Manusia itu (dahulunya) satu umat. Lalu Allah mengutus para nabi (untuk) menyampaikan kabar gembira dan peringatan. Dan diturunkan-Nya bersama mereka Kitab yang mengandung kebenaran, untuk memberi keputusan di antara manusia tentang perkara yang mereka perselisihkan. Dan yang berselisih hanyalah orang-orang yang telah diberi (Kitab), setelah bukti-bukti yang nyata sampai kepada mereka, karena kedengkian di antara mereka sendiri. Maka dengan kehendak-Nya, Allah memberi petunjuk kepada mereka yang beriman tentang kebenaran yang mereka perselisihkan. Allah memberi petunjuk kepada siapa yang Dia kehendaki ke jalan yang lurus
القولُ في تأويل قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾.
اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى الأمةِ في هذا الموضعِ، وفي الناسِ الذين وصَفهم
اللَّهُ بأنهم كانوا أمَّةً واحدةً؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلَفوا بعدَ ذلك.
ذكرُ مَن قال ذلك
حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، [عن قتادةَ]، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ، كلُّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين. قال: وكذلك هي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمةً واحدةً فاختَلفوا).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
واحدةً فاختَلفوا).
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. فكان أولَ نبيٍّ بُعِثَ نوحٌ.
فتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذي ذَكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّبْيانيُّ:
حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً … وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ
يعني ذا الدينِ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولِ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرين ومُنْذِرين.
وأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتمِعُ على دينٍ واحدٍ، ثم يُكْتفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨].
َى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]. يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. فوجَّه ابنُ عباسٍ في تَأويلِه قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا.
وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِه، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين في ولدِه. ووَجَّهوا معنى الأُمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. يعني بقولِه: ﴿أُمَّةً﴾: إمامًا في الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَّبعُ عليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
ليه.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ.
حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه.
حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ. قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرِين ومُنذرِين، [يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِيِّينَ مُبشِّرِين ومنذرِين]. قال مجاهدٌ: آدمُ أُمةٌ واحدةٌ.
وكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةَ الواحدِ باسمِ الجماعةِ، لاجْتماعِ خِلالِ الخيرِ التي تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] يَقومُ مَقامَ الأُمةِ.
ةِ، لاجْتماعِ خِلالِ الخيرِ التي تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] يَقومُ مَقامَ الأُمةِ. وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجْتماعِ الأشتاتِ مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (٣) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماعِ مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالِ اخْتِلافِهم، سمَّاه بذلك أُمةً.
وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان الناسُ أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيةَ آدمَ مِن صلبِه، فعرَضهم على آدمَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
بِه، فعرَضهم على آدمَ.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ
النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وعن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، ففَطَرهم اللَّهُ يومَئذٍ على الإسلامِ، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أُمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم ثم اخْتلَفوا مِن بعدِ آدمَ، فكان أُبيٌّ يقرَأُ: (كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلَفوا فبعَث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين) إلى (فيما اختلفوا فيه) وأنّ اللَّهَ إنما بعَث الرسلَ، وأنزَل الكتبَ عندَ الاختلافِ.
حدّثني يونُسُ، قالَ: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
َانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾. قال: هذا حين تَفرَّقتِ الأُممُ.
وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلِ مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ. وقد بيَّنا معناه هنالك، إلا أن الوقتَ الذي كان الناسُ فيه أُمةً واحدةً مُخالفٌ الوقتَ الذي وَقَّتَه ابنُ عباسٍ.
وقال آخرون بخلافِ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: [كان الناسُ أُمةً واحدةً على الكفرِ باللَّهِ]، فبَعث اللَّهُ النَّبِيين.
ذِكْرُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
ُ مَن قال ذلك
حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: [كانوا كفارًا]، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
وأوْلَى التأويلاتِ في هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ ﷿ أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾.
مةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ.
كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾. يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينِ آدمَ، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾.
وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبيُّ بنُ كعبٍ.
وكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (اخْتلَفوا [عنه): عن] الإسلامِ.
قال أبو جعفر: فاختلَفوا في دينِهم، فبعَث اللَّهُ عندَ اختلافِهم في دينِهم النَّبِيينَ مُبشرينَ ومُنذرين، وأنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلَفوا فيه، رحمةً منه جل ذِكْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم.
وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذي كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ].
كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ]. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عرَض على آدمَ خلقَه. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك في وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دَلالةَ من كتاب اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أيِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ.
ان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ. ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتِ ذلك، كما لا يَنفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةً، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فإن دليلَ القرآنِ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمةً واحدةً على الإيمانِ ودينِ الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قال في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "يُونسُ": ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. فتَوعَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونِهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ كان على الكفرِ، ثم كان الاختلافُ بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أوْلَى بحكمتِه جل ثناؤه في ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ؛ لأنها حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتوعَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ.
وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾.
عَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ.
وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾. فإنه يعني أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ.
ويعني بقولِه: ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ في النارِ، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يعني بذلك: ليَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتلَف المُختلِفون فيه. فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ، وأنه الذي يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِيين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِيين والمُرسلين بحُكمٍ، إنما يَحكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذي أنزَله اللَّهُ ﵎، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلَّ على صِحَّتِه من الحُكْمِ، حاكمًا بينَ الناسِ، وإن كان الذي يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به غيرَه.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: وما اخْتَلَف في الكتابِ الذي أنزَله وهو التوراةُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، يعني بذلك اليهودَ مِن بني إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾. عائدةٌ على الكتابِ الذي أنزلَه اللَّهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعني بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ
الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه.
ججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ
الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه. فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكمَ التوراةِ، واخْتلَفوا فيه على علمٍ منهم بخطإٍ ما يَأتُون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و حكمِ كتابِه.
ثم أخْبَر جل ثناؤُه أن تَعمُّدَهم الخطيئةَ التي أتَوها، ورُكوبَهم المعصيةَ التي رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينَهم.
والبغيُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًا. إذا طَغَى واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجُرحِ إذا [اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِي بَغْيًا]، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه.
َّم: بغَى يبغِي بَغْيًا]، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه. فمعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ في كتابي الذي أنزَلتُه مع نبيٍّ عن جهلٍ منهم به، بل كان اختلافُهم فيه وخلافُ حُكمِه مِن بعدِ ما ثَبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن
الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بني إسرائيلَ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
َّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؟ فقال بعضُهم: المستثنى مِن ذلك الذين أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له. غيرَ أنه زعَم أن معنى الكلامِ: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًا بينهم مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
وقد أنكَر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْديمِ البَغْيِ قبلَ ﴿مِنْ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إن كان الجالِبُ لها البَغْيَ، فخطأٌ أن يتقدَّمَه؛ لأن البغيَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه. وزعَم منكِرُ ذلك أن ﴿الَّذِينَ﴾ مُسْتَثْنًى،
وأن ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. مُسْتَثنًى، [وأن ﴿بَغْيًا﴾ مستثنًى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنًى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ]، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
تثناءِ الآخرِ]، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. فكأنه كرَّر الكلامَ توكيدًا.
وهذا القولُ الثاني أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدِ قيامِ الحجةِ عليهم ومجيءِ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ، وكذلك لم يختلِفوا إلا بغيًا. فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ.
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾.
يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾: فوفَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه. وكان اختِلافُهم الذي خذَلهم اللَّهُ فيه، وهدَى له الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ، فوفَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرضَتْ عليهم كالذي فُرضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال ﷺ: "نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا اليومُ الذي اخْتَلَفوا فيه، فهدانا اللَّهُ له، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ".
حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ]، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ
دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ.
بعدَ غدٍ".
حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ]، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ
دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ. فذكَر الحديثَ.
حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. قال: قال النبىُّ ﷺ: "نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذى هدانا اللهُ له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى".
وكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
ْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه. فهذا الذى قال اللهُ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾.
قَال: فكانت هدايةُ اللهِ جل ثناؤُه الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بني إسرائيلَ الذين أوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإِذنِه، أن وَفَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفين الذين وصَف اللهُ صِفتَهم في هذه الآيةِ إذ كانوا أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.
أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.
كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: فهداهم اللهُ عندَ الاختلافِ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ، أقاموا على الإخلاصِ لِلَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذى كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ،
وقومِ شعيبٍ، وآلِ فرعونَ، أن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم. وهى في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ).
َّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم. وهى في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ). فكان أبو العاليةِ يقولُ: في هذه الآيةِ المَخْرجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ.
حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يقولُ: اختَلف الكفارُ فيه، فهدَى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك. وهى في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فهدَى اللهُ الذين آمنوا لِما اختلَفوا [عنه): عنْ] الإسلامِ.
وأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه [بهم لِما] هداهم له.
وقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
نى الإذنِ إذا كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا.
وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى به: واللهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويمِ، على الحقِّ الذى لا اعوجاجَ
فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه.
وفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ في دينِهم أو دنياهم، فمِن اللهِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟
و دنياهم، فمِن اللهِ.
فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟ فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؟
قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهَبْتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مما اختلف فيه مِن كتابِ اللهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم، وثبَت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها، فهدَى اللهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرَّفوا الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ.
قال أبو جعفرٍ: فإن أشْكَل ما قُلْنا على ذى غَفْلةٍ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و ﴿مِنَ﴾ إنما هي في كتابِ اللهِ في ﴿الْحَقِّ﴾، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟
، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟
قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللهُ ﵎ إنما خاطَبهم بمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعر:
كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كما … كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ
وإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخرُ:
إنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى به العَينُ إذا ما تجْهَرُهْ
وإنما السِّراجُ الذى يَحْلَى بالعين، لا العينُ بالسراجِ.
وقد قال بعضُهم: إن معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلَفوا، فكفَر بعضُهم بكتابِ بعضٍ، وهي كلٌّ مِن عندِ اللهِ، فهدَى اللهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ للتصديقِ بجميعِها. وذلك قولٌ، غيرَ أن الأولَ أصحُّ القولين؛ لأن اللهَ إنما أخبَر باختلافِهم في كتابٍ واحدٍ.
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾
قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا هَمَّام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا).
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث بُنْدَار عن محمد بن بشار.
منذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا).
ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث بُنْدَار عن محمد بن بشار. ثم قال: صحيح ولم يخرجاه.
وكذا روى أبو جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ).
وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال: كانوا على الهدى جميعًا، "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين" فكان أول نَبي بعث نوحًا.
عن قتادة في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال: كانوا على الهدى جميعًا، "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين" فكان أول نَبي بعث نوحًا. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولا.
وقال العوفي، عن ابن عباس: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) يقول: كانوا كفارًا، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ)
والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم، ﵇، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض.
ولهذا قال: (وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)
َ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)
أي: من بعد ما قامت عليهم الحجج وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)
وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) قال: قال النبي ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى".
ثم رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى".
ثم رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.
لحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى، ﵇، فكذّبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك.
وقال الربيع بن أنس في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أنّ رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أنّ رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
وفي قراءة أبي بن كعب: (وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن.
وقوله: (بِإِذْنِهِ) أي: بعلمه، بما هداهم له. قاله ابن جرير: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: منْ
خلقه (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: وله الحكم والحجة البالغة. وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وفي الدعاء المأثور: اللهم، أرنا الحق حَقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفّقنا لاجتنابه، ولا تَجْعَلْه ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا.