Dan siapakah yang lebih zalim daripada orang yang melarang di dalam masjid-masjid Allah untuk menyebut nama-Nya, dan berusaha merobohkannya? Mereka itu tidak pantas memasukinya kecuali dengan rasa takut (kepada Allah). Mereka mendapat kehinaan di dunia dan di akhirat mendapat azab yang berat
ُه: ﴿أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. فإن فيه وَجْهين مِن التأويلِ: أحدُهما، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ مِن أن يُذكرَ فيها اسمُه. فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ نصبًا في قولِ بعضِ أهلِ العربيةِ بفَقْدِ الخافضِ، وتَعلُّقِ الفعلِ بها. [وفى قولِ بعضِهم خَفْضُها بمعنَى "مِن" وإن لم تكُنْ "مِن" ظاهرةً، إذْ كان في الكلامِ عليها دلالةٌ].
والوجهُ الآخرُ، أن يكونَ معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع أن يُذْكرَ اسمُ اللهِ في
مساجدِه. فتكونَ ﴿أَنْ﴾ حينئذٍ في موضعِ نصبٍ تكريرًا على موضعِ "المساجدِ" وردًّا عليه.
وأما قولُه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. فإن معناه: ومَن أظلمُ ممن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه، وممن سعَى في خرابِ مساجدِ اللهِ. فـ ﴿وَسَعَى﴾ إذن عطفٌ على ﴿مَنَعَ﴾.
فإن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾؟
ن قال لنا قائلٌ: ومَن الذين عَنَى اللهُ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾؟ وأيُّ المساجدِ هى؟
قيل: إن أهلَ التأويلِ في ذلك مُختلِفون؛ فقال بعضُهم: الذين مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكرَ فيها اسمُه هم النصارى، والمسجدُ بيتُ المقدسِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى محمدُ بنُ سعدٍ، قال: حدَّثنى أبى، قال: حدَّثنى عمِّى، قال: حدَّثنى أَبى، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾: فإنَّهم النصارى.
وحدَّثنى محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبى نَجيحٍ، عن مجاهدٍ في قولِ اللهِ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: النصارى، كانوا يَطْرَحون في بيتِ المقدسِ الأذَى، ويَمْنعون الناسَ أن يُصلُّوا فيه.
كَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ الآية: أولئك أعداءُ اللهِ النصارى، حملَهم بُغْضُ اليهودِ على أن أعانوا بُخْتَنَصَّرَ البابليَّ المجوسىَّ على تخريبِ بيتِ المقدسِ.
وحدَّثنا الحصنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: هو بُخْتُنَصَّرَ وأصحابُه، خرَّب بيتَ المقدسِ، وأعانَه على ذلك النصارى.
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾: فإن الرُّومَ كانوا ظاهروا بُخْتَنَصَّرَ على خرابِ بيتِ المقدسِ حتى خرَّبه، وأمَر به أن تُطْرَحَ فيه الجِيفُ، وإنما أعانَه الرومُ على خرابِه مِن أجلِ أن بنى إسرائيلَ قتَلوا يحيى بنَ
زَكَريا.
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ ﷿ بهذه الَايةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن المسجدِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
لَ قتَلوا يحيى بنَ
زَكَريا.
وقال آخرون: بل عَنَى اللهُ ﷿ بهذه الَايةِ مُشْرِكى قريشٍ، إذ مَنَعوا رسولَ اللهِ ﷺ مِن المسجدِ الحرامِ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثنى يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾. قال: هؤلاء المشركون حين حالُوا بينَ رسولِ اللهِ ﷺ يومَ الحُدَيبيةِ وبينَ أن يَدْخُلَ مكةَ، حتى نحَر هديَه بذِى طُوًى وهادَنَهم، وقال لهم: "ما كان أحدٌ يُرَدُّ عن هذا البيتِ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! " فقالوا: لا يَدْخلُ علينا مَن قتَل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ.
دٌ يُرَدُّ عن هذا البيتِ، وقد كان الرجلُ يَلْقَى قاتلَ أبيه أو أخيه فيه فما يصدُّه! " فقالوا: لا يَدْخلُ علينا مَن قتَل آباءَنا يومَ بدرٍ وفينا باقٍ. وفى قولِه: ﴿وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ قال: إذا قطَعوا مَن يَعمُرُها بذِكْرِه، ويَأْتِيها للحجِّ والعمرةِ.
وأوْلَى التأويلاتِ التى ذَكَرناها بتأويلِ الآيةِ قولُ مَن قال: عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ النصارى، وذلك أنهم هم الذين سعَوا في خرابِ بيتِ المقدسِ، وأعانوا بُخْتَنَصَّرَ على ذلك، ومنَعوا مُؤْمنى بنى إسرائيلَ مِن الصلاةِ فيه بعدَ مُنْصرَفِ بختِنصَّرَ عنهم إلى بلادِه.
والدليلُ على صحةِ ما قلنا في ذلك، قيامُ الحُجةِ بأن لا قولَ في معنى هذه الآيةِ إلا أحدُ الأقوالِ الثلاثةِ التى ذكرناها، وأن لا مسجدَ عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿فِي
خَرَابِهَا﴾ إلا أحَدُ المَسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ.
الِ الثلاثةِ التى ذكرناها، وأن لا مسجدَ عَنَى اللهُ ﷿ بقولِه: ﴿فِي
خَرَابِهَا﴾ إلا أحَدُ المَسجدَيْن، إما مَسْجدُ بيتِ المقدسِ، وإما المسجدُ الحرامُ. وإذ كان ذلك كذلك، وكان معلومًا أن مُشرِكى قريشٍ لم يَسْعَوا قَطُّ في تخريبِ المسجدِ الحرامِ، وإن كانوا قد منَعوا في بعضِ الأوقاتِ رسولَ اللهِ ﷺ وأصحابَه مِن الصلاةِ فيه، صحَّ وثبَت أن الذين وصفَهم اللهُ ﷿ بالسعىِ في خرابِ مساجدِه، غيرُ الذين وصفَهم اللهُ بعمارتِها، إذ كان مُشْرِكو قريشٍ هم بنَوا المسجدَ الحرامَ في الجاهليةِ، وبعِمارتِه كان افْتِخارُهم، وإن كان بعضُ أفعالِهم فيه كان منهم على غيرِ الوجهِ الذى يَرْضاه اللهُ منهم. وأُخرى أن الآيةَ التى قبلَ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾.
مِ قبلَها، فيُوجَّهَ الخبرُ بقولِ اللهِ ﷿: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. إليهم وإلى المسجدِ الحرامِ. وإذ كان ذلك كذلك، فالذى هو أوْلَى بالآيةِ أن يُوجَّهَ تأويلُها إليه، هو ما كان نَظيرَ قصةِ الآيةِ قبلَها والآيةِ بعدَها، إذ كان خبرُها لخبرِهما نظيرًا وشكلًا، إلا أن تقومَ حُجةٌ يجِبُ التسليمُ لها بخلافِ ذلك، وإن اتفَقت قصصُها فاشْتَبهت.
فإن ظنَّ ظانٌّ أن ما قلنا في ذلك ليس كذلك -إذ كان المسلمون لم يَلْزمْهم قَطُّ فرضُ الصلاةِ في [مسجدِ بَيْتِ] المقدسِ فَمُنِعوا مِن الصلاةِ فيه،
فيجوزَ توجيهُ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ- فقد أخطَأ فيما ظَنَّ مِن ذلك.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾. إلى أنه مَعْنىٌّ به مسجدُ بيتِ المقدسِ- فقد أخطَأ فيما ظَنَّ مِن ذلك. وذلك أن اللهَ تعالى ذِكْرُه إنما ظلَّمَ مَن منَع مَن كان فرضَه الصلاةُ في مسجدِ بيتِ المقدسِ مِن مؤمنى بنى إسرائيلَ، وإياهم قصَد بالخبرِ عنهم بالظلمِ، والسَّعْىِ في خرابِ المسجدِ، وإن كان قد دلَّ بعمومِ قولِه: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ﴾ أن كلَّ مانعٍ مصليًا في مسجدٍ للهِ، فرضًا كانت صلاتُه فيه أو تطوعًا، وكلَّ ساعٍ فى خرابِه، فهو مِن المُعْتدين الظالمين.
القولُ في تأويلِ قولِه جلَّ ثناؤُه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
وهذا خبرٌ مِن اللهِ جلَّ ثناؤُه عمَّن مَنَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، أنه قد حَرَّم عليهم دخولَ المساجدِ التى سَعَوا في تخريبِها، ومَنَعوا عبادَ اللهِ المؤمنين مِن ذكرِ اللهِ ﷿ فيها ما داموا على مُناصَبةِ الحربِ، إلا على خوفٍ ووَجَلٍ مِن العقوبةِ على دُخولِهموها.
كالذى حدَّثنا بشرُ بنُ معاذٍ، قال: ثنا يزيدُ بنُ زُريعٍ، قال: ثنا سعيدٌ، عن قتادةَ: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: وهم اليومَ كذلك، لا يُوجَدُ نَصرانىٌّ في بيتِ المقدسِ إلا نُهِك ضربًا، وأُبْلِغ إليه في العقوبةِ.
وحدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾.
ا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: قال اللهُ ﷿: ﴿مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. وهم
النَّصارَى، فلا يَدْخُلون المسجدَ إلا مُسارَقةً، إن قُدِرَ عليهم عُوقِبوا.
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾: فليس في الأرضِ رومىٌّ يَدْخُلُه اليومَ إلا وهو خائفٌ أن تُضْرَبَ عُنقُه، أو قد أُخِيفَ بأداءِ الجِزْيةِ فهو يُؤَدِّيها.
وحدَّثنى يونُسُ، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدِ في قولِه: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. قال: نادَى رسولُ اللهِ ﷺ: "ألَّا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ".
مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾. قال: نادَى رسولُ اللهِ ﷺ: "ألَّا يَحُجَّ بعدَ العامِ مُشْرِكٌ، ولا يَطُوفَ بالبيتِ عُرْيانٌ". قال: فجعَل المُشرِكون يقولون: اللهم إنا مُنِعْنا أن نُبِرَّك.
وإنما قِيلَ: ﴿أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلَّا خَائِفِينَ﴾ فأُخرِج على وجهِ الخبرِ عن الجميعِ وهو خبرٌ عمّن منَع مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه؛ لأن "مَن" في مَعْنَى الجمعِ وإن كان لفظُه واحدًا.
القولُ في تأويلِ قولِه جلّ ثناؤُه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾.
أما قولُه: ﴿لَهُمْ﴾. فإنه يَعْنى: للذين أخْبَر عنهم أنهم مَنَعوا مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه.
وأما قولُه: ﴿فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. فإنه يَعْنِى بالخزىِ الشرَّ والعارَ والذِّلةَ؛ إما القتلُ والسَّبيُ، وإما الذِّلةُ والصَّغارُ بأداءِ الجزيةِ.
كما حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعْمرٌ، عن قتادةَ: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾. قال: يُعْطُون الجِزيةَ عن يدٍ وهم صاغِرون.
وحدَّثنى موسى، قال: ثنا عمرٌو، قال: ثنا أسباطُ، عن السُّدِّىِّ قولَه: ﴿لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ﴾: أما خزيُهم في الدنيا، فإنهم إذا قام المَهْدىُّ وفُتِحَت القُسْطنطينيةُ قَتَلهم، فذلك الخزىُ.
[وأما قولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ.
هم في الدنيا، فإنهم إذا قام المَهْدىُّ وفُتِحَت القُسْطنطينيةُ قَتَلهم، فذلك الخزىُ.
[وأما قولُه: ﴿وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ﴾. فإن الآخرةَ صفةٌ للدارِ. وقد بيَّنَّا فيما مضَى قبلُ لِمَ قيلَ لها: آخرةٌ].
وأما العذابُ العظيمُ، فإنه عذابُ جهنمَ الذى لا يُخَفَّفُ عن أهلِه، ولا يُقْضَى عليهم فيه فيموتوا.
وتأويلُ الآيةِ: لهم في الدنيا الذلةُ والهوانُ، والقتلُ والسبيُ، على مَنْعِهم مساجدَ اللهِ أن يُذْكَرَ فيها اسمُه، وسَعْيِهم في خرابِها، ولهم على مَعْصِميتِهم وكفرِهم بربِّهم، وسعيِهم في الأرضِ فسادًا، عذابُ جهنمَ، وهو العذابُ العظيمُ.
﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ (١١٤)﴾
اختلف المفسرون في المراد من الذين منعوا مساجد الله وسَعَوا في خرابها على قولين:
أحدهما: ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قال: هم النصارى.
دهما: ما رواه العوفي في تفسيره، عن ابن عباس في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ) قال: هم النصارى. وقال مجاهد: هم النصارى، كانوا يطرحون في بيت المقدس الأذى، ويمنعون الناس أن يصلوا فيه.
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) هو بُخْتَنَصَّر وأصحابه، خَرَّب بيت المقدس، وأعانه على ذلك النصارى.
وقال سعيد، عن قتادة: قال: أولئك أعداء الله النصارى، حملهم بغض اليهود على أن أعانوا بختنصر البابلي المجوسي على تخريب بيت المقدس.
وقال السدي: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا.
: كانوا ظاهروا بختنصر على خراب بيت المقدس حتى خربه، وأمر به أن تطرح فيه الجيف، وإنما أعانه الروم على خرابه من أجل أن بني إسرائيل قتلوا يحيى بن زكريا. وروي نحوه عن الحسن البصري.
القول الثاني: ما رواه ابن جرير: حدثني يونس بن عبد الأعلى، حدثنا ابن وهب قال: قال ابن
زيد في قوله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) قال: هؤلاء المشركون الذين حالوا بين رسول الله ﷺ يوم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده.
وم الحديبية، وبين أن يدخلوا مكة حتى نحر هديه بذي طُوَى وهادنهم، وقال لهم: ما كان أحد يَصُد عن هذا البيت، وقد كان الرجل يلقى قاتل أبيه وأخيه فلا يصده. فقالوا: لا يدخل علينا مَنْ قتل آباءنا يوم بدر وفينا باق.
وفي قوله: (وَسَعَى فِي خَرَابِهَا) قال: إذ قطعوا من يَعْمُرُها بذكره ويأتيها للحج والعمرة.
وقال ابن أبي حاتم: ذكر عن سلمة قال: قال محمد بن إسحاق: حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: أن قُرَيشًا منعوا النبي ﷺ الصلاة عند الكعبة في المسجد الحرام، فأنزل الله: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)
ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة.
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ)
ثم اختار ابن جرير القول الأول، واحتج بأن قريشًا لم تسع في خراب الكعبة. وأما الروم فسعوا في تخريب بيت المقدس.
قلت: الذي يظهر -والله أعلم-القول الثاني، كما قاله ابن زيد، وروي عن ابن عباس؛ لأن النصارى إذا منعت اليهود الصلاة في البيت المقدس، كأن دينهم أقوم من دين اليهود، وكانوا أقرب منهم، ولم يكن ذكر الله من اليهود مقبولا إذ ذاك؛ لأنهم لعنوا من قبل على لسان داود وعيسى ابن مريم، ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون. وأيضا فإنه تعالى لما وجه الذم في حق اليهود والنصارى، شرع في ذم المشركين الذين أخرجوا الرسول ﷺ وأصحابه من مكة، ومنعوهم من الصلاة في المسجد الحرام، وأما اعتماده على أن قريشا لم تسع في خراب الكعبة، فأي خراب أعظم مما فعلوا؟
َقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ﴾ [التوبة: ١٨]، فإذا كان من هو كذلك مطرودًا منها مصدودًا عنها، فأي خراب لها أعظم من ذلك؟ وليس المراد من عمارتها زخرفتها وإقامة صورتها فقط، إنما عمارتها بذكر الله فيها وإقامة شرعه فيها، ورفعها عن الدنس والشرك.
وقوله تعالى: (أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ) هذا خبر معناه الطلب، أي لا تُمَكِّنوا هؤلاء -إذا قَدَرُتم عليهم-من دخولها إلا تحت الهدنة والجزية. ولهذا لما فتح رسولُ الله ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: "ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته".
له ﷺ مكة أمر من العام القابل في سنة تسع أن ينادى برحاب منى: "ألا لا يَحُجَّن بعد العام مشرك، ولا يطوفن بالبيت عُريان، ومن كان له أجل فأجله إلى مدته". وهذا كان تصديقًا وعملا بقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ الآية [التوبة: ٢٨]، وقال بعضهم: ما كان ينبغي لهم أن يدخلوا مساجد الله إلا خائفين على حال التهيب، وارتعاد الفرائص من المؤمنين أن يبطشوا بهم، فضلا أن يستولوا عليها ويمنعوا المؤمنين منها. والمعنى: ما كان الحق والواجب إلا ذلك، لولا ظلم الكفرة وغيرهم.
وقيل: إن هذا بشارة من الله للمسلمين أنه سيُظْهرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم.
هرهم على المسجد الحرام وعلى سائر المساجد، وأنه يذل المشركين لهم حتى لا يدخل المسجد الحرام أحد منهم إلا خائفا، يخاف أن يؤخذ فيعاقب أو يقتل إن لم يسلم. وقد أنجز الله هذا الوعد كما تقدم من منع المشركين من دخول المسجد الحرام، وأوصى رسول الله ﷺ أن لا يبقى بجزيرة العرب دينان، وأن تجلى اليهود والنصارى منها، ولله الحمد والمنة. وما ذاك إلا لتشريف أكناف المسجد الحرام وتطهير البقعة [المباركة] التي بعث [الله] فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله عليه. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل.
هير البقعة [المباركة] التي بعث [الله] فيها رسوله إلى الناس كافة بشيرًا ونذيرًا صلوات الله عليه. وهذا هو الخزي لهم في الدنيا؛ لأن الجزاء من جنس العمل. فكما صدوا المؤمنين عن المسجد الحرام، صُدوا عنه، وكما أجلوهم من مكة أجلوا منها (وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ) على ما انتهكوا من حرمة البيت، وامتهنوه من نصب الأصنام حوله، والدعاء إلى غير الله عنده والطواف به عريا، وغير ذلك من أفاعيلهم التي يكرهها الله ورسوله.
وأما من فَسَّر بيت المقدس، فقال كعب الأحبار: إن النصارى لما ظهروا على بيت المقدس خربوه فلما بعث الله محمدا ﷺ أنزل عليه: (وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا أُولَئِكَ مَا كَانَ لَهُمْ أَنْ يَدْخُلُوهَا إِلا خَائِفِينَ) الآية، فليس في الأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا.
وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يُضْرَب عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
لأرض نصراني يدخل بيت المقدس إلا خائفا.
وقال السدي: فليس في الأرض رومي يدخله اليوم إلا وهو خائف أن يُضْرَب عُنُقُه، أو قد أخيف بأداء الجزية فهو يؤديها.
وقال قتادة: لا يدخلون المساجد إلا مسارقة.
قلت: وهذا لا ينفي أن يكون داخلا في معنى عموم الآية فإن النصارى لما ظلموا بيت المقدس، بامتهان الصخرة التي كانت يصلي إليها اليهود، عوقبوا شرعًا وقَدَرا بالذلة فيه، إلا في أحيان من الدهر امتحن بهم بيت المقدس وكذلك اليهودُ لما عَصَوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا، بخروج المهدي عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود.
ا عَصَوا الله فيه أيضا أعظم من عصيان النصارى كانت عقوبتهم أعظم والله أعلم.
وفسر هؤلاء الخزي في الدنيا، بخروج المهدي عند السدي، وعكرمة، ووائل بن داود. وفسره قتادة بأداء الجزية عن يد وهم صاغرون.
والصحيح أن الخزي في الدنيا أعم من ذلك كله، وقد ورد الحديث بالاستعاذة من خزي الدنيا ومن عذاب الآخرة كما قال الإمام أحمد: حدثنا الهيثم بن خارجة، حدثنا محمد بن أيوب بن ميسرة بن حَلبس سمعت أبي يحدث، عن بُسْر بن أرطاة، قال: كان رسول الله ﷺ يدعو: "اللهم أحسن عاقبتنا في الأمور كلها، وأجرنا من خزي الدنيا وعذاب الآخرة".
وهذا حديث حسن، وليس في شيء من الكتب الستة، وليس لصحابيه وهو بسر بن أرطاة -ويقال: ابن أبي أرطاة-حديث سواه، وسوى [حديث] "لا تقطع الأيدي في الغزو".
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ مَنَعَ مَسَاجِدَ اللَّهِ أَنْ يُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ وَسَعَى فِي خَرَابِهَا﴾ الآية. قال بعض العلماء: نزلت في صد المشركين النبي ﷺ عن البيت الحرام في عمرة الحديبية عام ست. وعلى هذا القول: فالخراب معنوي، وهو خراب المساجد بمنع العبادة فيها. وهذا القول يبينه ويشهد له قوله تعالى: ﴿هُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوكُمْ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ﴾ الآية. وقال بعض العلماء: الخراب المذكور هو الخراب الحسي، والآية نزلت فيمن خرب بيت المقدس وهو: بختنصر أو غيره، وهذا القول يبينه ويشهد له قوله جل وعلا: ﴿فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ الْآخِرَةِ لِيَسُوءُوا وُجُوهَكُمْ وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيراً (٧)﴾.
•