسلمون كلهم متفقون على جواز النسخ في أحكام الله تعالى، لما له في ذلك من الحكم البالغة، وكلهم قال بوقوعه. وقال أبو مسلم الأصبهاني المفسر: لم يقع شيء من ذلك في القرآن، وقوله هذا ضعيف مردود مرذول. وقد تعسف في الأجوبة عما وقع من النسخ، فمن ذلك قضية العدة بأربعة أشهر وعشر بعد الحول لم يجب على ذلك بكلام مقبول، وقضية تحويل القبلة إلى الكعبة، عن بيت المقدس لم يجب
بشيء، ومن ذلك نسخ مصابرة المسلم لعشرة من الكفرة إلى مصابرة الاثنين، ومن ذلك نسخ وجوب الصدقة قبل مناجاة الرسول ﷺ وغير ذلك، والله أعلم.