Tanya Kitab
Daftar surahSurah Al-Baqarah › Ayat 213

QS 2:213

Surah Al-Baqarah (البقرة) ayat 213

2:213
كَانَ ٱلنَّاسُ أُمَّةٗ وَٰحِدَةٗ فَبَعَثَ ٱللَّهُ ٱلنَّبِيِّـۧنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ وَأَنزَلَ مَعَهُمُ ٱلۡكِتَٰبَ بِٱلۡحَقِّ لِيَحۡكُمَ بَيۡنَ ٱلنَّاسِ فِيمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِۚ وَمَا ٱخۡتَلَفَ فِيهِ إِلَّا ٱلَّذِينَ أُوتُوهُ مِنۢ بَعۡدِ مَا جَآءَتۡهُمُ ٱلۡبَيِّنَٰتُ بَغۡيَۢا بَيۡنَهُمۡۖ فَهَدَى ٱللَّهُ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ لِمَا ٱخۡتَلَفُواْ فِيهِ مِنَ ٱلۡحَقِّ بِإِذۡنِهِۦۗ وَٱللَّهُ يَهۡدِي مَن يَشَآءُ إِلَىٰ صِرَٰطٖ مُّسۡتَقِيمٍ
Manusia itu (dahulunya) satu umat. Lalu Allah mengutus para nabi (untuk) menyampaikan kabar gembira dan peringatan. Dan diturunkan-Nya bersama mereka Kitab yang mengandung kebenaran, untuk memberi keputusan di antara manusia tentang perkara yang mereka perselisihkan. Dan yang berselisih hanyalah orang-orang yang telah diberi (Kitab), setelah bukti-bukti yang nyata sampai kepada mereka, karena kedengkian di antara mereka sendiri. Maka dengan kehendak-Nya, Allah memberi petunjuk kepada mereka yang beriman tentang kebenaran yang mereka perselisihkan. Allah memberi petunjuk kepada siapa yang Dia kehendaki ke jalan yang lurus
Tanya tentang ayat ini
← Ayat 212Ayat 214 →

Tafsir dalam korpus (111 potongan)

QS 2:213 (jilid 3 hlm. 620) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 620 · #53664
القولُ في تأويل قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. اختلفَ أهلُ التأويلِ في معنى الأمةِ في هذا الموضعِ، وفي الناسِ الذين وصَفهم اللَّهُ بأنهم كانوا أمَّةً واحدةً؛ فقال بعضُهم: هم الذين كانوا بينَ آدمَ ونوحٍ، وهم عَشَرةُ قرونٍ، كلُّهم كانوا على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاختلَفوا بعدَ ذلك. ذكرُ مَن قال ذلك حدَّثنا محمدُ بنُ بشارٍ، قال: ثنا أبو داودَ، قال: ثنا همامٌ، [عن قتادةَ]، عن عِكرمةَ، عن ابنِ عباسٍ، قال: كان بينَ نوحٍ وآدمَ عشَرةُ قرونٍ، كلُّهم على شريعةٍ مِن الحقِّ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيينَ مُبَشِّرِين ومُنْذِرين. قال: وكذلك هي في قراءةِ عبدِ اللَّهِ: (كان الناسُ أُمةً واحدةً فاختَلفوا). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 621) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 621 · #53665
واحدةً فاختَلفوا). حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخْبَرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبَرنا مَعمرٌ، عن قتادةَ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: كانوا على الهُدَى جميعًا، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. فكان أولَ نبيٍّ بُعِثَ نوحٌ. فتأويلُ الأُمةِ على هذا القولِ الذي ذَكرناه عن ابنِ عباسٍ، الدِّينُ، كما قال النابغةُ الذُّبْيانيُّ: حَلَفْتُ فَلَمْ أتْرُكْ لِنَفْسِكَ رِيبَةً … وَهَلْ يَأْثَمَنْ ذُو أُمَّةٍ وَهْوَ طائِعُ يعني ذا الدينِ. فكان تأويلُ الآيةِ على معنى قولِ هؤلاء: كان الناسُ أُمَّةً واحدةً مُجْتمِعةً على مِلةٍ واحدةٍ ودينٍ واحدٍ، فاخْتَلَفوا، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرين ومُنْذِرين. وأصلُ الأُمَّةِ الجماعةُ تَجْتمِعُ على دينٍ واحدٍ، ثم يُكْتفَى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨].
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 622) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 622 · #53666
َى بالخبرِ عن الأمةِ مِن الخبرِ عن الدينِ؛ لدَلالتِها عليه، كما قال جلَّ ثناؤُه: ﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ [المائدة: ٤٨]. يُرادُ به أهلُ دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. فوجَّه ابنُ عباسٍ في تَأويلِه قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾ إلى أن الناسَ كانوا أهلَ دينٍ واحدٍ حتى اختلَفوا. وقال آخرون: بل تأويلُ ذلك: كان آدمُ على الحقِّ إمامًا لذُرِّيتِه، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين في ولدِه. ووَجَّهوا معنى الأُمةِ إلى الطاعةِ للَّهِ والدُّعاءِ إلى توحيدِه واتباعِ أمرِه، من قولِ اللَّهِ ﷿: ﴿إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا﴾ [النحل: ١٢٠]. يعني بقولِه: ﴿أُمَّةً﴾: إمامًا في الخيرِ يُقْتدَى به، ويُتَّبعُ عليه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 622) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 622 · #53667
ليه. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ عمرٍو، قال: ثنا أبو عاصمٍ، قال: ثنا عيسى، عن ابنِ أبي نجيحٍ، عن مجاهدٍ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ. حدَّثنا أحمدُ بنُ إسحاقَ، قال: ثنا أبو أحمدَ، قال: ثنا سفيانُ، عن ابنِ جُرَيجٍ، عن مجاهدٍ مثلَه. حدَّثنا القاسمُ، قال: ثنا الحسينُ، قال: ثنى حَجاجٌ، عن ابنِ جريجٍ، عن مجاهدٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: آدمُ. قال: كان بينَ آدمَ ونوحٍ عشَرةُ أنبياءَ، فبعَث اللَّهُ النَّبِيين مُبشِّرِين ومُنذرِين، [يقالُ: فنشَر من آدمَ الناسَ، فبعَث فيهم النَّبِيِّينَ مُبشِّرِين ومنذرِين]. قال مجاهدٌ: آدمُ أُمةٌ واحدةٌ. وكأن مَن قال هذا القولَ اسْتَجاز تَسْمِيةَ الواحدِ باسمِ الجماعةِ، لاجْتماعِ خِلالِ الخيرِ التي تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] يَقومُ مَقامَ الأُمةِ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 623 · #53668
ةِ، لاجْتماعِ خِلالِ الخيرِ التي تكونُ في الجماعةِ المتفرقةِ في من سمَّاه بالأُمَّةِ. كما يقالُ: فلانٌ أمةٌ [وحدَه. بمعنى أنه] يَقومُ مَقامَ الأُمةِ. وقد يَجوزُ أن يكونَ سمَّاه بذلك؛ لأنه سَببٌ لاجْتماعِ الأشتاتِ مِن الناسِ على ما دعاهم إليه من خِلالِ (٣) الخيرِ، فلما كان آدمُ صلى اللَّهُ عليه سببًا لاجتماعِ مَن اجْتَمع على دينِه مِن ولدِه إلى حالِ اخْتِلافِهم، سمَّاه بذلك أُمةً. وقال آخرون: بل معنى ذلك: كان الناسُ أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ، يومَ اسْتخرجَ ذُرِّيةَ آدمَ مِن صلبِه، فعرَضهم على آدمَ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 623) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 623 · #53669
بِه، فعرَضهم على آدمَ. ذِكْرُ مَن قال ذلك حُدِّثْتُ عن عمارٍ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. وعن أبيه، عن الربيعِ، عن أبي العاليةِ، عن أبيِّ بنِ كعبٍ، قال: كانوا أمةً واحدةً، حيثُ عُرِضُوا على آدمَ، ففَطَرهم اللَّهُ يومَئذٍ على الإسلامِ، وأقرُّوا له بالعُبودةِ، وكانوا أُمةً واحدةً مُسْلمِين كلَّهم ثم اخْتلَفوا مِن بعدِ آدمَ، فكان أُبيٌّ يقرَأُ: (كان الناسُ أمةً واحدةً فاختلَفوا فبعَث اللَّهُ النبيين مبشرين ومنذرين) إلى (فيما اختلفوا فيه) وأنّ اللَّهَ إنما بعَث الرسلَ، وأنزَل الكتبَ عندَ الاختلافِ. حدّثني يونُسُ، قالَ: أخبرَنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 624) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 624 · #53670
َانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. قال: حينَ أخْرَجهم مِن ظهرِ آدمَ، لم يكونوا أُمَّةً واحدةً قَطُّ غيرَ ذلك اليومِ، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ﴾. قال: هذا حين تَفرَّقتِ الأُممُ. وتأويلُ الآيةِ على هذا القولِ نظيرُ تأويلِ مَن قال بقولِ ابنِ عباسٍ، أن الناسَ كانوا على دينٍ واحدٍ فيما بينَ آدمَ ونوحٍ. وقد بيَّنا معناه هنالك، إلا أن الوقتَ الذي كان الناسُ فيه أُمةً واحدةً مُخالفٌ الوقتَ الذي وَقَّتَه ابنُ عباسٍ. وقال آخرون بخلافِ ذلك كلِّه، وقالوا: إنما معنى قولِه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾: [كان الناسُ أُمةً واحدةً على الكفرِ باللَّهِ]، فبَعث اللَّهُ النَّبِيين. ذِكْرُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 625) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 625 · #53671
ُ مَن قال ذلك حدَّثني محمدُ بنُ سعدٍ، قال: ثنى أبِي، قال: ثنى عمِّي، قال: ثنى أبِي، عن أبيه، عن ابنِ عباسٍ قولَه: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً﴾. يقولُ: [كانوا كفارًا]، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. وأوْلَى التأويلاتِ في هذه الآيةِ بالصوابِ أن يُقالَ: إن اللَّهَ ﷿ أخْبرَ عبادَه أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 625) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 625 · #53672
مةً واحدةً على دينٍ واحدٍ وملةٍ واحدةٍ. كما حدَّثني موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً﴾. يقولُ: دينًا واحدًا؛ على دينِ آدمَ، فاخْتَلفوا، ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ﴾. وكان الدينُ الذي كانوا عليه دينَ الحقِّ، كما قال أُبيُّ بنُ كعبٍ. وكما حدَّثنا موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السديِّ، قال: هي في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (اخْتلَفوا [عنه): عن] الإسلامِ. قال أبو جعفر: فاختلَفوا في دينِهم، فبعَث اللَّهُ عندَ اختلافِهم في دينِهم النَّبِيينَ مُبشرينَ ومُنذرين، وأنزَل معهم الكتابَ ليحكُمَ بينَ الناسِ فيما اختلَفوا فيه، رحمةً منه جل ذِكْرُه بخلقِه واعتذارًا منه إليهم. وقد يجوزُ أن يكونَ ذلك الوقتُ الذي كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ].
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 626) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 626 · #53673
كانوا فيه أمةً واحدةً، مِن عهدِ آدمَ إلى عهدِ نوحٍ ﵉، كما روَى عِكرمةُ، عن ابنِ عباسٍ، وكما قاله قتادةُ. [وجائزٌ أن يكونَ عنَى اللَّهُ بالأمةِ آدمَ]. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك حينَ عرَض على آدمَ خلقَه. وجائزٌ أن يكونَ كان ذلك في وقتٍ غيرِ ذلك، ولا دَلالةَ من كتاب اللَّهِ ولا خبرَ تَثْبُتُ به الحجةُ على أيِّ هذه الأوقاتِ كان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 626) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 626 · #53674
ان ذلك. فغيرُ جائزٍ أن نقولَ فيه إلا ما قال اللَّهُ ﷿ فيه مِن أن الناسَ كانوا أُمةً واحدةً، فبعَث اللَّهُ فيهم - لمَّا اخْتلَفوا - الأنبياءَ والرسلَ. ولا يَضرُّنا الجهلُ بوقتِ ذلك، كما لا يَنفعُنا العلمُ به؛ إذ لم يَكُنِ العلمُ به للَّهِ طاعةً، غيرَ أنه أيُّ ذلك كان، فإن دليلَ القرآنِ واضحٌ على أن الذين أخْبَر اللَّهُ عنهم أنهم كانوا أُمةً واحدةً، إنما كانوا أُمةً واحدةً على الإيمانِ ودينِ الحقِّ دونَ الكفرِ باللَّهِ والشركِ به، وذلك أن اللَّهَ - جلّ وعزّ - قال في السورةِ التي يُذْكَرُ فيها "يُونسُ": ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩].
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 626) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 626 · #53675
النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ فِيمَا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ﴾ [يونس: ١٩]. فتَوعَّد جل ذكرُه على الاختلافِ لا على الاجتماعِ، ولا على كونِهم أمةً واحدةً، ولو كان اجتماعُهم قبلَ الاختلافِ كان على الكفرِ، ثم كان الاختلافُ بعدَ ذلك، لم يَكُنْ إلا بانتقالِ بعضِهم إلى الإيمانِ، ولو كان ذلك كذلك، لكان الوَعدُ أوْلَى بحكمتِه جل ثناؤه في ذلك الحالِ مِن الوَعيدِ؛ لأنها حالُ إنابةِ بعضِهم إلى طاعتِه، ومُحالٌ أن يَتوعَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ. وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 626) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 626 · #53676
عَّدَ في حالِ التوبةِ والإنابةِ، ويَتركَ ذلك في حالِ اجتماعِ الجميعِ على الكفرِ والشِّركِ. وأما قولُه: ﴿فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ﴾. فإنه يعني أنه أرسَل رسلًا يُبشِّرون مَن أطاع اللَّهَ بجزيلِ الثوابِ وكريمِ المآبِ. ويعني بقولِه: ﴿وَمُنْذِرِينَ﴾: ينذرون مَن عصَى اللَّهَ فكفَر به بشدةِ العقابِ، وسوءِ الحسابِ، والخُلودِ في النارِ، ﴿وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يعني بذلك: ليَحْكُمَ الكتابُ وهو التوراةُ بينَ الناسِ فيما اخْتلَف المُختلِفون فيه. فأضاف جل ثناؤُه الحُكْمَ إلى الكتابِ، وأنه الذي يَحكُمُ بينَ الناسِ دونَ النَّبِيين والمُرسلين، إذ كان مَن حكَم مِن النَّبِيين والمُرسلين بحُكمٍ، إنما يَحكُمُ بما دلَّهم عليه الكتابُ الذي أنزَله اللَّهُ ﵎، فكان الكتابُ بدَلالتهِ على ما دلَّ على صِحَّتِه من الحُكْمِ، حاكمًا بينَ الناسِ، وإن كان الذي يَفْصِلُ القضاءَ بينَهم به غيرَه.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 627) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 627 · #53677
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ﴾: وما اخْتَلَف في الكتابِ الذي أنزَله وهو التوراةُ، ﴿إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾، يعني بذلك اليهودَ مِن بني إسرائيلَ، وهم الذين أوتوا التوراةَ والعلمَ بها. والهاءُ في قولِه: ﴿فِيهِ﴾. عائدةٌ على الكتابِ الذي أنزلَه اللَّهُ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. يعني بذلك: مِن بعدِ ما جاءتهم حججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 627) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 627 · #53678
ججُ اللَّهِ وأدلتُه أن الكتابَ الذي اخْتلَفوا فيه وفي أحكامِه مِن عندِ اللَّهِ، وأنه الحقُّ الذي لا يَسَعُهم الاختلافُ فيه، ولا العملُ بخلافِ ما فيه. فأخبر تعالى ذِكْرُه عن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ أنهم خالَفوا حكمَ التوراةِ، واخْتلَفوا فيه على علمٍ منهم بخطإٍ ما يَأتُون، مُتَعمدِين الخلافَ على اللَّهِ فيما خالَفوه فيه مِن أمرِه و حكمِ كتابِه. ثم أخْبَر جل ثناؤُه أن تَعمُّدَهم الخطيئةَ التي أتَوها، ورُكوبَهم المعصيةَ التي رَكِبُوها مِن خِلافِهم أمرَه، إنما كان منهم بغيًا بينَهم. والبغيُ مصدرٌ مِن قولِ القائلِ: بَغَى فلانٌ على فلانٍ بغيًا. إذا طَغَى واعتدَى عليه فجاوز حدَّه، ومِن ذلك قيلَ للجُرحِ إذا [اشتدَّ وتورَّم: بغَى يبغِي بَغْيًا]، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 628) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 628 · #53679
َّم: بغَى يبغِي بَغْيًا]، وللبحرِ إذا كَثُرَ ماؤُه ففاضَ، وللسحابِ إذا وقَع بأرضٍ فأخْصَبت: بغَى. كلُّ ذلك بمعنًى واحدٍ، وهي زيادتُه وتجاوُزُه حدَّه. فمعنَى قولِه جل ثناؤُه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. مِن ذلك، يقولُ: لم يَكُنِ اختلافُ هؤلاءِ المُختلِفين مِن اليهودِ مِن بني إسرائيلَ في كتابي الذي أنزَلتُه مع نبيٍّ عن جهلٍ منهم به، بل كان اختلافُهم فيه وخلافُ حُكمِه مِن بعدِ ما ثَبَت حجتُه عليهم بغيًا بينهم، طَلَبَ الرياسةِ مِن بعضِهم على بعضٍ، واستذلالًا مِن بعضِهم لبعضٍ. كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا ابنُ أبي جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ، قال: ثم رجَع إلى بني إسرائيلَ في قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 629) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 629 · #53680
ا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ﴾. يقولُ: إلا الذين أوتوا الكتابَ والعلمَ، ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾. يقولُ: بغيًا على الدنيا، وطَلَبَ مُلْكِها وزُخْرفِها وزينتِها، أيُّهم يكونُ له الملكُ والمَهابةُ في الناسِ، فبغَى بعضُهم على بعضٍ، [وضرَب] بعضُهم رقابَ بعضٍ. ثم اخْتلَف أهلُ العربيةِ في ﴿مِنْ﴾ التي في قولِه: ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ ما حكمُها ومعناها؟ وما المعنى [المستثْنى من] قولِه: ﴿وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؟ فقال بعضُهم: المستثنى مِن ذلك الذين أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 629) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 629 · #53681
َّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ﴾؟ فقال بعضُهم: المستثنى مِن ذلك الذين أوتوا الكتابَ، وما بعدَه صلةٌ له. غيرَ أنه زعَم أن معنى الكلامِ: وما اخْتَلف فيه إلا الذين أُوتوه بغيًا بينهم مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. وقد أنكَر ذلك بعضُهم فقال: لا مَعْنَى لما قال هذا القائلُ، ولا لتَقْديمِ البَغْيِ قبلَ ﴿مِنْ﴾؛ لأن ﴿مِنْ﴾ إن كان الجالِبُ لها البَغْيَ، فخطأٌ أن يتقدَّمَه؛ لأن البغيَ مَصْدرٌ، ولا تَتقدَّمُ صلةُ المَصدرِ عليه. وزعَم منكِرُ ذلك أن ﴿الَّذِينَ﴾ مُسْتَثْنًى، وأن ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾. مُسْتَثنًى، [وأن ﴿بَغْيًا﴾ مستثنًى، وأن كلَّ حرفٍ من ذلك مستثنًى باستثناءٍ غيرِ الاستثناءِ الآخرِ]، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 630) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 630 · #53682
تثناءِ الآخرِ]، وأن تأويلَ الكلامِ: وما اخْتَلَف فيه إلَّا الذين أُوتُوه، ما اخْتلَفوا فيه إلا بغيًا، ما اختلفوا فيه إلا مِن بعدِ ما جاءتهم البيناتُ. فكأنه كرَّر الكلامَ توكيدًا. وهذا القولُ الثاني أشبهُ بتأويلِ الآيةِ؛ لأن القومَ لم يَخْتلِفوا إلا مِن بعدِ قيامِ الحجةِ عليهم ومجيءِ البيناتِ مِن عندِ اللَّهِ، وكذلك لم يختلِفوا إلا بغيًا. فذلك أشْبَهُ بتأويلِ الآيةِ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 630) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 630 · #53683
القولُ في تأويلِ قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾. يعني جل ثناؤُه بقولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ﴾: فوفَّق اللَّهُ الذين آمنُوا - وهم أهلُ الإيمانِ باللَّهِ وبرسولِه محمدٍ ﷺ المُصدِّقين به وبما جاء به أنه مِن عندِ اللَّهِ - لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه. وكان اختِلافُهم الذي خذَلهم اللَّهُ فيه، وهدَى له الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ، فوفَّقهم لإصابتهِ، الجُمُعةَ؛ ضَلُّوا عنها وقد فُرضَتْ عليهم كالذي فُرضَ علينا، فجعَلوها السبتَ، فقال ﷺ: "نحن الآخِرُون السَّابِقون، بَيْدَ أنَّهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتِيناه مِن بعدِهم، وهذا اليومُ الذي اخْتَلَفوا فيه، فهدانا اللَّهُ له، فلليهودِ غدًا، وللنصارَى بعدَ غدٍ". حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ]، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 630) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 630 · #53684
بعدَ غدٍ". حدَّثنا بذلك [ابنُ حُميدٍ]، قال: ثنا سلمةُ، عن ابنِ إسحاقَ، عن عياضِ بنِ دينارٍ الليثىِّ، قال: سمِعتُ أبا هريرةَ يقولُ: قال أبو القاسمِ ﷺ. فذكَر الحديثَ. حدَّثنا الحسنُ بنُ يحيى، قال: أخبرنا عبدُ الرزاقِ، قال: أخْبرَنا مَعْمرٌ، عن الأعْمَشِ، عن أبى صالحٍ، عن أبى هريرةَ: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. قال: قال النبىُّ ﷺ: "نحن الآخِرون الأوَّلون يومَ القيامةِ، نحن أولُ الناسِ دُخولًا الجنةَ، بَيْدَ أنهم أُوتُوا الكتابَ مِن قبلِنا، وأُوتيناه مِن بعدِهم، فهدانا اللهُ لما اخْتَلَفوا فيه مِن الحقِّ بإذنِه، فهذا اليومُ الذى هدانا اللهُ له، والناسُ لنا فيه تَبَعٌ، غدًا لليهودِ، وبعدَ غدٍ للنصارى". وكان مما اخْتلَفوا فيه أيضًا ما قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 631) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 631 · #53685
ا قاله ابنُ زيدٍ، وهو ما حدَّثنى به يونسُ بنُ عبدِ الأعلى، قال: أخْبَرنا ابنُ وهبٍ، قال: قال ابنُ زيدٍ في قولِه: ﴿فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا﴾. للإسلامِ، واختلفوا في الصلاةِ، فمنهم مَن يُصَلِّى إلى المشرقِ، ومنهم مَن يُصلِّى إلى بيتِ المقدسِ، فهدانا اللهُ للقِبْلةِ. واخْتلَفوا في الصيامِ، فمنهم مَن يَصومُ بعضَ يومٍ، وبعضُهم بعضَ ليلةٍ، وهدانا اللهُ له. واخْتلَفوا في يومِ الجُمعةِ، فأخَذت اليهودُ السبتَ وأخَذت النصارَى الأحدَ، فهدانا اللَّهُ له. واخْتلَفوا في إبراهيمَ، فقالت اليهودُ: كان يهوديًّا. وقالت النصارى: كان نصرانيًّا. فبَرَّأه اللهُ مِن ذلك، وجعَله حنيفًا مسلمًا، [فهدَى اللهُ أمةَ محمدٍ ﷺ للحقِّ من ذلك، وقال: ﴿مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا] وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 632) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 632 · #53686
ْرِكِينَ﴾ [آل عمران: ٦٧] الذين يدَّعونه مِن أهلِ الشركِ. واخْتَلفوا في عيسى، فجعَلته اليهودُ لفِريةٍ، وجعلَته النصارى ربًّا، فهدانا اللهُ للحقِّ فيه. فهذا الذى قال اللهُ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ﴾. قَال: فكانت هدايةُ اللهِ جل ثناؤُه الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ وبما جاء به لِما اخْتَلف هؤلاء الأحزابُ مِن بني إسرائيلَ الذين أوتُوا الكتابَ فيه مِن الحقِّ بإِذنِه، أن وَفَّقهم لإصابةِ ما كان عليه مِن الحقِّ مَن كان قبلَ المُختلِفين الذين وصَف اللهُ صِفتَهم في هذه الآيةِ إذ كانوا أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 632) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 632 · #53687
أُمَّةً واحدةً، وذلك هو دينُ إبراهيمَ الحَنيفِ المسلمِ خليلِ الرحمنِ، فصاروا بذلك أُمةً واحدةً وسطًا، كما وصفَهم به ربُّهم، ليكونوا شهداءَ على الناسِ. كما حُدِّثْتُ عن عمارِ بنِ الحسنِ، قال: ثنا عبدُ اللهِ بنُ أبى جعفرٍ، عن أبيه، عن الربيعِ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾: فهداهم اللهُ عندَ الاختلافِ، أنهم أقاموا على ما جاءت به الرسلُ قبلَ الاختلافِ، أقاموا على الإخلاصِ لِلَّهِ وحدَه وعبادتِه لا شريكَ له، وإقامِ الصلاةِ، وإيتاءِ الزكاةِ، فأقاموا على الأمرِ الأولِ الذى كان قبلَ الاختلافِ، واعْتَزلوا الاختلافَ وكانوا شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ؛ كانوا شهداءَ على قومِ نوحٍ، وقومِ هودٍ، وقومِ صالحٍ، وقومِ شعيبٍ، وآلِ فرعونَ، أن رُسُلَهم قد بَلَّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم. وهى في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ).
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 633) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 633 · #53688
َّغوهم، وأنهم كذَّبوا رسلَهم. وهى في قراءةِ أُبَىِّ بنِ كعبٍ: [وليكونوا] شهداءَ على الناسِ يومَ القيامةِ واللهُ يَهْدِى مَن يشاءُ إلى صراطٍ مستقيمٍ). فكان أبو العاليةِ يقولُ: في هذه الآيةِ المَخْرجُ مِن الشُّبُهاتِ والضلالاتِ والفتنِ. حدَّثنى موسى بنُ هارونَ، قال: ثنا عمرُو بنُ حمادٍ، قال: ثنا أسباطُ، عن السدىِّ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. يقولُ: اختَلف الكفارُ فيه، فهدَى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مِن ذلك. وهى في قراءةِ ابنِ مسعودٍ: (فهدَى اللهُ الذين آمنوا لِما اختلَفوا [عنه): عنْ] الإسلامِ. وأما قولُه: ﴿بِإِذْنِهِ﴾. فإنه يعنى جل ثناؤه: بعلمِه [بهم لِما] هداهم له. وقد بيَّنَّا معنى الإذنِ إذا كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 633) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 633 · #53689
نى الإذنِ إذا كان بمعنى العلمِ في غيرِ هذا الموضعِ، بما أغنى عن إعادتِه ههنا. وأما قولُه: ﴿وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾. فإنه يعنى به: واللهُ يُسَدِّدُ مَن يَشاءُ مِن خلقِه، فيُرشدُه إلى الطريقِ القويمِ، على الحقِّ الذى لا اعوجاجَ فيه، كما هدَى الذين آمنوا بمحمدٍ ﷺ لما اخْتَلَف الذين أوتوا الكتابَ فيه بغيًا بينَهم، فسدَّدهم لإصابةِ الحقِّ والصوابِ فيه. وفى هذه الآيةِ البيانُ الواضحُ على صحةِ ما قاله أهلُ الحقِّ مِن أن كلَّ نعمةٍ على العبادِ في دينِهم أو دنياهم، فمِن اللهِ. فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 634) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 634 · #53690
و دنياهم، فمِن اللهِ. فإن قال لنا قائلٌ: وما معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾. أهداهم للحقِّ أم هداهم للاختلافِ؟ فإن كان هداهم للاختلافِ فإنما أضلَّهم، وإن كان هداهم للحقِّ فكيف قيلَ: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾؟ قيل: إن ذلك على غيرِ الوجهِ الذى ذهَبْتَ إليه، وإنما معنى ذلك: فهدى اللهُ الذين آمنوا للحقِّ مما اختلف فيه مِن كتابِ اللهِ الذين أُوتوه، فكفَر بتَبْديلِه بعضُهم، وثبَت على الحقِّ والصوابِ فيه بعضُهم، وهم أهلُ التوراةِ الذين بدَّلوها، فهدَى اللهُ للحقِّ مما بدَّلوا وحرَّفوا الذين آمنوا مِن أمةِ محمدٍ ﷺ. قال أبو جعفرٍ: فإن أشْكَل ما قُلْنا على ذى غَفْلةٍ، فقال: وكيف يَجوزُ أن يكونَ ذلك كما قُلْتَ، و ﴿مِنَ﴾ إنما هي في كتابِ اللهِ في ﴿الْحَقِّ﴾، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟
QS 2:213 (jilid 3 hlm. 634) · Tafsir ath-Thabari (Jami' al-Bayan) · jilid 3 · hlm. 634 · #53691
، واللامُ في قولِه: ﴿لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾، وأنت مُحوِّلٌ اللامَ في ﴿الْحَقِّ﴾، و ﴿مِنَ﴾ في "الاختلافِ"، في التأويلِ الذى تَتأولُه فتجعلُه مقلوبًا؟ قيل: ذلك في كلامِ العربِ موجودٌ مُسْتَفيضٌ، واللهُ ﵎ إنما خاطَبهم بمَنْطقِهم، فمِن ذلك قولُ الشاعر: كانَتْ فَريضَةُ ما تَقُولُ كما … كانَ الزِّناءُ فَرِيضةَ الرَّجمِ وإنما الرجمُ فريضةُ الزِّناء، وكما قال الآخرُ: إنَّ سِرَاجًا لكرِيمٌ مَفْخَرُهْ … تَحْلَى به العَينُ إذا ما تجْهَرُهْ وإنما السِّراجُ الذى يَحْلَى بالعين، لا العينُ بالسراجِ. وقد قال بعضُهم: إن معنى قولِه: ﴿فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ﴾ أن أهلَ الكتبِ الأولِ اختلَفوا، فكفَر بعضُهم بكتابِ بعضٍ، وهي كلٌّ مِن عندِ اللهِ، فهدَى اللهُ أهلَ الإيمانِ بمحمدٍ ﷺ للتصديقِ بجميعِها. وذلك قولٌ، غيرَ أن الأولَ أصحُّ القولين؛ لأن اللهَ إنما أخبَر باختلافِهم في كتابٍ واحدٍ.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 569) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 569 · #82203
﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣)﴾ قال ابن جرير: حدثنا محمد بن بشار، حدثنا أبو داود، أخبرنا هَمَّام، عن قتادة، عن عكرمة، عن ابن عباس، قال: كان بين نوح وآدم عشرة قرون، كلهم على شريعة من الحق. فاختلفوا، فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا). ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث بُنْدَار عن محمد بن بشار.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 569) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 569 · #82204
منذرين. قال: وكذلك هي في قراءة عبد الله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا). ورواه الحاكم في مستدركه، من حديث بُنْدَار عن محمد بن بشار. ثم قال: صحيح ولم يخرجاه. وكذا روى أبو جعفر الرازي، عن أبي العالية، عن أبي بن كعب: أنه كان يقرؤها: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّيِّنَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ). وقال عبد الرزاق: أخبرنا مَعْمَر، عن قتادة في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال: كانوا على الهدى جميعًا، "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين" فكان أول نَبي بعث نوحًا.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 569) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 569 · #82205
عن قتادة في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) قال: كانوا على الهدى جميعًا، "فاختلفوا فبعث الله النبيين مبشرين منذرين" فكان أول نَبي بعث نوحًا. وهكذا قال مجاهد، كما قال ابن عباس أولا. وقال العوفي، عن ابن عباس: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً) يقول: كانوا كفارًا، (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ) والقول الأول عن ابن عباس أصح سندًا ومعنى؛ لأن الناس كانوا على ملة آدم، ﵇، حتى عبدوا الأصنام، فبعث الله إليهم نوحًا، ﵇، فكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض. ولهذا قال: (وَأَنزلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ)
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 569) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 569 · #82206
َ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيِّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ) أي: من بعد ما قامت عليهم الحجج وما حملهم على ذلك إلا البغي من بعضهم على بعض، (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) وقال عبد الرزاق: حدثنا مَعْمَر، عن سليمان الأعمش، عن أبي صالح، عن أبي هريرة في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) قال: قال النبي ﷺ: "نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أوّلُ الناس دخولا الجنة، بيد أنهم أوتوا الكتاب من قبلنا وأوتيناه من بعدهم، فهدانا الله لما اختلفوا فيه من الحق، فهذا اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى". ثم رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 570) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 570 · #82207
اليوم الذي اختلفوا فيه، فهدانا له فالناس لنا فيه تبع، فغدًا لليهود، وبعد غد للنصارى". ثم رواه عبد الرزاق، عن معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن أبي هريرة. وقال ابن وهب، عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) فاختلفوا في يوم الجمعة، فاتخذ اليهود يوم السبت، والنصارى يوم الأحد. فهدى الله أمة محمد ليوم الجمعة. واختلفوا في القبلة؛ فاستقبلت النصارى المشرق، واليهود بيت المقدس، فهدى الله أمة محمد للقبلة. واختلفوا في الصلاة؛ فمنهم من يركع ولا يسجد، ومنهم من يسجد ولا يركع، ومنهم من يصلي وهو يتكلم، ومنهم من يصلي وهو يمشي، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في الصيام، فمنهم من يصوم بعض النهار، ومنهم من يصوم عن بعض الطعام، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 570) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 570 · #82208
لحق من ذلك. واختلفوا في إبراهيم، ﵇، فقالت اليهود: كان يهوديًا، وقالت النصارى: كان نصرانيًا، وجعله الله حنيفًا مسلمًا، فهدى الله أمة محمد للحق من ذلك. واختلفوا في عيسى، ﵇، فكذّبت به اليهود، وقالوا لأمه بهتانًا عظيمًا، وجعلته النصارى إلهًا وولدًا، وجعله الله روحه، وكلمته، فهدى الله أمة محمد ﷺ للحق من ذلك. وقال الربيع بن أنس في قوله: (فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ) أي: عند الاختلاف أنهم كانوا على ما جاءت به الرسل قبل الاختلاف، أقاموا على الإخلاص لله ﷿ وحده، وعبادته لا شريك له، وإقام الصلاة وإيتاء الزكاة، فأقاموا على الأمر الأول الذي كان قبل الاختلاف، واعتزلوا الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أنّ رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم.
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 570) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 570 · #82209
الاختلاف، وكانوا شهداء على الناس يوم القيامة شهودًا على قوم نوح، وقوم هود، وقوم صالح، وقوم شعيب، وآل فرعون، أنّ رسلهم قد بلغوهم، وأنهم قد كذبوا رسلهم. وفي قراءة أبي بن كعب: (وَلِيَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ، وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ)، وكان أبو العالية يقول: في هذه الآية المخرج من الشبهات والضلالات والفتن. وقوله: (بِإِذْنِهِ) أي: بعلمه، بما هداهم له. قاله ابن جرير: (وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) أي: منْ خلقه (إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ) أي: وله الحكم والحجة البالغة. وفي صحيح البخاري ومسلم عن عائشة: أن رسول الله ﷺ كان إذا قام من الليل يصلي يقول: "اللهم، رب جبريل وميكائيل وإسرافيل، فاطر السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم".
QS 2:213 (jilid 1 hlm. 571) · Tafsir Ibnu Katsir · jilid 1 · hlm. 571 · #82210
السموات والأرض، عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اختلفَ فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم". وفي الدعاء المأثور: اللهم، أرنا الحق حَقّا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفّقنا لاجتنابه، ولا تَجْعَلْه ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إمامًا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 298) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 298 · #111851
[سُورَة الْبَقَرَة (٢) : آيَة ٢١٣] كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلاَّ الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢١٣) كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. اسْتِئْنَافٌ لِبَيَانِ أَنَّ اخْتِلَافَ الْأَدْيَانِ أَمر كَانَ فِي الْبشر الْحِكْمَة اقتضته وَأَنه قد ارْتَفَعَ ذَلِكَ وَرَجَعَ اللَّهُ بِالنَّاسِ إِلَى وَحْدَةِ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 298) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 298 · #111852
فَ الْأَدْيَانِ أَمر كَانَ فِي الْبشر الْحِكْمَة اقتضته وَأَنه قد ارْتَفَعَ ذَلِكَ وَرَجَعَ اللَّهُ بِالنَّاسِ إِلَى وَحْدَةِ الدِّينِ بِالْإِسْلَامِ. وَالْمُنَاسَبَةُ بَيْنَهَا وَبَيْنَ مَا تَقَدَّمَهَا تَحْتَمِلُ وُجُوهًا: الْأَوَّلُ: قَالَ فَخْرُ الدِّينِ: إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا بَيَّنَ فِي قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢١٢] أَنَّ سَبَبَ إِصْرَارِ الْكُفَّارِ عَلَى كُفْرِهِمْ هُوَ اسْتِبْدَالُهُمُ الدُّنْيَا بِالْآخِرَةِ بَيَّنَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ هَذِه الْحَالة غير مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَادِمَةِ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 298) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 298 · #111853
فِي هَذِهِ الْآيَةِ أَنَّ هَذِه الْحَالة غير مُخْتَصَّةٌ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ ﷺ بَلْ كَانَتْ حَاصِلَةً فِي الْأَزْمِنَةِ الْمُتَقَادِمَةِ لِأَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً قَائِمَةً عَلَى الْحَقِّ وَمَا كَانَ اخْتِلَافُهُمْ لِسَبَبِ الْبَغْيِ وَالتَّحَاسُدِ فِي طَلَبِ الدُّنْيَا اهـ، فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا لِتَنْظِيرِ مَا لَقِيَهُ الْمُسْلِمُونَ بِمَا كَانَ فِي الْأُمَمِ الْغَابِرَةِ. الثَّانِي: يُؤْخَذُ مِنْ كَلَامِ الطِّيبِيِّ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [الْبَقَرَة: ٢١٤] أَخَذَ مِنْ كَلَامِ «الْكَشَّافِ» أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنْ قَوْلِهِ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً تَشْجِيعُ الرَّسُولِ ﵇ وَالْمُؤْمِنِينَ عَلَى الثَّبَاتِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ مَا قَابَلَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ أَنْبِيَاءَهَا وَمَا لَقُوا فِيهَا مِنَ الشَّدَائِدِ اهـ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111854
اتِ وَالصَّبْرِ عَلَى أَذَى الْمُشْرِكِينَ بِذِكْرِ مَا قَابَلَتْ بِهِ الْأُمَمُ السَّالِفَةُ أَنْبِيَاءَهَا وَمَا لَقُوا فِيهَا مِنَ الشَّدَائِدِ اهـ فَالْمُنَاسَبَةُ عَلَى هَذَا فِي مَدْلُولِ قَوْلِهِ تَعَالَى: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا وَيَسْخَرُونَ [الْبَقَرَة: ٢١٢] إِلَخْ، وَتَكُونُ الْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةً اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِلْمُنَاسَبَةِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا جَامِعٌ لِمَوْقِعِ تَذْيِيلٍ لِمَا قَبْلَهَا وَمُقَدِّمَةٌ لِمَا بَعْدَهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111855
لِلْمُنَاسَبَةِ. وَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ مَوْقِعَ هَذِهِ الْآيَةِ هُنَا جَامِعٌ لِمَوْقِعِ تَذْيِيلٍ لِمَا قَبْلَهَا وَمُقَدِّمَةٌ لِمَا بَعْدَهَا. فَأَمَّا الْأَوَّلُ فَلِأَنَّهَا أَفَادَتْ بَيَانَ حَالَةِ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ كَيْفَ نَشَأَ الْخِلَافُ بَيْنَهُمْ فِي الْحق مِمَّا لأَجله تَدَارَكَهُمُ اللَّهُ بِبِعْثَاتِ الرُّسُلِ فِي الْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ الَّتِي اقْتَضَتْهَا حِكْمَةُ اللَّهِ وَلُطْفُهُ مِمَّا يُمَاثِلُ الْحَالَةَ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا الْبَعْثَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ وَمَا لَقِيَهُ الرَّسُولُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111856
فُهُ مِمَّا يُمَاثِلُ الْحَالَةَ الَّتِي نَشَأَتْ فِيهَا الْبَعْثَةُ الْمُحَمَّدِيَّةُ وَمَا لَقِيَهُ الرَّسُولُ وَالْمُسْلِمُونَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ. وَأَمَّا الثَّانِي فَلِأَنَّهَا مُقَدِّمَةٌ لِمَا يَرِدُ بَعْدَهَا مِنْ ذِكْرِ اخْتِصَاصِ الْإِسْلَامِ بِالْهِدَايَةِ إِلَى الْحق الَّذِي اخْتلفت فِيهِ الْأُمَمُ وَهُوَ مَضْمُونُ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ كَوْنِ الْإِسْلَامِ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111857
هُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ إِلَى قَوْلِهِ: إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ وَذَلِكَ مِنْ خَصَائِصِ كَوْنِ الْإِسْلَامِ مُهَيْمِنًا عَلَى مَا سَبَقَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ الْإِلَهِيَّةِ وَتَفْضِيلِهِ عَلَى جَمِيعِ الْأَدْيَانِ وَأَنَّ هَذِهِ الْمَزِيَّةَ الْعُظْمَى يَجِبُ الِاعْتِرَافُ بِهَا وَأَلَّا تَكُونَ مَثَارَ حَسَدٍ لِلنَّبِيءِ وَأُمَّتِهِ، رَدًّا عَلَى حَسَدِ الْمُشْرِكِينَ، إِذْ يَسْخَرُونَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى حَسَدِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِي سَبَقَ التَّنْبِيهُ عَلَيْهِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ إِلَى قَوْلِهِ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الْبَقَرَة: ١٤٢] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111858
ى: سَيَقُولُ السُّفَهاءُ مِنَ النَّاسِ مَا وَلَّاهُمْ عَنْ قِبْلَتِهِمُ إِلَى قَوْلِهِ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ [الْبَقَرَة: ١٤٢] . وَحَصَلَ مِنْ عُمُومِ ذَلِكَ تَعْلِيمُ الْمُسْلِمِينَ تَارِيخَ أَطْوَارِ الدِّينِ بَيْنَ عُصُورِ الْبَشَرِ بِكَلِمَاتٍ جَامِعَةٍ خُتِمَتْ بِقَوْلِهِ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِهِمْ أُمَّةً وَاحِدَةً الْوَحْدَةَ فِي الْخَيْرِ وَالْحَقِّ وَهُوَ الْمُخْتَارُ كَمَا سَيَأْتِي فَقَدْ نَبَّهَ اللَّهُ أَنَّ النَّاسَ اخْتَلَفُوا فَبَعَثَ لَهُمْ أَنْبِيَاءَ مُتَفَرِّقِينَ لِقَصْدِ تَهْيِئَةِ النَّاسِ لِلدُّخُولِ فِي دِينٍ وَاحِدٍ عَامٍّ، فَالْمُنَاسَبَةُ حَاصِلَةٌ مَعَ جُمْلَةِ ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً [الْبَقَرَة: ٢٠٨] بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ أَيِ ادْخُلُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 299) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 299 · #111859
[الْبَقَرَة: ٢٠٨] بِنَاءً عَلَى أَنَّهَا خِطَابٌ لِأَهْلِ الْكِتَابِ أَيِ ادْخُلُوا فِي دِينِ الْإِسْلَامِ الَّذِي هَدَى اللَّهُ بِهِ الْمُسْلِمِينَ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ مِنْ كَوْنِ النَّاسِ أُمَّةً وَاحِدَةً الْوَحْدَةَ فِي الضلال وَالْكفْر يكون اللَّهُ قَدْ نَبَّهَهُمْ أَنَّ بَعْثَةَ الرُّسُلِ تَقَعُ لِأَجْلِ إِزَالَةِ الْكُفْرِ وَالضَّلَالِ الَّذِي يَحْدُثُ فِي قُرُونِ الْجَهَالَةِ، فَكَذَلِكَ انْتَهَتْ تِلْكَ الْقُرُونُ إِلَى الْقَرْنِ الَّذِي أَعْقَبَتْهُ بَعْثَةُ مُحَمَّدٍ ﷺ، فَتَكُونُ الْآيَةُ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَالْمُنَاسَبَةُ حَاصِلَةٌ مَعَ قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢١٢] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 300) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 300 · #111860
ونُ الْآيَةُ تَثْبِيتًا لِلْمُؤْمِنِينَ فَالْمُنَاسَبَةُ حَاصِلَةٌ مَعَ قَوْلِهِ: زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا الْحَياةُ الدُّنْيا [الْبَقَرَة: ٢١٢] . فَالْمَعْنَى أَنَّ الْإِسْلَامَ هَدَى إِلَى شَرِيعَةٍ تَجْمَعُ النَّاسَ كُلَّهُمْ تَبْيِينًا لِفَضِيلَةِ هَذَا الدِّينِ وَاهْتِدَاءِ أَهْلِهِ إِلَى مَا لَمْ يَهْتَدِ إِلَيْهِ غَيْرُهُمْ، مَعَ الْإِشَارَةِ إِلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ تَمْهِيدٌ لَهُ وَتَأْنِيسٌ بِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 300) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 300 · #111861
إِلَى أَنَّ مَا تَقَدَّمَهُ مِنَ الشَّرَائِعِ تَمْهِيدٌ لَهُ وَتَأْنِيسٌ بِهِ كَمَا سَنُبَيِّنُهُ عِنْدَ قَوْلِهِ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا. وَالنَّاسُ اسْمُ جَمْعٍ لَيْسَ لَهُ مُفْرَدٌ مِنْ لَفْظِهِ، وَ (الْ) فِيهِ لِلِاسْتِغْرَاقِ لَا مَحَالَةَ وَهُوَ هُنَا لِلْعُمُومِ أَيِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ، إِذْ لَيْسَ ثَمَّةَ فَرِيقٌ مَعْهُودٌ وَلَكِنَّهُ عُمُومٌ عُرْفِيٌّ مَبْنِيٌّ عَلَى مُرَاعَاةِ الْغَالِبِ الْأَغْلَبِ وَعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِالنَّادِرِ لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا يَخْلُو زَمَنٌ غَلَبَ فِيهِ الْخَيْرُ عَنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ شِرِّيرًا مِثْلَ عَصْرِ النُّبُوَّةِ وَلَا يَخْلُو زَمَنٌ غَلَبَ فِيهِ الشَّرُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ خَيِّرًا مِثْلَ نُوحٍ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 300) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 300 · #111862
ِ وَلَا يَخْلُو زَمَنٌ غَلَبَ فِيهِ الشَّرُّ مِنْ أَنْ يَكُونَ بَعْضُ النَّاسِ فِيهِ خَيِّرًا مِثْلَ نُوحٍ وَما آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ [هود: ٤] . وَالْأمة بضمة الْهَمْزَةِ: اسْمٌ لِلْجَمَاعَةِ الَّذِينَ أَمْرُهُمْ وَاحِدٌ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْأَمِّ بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَهُوَ الْقَصْدُ أَيْ يَؤُمُّونَ غَايَةً وَاحِدَةً، وَإِنَّمَا تَكُونُ الْجَمَاعَةُ أُمَّةً إِذَا اتَّفَقُوا فِي الْمَوْطِنِ أَوِ الدِّينِ أَوِ اللُّغَةِ أَوْ فِي جَمِيعهَا. وَالْوَصْف ب (وَاحِدَةٌ) فِي الْآيَةِ لِتَأْكِيدِ الْإِفْرَادِ فِي قَوْلِهِ (أُمَّةً) لِدَفْعِ تَوَهُّمِ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ مِنَ الْأُمَّةِ الْقَبِيلَةَ، فَيُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ نَسَبٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَجْمَعُهُمْ نَسَبٌ مُتَّحِدٌ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 300) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 300 · #111863
قَبِيلَةَ، فَيُظَنَّ أَنَّ الْمُرَادَ كَانَ النَّاسُ أَهْلَ نَسَبٍ وَاحِدٍ، لِأَنَّ الْأُمَّةَ قَدْ تُطْلَقُ عَلَى مَنْ يَجْمَعُهُمْ نَسَبٌ مُتَّحِدٌ. وَالْوَحْدَةُ هُنَا: مُرَادٌ بِهَا الِاتِّحَادُ وَالتَّمَاثُلُ فِي الدِّينِ بِقَرِينَةِ تَفْرِيعٍ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إِلَخْ، فَيُحْتَمَلُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الْحَقِّ وَالْهُدَى أَيْ كَانَ النَّاسُ عَلَى مِلَّةٍ وَاحِدَةٍ مِنَ الْحَقِّ وَالتَّوْحِيدِ، وَبِهَذَا الْمَعْنَى رَوَى الطَّبَرِيُّ تَفْسِيرَهَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَهُوَ مُخْتَارُ الزَّمَخْشَرِيِّ قَالَ الْفَخْرُ: وَهُوَ مُخْتَارُ أَكْثَرِ الْمُحَقِّقِينَ قَالَ الْقَفَّالُ: بِدَلِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى بَعْدَهُ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إِلَى قَوْلِهِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، لِأَنَّ تَفْرِيعَ الْخَبَرِ بِبِعْثَةِ النَّبِيِّينَ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 300) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 300 · #111864
َثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ إِلَى قَوْلِهِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، لِأَنَّ تَفْرِيعَ الْخَبَرِ بِبِعْثَةِ النَّبِيِّينَ عَلَى الْجُمْلَةِ السَّابِقَةِ وَتَعْلِيلَ الْبَعْثِ بِقَوْلِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ انْتَظَمَ مِنْ ذَلِكَ كَلَامٌ مِنْ بَلِيغِ الْإِيجَازِ وَهُوَ أَنَّ النَّاسَ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فَجَاءَتْهُمُ الرُّسُلُ بِالتَّرْغِيبِ وَالتَّرْهِيبِ وَالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ لِيَدُومُوا عَلَى الْحَقِّ خَشْيَةَ انْصِرَافِهِمْ عَنْهُ إِذَا ابْتَدَأَ الِاخْتِلَافُ يَظْهَرُ وَأَيَّدَهُمُ اللَّهُ بِالْكُتُبِ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ، فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ مَجِيءُ الرُّسُلِ لِأَجْلِ إِبْطَالِ اخْتِلَافٍ حَدَثَ، وَأَنَّ الِاخْتِلَافَ الَّذِي يَحْتَاجُ إِلَى بَعْثَةِ الرُّسُلِ هُوَ الِاخْتِلَافُ النَّاشِئُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحَقِّ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلَى جُمْلَةِ كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 301) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 301 · #111865
لرُّسُلِ هُوَ الِاخْتِلَافُ النَّاشِئُ بَعْدَ الِاتِّفَاقِ عَلَى الْحَقِّ كَمَا يَقْتَضِيهِ التَّفْرِيعُ عَلَى جُمْلَةِ كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً بِالْفَاءِ فِي قَوْلِهِ: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ وَعَلَى صَرِيحِ قَوْلِهِ: لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ. وَلِأَجْلِ هَذِهِ الْقَرِينَةِ يَتَعَيَّنُ تَقْدِيرُ فَاخْتَلَفُوا بَعْدَ قَوْلِهِ أُمَّةً واحِدَةً، لِأَنَّ الْبَعْثَةَ تَرَتَّبَتْ عَلَى الِاخْتِلَافِ لَا عَلَى الْكَوْنِ أُمَّةً وَاحِدَةً، وَعَلَى هَذَا الْفَهْمِ قَرَأَ ابْنُ مَسْعُودٍ (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ) إِلَخْ، وَلَوْ كَانَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الضَّلَالِ لَصَحَّ تَفْرِيعُ الْبَعْثَةِ عَلَى نَفْسِ هَذَا الْكَوْنِ بِلَا تَقْدِيرٍ وَلَوْلَا أَنَّ الْقَرِينَةَ صَرَفَتْ عَنْ هَذَا لَكَانَ هُوَ الْمُتَبَادِرَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَطِيَّة كَانَ مَنْ قَدَّرَ النَّاسَ فِي الْآيَةِ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 301) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 301 · #111866
ٍ وَلَوْلَا أَنَّ الْقَرِينَةَ صَرَفَتْ عَنْ هَذَا لَكَانَ هُوَ الْمُتَبَادِرَ، وَلِهَذَا قَالَ ابْن عَطِيَّة كَانَ مَنْ قَدَّرَ النَّاسَ فِي الْآيَةِ كَانُوا مُؤْمِنِينَ قَدَّرَ فِي الْكَلَامِ فَاخْتَلَفُوا وَكُلُّ مَنْ قَدَّرَهُمْ كُفَّارًا كَانَتْ بَعْثَةُ الرُّسُلِ إِلَيْهِمُ اهـ. وَيُؤَيِّدُ هَذَا الْتَقْدِيرَ قَوْلُهُ فِي آيَةِ سُورَةِ يُونُسَ [١٩] وَما كانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً واحِدَةً فَاخْتَلَفُوا لِأَنَّ الظَّاهِرَ اتِّحَادُ غَرَضِ الْآيَتَيْنِ، وَلِأَنَّهُ لَمَّا أَخْبَرَ هُنَا عَنِ النَّاسِ بِأَنَّهُمْ كَانُوا أُمَّةً وَاحِدَةً وَنَحْنُ نَرَى اخْتِلَافَهُمْ عَلِمْنَا أَنَّهُمْ لَمْ يَدُومُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ. وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ التَّوْحِيدَ وَالْهُدَى وَالصَّلَاحَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا حِينَ خَلَقَهُمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الْأَعْرَاف:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 301) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 301 · #111867
الصَّلَاحَ هِيَ الْفِطْرَةُ الَّتِي فَطَرَ اللَّهُ النَّاسَ عَلَيْهَا حِينَ خَلَقَهُمْ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ آيَةُ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ [الْأَعْرَاف: ١٧٢] ، وَأَنَّهَا مَا غَشَّاهَا إِلَّا تَلْقِينُ الضَّلَالِ وَتَرْوِيجُ الْبَاطِلِ وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ النَّبِيئِينَ لِإِصْلَاحِ الْفِطْرَةِ إِصْلَاحًا جُزْئِيًّا فَكَانَ هَدْيُهُمْ مُخْتَلِفَ الْأَسَالِيبِ عَلَى حَسَبِ اخْتِلَافِ الْمَصَالِحِ وَالْأَهْلِيَّةِ وَشِدَّةِ الشَّكَائِمِ، فَكَانَ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ الْمُيَسِّرُ وَمِنْهُمُ الْمُغَلِّظُ وَأَنَّهُ بَعَثَ مُحَمَّدًا لِإِكْمَالِ ذَلِكَ الْإِصْلَاحِ، وَإِعَادَةِ النَّاسِ إِلَى الْوَحْدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 301) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 301 · #111868
َ الْإِصْلَاحِ، وَإِعَادَةِ النَّاسِ إِلَى الْوَحْدَةِ عَلَى الْخَيْرِ وَالْهُدَى وَذَلِكَ مَعْنَى قَوْلِهِ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ. وَعَنْ عَطَاءٍ وَالْحَسَنِ أَنَّ الْمَعْنَى كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً مُتَّفِقِينَ عَلَى الضَّلَالِ وَالشَّرِّ وَهُوَ يُرْوَى عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَيْضًا وَعَلَيْهِ فَعَطْفُ قَوْلِهِ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ عَطْفٌ عَلَى اللَّفْظِ الظَّاهِرِ لَا تَقْدِيرَ مَعَهُ أَيْ كَانُوا كَذَلِكَ فَبَعَثَ اللَّهِ النَّبِيئِينَ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ لِيُرْشِدُوا النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ بِالتَّبْشِيرِ وَالنِّذَارَةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 301) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 301 · #111869
أَيْ كَانُوا كَذَلِكَ فَبَعَثَ اللَّهِ النَّبِيئِينَ فَيُعْلَمُ أَنَّ الْمُرَادَ لِيُرْشِدُوا النَّاسَ إِلَى الْحَقِّ بِالتَّبْشِيرِ وَالنِّذَارَةِ. فَالْمَقْصُودُ مِنَ الْآيَةِ عَلَى هَذَا التَّأْوِيلِ إِظْهَارُ أَنَّ مَا بَعَثَ اللَّهُ بِهِ النَّبِيئِينَ قَدْ وَقَعَ فِيهِ التَّغْيِيرُ وَالِاخْتِلَافُ فِيمَا بُعِثُوا بِهِ وَأَنَّ اللَّهَ بَعَثَ مُحَمَّدًا بِالْقُرْآنِ لِإِرْشَادِهِمْ إِلَى مَا اخْتَلَفُوا فِيهِ فَيَكُونُ الْمَقْصُودُ بَيَانَ مَزِيَّةِ دِينِ الْإِسْلَامِ وَفَضْلِهِ عَلَى سَائِرِ الْأَدْيَانِ بِمَا كَانَ مَعَهُ مِنَ الْبَيَانِ وَالْبُرْهَانِ. وَأَيًّا مَا كَانَ الْمُرَادُ فَإِنَّ فِعْلَ كَانَ هُنَا مُسْتَعْمَلٌ فِي أَصْلِ مَعْنَاهُ وَهُوَ اتِّصَافُ اسْمِهَا الْمُخْبَرِ عَنْهُ بِمَضْمُونِ خَبَرِهَا فِي الزَّمَنِ الْمَاضِي وَأَنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَطَعَ، إِذْ صَارَ النَّاسُ مُنْقَسِمِينَ إِلَى فِئَتَيْنِ فِئَةٍ عَلَى الْحَقِّ وَفِئَةٍ عَلَى الْبَاطِلِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 302 · #111870
الزَّمَنِ الْمَاضِي وَأَنَّ ذَلِكَ قَدِ انْقَطَعَ، إِذْ صَارَ النَّاسُ مُنْقَسِمِينَ إِلَى فِئَتَيْنِ فِئَةٍ عَلَى الْحَقِّ وَفِئَةٍ عَلَى الْبَاطِلِ. فَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَحْدَةَ فِي الْحَقِّ فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي زَمَنٍ كَانَ الْغَالِبُ فِيهِ عَلَى النَّاسِ الرُّشْدَ وَالِاسْتِقَامَةَ وَالصَّلَاحَ وَالْإِصْلَاحَ فَلَمْ يَكُونُوا بِحَاجَةٍ إِلَى بِعْثَةِ الرُّسُلِ إِلَى أَنِ اخْتَلَفَتْ أَحْوَالُهُمْ فَظَهَرَ فِيهِمُ الْفَسَادُ، فَقِيلَ كَانَ ذَلِكَ فِيمَا بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ وَنُقِلَ هَذَا عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَتَادَةَ وَمُجَاهِدٍ، وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ قَالَ قَوْمٌ كَانَ ذَلِكَ زَمَنَ نوح كفر رجل قَوْمِهِ فَهَلَكُوا بِالطُّوفَانِ إِلَّا مَنْ نَجَّاهُ اللَّهُ مَعَ نُوحٍ فَكَانَ أُولَئِكَ النَّفَرُ النَّاجُونَ أُمَّةً وَاحِدَةً قَائِمَةً عَلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى الْحَقِّ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ الَّتِي سَتُودَعُ فِي بَنِي آدَمَ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 302 · #111871
وَاحِدَةً قَائِمَةً عَلَى الْحَقِّ، وَقِيلَ إِنَّمَا كَانَ النَّاسُ عَلَى الْحَقِّ حِينَ خَلَقَ اللَّهُ الْأَرْوَاحَ الَّتِي سَتُودَعُ فِي بَنِي آدَمَ فَفَطَرَهَا عَلَى الْإِسْلَامِ فَأَقَرُّوا لَهُ بِالْوَحْدَانِيَّةِ وَالْعُبُودِيَّةِ وَهُوَ مَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١٧٢، ١٧٣] : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قالُوا بَلى شَهِدْنا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غافِلِينَ أَوْ تَقُولُوا إِنَّما أَشْرَكَ آباؤُنا مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِنْ بَعْدِهِمْ عَلَى أَحَدِ تَفَاسِيرِ تِلْكَ الْآيَةِ وَرُوِيَ هَذَا عَنْ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ وَجَابِرِ بْنِ زَيْدٍ وَالرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 302 · #111872
َالرَّبِيعِ بْنِ سُلَيْمَانَ. وَفِي «تَفْسِيرِ الْفَخْرِ» عَنِ الْقَاضِي عَبْدِ الْجَبَّارِ وَأَبِي مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيِّ أَنَّ مَعْنَى الْآيَةِ: كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي التَّمَسُّكِ بِالشَّرَائِعِ الْعَقْلِيَّةِ عَلَى وُجُودِ الْخَالِقِ وَصِفَاتِهِ وَاجْتِنَابِ الظُّلْمِ وَالْكَذِبِ وَحُجَّتُهُمَا عَلَى ذَلِكَ أَن قَوْله: النَّبِيِّينَ جَمْعٌ يُفِيدُ الْعُمُومَ (أَيْ لِأَنَّهُ مُعَرَّفٌ بِاللَّامِ) فَيَقْتَضِي أَنَّ بَعْثَةَ كُلِّ النَّبِيئِينَ كَانَتْ بَعْدَ أَنْ كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً بِدَلِيلِ الْفَاءِ، وَالشَّرَائِعُ إِنَّمَا تُلُقِّيَتْ مِنَ الْأَنْبِيَاءِ، فَتَعَيَّنَ أَنَّ كَوْنَ النَّاسِ أُمَّةً وَاحِدَةً شَيْءٌ سَابِقٌ عَلَى شَرَائِعِ الْأَنْبِيَاءِ وَلَا يَكُونُ إِلَّا مُسْتَفَادًا مِنَ الْعَقْلِ، وَهُمَا يَعْنِيَانِ أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِ عَلَى سَلَامَةِ الْفِطْرَةِ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ، قَالَ تَعَالَى:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 302 · #111873
وَهُمَا يَعْنِيَانِ أَنَّ اللَّهَ فَطَرَ الْإِنْسَانَ فِي أَوَّلِ نَشْأَتِهِ عَلَى سَلَامَةِ الْفِطْرَةِ مِنَ الْخَطَأِ وَالضَّلَالِ، قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التِّين: ٤] وَقِيلَ: أُرِيدَ بِالنَّاسِ آدَمُ وَحَوَّاءُ. نَقَلَهُ ابْنُ عَطِيَّةَ عَنْ مُجَاهِدٍ وَقَوْمٍ، وَالَّذِي نَجْزِمُ بِهِ أَنَّ هَذَا كَانَ فِي زَمَنٍ مِنْ أَزْمَانِ وُجُودِ النَّاسِ عَلَى الْأَرْضِ يَعْلَمُهُ اللَّهُ تَعَالَى لِقَوْلِهِ: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الْفرْقَان: ٣٨] وَالْأَظْهَرُ أَنَّهُ مِنْ زَمَنِ وُجُودِ آدَمَ إِلَى أَنْ أَشَرَكَ قَوْمُ نُوحٍ. وَإِنْ كَانَ الْمُرَادُ الْوَحْدَةَ عَلَى الْبَاطِلِ فَقَدْ حَصَلَ ذَلِكَ فِي زَمَنِ نُوحٍ فِي أَوَّلِ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مَعَ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَظْهَرُ أَنَّ الضَّلَالَ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 302) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 302 · #111874
أَوَّلِ مَا قَصَّ اللَّهُ عَلَيْنَا مَعَ مَا وَرَدَ فِي الصَّحِيحِ أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، فَيَظْهَرُ أَنَّ الضَّلَالَ حَدَثَ فِي أَهْلِ الْأَرْضِ وَعَمَّهُمْ عَاجِلًا فَبَعَثَ اللَّهُ نُوحًا إِلَيْهِمْ ثُمَّ أَهْلَكَ الْكَافِرِينَ مِنْهُمْ بِالطُّوفَانِ وَنَجَّى نُوحًا وَنَفَرًا مَعَهُ فَأَصْبَحَ جَمِيعُ النَّاسِ صَالِحِينَ، ثُمَّ اخْتَلَفُوا بَعْدَ ذَلِكَ فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ. فَيَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَنْظُرَ الْآنَ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمَعْنَى فِي تَارِيخِ ظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَفِي أَسْبَابِ ذَلِكَ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111875
. فَيَجْدُرُ بِنَا أَنْ نَنْظُرَ الْآنَ فِيمَا تَضَمَّنَتْهُ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمَعْنَى فِي تَارِيخِ ظُهُورِ الشَّرَائِعِ وَفِي أَسْبَابِ ذَلِكَ. النَّاسُ أَبْنَاءُ أَبٍ وَاحِدٍ وَأُمٍّ وَاحِدَةٍ فَلَا جَرَمَ أَنْ كَانُوا فِي أَوَّلِ أَمْرِهِمْ أُمَّةً وَاحِدَةً لِأَنَّ أَبَوَيْهِمْ لَمَّا وَلَدَا الْأَبْنَاءَ الْكَثِيرِينَ وَتَوَالَدَ أَبْنَاؤُهُمَا تَأَلَّفَتْ مِنْهُمْ فِي أَمَدٍ قَصِيرٍ عَائِلَةٌ وَاحِدَةٌ خُلِقَتْ مِنْ مِزَاجٍ نَقِيٍّ فَكَانَتْ لَهَا أمزجة متماثلة ونشأوا عَلَى سِيرَةٍ وَاحِدَةٍ فِي أَحْوَالِ الْحَيَاةِ كُلِّهَا وَمَا كَانَتْ لِتَخْتَلِفَ إِلَّا اخْتِلَافًا قَلِيلًا لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ يُؤْبَهُ بِهِ وَلَا يُحْدِثُ فِي الْعَائِلَةِ تَنَافُرًا وَلَا تُغَالُبَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111876
ا وَمَا كَانَتْ لِتَخْتَلِفَ إِلَّا اخْتِلَافًا قَلِيلًا لَيْسَ لَهُ أَثَرٌ يُؤْبَهُ بِهِ وَلَا يُحْدِثُ فِي الْعَائِلَةِ تَنَافُرًا وَلَا تُغَالُبَا. ثُمَّ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَمَّا خَلَقَ نَوْعَ الْإِنْسَانِ أَرَادَهُ لِيَكُونَ أَفْضَلَ الْمَوْجُودَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْأَرْضِيِّ فَلَا جَرَمَ أَنْ يَكُونَ خَلَقَهُ عَلَى حَالَةٍ صَالِحَةٍ لِلْكَمَالِ وَالْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التِّين: ٤] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111877
ْ يَكُونَ خَلَقَهُ عَلَى حَالَةٍ صَالِحَةٍ لِلْكَمَالِ وَالْخَيْرِ قَالَ تَعَالَى: لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ [التِّين: ٤] . فَآدَمُ خُلِقَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَلِيقُ بِالذَّكَرِ جِسْمًا وَعَقْلًا وَأَلْهَمَهُ مَعْرِفَةَ الْخَيْرِ وَاتِّبَاعَهُ وَمَعْرِفَةَ الشَّرِّ وَتَجَنُّبَهُ فَكَانَتْ آرَاؤُهُ مُسْتَقِيمَةً تَتَوَجَّهُ ابْتِدَاءً لِمَا فِيهِ النَّفْعُ وَتَهْتَدِي إِلَى مَا يَحْتَاجُ لِلِاهْتِدَاءِ إِلَيْهِ، وَتَتَعَقَّلُ مَا يُشَارُ بِهِ عَلَيْهِ فَتَمَيَّزَ النَّافِعُ مِنْ غَيْرِهِ وَيُسَاعِدُهُ عَلَى الْعَمَلِ بِمَا يَهْتَدِي إِلَيْهِ فِكْرُهُ جَسَدٌ سَلِيمٌ قَوِيٌّ مَتِينٌ وَحَوَّاءُ خُلِقَتْ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَلِيقُ بِالْأُنْثَى خَلْقًا مُشَابِهًا لِخَلْقِ آدَمَ، إِذْ أَنَّهَا خُلِقَتْ كَمَا خُلِقَ آدَمُ، قَالَ تَعَالَى:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111878
اءُ خُلِقَتْ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ يَلِيقُ بِالْأُنْثَى خَلْقًا مُشَابِهًا لِخَلْقِ آدَمَ، إِذْ أَنَّهَا خُلِقَتْ كَمَا خُلِقَ آدَمُ، قَالَ تَعَالَى: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها [النِّسَاء: ١] فَكَانَتْ فِي انْسِيَاقِ عَقْلِهَا وَاهْتِدَائِهَا وَتَعَقُّلِهَا وَمُسَاعَدَةِ جَسَدِهَا عَلَى ذَلِكَ عَلَى نَحْوِ مَا كَانَ عَلَيْهِ آدَمُ. وَلَا شَكَّ أَنَّ أَقْوَى عُنْصُرٍ فِي تَقْوِيمِ الْبَشَرِ عِنْدَ الْخِلْقَةِ هُوَ الْعَقْلُ الْمُسْتَقِيمُ فَبِالْعَقْلِ تَأَتَّى لِلْبَشَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَصَائِصِهِ، وَأَنْ يَضَعَهَا فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111879
هُوَ الْعَقْلُ الْمُسْتَقِيمُ فَبِالْعَقْلِ تَأَتَّى لِلْبَشَرِ أَنْ يَتَصَرَّفَ فِي خَصَائِصِهِ، وَأَنْ يَضَعَهَا فِي مَوَاضِعِ الْحَاجَةِ إِلَيْهَا. هَكَذَا كَانَ شَأْنُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى فَمَا وَلَدَا مِنَ الْأَوْلَادِ نَشَأَ مِثْلَ نَشْأَتِهِمَا فِي الْأَحْوَالِ كُلِّهَا، أَلَمْ تَرَ كَيْفَ اهْتَدَى أَحَدُ بَنِي آدَمَ إِلَى دَفْنِ أَخِيهِ مِنْ مُشَاهَدَةِ فِعْلِ الْغُرَابِ الْبَاحِثِ فِي الأَرْض فَكَانَت الِاسْتِنْبَاطُ الْفِكْرِيُّ وَالتَّقْلِيدُ بِهِ أُسَّ الْحَضَارَةِ الْبَشَرِيَّةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111880
ِنْ مُشَاهَدَةِ فِعْلِ الْغُرَابِ الْبَاحِثِ فِي الأَرْض فَكَانَت الِاسْتِنْبَاطُ الْفِكْرِيُّ وَالتَّقْلِيدُ بِهِ أُسَّ الْحَضَارَةِ الْبَشَرِيَّةِ. فَالصَّلَاحُ هُوَ الْأَصْلُ الَّذِي خُلِقَ عَلَيْهِ الْبَشَرُ وَدَامَ عَلَيْهِ دَهْرًا لَيْسَ بِالْقَصِيرِ، ثُمَّ أَخَذَ يَرْتَدُّ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ، ذَلِكَ أَنَّ ارْتِدَادَ الْإِنْسَانِ إِلَى أَسْفَلِ سَافِلِينَ إِنَّمَا عَرَضَ لَهُ بِعَوَارِضَ كَانَتْ فِي مَبْدَأِ الْخَلِيقَةِ قَلِيلَةَ الْطُرُوِّ أَوْ مَعْدُومَتَهُ، لِأَنَّ أَسْبَابَ الِانْحِرَافِ عَنِ الْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ لَا تَعْدُو أَرْبَعَةَ أَسْبَابٍ: الْأُول: خَلَلٌ يَعْرِضُ عِنْدَ تَكْوِينِ الْفَرْدِ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي جَسَدِهِ فَيَنْشَأُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْفَضِيلَةِ لِتِلْكَ الْعَاهَةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 303) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 303 · #111881
َابٍ: الْأُول: خَلَلٌ يَعْرِضُ عِنْدَ تَكْوِينِ الْفَرْدِ فِي عَقْلِهِ أَوْ فِي جَسَدِهِ فَيَنْشَأُ مُنْحَرِفًا عَنِ الْفَضِيلَةِ لِتِلْكَ الْعَاهَةِ. الثَّانِي: اكْتِسَابُ رَذَائِلَ مِنَ الْأَخْلَاقِ مِنْ مُخْتَرَعَاتِ قُوَاهُ الشَّهْوِيَّةِ وَالْغَضَبِيَّةِ وَمِنْ تَقْلِيدِ غَيْرِهِ بِدَاعِيَةِ اسْتِحْسَانِ مَا فِي غَيْرِهِ مِنْ مَفَاسِدَ يَخْتَرِعُهَا وَيَدْعُو إِلَيْهَا. الثَّالِثُ: خَوَاطِرُ خَيَالِيَّةٌ تَحْدُثُ فِي النَّفْسِ مُخَالِفَةٌ لِمَا عَلَيْهِ النَّاسُ كَالشَّهَوَاتِ وَالْإِفْرَاطِ فِي حُبِّ الذَّاتِ أَوْ فِي كَرَاهِيَةِ الْغَيْرِ مِمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ فَيُفَكِّرُ صَاحِبُهَا فِي تَحْقِيقِهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 304 · #111882
لشَّهَوَاتِ وَالْإِفْرَاطِ فِي حُبِّ الذَّاتِ أَوْ فِي كَرَاهِيَةِ الْغَيْرِ مِمَّا تُوَسْوِسُ بِهِ النَّفْسُ فَيُفَكِّرُ صَاحِبُهَا فِي تَحْقِيقِهَا. الرَّابِعُ: صُدُورُ أَفْعَالٍ تَصْدُرُ مِنَ الْفَرْدِ بِدَوَاعٍ حَاجِيَّةٍ أَوْ تَكْمِيلِيَّةٍ وَيَجِدُهَا مُلَائِمَةً لَهُ أَوْ لَذِيذَةً عِنْدَهُ فَيُلَازِمُهَا حَتَّى تَصِيرَ لَهُ عَادَةً وَتَشْتَبِهَ عِنْدَهُ بَعْدَ طُولِ الْمُدَّةِ بِالطَّبِيعَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ إِذَا صَادَفَتْ سَذَاجَةً مِنَ الْعَقْلِ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِالنَّوَاهِي رَسَخَتْ فَصَارَتْ طَبْعًا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 304 · #111883
ُولِ الْمُدَّةِ بِالطَّبِيعَةِ، لِأَنَّ الْعَادَةَ إِذَا صَادَفَتْ سَذَاجَةً مِنَ الْعَقْلِ غَيْرَ بَصِيرَةٍ بِالنَّوَاهِي رَسَخَتْ فَصَارَتْ طَبْعًا. فَهَذِهِ أَرْبَعَةُ أَسْبَابٍ لِلِانْحِطَاطِ عَنِ الْفِطْرَةِ الطَّيِّبَةِ، وَالْأَوَّلُ كَانَ نَادِرَ الْحُدُوثِ فِي الْبَشَرِ، لِأَنَّ سَلَامَةَ الْأَبْدَانِ وَشَبَابَ وَاعْتِدَالَ الطَّبِيعَةِ وَبَسَاطَةَ الْعَيْشِ وَنِظَامَ الْبِيئَةِ كُلُّ تِلْكَ كَانَتْ مَوَانِعَ مِنْ طُرُوِّ الْخَلَلِ التَّكْوِينِيِّ، أَلَا تَرَى أَنَّ نَوْعَ كُلِّ حَيَوَانٍ يُلَازِمُ حَالَ فِطْرَتِهِ فَلَا يَنْحَرِفُ عَنْهَا بِاتِّبَاعِ غَيْرِهِ. وَالثَّانِي كَانَ غَيْرَ مَوْجُودٍ، لِأَنَّ الْبَشَرَ يَوْمَئِذٍ كَانُوا عَائِلَةً وَاحِدَةً فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ يَسِيرُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ وَتَرْبِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِحْسَاسٍ وَاحِدٍ فَمِنْ أَيْنَ يَجِيئُهُ الِاخْتِلَافُ؟
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 304 · #111884
ائِلَةً وَاحِدَةً فِي مَوْطِنٍ وَاحِدٍ يَسِيرُ عَلَى نِظَامٍ وَاحِدٍ وَتَرْبِيَةٍ وَاحِدَةٍ وَإِحْسَاسٍ وَاحِدٍ فَمِنْ أَيْنَ يَجِيئُهُ الِاخْتِلَافُ؟ وَالثَّالِثُ مُمْكِنُ الْوُجُودِ لَكِنَّ الْمَحَبَّةَ النَّاشِئَةَ عَنْ حُسْنِ الْمُعَاشَرَةِ وَعَنِ الْإِلْفِ، وَالشَّفَقَةَ النَّاشِئَةَ عَنِ الْأُخُوَّةِ وَالْمَوَاعِظَ الصَّادِرَةَ عَنِ الْأَبَوَيْنِ كَانَتْ حَجْبًا لِمَا يَهْجِسُ مِنْ هَذَا الْإِحْسَاسِ. وَالرَّابِعُ لَمْ يَكُنْ بِالَّذِي يَكْثُرُ فِي الْوَقْتِ الْأَوَّلِ مِنْ وُجُودِ الْبَشَرِ، لِأَنَّ الْحَاجَاتِ كَانَتْ جَارِيَةً عَلَى وَفْقِ الطِّبَاعِ الْأَصْلِيَّةِ وَلِأَنَّ التَّحْسِينَاتِ كَانَتْ مَفْقُودَةً، وَإِنَّمَا هَذَا السَّبَبُ الرَّابِعُ مِنْ مُوجِبَاتِ الرُّقِيِّ وَالِانْحِطَاطِ فِي أَحْوَالِ الْجَمْعِيَّاتِ الْبَشَرِيَّةِ الطَّارِئَةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 304 · #111885
فْقُودَةً، وَإِنَّمَا هَذَا السَّبَبُ الرَّابِعُ مِنْ مُوجِبَاتِ الرُّقِيِّ وَالِانْحِطَاطِ فِي أَحْوَالِ الْجَمْعِيَّاتِ الْبَشَرِيَّةِ الطَّارِئَةِ. أَمَّا حَادِثَةُ قَتْلِ ابْنِ آدَمَ أَخَاهُ فَمَا هِيَ إِلَّا فَلْتَةٌ نَشَأَتْ عَنِ السَّبَبِ الثَّالِثِ عَنْ إِحْسَاسٍ وِجْدَانِيٍّ هُوَ الْحَسَدُ مَعَ الْجَهْلِ بِمَغَبَّةِ مَا يَنْشَأُ عَنِ الْقَتْلِ لِأَنَّ الْبَشَرَ لَمْ يَعْرِفِ الْمَوْتَ إِلَّا يَوْمَئِذٍ وَلِذَلِكَ أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ النَّدَامَةُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاحَ هُوَ حَالُ الْأُمَّةِ يَوْمَئِذٍ أَوْ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 304) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 304 · #111886
يَوْمَئِذٍ وَلِذَلِكَ أَسْرَعَتْ إِلَيْهِ النَّدَامَةُ، فَتَبَيَّنَ أَنَّ الصَّلَاحَ هُوَ حَالُ الْأُمَّةِ يَوْمَئِذٍ أَوْ هُوَ الْغَالِبُ عَلَيْهَا. وَيَنْشَأُ عَنْ هَذَا الصَّلَاحِ وَالِاسْتِقَامَةِ فِي الْآبَاءِ دَوَامُ الِاسْتِقَامَةِ فِي النَّسْلِ، لِأَنَّ النَّسْلَ مُنْسَلٌّ مِنْ ذَوَاتِ الْأُصُولِ فَهُوَ يَنْقُلُ مَا فِيهَا مِنَ الْأَحْوَالِ الْخُلُقِيَّةِ وَالْخَلْقِيَّةِ، وَلَمَّا كَانَ النَّسْلُ مُنْسَلًّا مِنَ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى كَانَ بِحُكْمِ الطَّبْعِ مُحَصِّلًا عَلَى مَجْمُوعٍ مِنَ الْحَالَتَيْنِ فَإِنِ اسْتَوَتِ الْحَالَتَانِ أَوْ تَقَارَبَتَا جَاءَ النَّسْلُ عَلَى أَحْوَالٍ مُسَاوِيَةِ الْمَظَاهِرِ لِأَحْوَالِ سَلَفِهِ، قَالَ نُوحٌ ﵇ فِي عَكْسِهِ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً [نوح: ٢٧] ، وَمِمَّا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ حَالَ الْبَشَرِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ صَلَاحٌ مَا نَقَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 305 · #111887
َلَى أَنَّ حَالَ الْبَشَرِ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ صَلَاحٌ مَا نَقَلَهُ فِي «الْكَشَّافِ» عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّهُ كَانَ بَيْنَ آدَمَ وَنُوحٍ عَشَرَةُ قُرُونٍ عَلَى شَرِيعَةٍ مِنَ الْحَقِّ. ثُمَّ كَثُرَتِ الْعَائِلَةُ الْبَشَرِيَّةُ وَتَكَوَّنَتْ مِنْهَا الْقَبِيلَةُ فَتَكَاثَرَتْ وَنَشَأَ فِيهَا مَعَ الزَّمَانِ قَلِيلًا قَلِيلًا خَوَاطِرُ مُخْتَلِفَةٌ وَدَبَّتْ فِيهَا أَسْبَابُ الِاخْتِلَافِ فِي الْأَحْوَالِ تَبَعًا لِاخْتِلَافٍ بَيْنَ حَالَيِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، فَجَاءَ النَّسْلُ عَلَى أَحْوَالٍ مُرَكَّبَةٍ مُخَالِفَةٍ لِكُلٍّ مِنْ مُفْرَدِ حَالَتَيِ الْأَبِ وَالْأُمِّ، وَبِذَلِكَ حَدَثَتْ أَمْزِجَةٌ جَدِيدَةٌ وَطَرَأَتْ عَلَيْهَا حِينَئِذٍ أَسْبَابُ الِانْحِطَاطِ الْأَرْبَعَةُ، وَصَارَتْ مُلَازِمَةً لِطَوَائِفَ مِنَ الْبَشَرِ بِحُكْمِ التَّنَاسُلِ وَالتَّلَقِّي، هُنَالِكَ جَاءَتِ الْحَاجَةُ إِلَى هَدْيِ الْبَشَرِ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَالتَّارِيخُ الدِّينِيُّ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 305 · #111888
ِ التَّنَاسُلِ وَالتَّلَقِّي، هُنَالِكَ جَاءَتِ الْحَاجَةُ إِلَى هَدْيِ الْبَشَرِ بِبَعْثَةِ الرُّسُلِ، وَالتَّارِيخُ الدِّينِيُّ دَلَّنَا عَلَى أَنَّ نُوحًا أَوَّلُ الرُّسُلِ الَّذِينَ دَعَوْا إِلَى اللَّهِ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحاً [الشورى: ١٣] الْآيَةَ، وَلَمَّا ذَكَرَ الرُّسُلَ فِي آيَاتِ الْقُرْآنِ ابْتَدَأَهُمْ فِي جَمِيعِ تِلْكَ الْآيَاتِ بِنُوحٍ وَلَمْ يَذْكُرْ آدَمَ وَفِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ فِي الصَّحِيحِ تَصْرِيحٌ بِذَلِكَ أَنَّ آدَمَ يَقُولُ لِلَّذِينَ يَسْتَشْفِعُونَ بِهِ إِنِّي لَسْتُ هُنَاكُمْ، وَيَذْكُرُ خَطِيئَتَهُ ايتُوا نُوحًا أَوَّلَ رَسُولٍ أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَى أَهْلِ الْأَرْضِ، وَبِهَذَا يَتَعَيَّنُ أَنَّ خَطِيئَةَ قَابِيلَ لَيْسَتْ مُخَالَفَةَ شَرْعٍ مَشْرُوعٍ، وَأَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا وَأَنَّهُ نَبِيءٌ صَالِحٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِمَا يُهَذِّبُ أَبْنَاءَهُ وَيُعَلِّمُهُمْ بِالْجَزَاءِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 305 · #111889
ْعٍ مَشْرُوعٍ، وَأَنَّ آدَمَ لَمْ يَكُنْ رَسُولًا وَأَنَّهُ نَبِيءٌ صَالِحٌ أُوحِيَ إِلَيْهِ بِمَا يُهَذِّبُ أَبْنَاءَهُ وَيُعَلِّمُهُمْ بِالْجَزَاءِ. فَقَوْلُهُ تَعَالَى: فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ هُوَ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ مُفَرَّعٌ عَلَى مَا يُؤْذِنُ بِهِ قَوْلُهُ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً مَعَ تَحَقُّقِ وُجُودِ الْخِلَافِ بَيْنَهُمْ بِالْمُشَاهَدَةِ مِنْ إِرَادَةِ أَنَّ كَوْنَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً دَامَ مُدَّةً ثُمَّ انْقَضَى، فَيَكُونُ مُفَرَّعًا عَلَى جُمْلَةٍ مُقَدَّرَةٍ تَقْدِيرُهَا فَاخْتَلَفُوا فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيئِينَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ مُفَرَّعًا عَلَى الْكَوْنِ أُمَّةً وَاحِدَةً فِي الْبَاطِلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ أَوَّلُ النَّبِيِّينَ الْمَبْعُوثِينَ نُوحًا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ لِإِصْلَاحِ الْخَلْقِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 305 · #111890
وَاحِدَةً فِي الْبَاطِلِ فَعَلَى الْأَوَّلِ يَكُونُ أَوَّلُ النَّبِيِّينَ الْمَبْعُوثِينَ نُوحًا، لِأَنَّهُ أَوَّلُ الرُّسُلِ لِإِصْلَاحِ الْخَلْقِ. وَعَلَى الثَّانِي: يَكُونُ أَوَّلُهُمْ آدَمَ بُعِثَ لِبَنِيهِ لَمَّا قَتَلَ أَحَدُهُمْ أَخَاهُ فَإِنَّ الظَّاهِرَ أَنَّ آدَمَ لَمْ يُبْعَثْ بِشَرِيعَةٍ لِعَدَمِ الدَّوَاعِي إِلَى ذَلِكَ، وَإِنَّمَا كَانَ مُرْشِدًا كَمَا يُرْشِدُ الْمُرَبِّي عَائِلَتَهُ. وَالْمُرَادُ بِالنَّبِيِّينَ هُنَا الرُّسُلُ بِقَرِينَةِ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ وَالْإِرْسَالُ بِالشَّرَائِعِ مُتَوَغِّلٌ فِي الْقِدَمِ وَقَبْلَهُ ظُهُورُ الشَّرْطِ وَهُوَ أَصْلُ ظُهُورِ الْفَوَاحِشِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ أَصْلُ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 305) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 305 · #111891
سَالُ بِالشَّرَائِعِ مُتَوَغِّلٌ فِي الْقِدَمِ وَقَبْلَهُ ظُهُورُ الشَّرْطِ وَهُوَ أَصْلُ ظُهُورِ الْفَوَاحِشِ لِأَنَّ الِاعْتِقَادَ الْفَاسِدَ أَصْلُ ذَمِيمِ الْفِعَالِ، وَقَدْ عَبَدَ قَوْمُ نُوحٍ الْأَصْنَامَ، عَبَدُوا وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقَ وَنَسْرًا وَهُمْ يَوْمَئِذٍ لَمْ يَزَالُوا فِي مَوَاطِنِ آدَمَ وَبَنِيهِ فِي (جِبَالِ نُوذٍ) مِنْ بِلَادِ الْهِنْدِ كَمَا قِيلَ، وَفِي الْبُخَارِيِّ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ أَنَّ وَدًّا وَسُوَاعًا وَيَغُوثَ وَيَعُوقُ وَنَسْرًا كَانُوا مِنْ صَالِحِي قَوْمِ نُوحٍ، فَلَمَّا هَلَكُوا أَوْحَى الشَّيْطَانُ إِلَى قَوْمِهِمْ أَنِ انْصِبُوا إِلَى مَجَالِسِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَجْلِسُونَ أَنْصَابًا وَسَمُّوهَا بِأَسْمَائِهِمْ فَفَعَلُوا فَلَمْ تُعْبَدْ، حَتَّى إِذَا هَلَكَ أُولَئِكَ وَتَنَسَّخَ الْعِلْمُ عُبِدَتْ اهـ، وَقِيلَ كَانُوا مِنْ صَالِحِي قَوْمِ آدَمَ، وَقِيلَ إِنَّ سُوَاعًا هُوَ ابْنُ شِيثَ وَأَنَّ يَغُوثَ ابْنُ سُوَاعٍ ويعوق ابْن سغوث
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 306 · #111892
عِلْمُ عُبِدَتْ اهـ، وَقِيلَ كَانُوا مِنْ صَالِحِي قَوْمِ آدَمَ، وَقِيلَ إِنَّ سُوَاعًا هُوَ ابْنُ شِيثَ وَأَنَّ يَغُوثَ ابْنُ سُوَاعٍ ويعوق ابْن سغوث وَنَسْرَ بن يَعُوقَ، وَقِيلَ إِنَّهُمْ مِنْ صَالِحِي عَصْرِ آدَمَ مَاتُوا فَنَحَتَ قَابِيلُ بْنُ آدَمَ لَهُمْ صُوَرًا ثُمَّ عَبَدُوهُمْ بَعْدَ ثَلَاثَةِ أَجْيَالٍ (١) ، وَهَذَا كُلُّهُ زَمَنٌ مُتَوَغِّلٌ فِي الْقِدَمِ قَبْلَ التَّارِيخِ فَلَا يُؤْخَذُ إِلَّا بِمَزِيدِ الِاحْتِرَازِ، وَأَقْدَمُ شَرِيعَةٍ أَثْبَتَهَا التَّارِيخُ شَرِيعَةُ بِرَهَمَانَ فِي الْهِنْدِ فَإِنَّهَا تَبْتَدِئُ مِنْ قَبْلِ الْقَرْنِ الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 306 · #111893
ُ شَرِيعَةٍ أَثْبَتَهَا التَّارِيخُ شَرِيعَةُ بِرَهَمَانَ فِي الْهِنْدِ فَإِنَّهَا تَبْتَدِئُ مِنْ قَبْلِ الْقَرْنِ الثَّلَاثِينَ قَبْلَ الْهِجْرَةِ. وَفِي هَذَا الْعَهْدِ كَانَتْ فِي الْعِرَاقِ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ بِبَابِلَ وَضَعَهَا مَلِكُ بَابِلَ الْمَدْعُوُّ (حَمُورَابِي) وَيَظُنُّ الْمُؤَرِّخُونَ أَنَّهُ كَانَ مُعَاصِرًا لِإِبْرَاهِيمَ ﵇ وَأَنَّهُ الْمَذْكُورُ فِي «سِفْرِ التَّكْوِينِ» بِاسْمِ (مَلِكِي صَادِقْ) الَّذِي لَقِيَ إِبْرَاهِيمَ فِي شَالِيمَ وَبَارَكَ إِبْرَاهِيمَ وَدَعَا لَهُ. وَالْبَعْثُ: الْإِرْسَالُ وَالْإِنْهَاضُ لِلْمَشْيِ وَمِنْهُ بَعَثَ الْبَعِيرَ إِذَا أَنْهَضَهُ بَعْدَ أَنْ بَرَكَ وَالْبَعْثُ هُنَا مَجَازٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي أَمْرِ اللَّهِ النَّبِيءَ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 306 · #111894
بَعِيرَ إِذَا أَنْهَضَهُ بَعْدَ أَنْ بَرَكَ وَالْبَعْثُ هُنَا مَجَازٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي أَمْرِ اللَّهِ النَّبِيءَ بِتَبْلِيغِ الشَّرِيعَةِ لِلْأُمَّةِ. وَ (النَّبِيئِينَ) جَمْعُ نَبِيءٍ وَهُوَ فَعِيلٌ بِمَعْنَى مَفْعُولٍ مُشْتَقٌّ مِنَ النَّبَأِ وَهُوَ الْخَبَرُ الْمُهِمُّ، لِأَنَّ اللَّهَ أَخْبَرَهُ بِالْوَحْيِ وَعَلِمَ مَا فِيهِ صَلَاحُ نَفْسِهِ وَصَلَاحُ مَنْ يَنْتَسِبُ إِلَيْهِ، فَإِنْ أَمَرَهُ بِتَبْلِيغِ شَرِيعَةِ الْأُمَّةِ فَهُوَ رَسُولٌ فَكُلُّ رَسُولٍ نَبِيءٌ، وَالْقُرْآنُ يَذْكُرُ فِي الْغَالِبِ النَّبِيءَ مُرَادًا بِهِ الرَّسُولُ، وَقَدْ وَرَدَ أَنَّ عَدَدَ الْأَنْبِيَاءِ مِائَةُ أَلْفٍ وَأَرْبَعَةٌ وَعِشْرُونَ أَلْفًا لَا يَعْلَمُ تَفْصِيلَهُمْ وَأَزْمَانَهُمْ إِلَّا اللَّهُ تَعَالَى قَالَ تَعَالَى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الْفرْقَان: ٣٨] وَقَالَ: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الْإِسْرَاء: ١٧] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 306) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 306 · #111895
َى قَالَ تَعَالَى: وَقُرُوناً بَيْنَ ذلِكَ كَثِيراً [الْفرْقَان: ٣٨] وَقَالَ: وَكَمْ أَهْلَكْنا مِنَ الْقُرُونِ مِنْ بَعْدِ نُوحٍ [الْإِسْرَاء: ١٧] . وَعَدَدُ الرُّسُلِ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ. وَالْمُرَادُ بِالنَّبِيِّينَ هُنَا خُصُوصُ الرُّسُلِ مِنْهُمْ بِقَرِينَة قَوْله فَبَعَثَ وبقرينة الْحَالِ فِي قَوْلِهِ: مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ، لِأَنَّ الْبِشَارَةَ وَالْإِنْذَارَ مِنْ خَصَائِصِ الرِّسَالَةِ وَالدَّعْوَةِ وَبِقَرِينَةِ مَا يَأْتِي مِنْ قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ الْآيَةَ. فَالتَّعْرِيفُ فِي (النَّبِيِّينَ) لِلِاسْتِغْرَاقِ وَهُوَ الِاسْتِغْرَاقُ الْمُلَقَّبُ بِالْعُرْفِيِّ فِي اصْطِلَاحِ أَهْلِ الْمَعَانِي. وَالْبِشَارَةُ: الْإِعْلَامُ بِخَيْرٍ حَصَلَ أَوْ سَيَحْصُلُ، وَالنِّذَارَةُ بِكَسْرِ النُّونِ الْإِعْلَامُ بِشَرٍّ وَضُرٍّ حَصَلَ أَوْ سَيَحْصُلُ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ الَّذِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111896
بِكَسْرِ النُّونِ الْإِعْلَامُ بِشَرٍّ وَضُرٍّ حَصَلَ أَوْ سَيَحْصُلُ، وَذَلِكَ هُوَ الْوَعْدُ وَالْوَعِيدُ الَّذِي تَشْتَمِلُ عَلَيْهِ الشَّرَائِعُ. فَالرُّسُلُ هُمُ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْوَعْدِ وَالْوَعِيدِ، وَأَمَّا الْأَنْبِيَاءُ غَيْرُ الرُّسُلِ فَإِنَّ وَظِيفَتَهُمْ هِيَ ظُهُورُ صَلَاحِهِمْ بَيْنَ قَوْمِهِمْ حَتَّى يَكُونُوا قُدْوَةً لَهُمْ، وَإِرْشَادُ أَهْلِهِمْ وَذَوِيِهِمْ وَمُرِيدِيهِمْ لِلِاسْتِقَامَةِ مَنْ دُونِ دَعْوَةٍ حَتَّى يَكُونَ بَيْنَ قَوْمِهِمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ، وَإِرْشَادُ مَنْ يَسْتَرْشِدُهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَتَعْلِيمُ مَنْ يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِعِلْمِ الْخَيْرِ مِنَ الْأُمَّةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111897
ْمِهِمْ رِجَالٌ صَالِحُونَ، وَإِرْشَادُ مَنْ يَسْتَرْشِدُهُمْ مِنْ قَوْمِهِمْ، وَتَعْلِيمُ مَنْ يَرَوْنَهُ أَهْلًا لِعِلْمِ الْخَيْرِ مِنَ الْأُمَّةِ. ثُمَّ هُمْ قَدْ يَجِيئُونَ مُؤَيِّدِينَ لِشَرِيعَةٍ مَضَتْ كَمَجِيءِ إِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالْأَسْبَاطِ لِتَأْيِيدِ شَرِيعَةِ إِبْرَاهِيمَ ﵇، وَمَجِيءِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَعْدَ مُوسَى لِتَأْيِيدِ التَّوْرَاةِ، وَقَدْ لَا يَكُونُ لَهُمْ تَعُلُّقٌ بِشَرْعِ مَنْ قَبْلَهُمْ كَمَجِيءِ خَالِدِ بْنِ سِنَان الْعَبْسِي نبيئا فِي عَبْسٍ مِنَ الْعَرَبِ. وَقَوْلُهُ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ، الْإِنْزَالُ: حَقِيقَتُهُ تَدْلِيَةُ الْجِسْمِ مِنْ علو إِلَى أَسْفَل، وَهُوَ هُنَا مَجَازٌ فِي وُصُولِ الشَّيْءِ مِنَ الْأَعْلَى مَرْتَبَةً إِلَى مَنْ هُوَ دُونَهُ، وَذَلِكَ أَنَّ الْوَحْيَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَالٌّ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ وَارِدٌ لِلرُّسُلِ فِي جَانِبٍ لَهُ عُلُوُّ مَنْزِلَةٍ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111898
َّ الْوَحْيَ جَاءَ مِنْ قِبَلِ اللَّهِ تَعَالَى وَدَالٌّ عَلَى مُرَادِهِ مِنَ الْخَلْقِ فَهُوَ وَارِدٌ لِلرُّسُلِ فِي جَانِبٍ لَهُ عُلُوُّ مَنْزِلَةٍ. وَأَضَافَ مَعَ إِلَى ضَمِيرِ النَّبِيئِينَ إِضَافَةً مُجْمَلَةً وَاخْتِيرَ لَفْظُ مَعَ دُونَ عَلَيْهِمْ لِيَصْلُحَ لِمَنْ أُنْزِلَ عَلَيْهِ كِتَابٌ مِنْهُمْ مِثْلِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَلِمَنْ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِمَنْ قَبْلَهُ مِثْلِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111899
لِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٍ، وَلِمَنْ جَاءَ مُؤَيِّدًا لِمَنْ قَبْلَهُ مِثْلِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ بَيْنَ مُوسَى وَعِيسَى. وَالْكِتَابُ هُوَ الْمَكْتُوبُ، وَأُطْلِقَ فِي اصْطِلَاحِ الشَّرْعِ عَلَى الشَّرِيعَةِ لِأَنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ النَّاسَ بِكِتَابَتِهَا لِدَوَامِ حِفْظِهَا وَالتَّمَكُّنِ مِنْ مُدَارَسَتِهَا، وَإِطْلَاقُ الْكِتَابِ عَلَيْهَا قَدْ يَكُونُ حَقِيقَةً إِنْ كَانَتِ الشَّرِيعَةُ فِي وَقْتِ الْإِطْلَاقِ قَدْ كُتِبَتْ أَوْ كُتِبَ بَعْضُهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: الم ذلِكَ الْكِتابُ [الْبَقَرَة: ١- ٢] عَلَى أَحَدِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ هُنَالِكَ، وَقَدْ يَكُونُ مَجَازًا عَلَى الْوَجْهِ الْآخَرِ، وَمَا هُنَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ قَدْ نَزَلَتْ وَكُتِبَتْ وَكُتِبَ بَعْضُ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111900
وَجْهِ الْآخَرِ، وَمَا هُنَا يُحْمَلُ عَلَى الْحَقِيقَةِ لِأَنَّ الشَّرَائِعَ قَدْ نَزَلَتْ وَكُتِبَتْ وَكُتِبَ بَعْضُ الشَّرِيعَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ. وَالْمَعِيَّةُ مَعِيَّةٌ اعْتِبَارِيَّةٌ مَجَازِيَّةٌ أُرِيدَ بِهَا مُقَارَنَةُ الزَّمَانِ، لِأَنَّ حَقِيقَةَ الْمَعِيَّةِ هِيَ الْمُقَارَنَةُ فِي الْمَكَانِ وَهِيَ الْمُصَاحَبَةُ، وَلَعَلَّ اخْتِيَارَ الْمَعِيَّةِ هُنَا لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٢٠] وَفِي الْحَدِيثِ «وَمَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ» .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 307) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 307 · #111901
تُؤْذِنُ بِهِ مِنَ التَّأْيِيدِ وَالنَّصْرِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّنِي مَعَكُما أَسْمَعُ وَأَرى [طه: ٢٠] وَفِي الْحَدِيثِ «وَمَعَكَ رُوحُ الْقُدُسِ» . وَالتَّعْرِيفُ فِي الْكِتَابِ لِلِاسْتِغْرَاقِ، أَيْ وَأَنْزَلَ مَعَ النَّبِيئِينَ الْكُتُبَ الَّتِي نَزَلَتْ كُلَّهَا وَهُوَ مِنْ مُقَابَلَةِ الْجَمْعِ بِالْجَمْعِ عَلَى مَعْنَى التَّوْزِيعِ، فَالْمَعْنَى أَنْزَلَ مَعَ كل نَبِي كِتَابَهُ وَقَرِينَةُ التَّوْزِيعِ مَوْكُولَةٌ لِعِلْمِ السَّامِعِينَ لِاشْتِهَارِ ذَلِكَ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 308 · #111902
ى مَعْنَى التَّوْزِيعِ، فَالْمَعْنَى أَنْزَلَ مَعَ كل نَبِي كِتَابَهُ وَقَرِينَةُ التَّوْزِيعِ مَوْكُولَةٌ لِعِلْمِ السَّامِعِينَ لِاشْتِهَارِ ذَلِكَ. وَإِنَّمَا أَفْرَدَ الْكِتَابَ وَلَمْ يَقُلِ الْكُتُبَ، لِأَنَّ الْمُفْرَدَ وَالْجَمْعَ فِي مَقَامِ الِاسْتِغْرَاقِ سَوَاءٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ مَعَ مَا فِي الْإِفْرَادِ مِنِ الْإِيجَازِ وَدَفْعِ احْتِمَالِ الْعَهْدِ إِذْ لَا يَجُوزُ أَنْ يَنْزِلَ كِتَابٌ وَاحِد مَعَ جمع النَّبِيئِينَ فَتَعَيَّنَ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ الِاسْتِغْرَاقَ لَا الْعَهْدَ، وَجَوَّزَ صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» كَوْنَ اللَّامِ لِلْعَهْدِ وَالْمَعْنَى أَنَزَلَ مَعَ كُلِّ وَاحِدٍ كِتَابَهُ. وَالضَّمِيرُ فِي لِيَحْكُمَ رَاجِعٌ إِلَى الْكِتَابِ فَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إِلَى الْكِتَابِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، لِأَنَّهُ مُبَيِّنُ مَا بِهِ الْحُكْمُ، أَوْ فِعْلُ يَحْكُمُ مَجَازٌ فِي الْبَيَانِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 308 · #111903
ِتَابِ فَإِسْنَادُ الْحُكْمِ إِلَى الْكِتَابِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، لِأَنَّهُ مُبَيِّنُ مَا بِهِ الْحُكْمُ، أَوْ فِعْلُ يَحْكُمُ مَجَازٌ فِي الْبَيَانِ. وَيَجُوزُ رُجُوعُ الضَّمِيرِ إِلَى اسْمِ الْجَلَالَةِ أَيْ أَنْزَلَ اللَّهُ الْكِتَابَ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ إِسْنَاد الْحُكْمِ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ، لِأَنَّهُ الْمُسَبِّبُ لَهُ وَالْآمِرُ بِالْقَضَاءِ بِهِ، وَتَعْدِيَةُ (يَحْكُمُ) بِبَيْنَ لِأَنَّهُ لَمْ يُعَيَّنْ فِيهِ مَحْكُومٌ لَهُ أَوْ عَلَيْهِ. وَحُكْمُ الْكِتَابِ بَيْنَ النَّاسِ بَيَانُ الْحَقِّ وَالرُّشْدِ وَالِاسْتِدْلَالِ عَلَيْهِ، وَكَوْنُهُ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ كِنَايَة عَن إِظْهَاره الْحَقِّ، لِأَنَّ الْحَقَّ وَاحِدٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ إِلَّا عَنْ ضَلَالٍ أَوْ خَطَأٍ، وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَائِنَا إِنَّ الْمُصِيبَ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ وَاحِدٌ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 308 · #111904
وَاحِدٌ لَا يُخْتَلَفُ فِيهِ إِلَّا عَنْ ضَلَالٍ أَوْ خَطَأٍ، وَلِهَذَا قَالَ جُمْهُورُ عُلَمَائِنَا إِنَّ الْمُصِيبَ فِي الِاجْتِهَادِيَّاتِ وَاحِدٌ. وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ بَغْياً بَيْنَهُمْ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِهِ وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ. عَطْفٌ عَلَى جُمْلَةِ أَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِبَيَانِ حَقِيقَةٍ أُخْرَى مِنْ أَحْوَالِ اخْتِلَافِ الْأُمَمِ وَهُوَ الِاخْتِلَافُ بَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ بَعْضِهِمْ مَعَ بَعْضٍ وَبَيْنَ أَهْلِ الْكِتَابِ الْوَاحِدِ مَعَ تَلَقِّيهِمْ دِينًا وَاحِدًا، وَالْمَعْنَى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ [هود: ١١٠] .
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 308) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 308 · #111905
َى وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاخْتُلِفَ فِيهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَاخْتُلِفَ فِيهِ [هود: ١١٠] . وَالْمَعْنَى وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا أَقْوَامُهُمُ الَّذِينَ أُوتُوا كُتُبَهُمْ فَاسْتَغْنَى بِجُمْلَةِ الْقَصْرِ عَنِ الْجُمْلَةِ الْأُخْرَى لِتَضَمُّنِ جُمْلَةِ الْقَصْرِ إِثْبَاتًا وَنَفْيًا. فَاللَّهُ بَعَثَ الرُّسُلَ لِإِبْطَالِ الضَّلَالِ الْحَاصِلِ مِنْ جَهْلِ الْبَشَرِ بِصَلَاحِهِمْ فَجَاءَتِ الرُّسُلُ بِالْهُدَى، اتَّبَعَهُمْ مَنِ اتَّبَعَهُمْ فَاهْتَدَى وَأَعْرَضَ عَنْهُمْ مَنْ أَعْرَضَ فَبَقِيَ فِي ضَلَالَةٍ، فَإِرْسَالُ الرُّسُلِ لِإِبْطَالِ الِاخْتِلَافِ بَيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ثُمَّ أَحْدَثَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ بِعْدَهُمُ اخْتِلَافًا آخَرَ وَهُوَ اخْتِلَافُ كُلِّ قَوْمٍ فِي نَفْسِ شَرِيعَتِهِمْ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 309 · #111906
َيْنَ الْحَقِّ وَالْبَاطِلِ، ثُمَّ أَحْدَثَ اتِّبَاعُ الرُّسُلِ بِعْدَهُمُ اخْتِلَافًا آخَرَ وَهُوَ اخْتِلَافُ كُلِّ قَوْمٍ فِي نَفْسِ شَرِيعَتِهِمْ. وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا بَيَانُ عَجِيبِ حَالِ الْبَشَرِ فِي تَسَرُّعِهِمْ إِلَى الضَّلَالِ، وَهِيَ حَقِيقَةٌ تَارِيخِيَّةٌ مِنْ تَارِيخِ الشَّرَائِعِ، وَتَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مِثْلِ ذَلِكَ. وَالتَّعْرِيضُ بِأَهْلِ الْكِتَابِ وَهُمْ أَشْهَرُ أَهْلِ الشَّرَائِعِ يَوْمَئِذٍ فِيمَا صَنَعُوا بِكُتُبِهِمْ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِيهَا، وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ اسْتِطْرَادِ الْقُرْآنِ فِي تَوْبِيخِ أَهْلِ الْكِتَابِ وَخَاصَّةً الْيَهُودَ وَهِيَ طَرِيقَةٌ عَرَبِيَّةٌ بَلِيغَةٌ قَالَ زُهَيْرٌ: إِنَّ الْبَخِيلَ مَلُومٌ حِينَ كَانَ ... وَلَكِنَّ الْجَوَادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرَمُ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَمْدَحُ الْخَلِيفَةَ وَيَسْتَطْرِدُ بِهِجَاءِ جَرِيرٍ: إِلَى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ ...
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 309 · #111907
ادَ عَلَى عِلَّاتِهِ هَرَمُ وَقَالَ الْفَرَزْدَقُ يَمْدَحُ الْخَلِيفَةَ وَيَسْتَطْرِدُ بِهِجَاءِ جَرِيرٍ: إِلَى مَلِكٍ مَا أُمُّهُ مِنْ مُحَارِبٍ ... أَبُوهُ وَلَا كَانَتْ كُلَيْبٌ تُصَاهِرُهُ وَالضَّمِيرُ مِنْ قَوْلِهِ: فِيهِ يَجُوزُ أَنْ يَعُودَ إِلَى الْكِتَابِ وَأَنْ يَعُودَ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي تَضَمَّنَهُ الْكِتَابُ، وَالْمَعْنَى عَلَى التَّقْدِيرَيْنِ وَاحِدٌ، لِأَنَّ الْكِتَابَ أُنْزِلَ مُلَابِسًا لِلْحَقِّ وَمُصَاحِبًا لَهُ فَإِذَا اخْتُلِفَ فِي الْكِتَابِ اخْتُلِفَ فِي الْحَقِّ الَّذِي فِيهِ وَبِالْعَكْسِ عَلَى طَرِيقَةِ قِيَاسِ الْمُسَاوَاةِ فِي الْمَنْطِقِ. وَالِاخْتِلَافُ فِي الْكِتَابِ ذَهَابُ كُلِّ فَرِيقٍ فِي تَحْرِيفِ الْمُرَادِ مِنْهُ مَذْهَبًا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْآخَرِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ لَا فِي الْفُرُوعِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أُصُولِهِ يُعَطِّلُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 309 · #111908
ْهُ مَذْهَبًا يُخَالِفُ مَذْهَبَ الْآخَرِ فِي أُصُولِ الشَّرْعِ لَا فِي الْفُرُوعِ، فَإِنَّ الِاخْتِلَافَ فِي أُصُولِهِ يُعَطِّلُ الْمَقْصُودَ مِنْهُ. وَجِيءَ بِالْمَوْصُولِ دُونَ غَيْرِهِ مِنَ الْمُعَرِّفَاتِ لِمَا فِي الصِّلَةِ مِنَ الْأَمْرِ الْعَجِيبِ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ الْمُخْتَلِفُونَ فِي مَقْصِدِ الْكِتَابِ هُمُ الَّذِينَ أُعْطُوا الْكِتَابَ لِيُزِيلُوا بِهِ الْخِلَافَ بَيْنَ النَّاسِ فَأَصْبَحُوا هُمْ سَبَبَ خِلَافٍ فِيهِ، وَلَا شَكَّ أَنَّ ذَلِكَ يُبْطِلُ الْمُرَادَ مِنْهُ. وَالْمَعْنَى تَشْنِيعُ حَالِ الَّذِينَ أُوتُوهُ بِأَنْ كَانُوا أَسْوَأَ حَالًا مِنَ الْمُخْتَلِفِينَ فِي الْحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الشَّرَائِعِ، لِأَنَّ أُولَئِكَ لَهُمْ بَعْضُ الْعُذْرِ بِخِلَافِ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا بَعْدَ كَوْنِ الْكِتَابِ بِأَيْدِيهِمْ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتَلَفَ، وَالْبَيِّنَاتُ جَمْعُ بَيِّنَةٍ وَهِيَ الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 309) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 309 · #111909
دِيهِمْ. وَقَوْلُهُ: مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ مُتَعَلِّقٌ بِاخْتَلَفَ، وَالْبَيِّنَاتُ جَمْعُ بَيِّنَةٍ وَهِيَ الْحُجَّةُ وَالدَّلِيلُ. وَالْمُرَادُ بِالْبَيِّنَاتِ هُنَا الدَّلَائِلُ الَّتِي مِنْ شَأْنِهَا الصَّدُّ عَنِ الِاخْتِلَافِ فِي مَقَاصِدِ الشَّرِيعَةِ، وَهِيَ النُّصُوصُ الَّتِي لَا تَحْتَمِلُ غَيْرَ مَدْلُولَاتِهَا أَعْنِي قَوَاطِعَ الشَّرِيعَةِ، وَالظَّوَاهِرَ الْمُتَعَاضِدَةَ الَّتِي الْتَحَقَتْ بِالْقَوَاطِعِ. وَالظَّوَاهِرَ الَّتِي لَمْ يَدْعُ دَاعٍ إِلَى تَأْوِيلِهَا وَلَا عَارَضَهَا مُعَارِضٌ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 310 · #111910
ّوَاهِرَ الْمُتَعَاضِدَةَ الَّتِي الْتَحَقَتْ بِالْقَوَاطِعِ. وَالظَّوَاهِرَ الَّتِي لَمْ يَدْعُ دَاعٍ إِلَى تَأْوِيلِهَا وَلَا عَارَضَهَا مُعَارِضٌ. وَالظَّوَاهِرُ الْمُتَعَارِضَةُ الَّتِي دَلَّ تَعَارُضُهَا عَلَى أَنَّ مَحْمَلَ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى حَالَةٍ لَا تُعَارِضُ حَالَةَ مَحْمَلِ الْآخَرِ وَهُوَ الْمُعَبَّرُ عَنْهُ فِي الْأُصُولِ بِالْجَمْعِ بَيْنَ الْأَدِلَّةِ وَتَوَارِيخِ التَّشْرِيعِ الدَّالَّةِ عَلَى نَسْخِ حُكْمٍ حُكْمًا آخَرَ، أَوْ مَا يَقُومُ مَقَامَ التَّارِيخِ مِنْ نَحْوِ هَذَا نَاسِخٌ، أَوْ كَانَ الْحُكْمُ كَذَا فَصَارَ كَذَا، فَهَذِهِ بَيِّنَاتٌ مَانِعَةٌ مِنَ الِاخْتِلَافِ لَوْ كَانَ غَرَضُ الْأُمَمِ اتِّبَاعَ الْحَقِّ وَمَجِيءُ الْبَيِّنَاتِ بُلُوغُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَظُهُورُ الْمُرَادِ مِنْهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 310 · #111911
مِنَ الِاخْتِلَافِ لَوْ كَانَ غَرَضُ الْأُمَمِ اتِّبَاعَ الْحَقِّ وَمَجِيءُ الْبَيِّنَاتِ بُلُوغُ مَا يَدُلُّ عَلَيْهَا وَظُهُورُ الْمُرَادِ مِنْهَا. وَالْبَعْدِيَّةُ هُنَا: بَعْدِيَّةُ اعْتِبَارٍ لَمْ يُقْصَدْ مِنْهَا تَأَخُّرُ زَمَانِ الِاخْتِلَافِ عَنْ مَجِيءِ الْبَيِّنَاتِ، وَإِنْ كَانَ هُوَ كَذَلِكَ فِي نَفْسِ الْأَمْرِ، أَيْ أَنَّ الْخِلَافَ كَانَ فِي حَالَةٍ تَقَرَّرَتْ فِيهَا دَلَائِلُ الْحَقِّ فِي نُفُوسِ الْمُخْتَلِفِينَ. وَقَوْلُهُ: بَغْياً بَيْنَهُمْ مَفْعُولٌ لِأَجْلِهِ لِاخْتَلَفُوا، وَالْبَغْيُ: الظُّلْمُ وَأَصْلُ الْبَغْيِ فِي كَلَامِ الْعَرَبِ الطَّلَبُ، ثُمَّ شَاعَ فِي طَلَبِ مَا لِلْغَيْرِ بِدُونِ حَقٍّ فَصَارَ بِمَعْنَى الظُّلْمِ مَعْنًى ثَانِيًا وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْحَسَدِ لِأَنَّ الْحَسَدَ ظُلْمٌ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 310 · #111912
شَاعَ فِي طَلَبِ مَا لِلْغَيْرِ بِدُونِ حَقٍّ فَصَارَ بِمَعْنَى الظُّلْمِ مَعْنًى ثَانِيًا وَأُطْلِقَ هُنَا عَلَى الْحَسَدِ لِأَنَّ الْحَسَدَ ظُلْمٌ. وَالْمَعْنَى أَنَّ دَاعِيَ الِاخْتِلَافِ هُوَ التَّحَاسُدُ وَقَصْدُ كُلِّ فَرِيقٍ تَغْلِيطَ الْآخَرِ فَيُحَمِّلُ الشَّرِيعَةَ غَيْرَ مَحَامِلِهَا لِيُفْسِدَ مَا حَمَلَهَا عَلَيْهِ الْآخَرُ فَيُفْسِدُ كُلُّ فَرِيقٍ صَوَابَ غَيْرِهِ وَأَمَّا خَطَؤُهُ فَأَمْرُهُ أَظْهَرُ. وَقَوْلُهُ: بَيْنَهُمْ مُتَعَلِّقٌ بِقَوْلِهِ: بَغْياً لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ الْبَغْيَ بِمَعْنَى الْحَسَدِ، وَأَنَّهُ ظُلْمٌ فِي نَفْسِ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ ظُلْمًا عَلَى عَدُوِّهَا.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 310 · #111913
بِقَوْلِهِ: بَغْياً لِلتَّنْصِيصِ عَلَى أَنَّ الْبَغْيَ بِمَعْنَى الْحَسَدِ، وَأَنَّهُ ظُلْمٌ فِي نَفْسِ الْأُمَّةِ وَلَيْسَ ظُلْمًا عَلَى عَدُوِّهَا. وَاعْلَمْ أَنَّ تَعَلُّقَ كُلٍّ مِنَ الْمَجْرُورِ وَهُوَ مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ وَتَعَلُّقَ الْمَفْعُولِ لِأَجْلِهِ وَهُوَ بَغْياً بِقَوْلِهِ: اخْتَلَفَ الَّذِي هُوَ مَحْصُورٌ بِالِاسْتِثْنَاءِ الْمُفَرَّغِ، وَيَسْتَلْزِمُ أَنْ يَكُونَ كِلَاهُمَا مَحْصُورًا فِي فَاعِلِ الْفِعْلِ الَّذِي تَعَلَّقَا بِهِ، فَلَا يَتَأَتَّى فِيهِ الْخِلَافُ الَّذِي ذَكَرَهُ الرَّضِيُّ بَيْنَ النُّحَاةِ فِي جَوَازِ اسْتِثْنَاءِ شَيْئَيْنِ بَعْدَ أَدَاةِ اسْتِثْنَاءٍ وَاحِدَةٍ، لِأَنَّ التَّحْقِيقَ أَنَّ مَا هُنَا لَيْسَ اسْتِثْنَاءَ أَشْيَاءَ بَلِ اسْتِثْنَاءُ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوهُ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ هُمَا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وبَغْياً
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 310) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 310 · #111914
ءَ بَلِ اسْتِثْنَاءُ شَيْءٍ وَاحِدٍ وَهُمُ الَّذِينَ أُوتُوهُ، لَكِنَّهُ مُقَيَّدٌ بِقَيْدَيْنِ هُمَا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَتْهُمُ الْبَيِّناتُ وبَغْياً إِذِ الْمَقْصُودُ أَنَّ الْخِلَافَ لَمْ يَكُنْ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ وَمُعَانِدِيهِ، وَلَا كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ قَبْلَ ظُهُورِ الدَّلَائِلِ الصَّارِفَةِ عَنِ الْخِلَافِ، وَلَا كَانَ ذَلِكَ الْخِلَافُ عَنْ مَقْصِدٍ حَسَنٍ بَلْ كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ الْوَاحِدِ، مَعَ قِيَامِ الدَّلَائِلِ وَبِدَافِعِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ.
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 311 · #111915
َانَ ذَلِكَ الْخِلَافُ عَنْ مَقْصِدٍ حَسَنٍ بَلْ كَانَ بَيْنَ أَهْلِ الدِّينِ الْوَاحِدِ، مَعَ قِيَامِ الدَّلَائِلِ وَبِدَافِعِ الْبَغْيِ وَالْحَسَدِ. وَالْآيَةُ تَقْتَضِي تَحْذِيرَ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِيمَا وَقَعَتْ فِيهِ الْأُمَمُ السَّابِقَةُ مِنَ الِاخْتِلَافِ فِي الدِّينِ أَيْ فِي أُصُولِ الْإِسْلَامِ، فَالْخِلَافُ الْحَاصِلُ بَيْنَ عُلَمَاءِ الْإِسْلَامِ لَيْسَ اخْتِلَافًا فِي أُصُولِ الشَّرِيعَةِ، فَإِنَّهَا إِجْمَاعِيَّةٌ، وَقَدْ أَجْمَعُوا عَلَى أَنَّهُمْ يُرِيدُونَ تَحْقِيقَهَا، وَلِذَلِكَ اتَّفَقَتْ أُصُولُهُمْ فِي الْبَحْثِ عَنْ مُرَادِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ سُنَّةِ رَسُولِهِ لِلِاسْتِدْلَالِ عَنْ مَقْصِدِ الشَّارِعِ وَتَصَرُّفَاتِهِ، وَاتَّفَقُوا فِي أَكْثَرِ الْفُرُوعِ، وَإِنَّمَا اخْتَلَفُوا فِي تَعْيِينِ كَيْفِيَّةِ الْوُصُولِ إِلَى مَقْصِدِ الشَّارِعِ، وَقَدِ اسْتَبْرَءُوا لِلدِّينِ فَأَعْلَنُوا جَمِيعًا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ،
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 311 · #111916
ِيَّةِ الْوُصُولِ إِلَى مَقْصِدِ الشَّارِعِ، وَقَدِ اسْتَبْرَءُوا لِلدِّينِ فَأَعْلَنُوا جَمِيعًا أَنَّ لِلَّهِ تَعَالَى حُكْمًا فِي كُلِّ مَسْأَلَةٍ، وَأَنَّهُ حُكْمٌ وَاحِدٌ، وَأَنَّهُ كَلَّفَ الْمُجْتَهِدِينَ بِإِصَابَتِهِ وَأَنَّ الْمُصِيبَ وَاحِدٌ، وَأَنَّ مُخْطِئَهُ أَقَلُّ ثَوَابًا مِنْ مُصِيبِهِ، وَأَنَّ التَّقْصِيرَ فِي طَلَبِهِ إِثْمٌ. فَالِاخْتِلَافُ الْحَاصِلُ بَيْنَ عُلَمَائِنَا اخْتِلَافٌ جَلِيلُ الْمِقْدَارِ مُوَسِّعٌ لِلْأَنْظَارِ (١) . أَمَّا لَوْ جَاءَ أَتْبَاعُهُمْ فَانْتَصَرُوا لِآرَائِهِمْ مَعَ تَحَقُّقِ ضَعْفِ الْمُدْرِكِ أَوْ خَطَئِهِ لَقَصْدِ تَرْوِيجِ الْمَذْهَبِ وَإِسْقَاطِ رَأْيِ الْغَيْرِ فَذَلِكَ يُشْبِهُ الِاخْتِلَافَ الَّذِي شَنَّعَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَحَذَّرَنَا مِنْهُ فَكُونُوا مِنْ مِثْلِهِ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْلِ الْمُعَرِّيِّ: فَمُجَادِلٌ وَصَلَ الْجِدَالَ وَقَدْ دَرَى ...
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 311 · #111917
َحَذَّرَنَا مِنْهُ فَكُونُوا مِنْ مِثْلِهِ عَلَى حَذَرٍ وَلَا تَكُونُوا كَمَثَلِ قَوْلِ الْمُعَرِّيِّ: فَمُجَادِلٌ وَصَلَ الْجِدَالَ وَقَدْ دَرَى ... أَنَّ الْحَقِيقَةَ فِيهِ لَيْسَ كَمَا زَعَمْ عَلِمَ الْفَتَى النَّظَّارُ أَنَّ بَصَائِرًا ... عَمِيَتْ فَكَمْ يخفى الْيَقِين وَكم يُعَمْ وَقَوْلُهُ: فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا هَذَا الْعَطْفُ يَحْتَمِلُ أَنَّ الْفَاءَ عَاطِفَةٌ عَلَى اخْتَلَفَ فِيهِ الَّذِي تَضَمَّنَتْهُ جُمْلَةُ الْقَصْرِ، قَالَ ابْنُ عَرَفَةَ: عَطْفٌ بِالْفَاءِ إِشَارَةً إِلَى سُرْعَةِ هِدَايَتِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الِاخْتِلَافِ اهـ، يُرِيدُ أَنَّهُ تَعْقِيبٌ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ سُرْعَةَ مِثْلِهِ وَإِلَّا فَهُدَى
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 311 · #111918
َى سُرْعَةِ هِدَايَتِهِ الْمُؤْمِنِينَ بِعَقِبِ الِاخْتِلَافِ اهـ، يُرِيدُ أَنَّهُ تَعْقِيبٌ بِحَسَبِ مَا يُنَاسِبُ سُرْعَةَ مِثْلِهِ وَإِلَّا فَهُدَى الْمُسْلِمِينَ وَقَعَ بَعْدَ أَزْمَانٍ مَضَتْ، حَتَّى تَفَاقَمَ اخْتِلَافُ الْيَهُودِ وَاخْتِلَافُ النَّصَارَى، وَفِيهِ بُعْدٌ لَا يَخْفَى، فَالظَّاهِرُ عِنْدِي أَنَّ الْفَاءَ فَصِيحَةٌ لِمَا عُلِمَ مِنْ أَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ السَّابِقِ التَّحْذِيرُ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الِاخْتِلَافِ ضَرُورَةَ أَنَّ الْقُرْآنَ إِنَّمَا نَزَلَ لِهُدَى الْمُسْلِمِينَ لِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فَكَأَنَّ السَّامِعَ تَرَقَّبَ الْعِلْمَ بِعَاقِبَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَقِيلَ:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 311) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 311 · #111919
ِلْحَقِّ فِي كُلِّ مَا اخْتَلَفَ فِيهِ أَهْلُ الْكُتُبِ السَّالِفَةِ فَكَأَنَّ السَّامِعَ تَرَقَّبَ الْعِلْمَ بِعَاقِبَةِ هَذَا الِاخْتِلَافِ فَقِيلَ: دَامَ هَذَا الِاخْتِلَافُ إِلَى مَجِيءِ الْإِسْلَامِ فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا إِلَخْ، فَقَدْ أَفْصَحَتْ عَنْ كَلَامٍ مُقَدَّرٍ وَهُوَ الْمَعْطُوفُ عَلَيْهِ الْمَحْذُوفُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: اضْرِبْ بِعَصاكَ الْحَجَرَ فَانْفَجَرَتْ [الْبَقَرَة: ٦٠] . وَالْمُرَادُ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا الْمُسْلِمُونَ لَا مَحَالَةَ، وَالضَّمِيرُ فِي اخْتَلَفُوا عَائِدٌ لِلْمُخْتَلِفِينَ كُلِّهِمْ، سَوَاءٌ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الْحَقِّ قَبْلَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وَالَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِي الشَّرَائِعِ بَعْدَ مَجِيءِ الرُّسُلِ وَالْبَيِّنَاتِ وَلذَلِك بَينه بقوله: مِنَ الْحَقِّ وَهُوَ الْحَقُّ الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ اخْتِلَافَ الْفَرِيقَيْنِ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 312 · #111920
الَّذِي تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي قَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتابَ بِالْحَقِّ اخْتِلَافَ الْفَرِيقَيْنِ رَاجِعٌ إِلَى الِاخْتِلَافِ فِي تَعْيِينِ الْحَقِّ إِمَّا عَنْ جَهْلٍ أَوْ عَنْ حَسَدٍ وَبَغْيٍ. وَالْإِذْنُ: الْخِطَابُ بِإِبَاحَةِ فِعْلٍ وَأَصْلُهُ مُشْتَقٌّ مِنْ فِعْلِ أَذِنَ إِذَا أَصْغَى أُذُنَهُ إِلَى كَلَامِ مَنْ يُكَلِّمُهُ، ثُمَّ أُطْلِقَ عَلَى الْخِطَابِ بِإِبَاحَةِ فِعْلٍ عَلَى طَرِيقَةِ الْمَجَازِ بِعَلَاقَةِ اللُّزُومِ لِأَنَّ الْإِصْغَاءَ إِلَى كَلَامِ الْمُتَكَلِّمِ يَسْتَلْزِمُ الْإِقْبَالَ عَلَيْهِ وَإِجَابَةَ مَطْلَبِهِ، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ الْإِذْنُ أَشْيَعَ فِي مَعْنَى الْخِطَابِ بِإِبَاحَةِ الْفِعْلِ، وَبِذَلِكَ صَارَ لَفْظُ الْإِذْنِ قَابِلًا لِأَنْ يُسْتَعْمَلَ مَجَازًا فِي مَعَانٍ مِنْ مُشَابِهَاتِ الْخِطَابِ بِالْإِبَاحَةِ، فَأُطْلِقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى التَّمْكِينِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ وَتَيْسِيرِهِ بِمَا فِي الشَّرَائِعِ مِنْ بَيَانِ
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 312 · #111921
َاتِ الْخِطَابِ بِالْإِبَاحَةِ، فَأُطْلِقَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ عَلَى التَّمْكِينِ مِنَ الِاهْتِدَاءِ وَتَيْسِيرِهِ بِمَا فِي الشَّرَائِعِ مِنْ بَيَانِ الْهُدَى وَالْإِرْشَادِ إِلَى وَسَائِلِ الِاهْتِدَاءِ عَلَى وَجْهِ الِاسْتِعَارَةِ، لِأَنَّ مَنْ يُيَسِّرُ لَكَ شَيْئًا فَكَأَنَّهُ أَبَاحَ لَكَ تَنَاوُلَهُ. وَفِي هَذَا إِيمَاءٌ إِلَى أَنَّ اللَّهَ بَعَثَ بِالْإِسْلَامِ لِإِرْجَاعِ النَّاسِ إِلَى الْحَقِّ وَإِلَى التَّوْحِيدِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ، أَوْ لِإِرْجَاعِهِمْ إِلَى الْحَقِّ الَّذِي جَاءَتِ الرُّسُلُ لِتَحْصِيلِهِ، فَاخْتَلَفَ أَتْبَاعُهُمْ فِيهِ بَدَلًا مِنْ أَنْ يُحَقِّقُوا بِأَفْهَامِهِمْ مَقَاصِدَ مَا جَاءَتْ بِهِ رُسُلُهُمْ، فَحَصَلَ بِمَا فِي الْإِسْلَامِ مِنْ بَيَانِ الْقُرْآنِ الَّذِي لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ وُضُوحُ الْحَقِّ وَالْإِرْشَادُ إِلَى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ، فَحَصَلَ بِمَجِيءِ الْإِسْلَامِ إِتْمَامُ مُرَاد الله مِمَّا
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 312 · #111922
يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ وُضُوحُ الْحَقِّ وَالْإِرْشَادُ إِلَى كَيْفِيَّةِ أَخْذِهِ، فَحَصَلَ بِمَجِيءِ الْإِسْلَامِ إِتْمَامُ مُرَاد الله مِمَّا أُنْزِلَ مِنَ الشَّرَائِعِ السَّالِفَةِ. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ يَهْدِي مَنْ يَشاءُ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ تَذْيِيلٌ لِبَيَانِ أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ يُعْطِيهِ مَنْ يَشَاءُ، وَهَذَا إِجْمَالٌ، وَتَفْصِيلُهُ أَنَّ حِكْمَةَ اللَّهِ اقْتَضَتْ أَنْ يَتَأَخَّرَ تَمَامُ الْهُدَى إِلَى وَقْتِ مَجِيءِ شَرِيعَةِ الْإِسْلَامِ لِمَا تَهَيَّأَ الْبَشَرُ بِمَجِيءِ الشَّرَائِعِ السَّابِقَةِ لِقَبُولِ هَذِه الشَّرِيعَة الجامعة، فَكَانَت الشَّرَائِعُ السَّابِقَةُ تَمْهِيدًا وَتَهْيِئَةً لِقَبُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ صُدِّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ:
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 312 · #111923
عَة الجامعة، فَكَانَت الشَّرَائِعُ السَّابِقَةُ تَمْهِيدًا وَتَهْيِئَةً لِقَبُولِ دِينِ الْإِسْلَامِ، وَلِذَلِكَ صُدِّرَتْ هَذِهِ الْآيَةُ بِقَوْلِهِ: كانَ النَّاسُ أُمَّةً واحِدَةً، فَكَمَا كَانَ الْبَشَرُ فِي أَوَّلِ أَمْرِهِ أُمَّةً وَاحِدَةً عَلَى هُدًى بَسِيطٍ ثُمَّ عَرَضَتْ لَهُ الضَّلَالَاتُ عِنْدَ تَحَرُّكِ الْأَفْكَارِ الْبَشَرِيَّةِ، رَجَعَ الْبَشَرُ إِلَى دِينٍ وَاحِدٍ فِي حَالَةِ ارْتِقَاءِ الْأَفْكَارِ، وَهَذَا اتِّحَادٌ عَجِيبٌ، لِأَنَّهُ جَاءَ بَعْدَ تَشَتُّتِ الْآرَاءِ وَالْمَذَاهِبِ، وَلِذَا قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، و
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 312) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 312 · #111924
إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ، و فِي الْحَدِيثِ: «مَثَلُ الْمُسْلِمِينَ وَالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ قَوْمًا يَعْمَلُونَ لَهُ عَمَلًا يَوْمًا إِلَى اللَّيْلِ عَلَى أَجْرٍ مَعْلُومٍ فَعَمِلُوا لَهُ إِلَى نِصْفَ النَّهَارِ فَقَالُوا لَا حَاجَةَ لَنَا إِلَى أَجْرِكَ الَّذِي شَرَطْتَ لَنَا وَمَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ فَقَالَ لَهُمْ لَا تَفْعَلُوا أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ وَخُذُوا أَجْرَكُمْ كَامِلًا فَأَبَوْا وَتَرَكُوا، وَاسْتَأْجَرَ آخَرِينَ بَعْدَهُمْ فَقَالَ لَهُمْ: أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِكُمْ هَذَا وَلَكُمُ الَّذِي شَرَطْتُ لَهُمْ مِنَ الْأَجْرِ فَعَمِلُوا حَتَّى إِذَا كَانَ حِينَ صَلَاةِ الْعَصْرِ قَالُوا: لَك مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ فَإِنَّمَا
QS 2:213 (jilid 2 hlm. 313) · Tafsir Ibnu 'Asyur (At-Tahrir wat-Tanwir) · jilid 2 · hlm. 313 · #111925
الْعَصْرِ قَالُوا: لَك مَا عَمِلْنَا بَاطِلٌ وَلَكَ الْأَجْرُ الَّذِي جَعَلْتَ لَنَا فِيهِ، فَقَالَ لَهُمْ أَكْمِلُوا بَقِيَّةَ عَمَلِكُمْ فَإِنَّمَا بَقِيَ مِنَ النَّهَارِ شَيْءٌ يَسِيرٌ فَأَبَوْا، وَاسْتَأْجَرَ قَوْمًا أَنْ يَعْمَلُوا لَهُ بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ فَعَمِلُوا بَقِيَّةَ يَوْمِهِمْ حَتَّى غَابَتِ الشَّمْسُ وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا، فَذَلِكَ مَثَلُهُمْ وَمَثَلُ مَا قَبِلُوا مِنْ هَذَا النُّورِ، فَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَى مَا لَنَا أَكْثَرُ عَمَلًا وَأَقَلُّ عَطَاءً، قَالَ هَلْ ظَلَمْتُكُمْ مِنْ حَقِّكُمْ شَيْئًا؟ قَالُوا: لَا، قَالَ: فَذَلِكَ فَضْلِي أُوتِيهِ من أَشَاء» . [٢١٤]

Ayat yang dirujuk di sini

Potongan tafsir di atas mengutip ayat-ayat berikut (dideteksi dengan aturan teks ﴿…﴾, bukan model bahasa).

QS 10:19